في هذه السنة سار معاذ بن مسلم وجماعة من القواد والعساكر إلى المقنع وعلى مقدمته سعيد الحرشي واتاه عقبة بن مسلم من زم فاجتمع به بالطواويس واوقعوا بأصحاب المقنع فهزموهم فقصد المنهزمون إلى المقنع بسنام فعمل خندقها وحصنها واتاهم معاذ فحاربهم فجرى بينه وبين الحرشي نفرة فكتب الحرشي إلى المهدي يقع في معاذ ويضمن له الكفاية أن افرده بحرب المقنع فأجابه المهدي إلى ذلك فانفرد الحرشي بحربه وامدهخ معاذ بابنه رجاء في جيش وبكل ما التمسه منه وطال الحصار على المقنع فطلب أصحابه الأمان سرا منه فاجابهم الحرشي إلى ذلك فخرج نحو ثلاثين ألفا وبقي معه زهاء ألفين من أرباب البصائر وتحول رجاء بن معاذ وغيره فنزلوا خندق المقنع في اصل القلعة وضايقوه فلما أيقن بالهلاك جمع نساؤه وأهله وسقاهم السم فأتى عليهم وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جئته وقيل بل احرق كل ما في قلعته من دابة وثوب وغير ذلك ثم قال من احب أن يرتفع معي إلى السماء فليلق نفسه معي في هذه النار وألقى بنفسه مع أهله ونسائه مع أهله ونسائه وخواصه فاحترقوا ودخل العسكر القلعة فوجدوها خالية خاوية وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه والذين يسمون المبيضة بما وراء النهر من أصحابه إلا انهم يسرون اعتقادهم وقيل بل شرب هو أيضا من السم فمات فانفذ الحرشي رأسه إلى المهدي فوصل إليه وهو بحلب سنة ثلاث وستين ومائة في غزواته
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة
في هذه السنة تغيرت حال أبي عبيد الله المهدي وقد ذكرنا فيما تقدم سبب اتصاله به أيام المنصور ومسيره معه إلى خراسان فحكي الفضل بن الريع أن الموالي كانوا يقعون في أبي عبيد الله عند المهدي ويحرضوه عليه
وكانت كتب أبي عبيد الله ترد على المنصور بما يفعل ويعرضها على الربيع ويكتب الكتب إلى المهد بالوصاية به وترك القول فيه
ثم أن الربيع حج مع المنصور حين مات وفعل في بيعة المهدي ما ذكرناه فلما قدم جاء إلى باب أبي عبيد الله قبل المهدي وقبل أن يأتي أهله فقال له ابنه الفضل تترك أمير المؤمنين ومنزلك وتأتيه قال هو صاحب الرجل وينبغي أن نعامله غير ما كنا نعامله به ونترك ذكر نصرتنا له فوقف على بابه من المغرب إلى أن صليت العشاء الآخرة ثم أذن له فدخل فلم يقم له وكان متكئا فلم يجلس ولا اقبل عليه
وأراد الربيع أن يذكر له ما كان منه في أمر البيعة فقال قد بلغنا أمركم فاوغر صدر الربيع فلما خرج من عنده قال به ابنه الفضل لقد بلغ هذا بك ما فعل وكان الراي أن لا تأتيه وحيث أتيته وحجبك أن تعود وحيث دخلت عليه فلم يقم لك أن تعود فقال لابنه أنت احمق حيث تقول كان ينبغي أن لا تجيء وحيث جئت وحجبت أن تعود ولما دخلت فلم يقم لك كان ينبغي أن تعود ولم يكن الصواب إلا ما عملته ولكن والله وأكد اليمين لاخلعن جاهي ولأنفقن مالي حتى ابلغ مكروهه وسعى في أمره فلم يجد عليه طريقا لاحتياطه في أمر دينه واعماله فاتاه من قبل ابنه محمد فلم يزل يحتال ويدس إلى المهدي ويتهمه ببعض حرمه وبأنه زنديق حتى استحكمت التهمة عند المهدي بابنه فأمر به فاحضر واخرج أبوه ثم قال له يا محمد اقرا فلم يحسن يقرا شيئا فقال لأبيه ألم تعلمني أن ابنك يحفظ القرآن قال بلى ولكنه فارقني منذ سنين وقد نسي قال فقم فتقرب إلى الله بدمه فقام ليقتل ولده فعثر فوقع فقال العباس بن محمد أن رأيت أن تعفي الشيخ فافعل فأمر بابنه فضربت عنقه وقال له الربيع يا أمير المؤمنين تقتل ابنه وتثق اله لا ينبغي ذلك فاستوحش منه وكان من أمره ما نذكره
وفي هذه السنة وقيل سنة ستين عبر عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلبي وإنما سمي به لطوله ورزقته وشقرته من افريقية إلى الأندلس محاربا ليدخلوا في الطاعة للدولة العباسية وكان عبوره في ساحل تدمير
وكاتب سليمان بن يقظان بالدخول في أمره ومحاربة عبد الرحمن الأموي والدعاء إلى طاعة المهدي
وكان سليمان ببرشلونة فلم يجبه فاغتاظ عليه وقصد بلده فين معه من البربر فهزمه سليمان فعاد الصقلبي إلى تدمير وسار عبد الرحمن الأموي نحوه في العدد والعدة وأحرق السفن تضييقا على الصقلبي في الهرب فقصد الصقلبي جبلا منيعا بناحية بلنسية فبذل الأموي ألف دينار لمن أتاه برأسه فاغتاله رجل من البربر فقتله وحمل رأسه إلى عبد الرحمن فأعطاه ألف دينار وكان قتله سنة اثنتين وستين ومائة
وفيها ظفر نصر بن محمد بن الأشعث بعبد الله بن مروان بالشام فأخذه وقدم به على المهدي فحبسه في المطبق وجاء عمرو بن سهلة الأشعري فادعي أن عبد الله قتل أباه وحاكمه عند عافية القاضي فتوجه الحكم على عبد الله فجاء عبد العزيز بن مسلم العقيلي إلى القاضي فقال زعم عمرو بن سهلة أن عبد الله قتل أباه وكذب والله ما قتل أباه غيري أنا قتلته بأمر مروان وعبد الله بريء من دمه فترك عبد الله ولم يعرض المهدي لعبد العزيز لأنه قتله بأمر مروان
وفيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد فنزل بدابق وجاشت الروم مع ميخائيل في ثمانين ألفا فأتى عمنق مرعش فقتل وسبى وغنم وأتى مرعش فحاصرها فقاتلهم فقتل من المسلمين عدة كثيرة وكان عيسى بن علي مرابطا بحصن مرعش فانصرف الروم إلى جيحان
وبلغ الخبر المهدي فعظم عليه لغزو الروم على ما سنذكره سنة اثنتين وستين ومائة فلم يكن للمسلمين صائفة من أجل ذلك
وفيها أمر المهدي ببناء القصور بطريق مكة أوسع من القصور التي بناها السفاح من القادسية إلى زبالة وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل منها وبتجديد الأميال والبرك وبحفر الركايا وولى ذلك يقطين بن موسى وأمر بالزيادة في مسجد البصرة وتقصير المنابر في البلاد وجعلها بمقدار منبر النبي إلى اليوم
وفيها أمر المهدي يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء في جميع الأفاق ففعل فكان لا ينفذ المهدي كتابا إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب إلى أمينه بانفاذ ذلك وفيها غزا الغمر بن العباس في البحر وفيها ولى نصر بن محمد بن الأشعث السند ثم عزل بعبد الملك حين شهاب فبقي عبد الملك ثمانية عشر يوما ثم عزل وأعيد نصر من الطريق
وفيها استقضى المهدي عافية القاضي مع ابن علاثة بالرصافة وفيها عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة واستعمل عليها عبد الصمد بن علي واستعمل عيسى بن لقمان على مصر ويزيد بن منصور على سواد الكوفة وحسان الشروي على الموصل وبسطام بن عمرو التغلبي على أذربيجان وفيها توفي نصر بن مالك من فالج أصابه وولى المهدي بعده شرطته حمزة بن مالك وصرف أبان بن صدقة عن هارون الرشيد وجعل مع موسى الهادي وجعل مع هارون يحيى بن خالد بن برمك
وفيها عزل محمد بن سليمان أبو ضمرة عن مصر في ذي الحجة ووليها سلمة بن رجاء
وحج بالناس موسى الهادي وهو ولي عهد وكان عامل مكة والطائف واليمامة جعفر بن سليمان وعامل اليمن علي بن سليمان وكان على سواد الكوفة يزيد بن منصور وعلى أحداثها إسحاق بن منصور
وفيها توفي سفيان الثوري وكان مولده سنة سبع وتسعين وزائدة بن قدامة أبو الصلت الثقفي الكوفي وإبراهيم بن أدهم بن منصور أبو إسحاق الزاهد وكان مولده ببلخ وانتقل إلى الشام فأقام به مرابطا وهو من بكر بن وائل ذكره أبو حاتم البستي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
