الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
32

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئة

الجزء الخامس 6 عنصر صفحة 213
ذكر عزل موسى عن الموصل وولاية خالد بن برمك ص 213

في هذه السنة عزل المنصور بن موسى بن كعب عن الموصل وكان قد بلغه عنه ما أسخطه عليه فأمر ابنه المهدي أن يسير إلى الرقة وأظهر انه يريد بيت المقدس وأمره أن يجعل طريقه على الموصل فإذا صار ببلد أخذ موسى وقيده واستعمل خالد بن برمك

وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم وأجله ثلاثة أيام فإن أحضر المال والا قتله فقال لابنه يحيى يا بني الق اخواننا عمارة بن حمزة ومبارك التركي وصالحا صاحب المصلى وغيرهم وأعلمهم حالنا قال يحيى فأتيتهم فمنهم من منعني من الدخول عليه ووجه المال ومنهم من تجهمني بالرد ووجه المال سرا إلى قال فأتيت عمارة بن حمزة ووجهه إلى الحائط فما أقبل به عليه فسلمت فرد ردا ضعيفا فقال كيف أبوك فعرفته الحال وطلبت قرض مئة ألف فقال أن أمكنني شيء فسيأتيك فانصرفت وأنا ألعنه من تيهه وحدثت أبي بحديثه وإذ قد أنفذ المال فجمعنا في يومين ألفي ألف وسبعمائة ألف وبقي ثلاثمائة ألف تبطل الجميع يتعذرها قال فعبرت على الجسر وأنا مهموم فوثب إلى زاجر فقال فرح الطائر أخبرك فغطويته فلحقني وأخذ بلجام دابتي وقال لي أنت مهموم والله لتفرحن ولتمرن غدا في هذه الموضع واللواء بين يديك فعجبت من قوله فقال أن كان في ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم فقلت نعم وأنا استبعد ذلك

وورد على المنصور انتقاض الموصل والجزيرة وانتشار الأكراد بها فقال من فقال المسيب بن زهير عندي يا أمير المؤمنين رأى أعلم أنك لا تقبله مني وأعلم أنك ترده علي ولكني لا أضع نصحك قال قل قلت ما لها من مثل خالد ن برمك قال فكيف لنا بعد ما فعلنا قال إنما قومته بذلك وأنا الضامن له قال فليحضرني غدا فأحضره فصفح له عن الثلاثمائة ألف الباقية وعقد له وعقد لابنه يحيى على أذربيجان فاجتاز يحيى بالزاجر فأخذه معه وأعطاه خمسين ألف درهم وأنفذ خالد إلى عمارة بالمئة ألف التي أخذها منه ابنه يحيى فقال له صيرفيا كنت لأبيك قم عني لأقمت فعاد بالمال وسار مع المهدي فعزل موسى بن كعب وولاهما فلم يزل خالد على الموصل وابنه يحيى على أذربيجان إلى أن توفي المنصور فذكر أحمد بن محمد بن سوار الموصلي قال ما هبنا أميرا قد هيبتنا خالدا من غير أن يشتد علينا ولكن هيبتا كانت له في صدرونا

ذكر موت المنصور ووصيته ص 214

وفي هذه السنة توفي المنصور لست خلون من ذي الحجة ببئر ميمون وكان على قيل قد هتف به هاتفا من قصره بالمدينة فسمعه يقول

( أما ورب السكون والحرك % أن المنايا كثيرة الشرك )

( عليك يا نفس أن أسأت وإن % أحسنت بالقصد كل ذاك لكي )

( ما أختلف الليل والنهار % ولا دارت نجوم السماء في الفلك )

( الا بنقر السلطان عن ملك % إذا انتهى ملكه إلى ملك )

( حتى يصيرانه إلا ملك % ما عز سلطانه بمشترك )

( ذاك بديع السماء والأرض وال % مرسي الجبال المسخر الفلك )

فقال المنصور هذا أوان أجلي قال الطبري وقد حكى عبد العزيز بن مسلم أنه قال دخلت على المنصور يوما أسلم عليه فإذا هو باهت لا يحير جوأبا فوثبت لما أرى منه لأنصرف فقال لي بعد ساعة إني رأيت في المنام كأن رجلا ينشدني هذه الأبيات

( أخي خفضا من مناك % فكأن يومك قد أتاك

( ولقد أراك الدهر من % تصريفه ما قد أراك

( فإذا أردت الناقص ال % العبد الذليل فأنت ذاك

( ملكت ما ملكته % والأمر فيه إلى سواك

هذه الذي ترى من قلقي وغمي لما سمعت ورأيت فقلت خيرا رأيت يا أمير المؤمنين فلم يلبث أن خرج إلى مكة فلما سار من بغداد ليحج نزل قصر عبدويه فانقض في مقامه هناك كوكب لثالث بقين من شوال بعد إضاءة الفجر فبقي أثره بنا إلى طلوع الشمس فأحضر المهيد وكان قد صحبه ليوعدة فوصاه بالمال والسلطان يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بكره وعشية فلما كان اليوم الذي ارتحل فيه قال له إني لم أده شيئا إلى قد تقدمت إليك فيه وسأوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتتح غيره فقال للمهدي انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به فإن فيه علم أبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فإن أحزنك فانظر في الدفتر الكبير فإن أصبت فيه ما تريد والا ففي الثاني والثالث حتى بلغ سبعة فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فإنك واجد فيها ما تريد وما أظنك تفعل وانظر هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها وقد جمعت لك فيها الأموال ما أن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لإرزاق الجندي والنفقات والذرية ومصلحة البعوث فاحتفظ بها فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عأمرا وما أظنك تفعل وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم وتحسن إليهم وتقدمهم وتوطئ الناس أعقابهم وتوليهم المنابر فإن عزك عزوهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل وانظر مواليك وأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم فإنهم مادتك لشدتك أن نزلت بهم وما أظنك تفعل وأوصيك بخراسان خيرا فانهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودمائهم في دولتك ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم فالتحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم وتأوى وتخلف من مات منهم في أهله وولده وما أظنك تفعل وإياك أن تبني مدينة الشرقية فانك لا تتم بنائها وأظنك ستفعل وإياك أن تستعين برجل من بني سليم وأظن ستفعل وإياك أن تدخل النساء في أمرك وأظنك تفعل

وقيل قال له ولدت في ذي الحجة ووليت في ذي الحجة وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة في هذه السنة وإنما حداني على تلاحج ذلك فاتقي الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي يجعل الله لك فيما كربك وحزنك فرجا ومخرجا ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب

يا بني احفظ محمدا في أمته يحفظك الله ويحفظ عليك أمورك وإياك والدم الحرام فانه حوب عند الله عظيم وعار في الدنيا لازم مقيم والزم الحدود فان فيها خلاصك في الأجل وصلاحك في العاجل ولا تعتد فيها فتبور فان الله تعالى لو علم شيئا اصلح منها دينه وازجر عن معاصيه لأمر به في كتابه

واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه انه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فسادا مع ما ذخر عنده من العذاب العظيم فقال إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية

فالسلطان يا بني حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه القيم فاحفظه وحصنه وذب عنه وأوقع بالملحدين فيه واقمع الماردين منه واقتل الخالدين عن بالعقاب ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن واحكم بالعدل ولا تشطط فان ذلك اقطع للشغب واحسم للعدو وانجع في الدواء وعف عن الفيء فليس بك إليه حاجة ما مع خله الله لك وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة وإياك والأثر والتبذير في أموال الرعية واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمن السبل وسكن العامة وادخل المرافق عليهم وادفع المكارة عنهم واعد الأموال واخزنها وإياك والتبذير فان النوائب غير مأمونة وهي من شيم الزمان واعد الكراع والرجال والجند ما استطعت وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد فتتدارك عليك الأمور فتضيع جد في أحكام الأمور النازلات في أوقاتها أولا بأول واجتهد وشمر فيها واعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار ورجلا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل واستعمل حسن الظن بربك واسئ الظن بعمالك وكتابك وخذ نفسك بالتيقظ وتفقد من تثبت على بابك وسهل اذنك للناس وانظر في أمر النزاع إليك ووكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير لاهية ولا تنم وإياك فان أباك لم ينم منذ ولي الخلافة ولا دخل عينه الغمض إلا وقلبه مستيقظ هذه وصيتي والله خليفتي عليك ثم ودعه وبكى كل واحد منهما إلى صاحبه

ثم سار إلى الكوفة وجمع بين الحج والعمرة وساق الهدي واشعره وقلده لأيام خلت من ذي القعدة فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذي مات به وهو القيام فلما اشتد وجعه جعل يقول للربيع بادرني حرم ربي هاربا من ذنوبي وكان الربيع عديله ووصاه بما أراد فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة ولم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه فكتم الربيع موته ومنع من البكاء عليه ثم اصبح فاحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون وكان أول من دعا عمه عيسى بن علي فمكث ساعة ثم اذن لابن أخيه عيسى بن موسى وكان فيما خلا يقدم على عيسى بن علي ثم اذن للأكابر وذوي الأسنان منهم ثم لعامتهم فبايعهم الربيع للمهدي ولعيسى بن موسى بعده على يد موسى الهادي بن المهدي فلما فرغ من بيعة بني هاشم بايع القواد وبايع عامة الناس

وسار العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايع الناس فبايعوا بين الركن والمقام واشتغلوا بتجهيز المنصور ففرغوا منه العصر وكفن وغطي وجهه وبدنه وجعل رأسه مكشوفا لأجل إحرامه وصلى عليه عيسى بن موسى وقيل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ودفن في مقبرة المعلاة وحفروا له مئة قبر ليغموا على الناس ودفن في غيرها ونزل في قبره عيسى بن علي وعيسى بن محمد والعباس بن محمد والربيع والريان مولياه ويقطين وكان عمره ثلاثا وستين سنة وقيل أربع وستين وقيل ثمانيا وستين سنة

فكانت مدته خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يوما وقيل إلا ثلاثة أيام وقيل إلا ستة وقيل إلا يومين وقيل في موته انه لما نزل آخر منزل بطريق مكة نظر في صدر البيت الذي نزل فيه فإذا فيه بسم الله الرحمن

( أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت % سنوك وأمر الله لا بد واقع )

( أبا جعفر هل كاهن أم منجم % لك اليوم من حر المنية مانع )

واحضر متولي المنازل وقال له ألم أمرك أن لا يدخل المنازل أحد من الناس قال والله ما دخله أحد منذ فرغ فقال اقرا ما في صدر البيت فقال ما أرى شيئا فاحضر غيره فلم ير فاملا البيتين ثم قال لحاجبه اقرا لي آية من كتاب الله فقرا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فأمر به فضرب ورحل من المنزل تطيرا فسقط عن دابته فاندق ظهره ومات ودفن ببئر ميمون والصحيح ما تقدم

ذكر صفة المنصور وأولاده ص 218

كان اسمر نحيفا خفيف العارضين ولد من حميمة من ارض الشراة وأما أولاده فالمهدي واسمه محمد وجعفر الأكبر وأمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميري وكانت تكنى أم موسى ومات جعفر قبل المنصور ومنهم سليمان وعيسى ويعقوب أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله وجعفر الأصغر وأم ولد كردية كان يقال له ابن الكردية وصالح المسكين أمه أم ولد الرومية ولقاسم مات قبل المنصور وله عشر سنين أمه أم ولد تعرف بأم القاسم ولها بلاد الشام بستان يعرف ببستان أم القاسم والعالية أمها أمرأة من بني أمية

ذكر بعض سيرة المنصور ص 218

قال سلام الأبرش كنت اخدم المنصور داخلا في منزله وكان من احسن الناس خلقا ما لم يخرج إلى الناس واشد احتمالا بما يكون من عبث الصبيان فإذا لبس ثوبه اربد لونه واحمرت عيناه فيخرج منه ما يكوم وقال لي يوما يا بني إذا رايتين قد لبست ثيابي أو رجعت من منزلي فلا يدنون مني منكم أحد مخافة أن أغره بشيء قال ولم ير في دار المنصور له ولا شيء يشبه اللهو واللعب إلا مرة واحدة روى بعض أولاده وقد ركب راجلتة وهو صبي وتنكب قوسا في هيئة الغلام الأعرابي بين جوالقين فيهما مقل ووساويك وما يهديه الأعراب فعجب الناس من ذلك وأنكروه فعبر إلى المهدي بالرصافة فأهداه له فقبله وملئ الجوالقين دراهم فعاد بينهما فعلم أنه ضرب من بعث الملوك

قال حماد التركي كنت واقفا على رأس المنصور فسمع جلبة فقال انظر ما هذا فذهبت فإذا خادم له قد جلس حوله الجواري وهن يضرب لهم بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته فقال وأي شيء الطنبور فوصفته له فقال ما يدريك أنت والطنبور قلت رأيت بخرسان فقام ومشى إليهن فلما رأينه تفرغنا فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور وأخرج الخادم فباعه

قال وكان المنصور قد استعمل معا بن زائدة على اليمن لما بلغه من الاختلاف هناك فسار إليه وقصده الناس من أقطار الأرض لاشتهار جهده ففرق فيهم الأموال فسقط عليه المنصور فأرسل إليه معن بن زائدة وفدا من قومه فيهم مجاعة ابن الأزهر وسيرهم إلى المنصور ليزيلوا غيضه وغضبه فلما دخل على المنصور ابتدأ مجاعة بحمد الله والثناء عليه وذكر النبي فأطنب في ذلك حتى عجب القوم ثم ذكر المنصور وما شرفه الله به وذكر بعد ذلك صاحبه فلما انقضى كلامه قال أما ذكرت من حمد الله فالله أجل من أن تبلغه الصفات وأما ما ذكرت من النبي فقد فضله الله تعالى بأكثر ما قلت وأما ما وصفت به أمير المؤمنين فإنه فضله الله بذلك وهو معينه على طاعته إن شاء الله تعالى وأما ما ذكرت من صاحبك فكذبت ولئن تخرج فلا يقبل ما ذكرته فلما صاروا بآخر الأبواب أمر برده مع أصحابه فقال ما قلت فأعاده عليه فأخرجه ثم أمر بهم فأوقفوا ثم ألتفت إلى من حضر من مضر فقال هل تعرفون فيكم مثل هذا والله قد تكلم حتى حسبتكموه وما معني أن أتم على رده إلا أن يقال حسده لأنه من ربيعة وما رأيت مثله رجلا أربط جأشا ولا أظهر رده يا غلامه فلما صار بين يديه قال اقصد حاجتك لحاجتك قال يا أمير المؤمنين معن بن زائد عبدك وسيفك وسهمك رميت به عدوك فضرب وطعن ورمى حتى سهل ما حزن وذل ما صعب واستوى ما كان معوجا من اليمن فاصبحوا من خول أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنة من ساع أو واش أو حاسد فأمير المؤمنين أولى بالفضل على عبده ومن أفنى عمره فقبل عذره وأمر بصرفهم إليه فلما قرأ معن الكتاب بالرضا قبل ما بين عينيه وشكر أصحابه وأجازهم على أقدارهم وأمرهم بالرحيل إلى المنصور فقال جماعة

( آليت في مجلس من وائل قسما % أن لا أبيعك يا معن بأطماع )

( يا معن إنك قد أوليتني نعما % عمت لحيما وخصت آل مجاع )

( فلا أزال إليك الدهر منقطعا % حتى يشيد بهلكي هتفه الناعي ) وكان نعم معن على مجاعة أنه قضى له ثلاث حوائج منها أنه كان يتعشق جارية من أهعب بين معن اسمها زهراء فطلبها فلم يجب لفقرة فطلبها من معن فأحشر أباها فزوجه على عشرة آلاف درهم وامهرها من عنده ومنها أنه طلب حائطا بعينه فاشتراها له ومنها أنه استوعب منه شيئا فوهب له ثلاثين ألف درهم تمام المائة ألف

قيل وكان المنصور يقول ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نف لا على بابي أعف منهم هم أركان الدولة ولا يصلح الملك إلا بهم أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم والأخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية فإني عن ظلمها غني ثم عض على إصبعيه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة آه آه قيل ما هو يا أمير المؤمنين قال صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة

وقيل ودعا المنصور بعامل قد كسر خراجه فقال له أد ما عليك فقال والله أملك شيئا وأذن مؤذن أشهد أن لا إله الا الله فقال يا أمير المؤمنين هب لي ما علي لله وشهادة أن لا إله إلا الله فخلي سبيله وقيل أتى بعامل فحبسه وطالبه فقال أما لك فلا قيل وأتي بخارجي قد هزم له جيوشا فأراد ضرب رقبته ثم ازداد فقال يا ابن الفاعلة مثلك يهزم الجيوش فقال له ويلك وسوأة لك أمس بيني وبينك السيف واليوم القذف والسب وما كان يؤمنك أن أراد عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقيلها أبدا فاستحيا منه المنصور وأطلقه قبل وكان شغل المنصور في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزل وشحن الثغور والأطراف وأمن السبل والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعية والتلطف بسكونهم وهديهم فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته فإذا صلى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد من كتب الثغور والأطراف والأفاق وشاور سمارة فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سمارة وإذا مضى الثلث الثاني قام فتوضأ وصلى حتى يطلع الفجر ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيجلس في إيوانه

قيل وقال المهدي لا تبرم أمرا حتى تفكر فإن فكر العاقل مرآته حينه وسيئة يا بني لا يصلح السلطان إلا بالتقوى ولا تصلح الرعية إلا بالطاعة ولا تعمر البلاد بمثل العدل وأقدر الناس على العفو أقدرهم وأعجز الناس من ظلم من هو دونه واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختباره

يا أبا عبد الله لا تجلس مجلسا إلا ومعك من أهل العلم من يحدثك ومن أحب أن يحمد أحسن االسيرة ومن أبغض الحمد أساءها وما أبغض الحمد إلا استذم وما استذم إلا كره يا أبا عبد الله ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي غشيه بل العاقل الذي يحتال للأمر حتى لا يقع فيه

وقال المهدي بوما كم راية عندك قال لا أدري قال أنا لله أنت لأمر الخلافة أشد تضييعا ولكن قد جمعت لك ما لا يضرك معه ما ضيعت فاتق الله فيما خولك قيل وقال لاسحاق بن عيسى لم يكن أحد من بني العباس يتكلم فيبلغ حاجته على البديهة غير المنصور وأخيه العباس بن محمد وعمهما داود بن علي قيل : وخطب المنصور يوما فقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فاعترضه انسان فقال أيها الإنسان أذكرك من ذكرت به فقطع الخطبة ثم قال سمعا سمعا لمن حفظ عن الله وأعوذ بالله أن أكون جبارا عنيدا أو تأخذني العزة بالإثم لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين وأنت أيها القائل فوالله ما أردت بهذا القول الله ولكنك أردت أن يقال قام فقال فعرقب فصبر وأهون بها ويلك لقد ههمت واغتنمها إذا عفوت وإياك وإياكم معاشر المسلمين أختها فإن الحكمة علينا نزلت ومن عندنا فردوا الأمر إلى أهله توردوه موارده وتصدروه مصادره ثم عاد إلى خطبته كأنما يقرؤها فقال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

وقال عبدالله بن صاعد خطب المنصور بمكة بعد بناء بغداد فكان مما قال ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون أمر مبرم وقول عدل وقضاء فصل والحمد لله الذي افلج حجته وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا والفيء إرثا وجعلوا القرآن عضين لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون

فكم ترى من بئر معطلة وقصر مشيد أهملهم الله حين بدلوا السنة واهملوا العبرة وعندوا واعتدوا واستكبروا وخاب كل جبار عنيد ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا

قال وكتب إليه رجل يشكو بعض عماله فوق إلى العامل في الرقعة أن آثرت العدل صحبتك السلامة وان آثرت الجور فما أقربك من الندامة فانصف هذا المتظلم من الظلامة

قيل وكتب إلى المنصور صاحب ارمينية يخبره أن الجند قد شغبوا عليه ونهبوا ما في بيت المال فوقع في كتابه اعتزل عملنا مذموما مدحورا فلو عقلت لم يشغبوا ولو قويت لم ينهبوا

وهذا وما تقدم من كلامه ووصاياه يدل على فصاحته وبلاغته وقد تقدم له أيضا من الكتب وغيرها ما يدل على انه كان واحد زمانه إلا انه كان يبخل

وما نقل عنه من ذلك قال الوضين بن عطاء استزارني المنصور وكان بيني وبينه خلة قبل الخلافة فخلونا يوما فقال لي يا أبا عبد الله ما لك قلت الخبر الذي تعرفه قال وما عيالك قلت ثلاث بنات والمراة وخادم لهن فقال أربع في بيتك قلت نعم فرددها حتى ظننت انه سيعنيني ثم قال أنت ايسر العرب أربع مغزل يدرن في بيتك

قيل رفع غلام لأبي عطاء الخراساني انه له عشرة آلاف درهم فأخذها منه وقال هذا مالي قال من أين يكون مالك ووالله ما وليتك عملا قط ولا بيني وبينك رحم ولا قرابة قال بلى كنت تزوجت أمرأة لعيينة بن موسى بن كعب فورثتك مالأ وكان قد عصى بالسند واخذ مالي وهو وال على السند فهذا المال من ذاك وقيل لجعفر الصادق أن المنصور يكثر من لبس جبو هروية وانه يرقع قميصه فقال جعفر الحمد لله الذي لطف به حتى ابتلاه بفقر نفسه في ملكه قيل وكان المنصور إذا عزل عاملا اخذ ماله وتركه في بيت مال مفرد سماه بيت مال المظالم وكتب عليه اسم صاحبه وقال للمهدي قد هيأت لك شيئا فإذا أنا مت فادع من أخذت ماله فاردده عليه فانك تستحمد بذلك إليهم والى العامة ففعل المهدي ذلك

وله في ضد ذلك أشياء كثيرة قيل وذكر زيد مولى عيسى بن نهيك قال دعاني المنصور بعد موت مولاي فسألني كم خلف من مال قلت ألف دينار وأنفقته أمرأته في مأتمه قال كم خلف من البنات قلت ستا فاطرق مليا ثم رفع رأسه وقال اغد إلى المهدي فغدوت إليه فأعطاني مائة ألف وثمانين ألف دينار لكل واحدة منهن ثلاثون ألفا ثم دعاني المنصور فقال عد علي باكفائهن حتى أزوجهن ففعلت فزوجهن وأمر أن تحمل اليهن صدقاتهن من ماله لكل واحدة منهن ثلاثون ألف درهم وأمرني أن اشتري بمالهن ضياعا لهن يكون معاشهن منها

قيل وفرق المنصور على جماعة من أهل بيته في يوم واحد عشرة آلاف ألف درهم وأمر لجماعة من أعمامه منهم سليمان وعيسى وصالح واسماعيل لكل رجل منهم بألف ألف وهو أول من وصل بها وله في ذلك أخبار كثيرة وأما غير ذلك قال يزيد بن عمر بن هبيرة ما رأيت رجلا قط في حرب ولا سمعت به في سلم أنكر ولا امكر تيقظا من المنصور لقد حصرني تسعة اشهر ومعي فرسان العرب فجهدنا بكل الجهد أن ننال من عسكره شيئا فما تهيا ولقد حصرني وما في رأسي شعرة بيضاء فخرجت إليه وما في رأسي شعرة سوداء

قيل وأرسل ابن هبيرة إلى المنصور وهو محاصره يدعو إلى المبارزة فكتب إليه انك متعد طورك جار في عنان غيك يعدك الله ما هو مصدقه ويمينك الشيطان ما هو مكذبه ويقرب ما الله مباعده فرويدا يتم الكتاب اجله وقد ضربت مثلي ومثلك

بلغني أن أسدا لقي خنزيرا فقال له الخنزير قاتلني فقال الأسد إنما أنت خنزير ولست بكفء لي ولا نظير ومتى قاتلتك فقتلتك قيل لي قتل خنزيرا فلا اعتقد فخرا ولا ذكرا وان نالني منك شيئا كان سبة علي فقال الخنزير أن لم تفعل أعلمت السباع انك نكلت عني فقال الأسد احتمال عار كذبك علي ايسر من لطخ شرابي بدمك

قيل وكان المنصور أول من عمل الخيش فان الأكاسرة كانوا يطينون كل يوم بيتا يسكنونه في الصيف وكذلك بنو أمية قيل واتي برجل من بني امية فقال اني أسألك عن أشياء فاصدقني ولك الأمان قال نعم قال من أين أتى بنو أمية حتى انتشر أمرهم قال من تضييع الأخبار قال فأي الأموال وجدوها انفع قال الجوهر قال فعند من وحدوا الوفاء قال عند مواليهم فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته فقال أضع منهم فاستعان بمواليه

ذكر خلافة المهدي والبيعة له ص 224

ذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال خرجت من البصرة حاجا فاجتمعت بالمنصور بذات عرق فكنت اسلم عليه كلما ركب وقد أشفى على الموت فلما صار ببئر ميمون نزل به ودخلنا مكة فقضيت عمرتي وكنت اختلف إلى المنصور فلما كان في الليلة التي مات فيها ولم نعلم صليت الصبح بمكة وركبت أنا ومحمد بن عون بن عبد الله بن الحرث وكان من مشايخ بني هاشم وسادتهم فلما صرنا بالبطح لقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل إلى مكة فسلمنا عليهما ومضينا فقلت لمحمد احسب الرجل قد مات فكان كذلك

ثم أتينا العسكر فإذا موسى بن المهدي قد صدر عند عمود السرداق والقاسم بن المنصور في ناحية من السرداق وقد كان قبل ذلك يسير بين المنصور وبين صاحب الشرطة ورفع الناس إليه القصص فلما رايته علمت أن المنصور قد مات واقبل الحسن بن زيد العلوي وجاء الناس حتى ملؤوا السرادق وسمعنا همسا من بكاء وخرج أبو العنبر خادم المنصور مشقق الأقبية وعلى رأسه التراب وصاح وا أمير المؤمنيناه فما بقي أحد إلا قام ثم تقدموا ليدخلوا عله فمنعهم الخدم

وقال ابن عياش المنتوف سبحان الله اما شهدتم موت خليفة قط اجلسوا فجلسوا وقام القاسم فشق ثيابه ووضع التراب على رأسه وموسى جالس على حاله ثم خرج الربيع وفي يده قرطاس ففتحه فقراه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم ألقى القرطاس من يده وبكى وبكى الناس ثم قال قد أمكنكم البكاء فانصتوا رحمكم الله ثم قرا أما بعد فإني كتبت كتابي هذا وأنا حي في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة اقرأ عليكم السلام وأسأل الله أن لا يفتنكم بعدي ولا يلبسكم شيعا ولا يذيق بعضكم باس بعض

ثم اخذ في وصيتهم بالمهدي وأذكارهم البيعة له وحثهم على الوفاء بعهده ثم تناول يد الحسن بن زيد وقال قم فبايع فقام إلى موسى فبايعه ثم بايعه الناس الأول فالأول ثم ادخل بنو هاشم على المنصور وهو في أكفانه مكشوف الرأس فحملناه حتى أتينا به مكة ثلاثة أميال فكاني انظر إليه والريح تحرك شعر صدغيه وذلك انه كان وفر شعره للحلق وقد نصل خضابه حتى أتينا به حفرته وكان أول شيء ارتفع به علي بن عيسى بن ماهان أن عيسى بن موسى أبي من البيعة فقال علي بن عيسى بن ماهان والله لتبايعن ولأضربن عنقك فبايع ثم وجه موسى بن المهدي والربيع إلى المهدي بخبر وفاة المنصور وبالبيعة له مع منارة مولى المنصور وبعثا أيضا بالقضيب وبردة النبي وبخاتم الخلافة وخرجوا من مكة فقدم الخبر على المهدي مع منارة منتصف ذي الحجة فبايعه أهل بغداد وقيل أن الربيع كتم موت المنصور والبسه وسنده وجعل على وجهه كلة خفيفة يرى شخصه منها ولا يفهم أمره وأدنى أهله منه ثم قرب منه الربيع كأنه يخاطبه ثم رجع إليهم وأمرهم عنه بتجديد البيعة للمهدي فبايعوا ثم أتخرجهم وخرج إليهم باكيا مشقق الجيب لاطما رأسه فلما بلغ ذلك المهدي أنكره على الربيع وقال أما منعتك جلالة أمير المؤمنين أن فعلت به ما فعلت وقيل ضربه ولم يصح ضربه

ذكر عدة حوادث ص 226

في هذه السنة عزل المنصور المسيب بن زهير عن شرطته وحبسه مقيدا وسبب ذلك انه ضرب أبان بن بشير الكاتب بالسياط حتى قتله لأنه كان شريك أخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة واستعمل على شرطته الحكم بن يوسف صاحب الحراب ثم كلم المهدي أباه في المسيب فرضي عنه واعاده إلى شرطته وفيها استعمل المنصور نصر بن حرب بن عبد الله على ثغر فارس وفيها عاد المهدي من الرقة في شهر رمضان وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث فلقي العدو فاقتتلوا المأمون تحاجزوا وفيها حبس محمد بن إبراهيم الإمام وهو أمير مكة جماعة أمر المنصور بحبسهم وهم رجل من آل علي بن أبي طالب كان بمكة وابن جريج وعباد بن كثير وسفيان الثوري ثم أطلقهم من الحبس بغير أمر المنصور فغضب عليه أبو جعفر وكان سبب إطلاقهم انه أنكر وقال عمدت إلى ذي رحم فحبسته يعني بعض ولد علي والى نفر من أعلام المسلمين فحبستهم وتقدم أمير المؤمنين فلعله قام بقتلهم فيشد سلطانه وأهلك فأطلقهم وتحلل منهم

فلما قارب المنصور مكة أرسل إليه محمد بن إبراهيم بهدايا فردها عليه

وفيها شخص المنصور من بغداد إلى مكة فمات في الطريق قبل أن يبلغها

وفي هذه السنة غزا عبد الرحمن صاحب الأندلس مدينة قورية وقصد البربر الذين كانوا اسلموا عامله إلى شقنا فقتل منهم خلفا من أعيانهم واتبع شقنا حتى جاوز القصر الأبيض والدرب ففاته وفيها مات اورالي ملك جليقية وكان ملكه ست سنين وملك بعده شيالون وفيها توفي مالك بن مغول الفقيه البجلي بالكوفة وحيوة ين شريح بن مسلم الحضرمي المصري وكان العامل على مكة والطائف إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله وعلى المدينة عبد الصمد بن علي وعلى الكوقة عمرو بن زهير الضبي وقيل إسماعيل بن إسماعيل الثقفي وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخعي وعلى خراجها ثابت بن موسى وعلى خراسان حميد بن قحطبة وعلى قضاء بغداد عبد الله بن محمد بن صفوان وعلى الشرطة بها عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عد الرحمن وقيل موسى بن كعب وعلى خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة وعلى قضائها والصلاة عبيد الله بن الحسن العنبري وأصاب الناس هذه السنة وباء عظيم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.