ذكر شيبان الحروري إلى أن قتل
ص 24
وهو شيبان بن عبد العزيز أبو الدلف اليشكري وكان سبب هلاكه أن الخوارج لما بايعوه بعد قتل الخيبري أقام يقاتل مروان وتفرق عن شيبان كثير من أصحاب الطمع فبقي في نحو أربعين ألفا فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم فارتحلوا وتبعهم مروان حتى انتهوا إلى الموصل فعسكروا شرقي دجلة وعقدوا جسورا عليها من عسكرهم إلى المدينة فكانت ميرتهم ومرافقتهم منها وخندق مروان بازائهم وكان الخوارج قد نزلوا بالكار ومروان بخصة وكان أهل الموصل يقاتلون مع الخوارج فأقام مروان ستة اشهر يقاتلهم وقيل تسعة اشهر واتي مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال له أمية بن معاوية بن هشام وكان مع عمه سليمان في عسكر شيبان أسيرا فقطع يديه وضرب عنقه وعمه ينظر إليه وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى العراق وعلى الكوفة المثنى بن عمران العائذي عائذة قريش وهو خليفة للخوارج بالعراق فلقي ابن هبيرة بعين التمر فاقتتلوا قتالا شديدا وانصرفت الخوارج ثم اجتمعوا بالكوفة بالنخيلة فهزمهم ابن هبيرة ثم اجتمعوا بالبصرة فأرسل شيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة فالتقوا بالبصرة فانهزمت الخوارج وقتل عبيدة واستباح ابن هبيرة عسكرهم فلم يكن لهم همة بالعراق واستولى ابن هبيرة على العراق وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فانهزم وغلب على الماهين وعلى الجبل اجمع وسار ابن هبيرة إلى واسط فاخذ ابن عمر فحبسه ووجه نباتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كور الأهواز فسمع سليمان الخبر فأرسل إلى نباتة داود بن حاتم فالتقوا بالمرتان على شاطئ دجيل فانهزم الناس وقتل داود بن حاتم وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره بإرسال عامر بن ضبارة المري إليه فسيره في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف فبلغ شيبان خبره فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في جمع فلقوا عامرا بالسن فهزموه ومن معه فدخل السن وتحصن فيه وجعل مروان يمده بالجنود على طريق البر حتى ينتهوا إلى السن فكثر جمع عامر وكان منصور بن جمهور يمد شيبان من الجبل بالأموال فلما كثر من مع عامر نهض إلى الجون والخوارج فقاتلهم فهزمهم وقتل الجون وسار ابن ضبارة مصعدا إلى الموصل فلما انتهى خبر قتل الجون إلى شيبان ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين العسكرين فارتحل بمن معه من الخوارج وقدم عامر على مروان بالموصل فسيره في جمع كثير في اثر شيبان فان أقام أقام وان سار سار وان لا يبدأه بقتال فان قاتله شيبان قاتله وان أمسك أمسك عنه وان ارتحل اتبعه فكان على ذلك حتى مر على الجبل وخرج على بيضاء فارس بها عبد الله بن معاوية بن حبيب بن جعفر في جموع كثيرة فلم يتهيأ الأمر بينهما فسار حتى نزل جيرفت من كرمان وأقبل عامر بن ضبارة حتى نزل بازاء ابن معاوية أياما ثم ناهضه وقاتله فانهزم ابن معاوية فلحق بهراة وسار ابن ضبارة بمن معه فلقي شيبان بجيرفت فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الخوارج واستبيح عسكرهم ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها وذلك في سنة ثلاثين ومائة
وقيل بل كان قتال مروان وشيبان على الموصل مقدار شهر ثم انهزم شيبان حتى لحق بفارس وعامر ابن ضبارة يتبعه وسار شيبان إلى جزيرة ابن كأوان ثم خرج منها إلى عمان فقتله جلندي بن مسعود بن جيفر بن جلندي الازدي سنة أربع وثلاثين ومائة ونذكره هناك إن شاء الله تعالى وركب سليمان ومن معه من أهله ومواليه السفن إلى السند ولما ولي السفاح الخلافة حضر عنده سليمان فأكرمه وأعطاه يده فقبلها فلما رأى ذلك سديف مولى السفاح اقبل عليه وقال
( لا يغرنك ما ترى من رجال % أن تحت الضلوع داء دويا )
( فضع السيف وارفع السوط حتى % لا ترى فوق ظهرها أمويا )
فأقبل عليه سليمان وقال قتلتني أيها الشيخ وقام السفاح فدخل فاخذ سليمان فقتل وانصرف مروان بعد مسير شيبان عن الموصل إلى منزله بحران فأقام بها حتى سار إلى الزاب
ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان
ص 26
وفي هذه السنة شخص أبو مسلم الخراساني من خراسان إلى إبراهيم الإمام وكان يختلف منه إلى خراسان ويعود إليه فلما كانت هذه السنة كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يستدعيه ليسأله عن أخبار الناس فسار نحوه في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفسا من النقباء فلما صاروا بالدانقان من أرض خراسان عرض له كامل فسأله عن مقصده فقال الحج ثم خلا به أبو مسلم فدعاه فأجابه ثم سار أبو مسلم إلى نسا وعاملها سليمان بن قيس السلمي لنصر بن سيار فلما قرب منها أرسل الفضل بن سليمان الطوسي إلى اسيد بن عبد الله الخزاعي ليعلمه قدومه فدخل قرية من قرى نسا فلقي رجلا من الشيعة فسأله عن أسيد فانتهره وقال له أنه كان في هذه القرية شرا سعى إلى العامل برجلين قيل انهما داعيان فأخذهما واخذ الأحجم بن عبد الله وغيلان بن فضالة وغالب بن سعيد ومهاجر بن عثمان فانصرف الفضل إلى أبي مسلم واخبره فتنكب الطريق وأرسل طرخان الحمال يستدعي أسيدا ومن قدر عليه من الشيعة فدعا له أسيدا فاتاه فسأله عن الأخبار فقال قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتب الإمام إليك فخلفا الكتب عندي وخرجا فأخذا فلا ادري من سعى بهما قال فأين الكتب فاتاه بها ثم سار حتى أتى قومس وعليها بيهس بن بديل العجلي فاتاهم بيهس فقال أين تريدون قالوا الحج واتاه وهو بقومس كتاب إبراهيم الإمام إليه وإلى سليمان بن كثير يقول لأبي مسلم فيه أني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث لقيك كتابي ووجه إلى قحطبة بما معك يوافيني به في الموسم فانصرف أبو مسلم إلى خراسان ووجه قحطبة إلى الإمام بما معه من الأموال والعروض فلما كانوا بنيسابور عرض لهم صاحب المسلحة فسألهم عن حالهم فقالوا أردنا الحج فبلغنا عن الطريق شيء خفناه فأمر المفضل بن السرقي السلمي بإزعاجهم فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم فأجابه وأقام عندهم حتى ارتحلوا على مهل فقدم أبو مسلم مرو فدفع كتاب الأمم إلى سليمان بن كثير يأمره فيه بإظهار الدعوة فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت ودعوا إلى طاعة بني العباس وأرسلوا إلى من قرب منهم وبعد ممن أجابهم فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم فنزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين على أبي الحكم عيسى بن أعين النقيب ووجه منها أبا داود النقيب ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلخ فأمرهما بإظهار الدعوة في شهر رمضان وكان نزوله في هذه القرية في شعبان ووجه نصر بن صبيح التميمي وشريك بن غضي التميمي إلى مرو الروذ بإظهار الدعوة في رمضان ووجه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم إلى الطالقان ووجهه الجهم بن عطية إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في رمضان لخمس بقين منه فان أعجلهم عدوهم دون الوقت بالأذى والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم ويجردوا السيوف ويجاهدوا أعداء الله ومن شغله منهم عدوهم عن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت
ثم تحول أبو مسلم من عند أبي الحكم فنزل قرية سفيذنج فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي لليلتين خلتا من رمضان والكرماني وشيبان يقاتلان نصر بن سيار فبث أبو مسلم دعاته في الناس واظهر أمره فاتاه في ليلة واحدة أهل ستين قرية فلما كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان من السنة عقد اللواء الذي بعث به الإمام الذي يدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعا وعقد الراية التي بعث بها اله وهي التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاث عشرة ذراعا وهو يتلو أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير واخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج وأوقدوا النيران لليلتهم لشيعتهم من سكان ربع خرقان وكانت علامتهم فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدين وتأول الظل والسحاب أن السحاب يطبق الأرض وان الأرض كما لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عباسي إلى آخر الدهر وقدم على أبي مسلم الدعاة بمن أجاب الدعوة فكان أول من قدم عليه أهل التقادم مع أبي الوضاح في تسعمائة راجل وأربعة فرسان ومن أهل هرمز فرآه جماعة وقدم أهل التقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم الجوباني في ألف وثلاثمائة راجل وستة عشر فارسا فيهم من الدعاة أبو العباس المرزوي فجعل أهل التقادم يكبرون من ناحيتهم ويجيبهم أهل التقادم بالتكبير فدخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج بعد ظهوره بيومين وحصن أبو مسلم حصن سفيذنج ورمه وسد دروبها فلما حضر عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة ونصب له منبرا بالعسكر وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة وكان بنو أمية يبدأون بالخطبة قبل الصلاة وبالأذان والإقامة وأمر أبو مسلم أيضا سليمان بن كثير بست تكبيرات تباعا ثم يقرا ويركع بالسبعة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا ثم يقرا ويركع بالسادسة ويفتح الخطبة بالتكبير ثم يختمها بالقرآن وكان بنو أمية يكبرون في الأولى أربع تكبيرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث تكبيرات فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعده لهم فأكلوا مستبشرين
وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب إلى نصر بن سيار كتابا يكتب للأمير نصر فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه يبدأ بنفسه فكتب إلى نصر أما بعد فان الله تباركت أسماؤه عير أقواما في القرآن فقال ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) فتعاظم نصر الكتاب وكسر له إحدى عينيه وقال هذا كتاب ما له جواب وكان من الأحداث وأبو مسلم بسيفذنج أن نصرا وجه مولى له يقال له يزيد في خيل عظيمة لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهرا من ظهوره فوجه إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعي ومعه مصعب بن قيس فالتقوا بقرية ألين فدعاهم مالك إلى الرضا من آل رسول الله فاستكبروا عن ذلك فقاتلهم مالك وهو في نحو مائتين من أول النهار إلى العصر
وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضبي وإبراهيم بن زيد وزياد بن عيسى فسيرهم إلى مالك فقوي بهم وكان قدومهم إليه مع العصر فقال مولى نصر أن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم إمدادهم فاحملوا على القوم فحملوا عليهم واشتد القتال فحمل عبد الله الطائي على مولى نصر فأسره وانهزم أصحابه فأرسل الطائي بأسيره إلى أبي مسلم ومعه رؤوس القتلى فنصب الرؤوس واحسن إلى يزيد مولى نصر وعالجه حتى اندمل جراحه وقال له أن شئت أن تقيم معنا فقد أرشدك الله وان كرهت فارجع إلى مولاك سالما واعطنا عهد الله انك لا تحاربنا ولا تكذب علينا وان تقول فينا ما رأيت فرجع إلى مولاه وقال أبو مسلم أن هذا سيرد عنكم أهل الورع والصلاح فما نحن عندهم على الإسلام وكذلك كان عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان واستحلال الدماء والأموال والفروج فلما قدم يزيد على نصر قال لا مرحبا فوالله ما استبقاك القوم إلا ليتخذوك حجة علينا فقال يزيد هو والله ما ظننت وقد استحلفوني أن لا اكذب عليهم وأنا أقول انهم والله يصلون الصلاة لمواقيتها بأذان وإقامة ويتلون القرآن ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية رسول الله وما أحسب أمرهم إلا سيعلو ولولا انك مولاي لا رجعت إليك ولأقمت معهم فهذه أول حرب كانت بينهم
وفي هذه السنة غلب خازم بن خزيمة على مرو الروذ وقتل عامل نصر بن سيار وكان سبب ذلك أنه لما أراد الخروج بمرو الروذ وهو من شيعة بني العباس منعه بنو نعيم فقال إنما أنا رجل منكم أريد أن اغلب على مرو فان ظفرت فهي لكم وان قتلت فقد كفيتم أمري فكفوا عنه فعسكر بقرية يقال لها كنج رستاق وقدم عليه من عندي أبي مسلم النضر بن صبيح وبسام بن إبراهيم فلما أمسى خازم بيت أهل مرو الروذ فقتل بشر بن جعفر السعدي عامل نصر بن سيار عليها في أول ذي القعدة وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن خازم وعبد الله بن سعيد وشبيب بن واج وقد قيل في أمر أبي مسلم غير ما ذكرنا
والذي قيل أن إبراهيم الإمام زوج أبا مسلم لما توجه إلى خراسان ابنة أبي النجم وساق عنه صداقها وكتب إلى النقباء بالسمع والطاعة وكان أبو مسلم من أهل خطرنية من سواد الكوفة وكان قهرمانا لادريس بن معقل العجلي فصار أمره ومنهتى ولائه لمحمد بن علي ثم لابنه إبراهيم بن محمد ثم لائمة من ولد محمد فقدم خراسان وهو حدث السن فلم يقبله سليمان بن كثير وخاف أن لا يقوى على أمرهم فرده وكان أبو داود خالد بن إبراهيم غائبا خلف نهر بلخ فلما رجع إلى مرو اقرؤوه كتاب الإمام إبراهيم فسال عن أبي مسلم فاخبروه أن سليمان بن كثير رده فجمع النقباء وقال لهم أتاكم كتاب الإمام فيمن بعثه إليكم فرددتموه فما حجتكم في رده فقال سليمان حداثة سنة وتخوفا أن لا يقدر على هذا الأمر فخفنا على من دعونا وعلى أنفسنا فقال أبو داود هل فيكم أحد ينكر أن الله تعالى بعث محمدا واصطفاه وبعثه إلى جميع خلقه قالوا لا
قال أفتشكون أن الله انزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه وانابؤه واخبر بما كان قبله وبما يكون بعده قالوا لا
قال أفتشكون أن الله قبضه إليه بعد أن أدى ما عليه من رسالة ربه قالوا لا
قال أفتظنون أن العلم الذي انزل إليه رفع معه أو خلفه قالوا بل خلفه قال أفتظنونه خلفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب قالوا لا
قال أفتشكون أن أهل هذا البيت معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله الذي علمه الله قالوا اللهم لا قال فأراكم قد شككتم في أمركم ورددتم عليهم علمهم ولو لم يعلموا أن هذا الرجل الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم لم يبعثوه إليكم وهو لا يتهم في نصرتهم وموالتهم والقيام بحقهم فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي داود وولوه أمرهم وأطاعوه فلم يزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير ولم يزل يعرفها لأبي داود وبث الدعاة في أقطار خراسان فدخل الناس أفواجا وكثروا وفشت الدعاة بخراسان كلها وكتب إلى إبراهيم الإمام أن يوافيه في موسم سنة تسع وعشرين ليأمره بأمره في إظهار دعوته وان يقدم معه قحطبة بن شبيب ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال ففعل ذلك وسار في جماعة من النقباء والشيعة فلقيه كتاب الإمام يأمره بالرجوع إلى خراسان وإظهار الدعوة بها وذكر قريبا مما تقدم من تسيير المال مع قحطبة وان قحطبة سار فنزل بنواحي جرجان فاستدعى خالد بن برمك وأباعوه فقدما عليه ومعهما ما اجتمع عندهما من مال الشيعة فاخذ منها وسار نحو إبراهيم الإمام
ذكر قتل الكرماني
ص 31
قد ذكرنا مقتل الحرث بن سريج وان الكرماني قتله ولما قتله خلصت له مرو وتنحى نصر عنها فأرسل نصر إليه سالم بن أحوز في رابطته وفرسانه فوجد يحيى بن نعيم الشيباني واقفا في ألف رجل من ربيعة ومحمد بن المثنى في سبعمائة من فرسان الازد وابن الحسن بن الشيخ في ألف من فتيانهم والجرمي السعدي في ألف من أبناء اليمن فقال سالم لمحمد بن المثنى يا محمد قل لهذا الملاح ليخرج إلينا يعني الكرماني فقال محمد يا ابن الفاعلة لأبي علي تقول هذا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم سالم بن احوز وقتل من أصحابه زيادة على مائة ومن أصحاب الكرماني زيادة على عشرين فلما قدم أصحاب نصر عليه منهزمين قال له عصمة بن عبد الله الاسدي يا نصر شامت العرب فأما إذ فعلت فشمر عن ساق فوجه عصمة في جمع فوقف موقف سالم فنادى يا محمد بن المثنى لتعلمن أن السمك لا يأكل اللخم
( واللخم ) دابة من دواب الماء تشبه السبع يأكل السمك فقال له محمد يا ابن الفاعلة قف لنا إذا وأمر محمد السعدي فخرج إليه في أهل اليمن فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم عصمة حتى أتى تصرا وقد قتل من أصحابه أربعمائة ثم أرسل نصر بن مالك بن عمرو التميمي في أصحابه فنادى يا ابن المثنى ابرز الي فبرز إليه فضربه مالك على حبل عاتقه فلم يصنع شيئا وضربه محمد بعمود فشدخ رأسه والتحم القتال فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أصحاب نصر وقد قتل منهم سبعمائة ومن أصحاب الكرماني ثلاثمائة ولم يزل الشر بينهم حتى خرجوا إلى الخندقين فاقتتلوا قتالا شديدا فلما استيقن أبو مسلم أن كلا الفرقين قد اثخن صاحبه وانه لا مدد لهم جعل يكتب إلى شيبان ثم يقول للرسول اجعل طريقك على مضر فانهم سيأخذون كتبك فكانوا يأخذونها فيقرأون فيها أني رأيت اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم فلا تثقن بهم ولا تظهر إليهم فإني أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب ولئن بقيت لا ادعه لها شعرا ولا ظفرا ويرسل رسولا آخر بكتاب فيه ذكر مضر بمثل ذلك وبأمر الرسول أن يجعل طريقه على اليمانية حتى صار هوى الفريقين معه ثم جعل يكتب إلى نصر بن سيار وإلى الكرماني أن الإمام أوصاني بكم ولست أعدو رأيه فيكم وكتب إلى الكور بإظهار الأمر فكان أول من سود أسد بن عبد الله الخزاعي بنسا ومقاتل بن حكيم وابن غزوان ونادوا يا محمد يا منصور وسود أهل ابيورد وأهل مرو الروذ وقرى مرو واقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق الكرماني وخندق نصر وهابه الفريقان وبعث إلى الكرماني أني معك فقبل ذلك الكرماني فانضم أبو مسلم إليه فاشتد ذلك على نصر بن سيار فأرسل الكرماني ويحك لا تغتر فوالله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه فادخل مرو نكتب كتابا بيننا بالصلح وهو يريد أن يفرق بينه وبين أبي مسلم فدخل الكرماني منزله وأقام أبو مسلم في العسكر وخرج الكرماني حتى وقف في الرحبة في مائة فارس وعليه قرطق وأرسل إلى نصر أخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب فابصر نصر منه غرة فوجه إليه ابن الحرث ابن سريج في نحو من ثلاثمائة فارس في الرحبة فالتقوا بها طويلا ثم أن الكرماني طعن في خاصرته فخر عن دابته وحماه أصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به فقتل نصر بن سيار الكرماني وصلبه وصلب معه سمكة واقبل ابنه علي وقد جمع جمعا كثيرا فصار إلى أبي مسلم واستصحبه معه فقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة فمال إلى بعض دور مرو واقبل أبو مسلم حتى دخل مرو واتاه علي ابن الكرماني واعلمه أنه معه وسلم عليه بالإمرة وقال له مرني بأمرك فإني مساعدك على ما تريد فقال أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري ولما نزل أبو مسلم بين خندق الكرماني ونصر وراى نصر قوته كتب إلى مروان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من معه فإنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد وكتب بأبيات شعر
( أرى بين الرماد وميض نار % وأخشى أن يكون له ضرام )
( فإن النار بالعودين تذكى % وإن الحرب مبدؤها كلام )
( فقلت من التعجب ليت شعري % أأيقاظ أمية أم نيام )
فكتب إليه مروان أن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب واحسم الثؤلول قبلك فقال نصر أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده فكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمده وكتب له بأبيات شعر
( أبلغ يزيد وخير القول أصدقه % وقد تيقنت أن لا خير في الكذب )
( أن خراسان أرض قد رأيت بها % بيضا لون أفرخ قد حدثت بالعجب )
( فراخ عامين إلا أنها كبرت % لما يطرن وقد سربلن بالزغب )
( إلا تدارك بخيل الله معلمة % ألهبن نيران حرب أيما لهب )
فقال يزيد لا تكثر فليس عندي رجل فلما قرا مروان كاتب نصر تصادف وصول كتابه وصول رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم وقد عاد من عند إبراهيم ومعه جواب أبي مسلم يلعنه إبراهيم ويسبه حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرماني إذ أمكناه ويأمره أن لا يدع بخراسان متكلما بالعربية إلا قتله فلما قرا الكتاب كتب إلى عامله بالبلقاء ليسير إلى الحميمة وليأخذ إبراهيم بن محمد فيشده وثاقا ويبعث به إليه ففل ذلك فأخذه مروان وحبسه
ذكر تعاقد أهل خراسان على أبي مسلم
ص 33
وفي هذه السنة تعاقدت عامة قبائل العرب بخراسان على قتال أبي مسلم وفيها تحول أبو مسلم من معسكره باسفيذنج إلى الماخوان وكان سبب ذلك أن أبا مسلم لما ظهر أمره سارع إليه الناس وجهل أهل مرو يأتونه ولا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم وكان الكرماني وشيبان لا يكرهان أمر أبي مسلم لأنه دعا إلى خلع مروان وأبو مسلم في خباء ليس له حرس ولا حجاب وعظم أمره عند الناس وقالوا ظهر رجل من بني هاشم له حلم ووقار وسكينة فانطلق فتية من أهل مرو نساك يطلبون الفقه إلى أبي مسلم فسألوه عن نسبه فقال خبري خير لكم من نسبي وسألوه أشياء من الفقه فقال أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا ونحن إلى عونكم أحوج منا إلى مسالتكم فاعفونا فقالوا ما نعرف لك نسبا ولا نظنك تبقى إلا قليلا حتى تقتل وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرغ أحد هذين الأميرين فقال أبو مسلم أنا اقتلهما أن شاء الله فأتوا نصرا فاخبروه فقال جزاكم الله خيرا مثلكم من يفتقد هذا ويعرفه وأتوا شيبان فاعلموه فأرسل إليه نصر أنا قد أشجى بعضنا بعضا فاكفف عني حتى أقاتله وان شئت فجامعني إلى حربه حتى اقتله أو انفيه ثم نعود إلى امرنا الذي نحن عليه فهم شيبان أن يفعل ذلك فأتى الخبر أبا مسلم فكتب إلى علي بن الكرماني انك موتور قتل أبوك ونحن نعلم انك لست على رأي شيبان وإنما نقاتل لثأرك فامتنع شيبان من صلح نصر فدخل على شيبان فثناه عن رأيه فأرسل نصر إلى شيبان انك لمغرور والله ليتفاقمن هذا الأمر حتى يستصغر في جنبه كل كبير وقال شعرا يخاطب بن ربيعة واليمن ويحثهم على الاتفاق معه على حرب أبي مسلم
( أبلغ ربيعة في مرو في يمن % أن اغضبوا قبل أن لا نفع الغضب )
( ما بالكم تنشبون الحرب بينكم % كان أهل الحجى عن رأيكم غيب )
( وتتركون عدوا قد أحاط بكم % ممن تأشب لا دين ولا حسب )
( لا عرب مثلكم في الناس نعرفهم % ولا صريح موال أن هم نسبوا )
( من كان يسألني عن أصل دينهم % فإن دينهم أن تهلك العرب )
( قوم يقولون قولا ما سمعت به % عن النبي ولاجاءت به الكتب )
فبيناهم كذلك إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضبي إلى هراة وعليها عيسى بن عقيل بن معقل الليثي فطرده فقدم على نصر منزهما وغلب النصر على هراة فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني لابن الكرماني وشيبان اختاروا أما أنكم تهلكون أنتم قبل مضر أو مضر قبلكم قالوا وكيف ذلك قال أن هذا الرجل إنما ظهر أمره منذ شهر وقد صار في عسكره مثل عسكركم قالوا ما الرأي قال صالحوا نصرا فإنكم أن صالحتموه قاتلوا نصرا وتركوكم لان الأمر في مضر وان لم تصالحوا نصرا صالحوه وقاتلوكم فقدموا مضر قبلكم ولو ساعة من نهار فتقر أعينكم بقتلهم فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه وأرسل سالم بن أحوز بكتاب الموادعة فأتى شيبان وعنده ابن الكرماني ويحيى بن نعيم فقال سالم لابن الكرماني يا اعور ما أخلقك أن تكون الأعور الذي يكون هلاك مضر على يده ثم توادعوا سنة وكتبوا كتابا أني ما صالحت نصرا إنما صالحه شيبان وأنا لذلك كاره وإنما موتور بقتله أبي ولا ادع قتاله فعأود القتال ولم يعنه شيبان وقال لا يحل الغدر
فأرسل ابن الكرماني إلى أبي مسلم يستنصره فاقبل حتى نزل الماخوان وكان مقامه بسيفنج وأربعين يوما ولما نزل الماخوان حفر بها خندقا وجعل للخنق بابين فعسكر به واستعمل على الشرط أبا نصر مالكين الهيثم وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان وعلى جيوان الجند كامل بن مظفر أبا صالح وعلى الرسائل اسلم بن صبيح وعلى القضاء القايم بن مجاشع النقيب وكان القاسم يصلي بابي مسلم فيقص القصص بعد العصر فيذكر فضل بني هاشم ومعايب بني أمية ولما نزل أبو مسلم الماخوان أرسل إلى الكرماني أني معك على نصر فقال ابن الكرماني أني احب أن يلقاني أبو مسلم فاتاه أبو مسلم فأقام عنده يومين ثم رجع إلى الماخوان وذلك لخمس خلون من المحرم سنة ثلاثين ومائة وكان أول عامل استعمله أبو مسلم على شيء من العمل داود بن كرار فرد أبو مسلم العبيد عنه واحتفر لهم خندقا في قرية شوال وولي الخندق داود بن كرار
فلما اجتمعت للعبيد جماعة وجههم إلى موسى بن كعب بأبيورد وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض الجند ويكتب أسماؤهم وأسماء آبائهم ونسبتهم إلى القرى ويجعل ذلك في دفتر فبلغت عدتهم سبعة آلاف رجل ثن أن القبائل من مضر وربيعة واليمن توادعوا على وضع الحرب وان تجتمع كلمتهم على محاربة أبي مسلم وبلغ أبا مسلم الخبر فعظم عليه وناظر فإذا الماخوان سافلة الماء فتخوف أن يقطع نصر عنه الماء فتحول إلى الين وكان مقامه بالماخوان أربعة اشهر فنزل الين وخندق بها
وعسكر نصر بن سيار على نهر عياض وجعل عاصم بن عمرو ببلاشن جرد وأبا الذيال بطوسان فانزل أبو الذيال جنده على أهلها وكان عامة اهلها مع أبي مسلم في الخندق فآذوا أهل طوسان وعسفوهم وسير إليهم أبو مسلم جندا فلقوا أبا الذيال فهزموه واسروا من أصحابه نحوا ممن ثلاثين رجلا فكساهم أبو مسلم ودأوى جراحهم وأطلقهم ولما استقر بابي مسلم معسكره باللين أمر محرز بن إبراهيم أن يسير في جماعة ويخندف بجيرنج ويجتمع عنده جمع من الشيعة ليقطع مادة نصر من مرو الروذ وبلخ وطخارستان ففعل ذلك واجتمع عنده نحو من ألف رجل فقطع المادة عن نصر
ذكر غلبة عبد الله بن معاوية على فارس وقتله
ص 35
وفي هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على فارس وكورها وقد تقدم ذكر ظهوره بالكوفة وانهزامه وخروجه من الكوفة نحو المدائن فلما وصل إليها أتاه أناس من أهل الكوفة وغيرها فسار إلى الجبال وغلب عليها وعلى حلوان وقومس واصبهان والري وخرج إليه عبيد أهل الكوفة وأقام باصبهان وكان من محارب بن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس فجاء إلى دار الإمارة باصطخر فطرد عامل عنها وبايع الناس لعبد الله بن معاوية
وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليها وانضم إلى محارب قواد من أهل الشام فسار إلى مسلم بن المسيب وهو عامل ابن عمر يشيراز فقتله في سنة ثمان وعشرين ثم خرج محارب إلى اصبهان إلى عبد الله بن معاوية فحوله إلى اصطخر فأقام بها واتاه الناس بنو هاشم وغيرهم وجبى المال وبعث العمال وكان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك واتاه شيبان بن الحلس بن عبد العزيز الخارجي على ما تقدم واتاه أبو جعفر المنصور واتاه عبد الله وعيسى أولاد علي بن عبد الله بن عباس
ولما قدم ابن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابي إلى عبد الله بن معاوية وبلغ سليمان بن حبيب أن ابن هبيرة استعمل نباتة على الاهواز فسرح داود بن حاتم فأقام بكربج دينار يمنع نباتة من الاهواز فقاتله فقت داود وهرب سليمان من الاهواز إلى سابور وفيها الأكراد قد غلبوا عليها فقاتلهم سليمان وطردهم عن سابور وكتب إلى ابن معاوية بالبيعة ثم أن محارب بن موسى اليشكري نافر ابن معاوية وفارقه وجمع جمعا فأتى سابور فقاتله يزيد بن معاوية أخو عبد الله فانهزم محارب واتى كرمان فأقام بها حتى قدم محمد بن الاشعث فصار معه ثم نافره فقتله ابن الاشعث وأربعة وعشرين ابنا له ولم يزل عبد الله بن معاوية باصطخر حتى أتاه ابن ضبارة مع داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة وسير ابن هبيرة أيضا معن بن زائدة من وجه آخر فقاتلهم معن عند مرو شاذان ومعن يقول
( ليس أمير القوم بالخل الخدع % فر من الموت وفي الموت وقع )
وأنهزم ابن معاوية فكف معن عنهم وقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب وكان يقال يقتل رجل من بني هاشم بمرو الشاذان واسروا أسرى كثيرة فقتل ابن ضبارة منهم عدة كثيرة وهرب منصور بن جمهور إلى السند وعبد الرحمن ين يزيد إلى عمان وعمرو بن سهل بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر وبعث ببقية الأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم ومضى ابن معاوية إلى خراسان فسار معن بن زائدة يطلب منصور ابن جمهور فلم يدركه فرجع وكان مع ابن معاوية من الخوارج وغيرهم خلق كثير فاسر منهم أربعون ألفا فهم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس فسبه ابن ضبارة وقال له ما جاء بك إلى ابن معاوية وقد عرفت خلافه لأمير المؤمنين فقال كان علي دين فأتيته فشفع فيه حرب بن قطن الهلالي وقال هو ابن اختنا فوهبه له فعاب عبد الله بن علي عبد الله بن معاوية ورمى أصحابه باللواط فسيره ابن ضبارة إلى ابن هبيرة ليخبره أخبار ابن معاوية وسار في طلب عبد الله بن معاوية إلى شيراز فحصره فخرج عبد الله ابن معاوية منها هاربا ومعه أخواه الحسن ويزيد ابنا معاوية وجماعة من أصحابه وملك المفازة على كرمان وقصد خراسان طمعا في أبي مسلم لأنه يدعو إلى الرضا من آل محمد وقد استولى على خراسان فوصل إلى نواحي هراة وعليها أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعي فأرسل إلى ابن معاوية يسأله عن قدومه فقال بلغني أنكم تدعون إلى الرضا من آل محمد فأتيتكم فأرسل إليه مالك انتسب نعرفك فانتسب له فقال أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل رسول الله وأما معاوية فلا نعرفه في أسمائهم فقال أن جدي كان عند معاوية لما ولد له أبي فطلب إليه أن يسمي ابنه باسمه ففعل فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم فأرسل إليه مالك لقد اشتريتم الاسم الخبيث بالثمن اليسير ولا نرى لك حقا فيما تدعو إليه ثم أرسل إلى أبي مسلم يعرفه خبره فأمره بالقبض عليه وعلى من معه فقبض عليهم وحبسهم ثم ورد عليه كتاب أبي مسلم يسامره بإطلاق الحسن ويزيد بن معاوية وقتل عبد الله بن معاوية فأمر من وضع فراشا على وجهه فمات وأخرج فصلي عليه ودفن وقبره بهراة معروف يزار رحمه الله
ذكر أبي حمزة الخارجي وطالب الحق
ص 38
وفي هذه السنة قدم أبو حمزة بلج بن عقبة الازدي الخارجي من الحج من قبل عبد الله بن يحيى الحضرمي طالب الحثق محكما للخلاف على مروان بن محمد فبينما الناس بعرفة ما شعروا إلا وقد طلعت عليهم أعلام وعمائم سود على رؤوس الرماح وهم سبعمائة ففزع الناس حتى رأوهم وسألوهم عن حالهم فاخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان فأرسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ على مكة والمدينة وطلب منهم الهدنة فقالوا نحن بحجنا اضن وعليه أشح فصالحهم على انهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير فوقفوا بعرفة على حدة فدفع بالناس عبد الواحد فنزل بمنى في منزل السلطان ونزل أبو حمزة بقرن الثعالب فأرسل عبد الواحد إلى أبي حمزة الخارجي عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وعبد الرحمن بن القاسم بن ومحمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن في رجال أمثالهم فدخلوا على أبي حمزة وعليه إزار قطن غليظ فتقدمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له فعبس في وجوههما واظهر الكراهة لهما ثم سال عبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر فانتسبا له فهش إليهما وتبسم في وجوههما وقال والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما فقال له عبد الله بن الحسن والله ما خرجنا لتفضل بين آبائنا ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة وهذا ربيعة يخبركها فلما ذكر له ربيعة نقض العهد قال أبو حمزة معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به لا والله لا افعل ولو قطعت رقبتي هذه ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم فرجعوا إلى عبد الواحد فأبلغوه فلما كان النفر الأول نفر عبد الواحد فيه وخلى مكة فدخلها أبو حمزة بغير قتال فقال بعضهم في عبد الواحد
( زار الحجيج عصابة قد خالفوا % دين الإله ففر عبد الواحد )
( ترك الحلائل والإمارة هاربا % ومضى يخبط كالبعير الشارد )
ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة فضرب على أهلها البعث وزادهم في العطاء عشر واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فخرجوا فلما كانوا بالحرة تلقتهم جزر منحورة فمضوا
ذكر ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالاندلس
ص 39
وفي هذه السنة توفي ثوابة بن سلمة أمير الأندلس وكانت ولايته سنتين وشهورا فلما توفي اختلف الناس فالمضرية أرادت أن يكون الأمير منهم واليمانية أرادت كذلك أن يكون الأمير منهم فبقوا بغير أمير فخاف الصميل الفتنة فأشار بان يكون الوالي من قريش فرضوا كلهم بذلك فاختار لهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري وكان يومئذ بالبيرة فكتبوا إليه بما اجتمع عليه الناس من تاميره فامتنع فقالوا له أن لم تفعل وقعت الفتنة ويكون إثم ذلك عليك فأجاب حينئذ وسار قرطبة فدخلها وأطاعه الناس
فلما انتهى إلى أبي الخطار موت ثوابة وولاية يوسف قال إنما أراد الصميل أن يصير الأمر إلى مضر وسعى في الناس حتى ثارت الفتنة بين اليمن ومضر فلما رأى يوسف ذلك فارق قصر الإمارة بقرطبة وعاد إلى منزله وسار أبو الخطار إلى شقنده فاجتمعت إليه اليمانية واجتمعت المضرية إلى الصميل وتزاحفوا واقتتلوا أياما كثيرة قتالا لم يكن بالأندلس اعظم منه ثم أجلت الحرب عن هزيمة اليمانية ومضى أبو الخطار منهزما فاستتر في رحى كانت للصميل فدل عليه فأخذه الصميل وقتله ورجع يوسف بن عبد الرحمن إلى القصر وازداد الصميل وقتله ورجع يوسف بن عبد الرحمن إلى القصر وازداد الصميل شرفا وكان اسم الإمارة ليوسف والحكم إلى الصميل ثم خرج على يوسف بن عبد الرحمن بن علقمة اللخمي بمدينة اربونة فلم يلبث إلا قليلا حتى قتل وحمل رأسه إلى يوسف وخرج عليه عذرة المعروف بالذمي فإنما قيل له ذلك لأنه استعان بأهل الذمة فوجه إليه يوسف عامر بن عمرو وهو الذي تنتسب إليه مقبرة عامر من أيوب قرطبة فلم يظفر به وعاد مفلولا فسار إليه يوسف بن عبد الرحمن فقاتله فقتله واستباح عسكره وقد وردت هذه الحادثة من جهة أخرى وفيها بعض الخلاف وسنذكرها سنة تسع وثلاثين ومائة عند دخول عبد الرحمن الأموي الأندلس
ذكر عدة حوادث
ص 40
وحج بالناس عبد الواحد وهو كان العامل على مكة والمدينة والطائف وكان على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور وكان على خراسان نصر بن سيار والفتنة بها
وفها مات سالم أبو نصر
وفيها مات يحيى بن معمر العدوي بخراسان وكان قد تعلم النحو من أبي الاسود الدؤلي وكان من فصحاء التابعين
وفيها مات أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
وفيها مات وهب بن كيسان ويحيى بن أبي كثير اليمامي أبو نصر وسعيد بن أبي صالح وأبو إسحاق الشيباني والحرث بن عبد الرحمن ورقبة بن مصقلة الكوفي ومنصور بن زاذان مولى عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي وشهد جنازته المسلمون واليهود والنصارى والمجوس لاتفاقهم على صلاحه وقيل مات سنة إحدى وثلاثين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.