ذكر موت المهدي
ص 258
في هذه السنة مات المهدي أبو عبد الله محمد بن عبد الله المنصور بما سبذان وسبب خروجه إليها أنه قد عزم على خلع ابنه موسى الهادي والبيعة للرشيد بولاية العهد وتقدميه على الهادي فبعث إليهم وهو بجرجان في المعنى فلم يفعل فبعث إليه في القدوم عليه فضرب الرسول وامتنع من القدوم عليه فسار المهدي يريده فلما بلغ ماسبذان أكل طعاما ثم قال إني داخل إلى البهو أنام فلا توقظوني حتى أكون أنا الذي انتبه فدخله فنام ونام أصحابه فاستيقظوا ببكائه فأتوه مسرعين فقال وقف على الباب رجل فقال
( كأني بهذا القصر ق باد أهله % وأوحش منه ربعه ومنازله )
( وصار عميد القوم من بعد بهجة % وملك إلى قبر عليه جنادله )
( فلم يبق إلا ذكره وحديثه % تنادي عليه معولات حلائله )
فبقي بعد ذلك عشر أيام ومات وقد اختلف في سبب موته فقيل إنه كان يتصيد فطردت الكلاب ظبيا وتبعته فدخل باب خربة ودخلت الكلاب خلفه ثم تبعها فرس المهدي فدخلها فدق الباب ظهره فمات من ساعته وقيل بل بعثت جارية من جواريه إلى ضرة لها باناء فيه سم فدعا به المهدي فأكل منه فخافت الجارية أن تقول إنه مسموم فمات من ساعته
وقيل بل عمدت حسنة جارية له إلى كمثرى فأهدته إلى جارية أخرى كان المهدي يتخطاها وسمت منه كمثراة هي أحسن الكمثري فاجتاز بالمهدي فدعا به وكان يحب الكمثرى فاخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها فلما وصلت إلى جوفه صاح جوفي جوفي فسمعت صوته فجاءت تلطم وجهها وتبكي وتقول أردت أن أنفرد بك فقتلتك فمات من يومه ورجعت حسنة وعلى قبتها المسوح فقال أبو العتاهية في ذلك
( رحن في الوشى وأقبل % عليهن المسوح )
( كل نطاح من الدن % له يوم نطوح )
( لست بالباقي ولو ع % ما عمر نوح )
( فعلى نفسك نح أن % كنت لا بد تنوح )
وكان موته في المحرم لثمان بقين منه وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وقيل عشر سنين وتسعا وأربعين يوما وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها وصلى عليه ابنه الرشيد وكان أبيض طويلا وقيل اسمر باحدى عينيه نكتة بياض
ذكر بعض سيرته
ص 259
كان المهدي إذا جلس للمظالم قال أدخلوا علي القضاة فلو لم يكن ردي المظالم إلا للحياء منهم لكفى
وعتب المهدي على بعض القواد غير مرة وقال له في آخر ذلك إلى متى تذنب قال إلى أبد نسيء ويبقيك الله فتعفو عنا فاستحيا منه ورضي عنه
وقال مسور بن مساور ظلمني وكيل المهدي وغضبني ضيعة لي فكتبت إلي المهدي أتظلم فوصلت الرقعة وعنده عمه العباس ومحمد بن علاثة وعافية القاضي فاستدناني المهدي وسألني عن حالي فذكرته فقال أرتضى بأحد هذين قلت نعم فاستدناني حتى التزمت بالفراش وحاكمني فقال له القاضي أطلقها له يا أمير المؤمنين قال قد فعلت فقال عمه العباس والله لهذا المجلس أحب إلي من عشرين ألف ألف درهم
وخرج المهدي متنزها ومعه عمر بن ربيع مولاه فانقطعا في الصيد من العسكر وأصاب المهدي جوع فقال هل من شيء فقيل له نرى كوخا فقص دونه فإذا فيه نبطي وعنده مبقلة فسلموا عليه فرد السلام فقالوا هل من طعام فقال عندي ربيثاء وهو نوع من الصحناة وعندي خبز شعير فقال المهدي أن كان عندك زيت فقد أكملت قال نعم وكراث فاتاهما بذلك فأكلا حتى شبعا فقال المهدي لعمر بن ربيع قل في هذا شعرا فقال
( أن من يطعم الربيثاء بالزي % وخبز الشعير بالكراث )
( لحقيق بصفعة أو بثنتي % لسوء الصنيع أو بثلاث )
فقال المهدي بئس ما قلت إنما هو
( لحقيق ببدرة أو بثنتين % لحسن الصنيع أو بثلاث )
قال ووافاهم العسكر والخزائن والخدم فأمر للنبكي بثلاث بدر وانصرف وقال الحسن الوصيف أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي حتى ظننا تسوقنا إلى المحشر فخرجت أطلب المهدي فوجدته واضعا خده على الأرض وهو يقول اللهم احفظ محمدا في أمته اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم اللهم أن كنت أخذت هذا العالم بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى انكشفت الريح وزال عنا ما كنا فيه
ولما حضرت القاسم بن مجاشه التميمي المرزوي الوفاة أوصى إلى المهدي فكتب شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم الآية ثم كتب والقاسم يشهد بذلك ويشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن علي بن أبي طالب وصى رسول الله ووارث الأمامة من بعده فعرضت الوصية على المهدي بعد موته فلما بلغ إلى هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها
وقال الربيع رأيت المهدي يصلي في بهو له في لبلة مقمرة فما أدري أهو أحسن أم البهو أم القمر أم ثيابه فقرأ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم الآية قال فأتم صلاته ثم التفت إلي وقال يا ربيع قلت لبيك قال موسى فقلت في نفسي من موسى ابنه أم موسى بن جعفر وكان محبوسا عندي فجعلت أفكر فقلت ما هو إلا موسى بن جعفر فأحضرته فقطع صلاته ثم قال يا موسى إني قرأت هذه الآية فخفت أن أكون قد قطعت رحمك فوثق لي أنك لا تخرج علي قال نعم فوثق له فخلاه وقال محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان بني أمية كأني دخلت مسجد رسول الله فرفعت رأسي فنظرت في الكتاب الذي في المسجد بالفسيفساء فإذا فيه مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك وإذا قائل يقول يمحى هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد قلت فأنا من بني هاشم واسمي محمد فابن من قال ابن عبد الله قال قتل فأنا ابن عبد الله فابن من قال ابن محمد قلت فأنا ابن محمد فابن من قال ابن علي قلت فأنا ابن علي فابن من قال ابن عبد الله قلت فأنا ابن عبد الله فابن من قال ابن عباس فلو لم يبلغ العباس ما شككت أني صاحب الأمر قال فتحدثت بها ذلك الزمان ونحن لا نعرف المهدي حتى ولي المهدي فدخل مسجد رسول الله فرفع رأسه فرأى اسم الوليد فقال أرى اسم الوليد إلى اليوم فدعا بكرسي فألقي في صحن المسجد وقال ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه ففعل ذلك وهو جالس
وخرج المهدي يطوف بالبيت ليلا فسمع أعرابية تقول قومي مقترون نبت عنهم العيون فدحتهم الديون وعضتهم السنون بادت رجالهم وذهبت أموالهم وكثرت عيالهم أبناء سبيل وانضاء طريق وصية الله ووصية الرسول فهل من أمر لي بخير كلأه الله في سفره وخلفه في أهله قال فأمر بها بخمسمائة درهم وقال المهدي ما توسل أحد إلي بوسيلة هي أقرب من تذكيري يدا سلفت مني غليه اتبعها أختها وأحسن ربها فإن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل
وكان بشار بن برد قد هجا صالح بن داود أخا يعقوب حين ولي فقال
( هم حملوا فوق المنابر صالحا % أخاك فضجت من أخيك المنابر )
فبلغ يعقوب هجاؤه فدخل المهدي فقال له أن هذا الأعمى المشرك قد هجا أمير المؤمنين قال وما قال قال يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده فأبى أن يعفيه فانشده
( خليفة يزني بعماته % يلعب بالدبوق والصولجان )
( أبدلنا الله به غيره % ودس موسى في حر الخيزران )
فوجه في حمله فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه فيعفو عنه فوجه إليه من يلقيه في البطيحة في الحمارة
وماتت الياقونة بنت المهدي وكان معجبا بها لا يطيق الصبر عنها حتى أنه كان يلبسها لبسة الغلمان ويركبها معه فلما ماتت وجد عليها وأمر أن لا يحجب عنه أحد فدخل الناس يعزونه وأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أبلغ ولا أوجز من تعزية شبيب بن شيبة فإنه قال يا أمير المؤمنين ما عند الله مما عندك خير لها منك وثواب الله خير لك منها وأنا أسأل الله أن يحزنك ولا فتنك وأن يعطيك على ما رزئت أجرا ويعقبك صبرا ولا يجهد لك بلاء ولا ينزع منك نعمة وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده
ذكر خلافة الهادي
ص 262
وبويع لابنه موسى الهادي في اليوم الذي مات فيه المهدي وهو مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان
ولما توفي المهدي كان الرشيد معه بما سبذان فأتاه الموالي والقواد وقالوا له أن علم الجند بوفاة المهدي لم يؤمن الشغب والرأي أن تنادي فيهم بالرجوع حتى تواريه ببغداد
فقال هارون أدعوا إلى أبي يحيى بن خالد وكان يحيى يتولى ما كان إلى الرشيد من أعمال المغرب من الأنبار إلى أفريقية فاستدعي بيحيى غلى الرشيد فقال ما تقول فيما رأى هؤلاء وأخبره الخبر قال لا أرى ذلك لأن هذا لا يخفى ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلقوا بمحمله ويقولوا لا نخلى حتى يعطي لثلاث سنين وأكثر أو يتحكموا ويشتطوا ولكني أرى أن يوارى رحمه الله ههنا
وتوجه نصيرا إلى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتعزية والتهنئة فإن الناس لا ينكرون خروجه ذ هو على بريد الناحية وأن تأمر لمن تبعك من الجند بجوائز مائتين وتنادي فيه بالرجوع فلا تكون لهم همة سوى أهلهم ففعل ذلك
فلما قبض الجند الدراهم تنادوا بغداد وأسرعوا إليها فلما بلغوها وعلموا خبر المهدي أتوا باب الربيع وأحرقوه وأخرجوا من كان في الحبوس وطالبوا بالأرزاق
فلما قدم الرشيد بغداد أرسلت الخيزران إلى الربيع وإلى يحيى بن خالد تستدعيهما لتشاورهما في ذلك فأما الربيع فدخل عليها وأما يحيى فامتنع لما يعلم من غيرة الهادي وجمع الأموال حتى أعطى الجند لسنتين فسكتوا
وكتب الهادي إلى الربيع كتابا يتهدده بالقتل وكتب إلى يحيى يشكره ويأمره بأن يقوم بأمر الرشيد
وكان الربيع يود يحيى ويثق به فاستشاره فيما يفعل خوفا من الهادي فأشار عليه بأن يرسل ولده الفضل إلى طريق الهادي بالهدايا والتحف ويعتذر إليه ففعل ورضي الهادي عنه
وكان الربيع قد أوصى إلى يحيى بن خالد وأخذت البيعة للهاد ببغداد
وكتب الرشيد إلى الأفاق بوفاة المهدي وأخذ البيعة للهادي
وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان فعلك بوفاة المهدي والبيعة له فنادى بالرحيل وركب على البريد مجدا فبلغ بغداد في عشرين يوما ولما قدمها استوزر الربيع
وفي هذه السنة أيضا هلك الربيع وفيها اشتد طلب المهدي للزنادقة فقتل منهم جماعة منهم علي بن يقطين وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وكان سبب قتله أنه أتى به إلى المهدي فأقر بالزندقة فقال لو كان ما تقول حقا لكنت حقيقا أن لا تتعصب لمحمد ولولا محمد ما كنت أما والله لولا أني جعلت على نفسي أن لا أقتل هاشميا لقتلتك ثم قال للهادي أقسمت عليك أن وليت هذا الأمر لتقتلنه ثم حبسه
فلما مات المهدي قتله الهادي وكذلك أيضا كان عهد إليه بقتل ولد لداود بن علي بن عبد الله بن عباس كان زنديقا فمات في الحبس قبل الهادي ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادي فاقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أبيها فخوفت فماتت من الفزع
ذكر ظهور الحسين بن علي بن الحسن
ص 264
وفي هذه السنة ظهر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة وهو المقتول بفخ عند مكة وكان سبب ذلك أن الهادي استعمل على المدنية عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
فلما وليها أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندب الشاعر الهذلي وعمر بن سلام مولى آل عمر على نبيذ لهم فأمر بهم فضربوا جميعا وجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة
فجاء الحسين بن علي العمري وقال له قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لان أهل العراق لايرون به بأسا فلم تطوف بهم فأمر بهم فردوا وحبسهم
ثم أن الحسين بن عل ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفلا الحسن بن محمد فأخرجه العمري من الحبس وكان قد ضمن بعض آل أبي طالب بعضا وكانوا يعرضون فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين فأحضر الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله وسألهما عنه وأغلظ لهما فحلف له يحيى أنه لا ينام يأتيه أو يدق عليه باب داره حتى يعلم أنه جاءه به
فلما خرجا قال له الحسين سبحان الله ما دعاك إلى هذا ومن أين تجد حسنا حلفت له بشيء لا تقدر عليه فقال والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف فقال له الحسين أن هذا ينقض ماكان بيننا وبين أصحابنا من الميعاد وكانوا قد تواعدوا على أن يظهروا بمنى وبمكى في الموسم
فقال يحيى قد كان ذلك فانطلقنا وعملا في ذلك من ليلتهم وخرجوا آخر الليل وجاء يحيى حتى ضرب على الغمري باب داره فلم يجده وجاؤوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح
فلما صلى الحسين وقت الصبح أتاه الناس
فبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه للمرتضى من آل محمد وجاء خالد البربري في مائتين من الجند وجاء العمري ووزير ابن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشروي ومعهم ناس كثير فدنا خالد منهم فقام إليه يحيى وادريس ابنا عبد الله بن الحسن فضربه يحيى على أنفه فقطعه ودار له ادريس من خلفه فضربه فصرعه ثم قتلاه فانهزم أصحابه
ودخل العمري في المسودة فحمل عليهم أصحاب الحسين فهزموهم من المسجد وانتهبوا ببيت المال وكان فيه بضعة عشر ألف دينار وقيل سبعون ألفا وتفرق الناس وأغلق أهل المدينة أبوابهم
فلما كان الغد اجتمع عليه شيعة من بني العباس فقاتلوهم وفشت الجراحات في الفريقين واقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا
ثم أن مباركا التركي أتى شيعة بني العباس من الغد وكان قد قدم حاجا فقاتل معهم فاقتتلوا أشد قتال إلى منتصف النهار ثم تفرقوا ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد وواعد مبارك الناس في الرواح إلى القتال فلما غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق وراح الناس فلم يجدوه فقاتلوا شيئا من قتال إلى المغرب ثم تفرقوا
وقيل أن مباركا أرسل إلى الحسين يقول له والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر علي من أن تشوكك شوكة أو قطع من رأسك شعرة ولكن لا بد من الأعذار فبيتني فإني منهزم عنك
فوجه إليه الحسن وخرج إليه في نفر فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبروا فانهزم هو وأصحابه
وأقام الحسين وأصحابه أياما يتجهزون فكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوما ثم خرجوا لست بقين من ذي القعدة فلما خرجوا عاد الناس إلى المسجد فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم فدعوا عليهم ولما فارق المدينة قال يا أهل المدينة لا أخلف الله عليكم بخير فقالوا بل أنت لا أخلف الله عليك ولا ردك علينا
وكان أصحابه يحدثون في المسجد فغسله أهل المدينة
ولما أتى الحسين مكة أمر فنودي أيما عبد أتانا فهو حر فأتاه العبيد فانتهى الخبر إلى الهادي
وكان قد حج تلك السنة رجال من أهل بيته منهم سليمان بن المنصور ومحمد بن سليمان بن علي والعلاس بن محمد بن علي وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى
فكتب الهادي إلى محمد بن سليمان بتوليته على الحرب وكان قد سار بجماعة وسلاح من البصرة لخوف الطريق فاجتمعوا بذي طوى وكانوا قد أحرموا بعمرة فلما قدموا مكة طافوا وسعوا وحلوا من العمرة وعسكروا بذي طوى
وانضم إليه من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم ثم انهم اقتتلوا يوم التروية فانهزم أصحاب الحسين وقتل منهم وجرح وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة ولا يعلمون ما حال الحسين فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل خراسان يقول البشرى البشرى هذا رأس الحسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولى وعلى قفاه ضربة أخرى
وكانوا قد نادوا الأمان فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله أبو الزفت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد فأخذه موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس بن محمد فقتلاه فغضب محمد بن سليمان غضبا شديدا وأخذ رؤوس القتلى فكانت مائة رأس ونيفا وفيها رأس الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي وأخذت أخت الحسين فتركت عند زينب بنت سليمان واختلط المنهزمون بالحاج
وأتي الهادي بستة أسرى فقتل بعضهم واستبقى بعضهم وغضب على موسى بن عيسى في قتل الحسن بن محمد وقبض أمواله فلم تزل بيده حتى مات
وغضب على مبارك التركي وأخذ ماله وجعله سائس الدواب فبقي كذلك حتى مات الهادي وأفلت من المنهزمين ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي فأتى مصر وعلى بريدها واضح مولى صالح بن المنصور وكان شيعيا لعلي فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوق بأرض طنجة بمدينة وليلة فاستجاب له من بها من البربر فضرب الهادي عنق واضح وصابه وقيل أن الرشيد هو الذي قتله وإن الرشيد دس إلى ادريس الشماخ اليمامي مولى المهدي فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم وعظمه وآثره على نفسه فمال إليه ادريس وأنزله عنده ثم أن ادريس شكا إليه مرضا في أسنانه فوصف له دواء وجعل فيه سما وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر فأخذه منه وهرب الشماخ ثم استعمل إدريس الدواء فمات منه فولى الرشيد الشماخ بريد مصر
ولما مات ادريس بن عبد الله خلف مكانه ابنه ادريس بن ادريس وأعقب بها وملكوها ونازعوا بني أمية في إمارة الأندلس على ما نذكره إن شاء الله تعالى وحملت الرؤوس إلى الهادي فلما وضع رأس الحسين بين يدي الهادي قال كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت أن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم فلم يعطهم شيئا
وكان الحسين شجاعا كريما قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار ففرقها في الناس ببغداد والكوفة وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فروا ليس تحته قميص
ذكر عدة حوادث
ص 268
وغزا الصائفة هذه السنة معيوف بن يحيى بن درب الراهب وقد كانت الروم قبل ذلك جاؤوا مع بطريقهم إلى الحديثة فهرب الوالي وأهل السوق فدخلها الروم
فقصدهم معيوف فبلغ مدينة أشنة فغنم وسبى
وحج بالناس هذه السنة سليمان بن منصور وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمري وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم وعلى اليمن إبراهيم بن سلم بن قتيبة وعلى اليمامة والبحرين سويد بن أبي سويد القائد الخراساني وعلى عمان الحسن بن نسيم الحواري وعلى الكوفة موسى بن عيسى وعلى البصرة محمد بن سليمان وعلى جرجان الحجاج مولى الهادي وعلى قومس زياد بن حسان وعلى طبرستان والرويان صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي وعلى اصبهان طيفور مولى الهادي وعلى الموصل هاشم بن سعيد بن خالد فاساء السيرة في أهلها فعزله الهادي وولاها عبد الملك بن صالح الهاشمي
وفيها خرج بالجزيرة حمزة بن مالك الخزاعي وعلى خراجها منصور بن زياد فسير جيشا إلى الخارج فالتقوا بباعربايا من بلد الموصل فهزمهم الخارجي وغنم أموالهم وقوي أمره فأتى رجلان وصحباه ثم اغتالاه فقتلاه
وفيها مات مطيع بن أياس الليثي الكناني الشاعر وأبو عبيد الله معاوية بن عبد الله بن بشار الأشعري مولاهم وكان وزير المهدي وقيل مات سنة سبعين ومائة وفيها توفي نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقري صاحب القراءة أحد القراء السبعة والربيع بن يونس حاجب المنصور مولاه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.