في هذه السنة حول المهدي الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي من محبسه وسبب ذلك انه كان محبوسا مع يعقوب بن داود في موضع واحد فلما أطلق يعقوب وبقي هو ساء ظنه فالتمس مخرجا فأرسل إلى بعض من يثق إليه فحفر سربا إلى الموضع الذي هو فيه فبلغ ذلك يعقوب فأتى ابن علاثة القاضي وكان قد اتصل به فقال عندي نصيحة للمهدي وطلب إليه ايصاله إلى أبي عبيد الله وزيره ليرفعها إليه فأحضره عنده فلما سأله عن نصيحته سأله عن إيصاله إلى المهدي ليعلمه بها فأوصله إليه فاستخلاه فاعلمه المهدي ثقته بوزيره وابن علاثة فلم يقل شيئا حتى قاما فاخبره خبر الحسن فانفذ من يثق إليه فاتاه بتحقيق الحال فأمر بتحويل الحسن فحول ثم احتيل له فيما بعد فهرب وطلب فلم يظفر به فاحضر المهدي يعقوب وسأله عنه فاخبره انه لا يعلم مكانه وانه أن أعطاه الأمان أتاه به فأمنه وضمن له الاحسان فقال له اترك طلبه فان ذلك يوحشه فترك طلبه ثم أن يعقوب تقدم عند المهدي فاحضر الحسن بن إبراهيم عنده
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة
قد تقدم ذكر وصوله إليه فلما أحضره المهدي عنده في أمر الحسن بن إبراهيم كما تقدم قال له يا أمير المؤمنين انك قد بسطت عدلك لرعيتك وأنصفتهم وأحسنت إليهم فعظم رجائهم وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لك لم تدع النظر فيها وأشياء خلف بابك تعمل ولا تعلم بها فان جعلت إلي السبيل إليك رفعتها
فأمر بذلك فكان يدخل عليه كلما أراد ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزاب وفكاك الأسرى والمحبسين والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعففين
فحظي عنده بذلك وعلت منزلته حتى سقطت منزلة أبي عبيد الله وحبس وكتب المهدي توقيعا بأنهم قد اتخذه أخا في الله ووصله بمئة ألف
ففي هذه السنة قبل موت حميد بن قحطبة ظهر المقنع بخراسان وكان رجلا أعور قصيرا من أهل مرو ويسمى حكيما وكان اتخذ وجها من ذهب فجعله على وجهه لئلا يرى فسمي المقنع وادعى الألوهية ولم يظهر ذلك إلى جميع أصحابه وكان يقول أن الله خلق آدم فتحول في صورته ثم في صورة نوح وهلم جرا إلى أبي مسلم الخراساني ثم تحول في صورته ثم في سوزرة نوح وهلم جرا إلى أبي مسلم الخراساني ثم تحول إلى هاشم وهاشم في دعواه هو المقنع ويقول بالتناسخ وتابعه خلق من ضلال الناس وكانوا يسجدون له من أي النواحي كانوا وكانوا يقولون في الحرب يا هاشم أعنا واجتمع إليه خلق كثير وتحصنوا في قلعة بسيام وسنجردة وهي من رساتيق كش وظهرت المبيضة ببخارى والصغد معاونين له وأعانه كفار الأتراك وأغاروا على أموال المسلمين وكان يعتقد أن أبا مسلم أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم وكان ينكر قتل يحيى بن زيد وادعى أنه يقتل قاتليه واجتمعوا بكش وغلبوا على بعض قصورا وعلى قلعة نواكف وحاربهم أبو النعمان والجنيد وليث بن نصر مرة بعد مرة وقتلوا حسان بن تميم بن نصر بن سيار ومحمد بن نصر وغيرهما وأنفذ إليهم جبزائيل بن يحيى وأخاه يزيد واشتغلوا بالمبيضة الذين كانوا ببخارى فقاتلوهم أربعة أشهر في مدينة بومجكت ونقبها عليهم فقتل منهم سبعمئة وقتل الحكم ولحق منهزموهم بالمقنع وتبعهم جبرائيل وحاربهم ثم سير المهدي أبا عون لمحاربة المقنع فلم يبالغ في قتالهم واستعمل معاذ بن مسلم
في هذه السنة عزل المهدي إسماعيل عن الكوفة واستعمل عليها إسحاق بن الصباح الكندي ثم الأشعثي وقيل عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي
وفيها عزل سعيد بن دعلج عن أحداث البصرة وعبيدالله بن الحسن عن الصلاة واستعمل مكانهما عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري وأره بإنصاف من تظلم من سعيد بن دعلج ثم صرفت الأحداث فيها إلى عمارة بن حمزة فولاها المسور بن عبدالله البأهلي
وفيها عزل قثم بن العباس عن اليمامة عن سخطة فوصل كتاب عزله فقد مات واستعمل مكانه بشر بن المنذر البجلي وفيها عزل الخيثم بن سعيد عن الجزيرة واستعمل عليها الفضل بن صالح
وفيها عتق المهدي الخيرزان أم ولده وتزوجها وهي أم الهادي والرشيد وتزوج أم عبد الله بنت صالح بن علي أخت الفضل وعبد الملك وفيها احترقت السفن عند قصر عيسى ببغداد بما فيها واحترق ناس كصير وفيها عزل مطر مولى المنصور عن مصر واستعمل عليها أبو ضمرة محمد بن سليمان وفيها غزا العباس بن محمد الصائفة الرومية وعلى المقدمة الحسن الوصيف فبلغوا أنقرة وفتحوا مدينة للروم ومطمورة ولم يصب من المسلمين أحد ورجعوا سالمين وفيها ول حمزة بن يحيى سجستان وجبرائيل بن يحيى سمرقند فبنى سورها وحفر خندقها
وفيها عزل عبد الصمد بن علي عن المدينة واستعمل عليها محمد بن عبد الله الكثيري ثم عزله واستعمل مكانه محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحي وفيها بنى المهدي صور الرصافة ومسجدها وحفر خندقها وفيها توفي معبد بن الخليل بالسند وهو عامل المهدي عليها واستعمل مكانه روح بن حاتم أشار به أبو عبيد الله وزير المهدي وفيها أطلق المهدي من كان في حبوس المنصور إلا من كان عنده تبعة من دم أو مال أو من يسعى في الأرض بالفساد وكان فيمن أطلق يعقوب بن داود مولى بنى سليم
وفيها توفي حميد بن قحطبة وهو عامل المهدي على خراسان واستعمل المهدي بعده عليها أبا عون عبدالملك بن يزيد وحج بالناس هذه السنة يزيد بن منصور خال المهدي عند قدومه من اليمن وكان المهدي قد كتب إليه بالقدوم عليه وتوليته المنصب وكان أمير المدينة عبد الله بن صفوان الجمحي وعلى أحداث الكوفة إسحاق بن الصباح الكندي وعلى خراجها ثابت بن موسى وعلى قضائها شريك وعلى صلاة البصرة عبدالملك بن أيوب وعلى أحداثها عمارة بن حمزة وعلى قضاءها عبيد الله بن الحسن وعلى كور دجلة وكور الأهواز وكور فارس عمارة بن حمزة وعلى السند بسطام بن عمرو وعلى اليمن رجاء بن روح وعلى اليمامة بشر بن المنذر وعلى خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد
وكان حميد بن قحطبة قد مات فيها فولى المهدي أبا عون وكان على الجزيرة الفضل بن صالح وعلى إفريقيا يزيد بن حاتم وعلى مصر أبو ضمرة محمد بن سليمان
وفيها كان شقنا قد انتشر في نواحي شنت برية فسير إليه عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشا ففارق مكانه وصعد الجبال كعادته فعاد الجيش عنه وفيها مات محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب الفقيه بالكوفة وهو مدني وعمره تسع وسبعون سنة وفيها توفي عبد العزيز بن أبي رواد مولى المغيرة بن المهلي وينس بن أبي إسحاق السبيعي الهمذاني ومخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج المصري وحسين بن واقد بن عأمر وكان على قضاء مرو وكان يشتري الشيء من السوق فيحمله إلى عياله
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
