ذكر دخول أبي مسلم مرو والبيعة بها
ص 41
وفي هذه السنة دخل أبو مسلم مدينة مرو في ربيع الآخر وقيل في جمادى الأولى وكان السبب في ذلك في اتفاق ابن الكرماني معه أن ابن الكرماني ومن معه وسائر القبائل بخراسان لما عاقدوا نصرا على أبي مسلم عظم عليه وجمع أصحابه لحربهم فكان سليمان بن كثير بازاء ابن الكرماني فقال له سليمان أن أبا مسلم يقول لك أما تأنف من مصالحة نصر وقد قتل بالأمس أباك وصلبه وما كنت أحسبك تجامع نصرا في مسجد تصليان فيه فاحفظه هذا الكلام فرجع عن رأيه وانتقض صلح العرب فلما انتقض صلحهم بعث نصر إلى أب مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر وبعث أصحاب ابن الكرماني وهم ربيعة واليمن إلى أبي مسلم بمثل ذلك فراسلوه بذلك أياما فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما ففعلوا وأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا ربيعة واليمن فان السلطان في مضر وهم أصحاب مروان وعماله وقتلة يحيى بن زيد فقدم الوفدان فجلس أبو مسلم وأجلسهم وجمع عنده من الشيعة سبعين رجلا فقال لهم ليختاروا أحد الفريقين فقام سليمان كثير من الشيعة فتكلم وكان خطيبا مفوها فاختار ابن الكرماني وأصحابه ثم قام أبو منصور طلحة بن زريق النقيب فاختارهم أيضا ثم قام مرثد بن شقيق السلمي فقال أن مضر قتله آل النبي وأعوان بني أمية وشيعة مروان الجعدي وعماله ودماؤنا في أعناقهم وأموالنا في أيديهم ونصر بن سيار عامل مروان يتعد أموره ويدعو له على منبره ويسميه أمير المؤمنين ونحن نبرا إلى الله عز وجل من أن يكون نصر على هدى وقد اخترنا علي بن الكرماني وأصحابه فقال السبعون القول ما قال مرثد بن شقيق فنهض وفد نصر عليهم الكآبة والذلة
ورجع وفد ابن الكرماني منصورين ورجع أبو مسلم من الين إلى الماخوان وأمر أبو مسلم الشيعة أن يبنوا المساكن فقد أغناهم الله من اجتماع كلمة العرب عليهم ثم أرسل إلى أبي مسلم علي بن الكرماني ليدخل مدينة مرو من ناحيته وليدخل هو وعشيرته من الناحية الأخرى فأرسل إليه أبو مسلم أني لست آمن أن تجتمع يدك ويد نصر على محاربتي ولكن ادخل أنت فانشب الحرب مع أصحاب نصر فدخل ابن الكرماني فانشب الحرب وبعث أبو مسلم شبل بن طهمان النقيب في خيل فدخلوها ونزل شبل بقصر بخار اخذاه وبعث إلى أبي مسلم ليدخل إليهم فسار من الماخوان وعلى مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعي وعلى ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعي وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميمي فدخل مرو والفريقان يقتتلان فأمرهما بالكف وهو يتلو من كتاب الله عز وجل ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه الآية ومضى أبو مسلم إلى قصر الإمارة وأرسل إلى الفريقين أن كفوا ولينصرف كل فريق إلى عسكره ففعلوا وصفت مرو لأبي مسلم فأمر بأخذ البيعة من الجند وكان الذي يأخذها أبو منصور طلحة بن رزيق وكان أحد النقباء عالما بحجج الهاشمية ومعايب الاموية وكان النقباء اثني عشر رجلا اختارهم محمد بن علي من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة ووصف له من العدل صفة
وكان منهم من خزاعة سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح وطلحة بن زريق وعمرو بن اعين ومن طيء قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان ومن تميم موسى بن كعب أبو عيينة ولاهز بن قريظ والقاسم بن مجاشع واسلم بن سلام ومن بكر بن وائل أبو داود بن إبراهيم الشيباني وأبو علي الهروي ويقال شبل بن طهمان مكان عمرو بن اعين وعيسى بن كعب وأبو النجم إسماعيل ابن عمران مكان أبي علي الهروي وهو ختن أبي مسلم ولم يكن في النقباء أحد والده حي غير أبي منصور طلحة بن زريق بن سعد وهو أبو زينب الخزاعي وكان قد شهد حرب ابن الأشعث وصحب المهلب وغزا معه وكان أبو مسلم يشاوره في الأمور ويسأله عنها وعما شهد من الحروب وكانت البيعة أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله محمد والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله وعليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام وعلى أن لا تسألوا رزقا ولا طعما حتى يبتدئكم به ولاتكم ( رزيق ) بتقديم الراء على الزاي
ذكر هرب نصر بن سيار من مرو
ص 43
ثم أرسل أبو مسلم لاهز بن قريظ في جماعة إلى نصر بن سيار يدعوه إلى كتاب الله عز وجل والرضا من آل محمد فلما رأى ما جاءه من اليمانية والربيعية والعجم وانه لا طاقة له بهم اظهر قبول ما أتاه به وانه يأتيه ويبايعه وجعل يرشيهم لما هم من الغدر والهرب إلى أن أمسوا وأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم إلى مكان يأمنون فيه فقال له سالم بن احوز لا يتهيأ لنا الخروج الليلة ولكننا نخرج القابلة فلما كان الغد عبئ أبو مسلم أصحابه وكتائبه إلى بعد الظهر وأعاد إلى نصر لاهز بن قريظ وجماعة معه فدخلوا على نصر فقال ما أسرع ما عدتم فقال له لاهز لن قريظ لا بد لك من ذلك فقال نصر إذا كان لا بد من ذلك فإني أتوضأ وأخرج إليه وأرسل إلى أبي مسلم فان كان هذا رأيه وأمره أتيته وأتهيأ إلى أن يجيء رسولي فقام نصر فلما قام قرا لاهز بن قريظ إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فدخل نصر منزله وأعلمهم أنه ينتظر انصراف رسوله من عند أبي مسلم فلما جنه الليل خرج من خلف حجرته ومعه تميم ابنه والحكم بن نميلة النميري وامرأته المرزبانة وانطلقوا هرابا فلما استبطاه لاهز وأصحابه دخلوا منزله فوجدوه قد هرب فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر واخذ ثقات صحابه وصناديدهم فكتفهم وكان فيهم سالم بن احوز صاحب شرطة نصر والبختري كاتبه وابنان له ويونس بن عبدويه ومحمد ابن قطن ومجاهد بن يحيى بن حضين وغيرهم فاستوثق منهم بالحديد وكانوا في الحبس عنده وسار أبو مسلم وابن الكرماني إلى مرو وسار نصر إلى سرخس واجتمع معه ثلاثة آلاف رجل ولما رجع أبو مسلم سال من كان أرسله إلى نصر ما الذي ارتاب به نصر حتى هرب قالوا لا ندري قال فهل تكلم أحد منكم بشيء قالوا تلا لاهز هذه الآية إن الملأ يأتمرون بك قال هذا الذي دعاه إلى الهرب ثم قال يا لاهز تدغل في الدين ثم قتله واستشار أبو مسلم أبا طلحة في أصحاب نصر فقال اجعل سوطك السيف وسجنك القبر فقتلهم أبو مسلم وكان عدتهم أربعة وعشرين رجلا وأما نصر فإنه سار من سرخس إلى طوس فأقام بها خمية عشر يوما وبسرخس يوما ثم سار إلى نيسابور فأقام بها ودخل ابن الكرماني مرو مع أبي مسلم وتابعه على رأي وعاقده عليه ( يحيى بن حضين ) بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وآخره نون
ذكر قتل شيبان الحروري
ص 44
وفي هذه السنة قتل شيبان بن سلمة الحروري وكان سبب قتله أنه كان هو وعلي بن الكرماني مجتمعين على قتال نصر لمخالفة شيبان نصرا لأنه من عمال مروان وشيبان يرى رأي الخوارج ومخالفة ابن الكرماني نصرا لان نصرا قتل أباه الكرماني وان نصرا مضري وابن الكرماني يماني وبين الفريقين من العصبية ما هو مشهور فلما صالح ابن الكرماني أبا مسلم على ما تقدم وفارق شيبان تنحى شيبان عن مرو إذ علم أنه لا يقوى لحربهما وقد هرب نصر إلى سرخس ولما استقام الأمر لأبي مسلم أرسل إلى شيبان يدعوه إلى البيعة فقال شيبان أنا أدعوك إلى بيعتي فأرسل إليه أبو مسلم أن لم تدخل في امرنا فارتحل عن منزلك الذي أنت به فأرسل شيبان إلى ابن الكرماني يستنصره فأبى فسار شيبان إلى سرخس واجتمع إليه جمع كثير من بكر بن وائل فأرسل إليه أبو مسلم تسعة من الازد يدعوه ويسأله أن يكف فاخذ الرسل فسجنهم فكتب أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث بابيورد يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله فسار إليه فقاتله فانهزم شيبان واتبعه بسام حتى دخل المدينة فقتل شيبان وعدة من بكر بن وائل فقيل لابي مسلم أن بساما ارتد ثانية وهو يقتل البريء بالسقيم فاستقدمه فقدم عليه واستخلف على عسكره رجلا فلما قتل شيبان مر رجل من بكر بن وائل برسل أبي مسلم فقتلهم وقيل أن أبا مسلم وجه إلى شيبان عسكرا من عنده عليهم خزيمة بن خازم وبسام بن إبراهيم
ذكر قتل ابني الكرماني
ص 45
وفي هذه السنة قتل أبو مسلم عليا وعثمان ابني الكرماني وكان سبب ذلك أن أبا مسلم كان وجه موسى بن كعب إلى ابيورد فافتتحها وكتب إلى أبي مسلم بذلك ووجه أبا داود إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيري فلما بلغه قصد أبي داود بلخ خرج في أهل بلخ وترمذ وغيرهما ومن كورطخستان إلى الجوزجان فلما دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى ترمذ ودخل أبو داود مدينة بلخ فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه ووجه مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء على بلخ فلما قدم يحيى مدينة بلخ كاتبه زياد بن عبد الرحمن أن يرجع وتصير أيديهم واحدة فأجابه فرجع زياد ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهلي وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوك طخارستان وما وراء النهر ودونه فنزلوا على فرسخ من بلخ وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه فصارت كلمتهم واحدة مضر وريعة واليمن ومن معهم من العجم على قتال المسودة وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيان النبطي كراهة أن يكون من واحد من الفرق الثلاثة وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود فاقبل بمن معه حتى اجتمعوا على نهر السرجنان وكان زياد وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشي مسلحة لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم وكانت أعلام أبي داود سودا فلما اقتتل أبو داود وزياد وأصحابهما أمر أبو سعيد وراياته سودا ظنوه كمينا لأبي داود خلفهم فلما رأى زياد ومن معه أعلام أبي سعيد وراياته سودا ظنوه كمينا لأبي داود فانهزموا وتبعهم أبو داود فوقع عامة أصحاب زياد في نهر السرجنان وقتل عامة رجالهم المتخلفين ونزل أبو داود معسكرهم وحوى ما فيه ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ
واستصفى أبو داود أموال من قتل ومن هرب واستقامت له بلخ وكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه ووجه النضر بن صبيح المري على بلخ وقدم أبو داود على أبي مسلم واتفقا على أن يفرقا بين علي وعثمان ابني الكرماني فبعث أبو مسلم عثمان عاملا على بلخ فلما قدمها استخلف الفرافصة بن ظهير العبسي على بلخ وأقبلت المضرية من ترمذ عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي فالتقوا هم وأصحاب عثمان فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب عثمان وغلب مسلم على بلخ وبلغ عثمان والنضر بن صبيح الخبر وهما بمرو الروذ فاقبلا نحوهم فهرب أصحاب عبد الرحمن من ليلتهم فلم يمعن النضر في طلبهم رجاء أن يفوتوا ولقيهم أصحاب عثمان فاقتتلوا قتالا شديدا ولم يكن النضر معهم فانهزم أصحاب عثمان وقتل منهم خلق كثير ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ وسار أبو مسلم ومعه علي بن الكرماني إلى نيسابور
واتفق رأي أبي مسلم ورأى أبي داود على أن يقتل أبو مسلم عليا ويقتل أبو داود عثمان فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملا على الجبل فيمن معه من أهل مرو فلما خرج من بلخ وسار أبو مسلم ومعه علي بن الكرماني إلى نيسابور
واتفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود على أن يقتل أبو مسلم عليا ويقتل أبو داود عثمان فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملا على الجبل فيمن معه من أهل مرو فلما خرج من بلخ تبعه أبو داود فأخذه وأصحابه فحبسهم جميعا ثم ضرب أعناقهم صبرا وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم علي بن الكرماني وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمي له خاصته ليوليهم ويأمر لهم بجوائز وكسوات فسماهم له فقتلهم جميعا
ذكر قدوم قحطبة من عند الإمام إبراهيم
ص 46
وفي هذه السنة قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم من عند إبراهيم الإمام ومعه لواؤه الذي عقد له إبراهيم فوجهه أبو مسلم في مقدمته وضم إليه الجيوش وجعل إليه العزل والاستعمال وكتب إلى الجنود بالسمع والطاعة له
ذكر مسير قحطبة إلى نيسابور
ص 46
لما قتل شيبان الخارجي وابنا الكرماني على ما تقدم وهرب نصر بن سيار من مرو وغلب أبو مسلم على خراسان بعث العمال على البلاد فاستعمل سباع بن النعمان الأزدي على سمرقند وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان ومحمد بن الاشعث على الطبسين وجعل مالك بن الهيثم على شرطه ووجه قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد منهم أبو عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك وعثمان بن نهيك وخازم بن خزيمة وغيرهم فلقي قحطبة بن بطوس فهزمهم وكان من مات منهم في الزحام أكثر ممن قتل فبلغ عدة القتلى بضعة عشرة ألفا ووجه أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة وكتب إلى قحطبة يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيار والنابئ بن سويد ومن لجا إليهما من أهل خراسان وكان أصحاب شيبان بن سلمة الخارجي قد لحقوا بنصر ووجه أبو مسلم علي بن معقل في عشرة آلاف رجل إلى تميم بن نصر وأمره أن يكون مع قحطبة وسار قحطبة إلى السوذقان وهو معسكر تميم بن نصر والنابئ وقد عبئ أصحابه وزحف إليهم فدعاهم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه وإلى الرضا من آل محمد فلم يجيبوه فقاتلهم قتالا شديدا فقتل تميم بن نصر في المعركة وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة واستبيح عسكرهم وكان عدة من معه ثلاثين ألفا وهرب النابئ بن سويد فتحصن بالمدينة فحصره قحطبة ونقبوا سورها ودخلوا المدينة فقتلوا النابئ ومن كان معه وبلغ الخبر نصر بن سيار بنيسابور بقتل ابنه ولما استورى قحطبة على عسكرهم سير إلى خالد بن برمك ما قبض منه وسار هو إلى نيسابور وبلغ ذلك نصر بن سيار فهرب منها فيمن معه فنزل قومس وتفرق عنه أصحابه فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان وقدم قحطبة نيسابور بجنوده فأقام بها رمضان وشوال
ذكر قتل نباتة بن حنظلة
ص 47
وفي هذه السنة قتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان وكان يزيد ابن هبيرة بعثه إلى نصر فاتى فارس واصبهان ثم سار إلى الري ومضى إلى جرجان وكان نصر بقومس على ما تقدم فقيل له أن قوم لا تحملنا فسار إلى جرجان فنزلها مع نباتة وخندقوا عليهم واقبل قحطبة إلى جرجان في ذي القعدة فقال قحطبة يا أهل خراسان أتدرون إلى من تسيرون ومن تقاتلون إنما تقاتلون بقية قوم حرقوا بيت الله تعالى وكان الحسن بن قحطبة على مقدمة أبيه فوجه جمعا إلى مسلحة نباتة وعليها رجل يقال له ذؤيب فبيتوهم فقتلوا ذؤيبا وسبعين رجلا من أصحابه فرجعوا إلى الحسن وقدم قحطبة فنزل بازاء نباتة وأهل الشام في عدة لم ير الناس مثلها فلما رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلموا بذلك وأظهروه فبلغ قحطبة قولهم فقام فيهم فقال يا أهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين وكانوا ينصرون على عدوهم لعدلهم وحسن سيرتهم حتى بدلوا وظلموا فسخط الله عز وجل عليهم فانتزع سلطانهم وسلط عليهم إذ ل أمة كانت في الأرض عندهم فغلبوهم على بلادهم وكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد وينصرون المظلوم ثم بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم لتكونوا اشد عقوبة لأنكم طلبتموهم بالثار وقد عهد إلى إلمام إنكم تلقونهم في مثل هذه العدة فينصركم الله عز وجل عليهم فتهزموهم وتقتلونهم فالتقوا في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين يوم الجمعة فقال لهم قحطبة قبل القتال أن الإمام اخبرنا إنكم تنصرون على عدوكم هذا اليوم من هذا الشهر وكان على ميمنته ابنه الحسن فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل نباتة وانهزم أهل الشام فقتل منهم عشرة آلاف وبعث إلى أبي مسلم براس نباتة وابن حية
ذكر وقعة أبي حمزة الخارجي بقديد
ص 48
في هذه السنة لسبع بقين من صفر كانت الوقعة بقديد بين أهل المدينة وابي حمزة الخارجي قد ذكرنا أن عبد الواحد بن سليمان ضرب البعث على أهل المدينة واستعمل عليهم عبد العزيز بن عبد الله فخرجوا فلما كانوا بالحرة لقيتهم جزر منحورة فتقدموا فلما كانوا بالعقيق تعلق لواؤهم بسمرة فانكسر الرمح فتشاءم الناس بالخروج واتاهم رسل أبي حمزة يقولون أننا والله ما لنا بقتالكم حاجة دعونا نمضي إلى عدونا فأبى أهل المدينة ولم يجيبوه إلى ذلك وساروا حتى نزلوا قديدا وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أصحاب أبي حمزة من الفضاض فقتلوهم وكانت المقتلة بقريش وفيهم كانت الشوكة فأصيب منهم عدد كثير وقدم المنهزمون المدينة فكانت المرأة تقيم النوائح على حميمها ومعها النساء فما تبرح النساء حتى تأتيهم الأخبار عن رجالهن فيخرجن امرأة امرأة كل واحدة منهن تذهب لقتل رجلها فلا تبقى عندها امرأة لكثرة من قتل وقيل أن خزاعة دلت أبا حمزة على أصحاب قديد وقيل كان عدة القتلى سبعمائة
ذكر دخول أبي حمزة المدينة
ص 49
وفي هذه السنة دخل أبو حمزة المدينة ثالث عشر صفر ومضى عبد الواحد منها إلى الشام وكان أبو حمزة قد اعذر إليهم وقال لهم ما لنا بقتالكم حاجة تدعونا نمضي إلى عدونا فأبى أهل المدينة فلقيهم فقتل منهم خلقا كثيرا ودخل المدينة فرقي المنبر وخطبهم وقال لهم يا أهل المدينة مررت زمان الأحول يعني هشام بن عبد الملك وقد أصاب ثماركم عاهة فكتبكم إليه تسألونه أن يضع عنكم خراجكم ففعل فزاد الغني غنى والفقير فقرا فقلتم له جزاك الله خيرا فلا جزاكم الله خيرا ولا جزاه خيرا واعلموا يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا اشرا ولا بطرا ولا عبثا ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ولا لثار قديم نيل ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت وعنف القائل بالحق وقتل القائم بالقسط ضاقت علينا الأرض بما رحبت وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن فاجبنا داعي الله ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض فأقبلنا من قبائل شتى ونحن قليلون مستضعفون في الأرض فآوانا وأيدنا بنصره فاسبحنا بنعمته إخوانا ثم لقينا رجالكم بقديد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن فدعونا إلى طاعة الشيطان وحكم بني مروان فشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد ثم اقبلوا يهرعون وقد ضرب الشيطان فيهم بحرانه وغلت بدمائهم مراجله وصدق عليهم ظنه واقبل أنصار الله عز وجل عصائب وكتائب بكل مهند ذي رونق فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضرب يرتاب به المبطلون وأنتم يا أهل المدينة أن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين يا أهل المدينة أو لكم خير أول وآخركم شر آخر يا أهل المدينة اخبروني عن ثمانية اسهم فرضها الله عز وجل في كتابه على القوي والضعيف فجاء تاسع ليس له فيها سهم فأخذها لنفسه مكابرا محاربا ربه يا أهل المدينة بلغني إنكم تنتقصون أصحابي قلتم شباب أحداث وأعراب حفاة ويحكم وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابا أحداثا وأعرابا حفاة هم والله مكتهلون في شبابهم غضة عن الشر أعينهم ثقيلة عن الباطل أقدامهم واحسن السيرة مع أهل المدينة واستمال حتى سمعوه يقول من زنى فهو كافر ومن سرق ومن شك في كفرهما فهو كافر وأقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة اشهر
ذكر قتل أبي حمزة الخارجي
ص 50
ثم أن أبا حمزة ودع أهل المدينة وقال لهم يا أهل المدينة أنا خارجون إلى مروان فان نظفر نعدل في إخوانكم ونحملكم على سنة نبيكم وان يكن ما تتمون فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ثم سار نحو الشام وكان مروان قد انتخب من عسكره أربعة آلاف فارس واستعمل عليهم عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي سعد هوازن وأمره أن يجد السير وأمره أن يقاتل الخوارج فت هو ظفر بهم يسير حتى يبلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى طالب الحق فسار ابن عطية فلقي أبا حمزة بوادي القرى فقال أبو حمزة لأصحابه لا تقاتلوهم حتى تختبروهم فصاحوا بهم ما تقولون في القرآن والعمل به فقال ابن عطية نضعه في جوف الجواليق فقال فما تقولون في مال اليتيم قال ابن عطية نأكل ماله ونفجر بأمه في أشياء سألوه عنها فلما سمعوا كلامه قاتلوه حتى أمسوا وصاحوا ويحك يا ابن أن الله قد جعل الليل سكنا فاسكن فأبى وقاتلهم حتى قتلهم وانهزم أصحاب أبي حمزة من لم يقتل وأتوا المدينة فلقيهم أهل المدينة فقتلوهم وسار ابن عطية إلى المدينة فأقام شهرا وفيمن قتل مع أبي حمزة عبد العزيز القاري المدني المعروف بيشكست النحوي وكان من أهل المدينة يكتب مذهب الخوارج فلما دخل أبو حمزة المدينة انضم إليه فلما قتل الخوارج قتل معهم
ذكر قتل عبد الله بن يحيى
ص 50
ولما أقام ابن عطية بالمدينة شهرا سار نحو اليمن واستخلف على المدينة الوليد ابن عروة بن محمد بن عطية واستخلف على مكة رجلا من أهل الشام وقصد اليمن وبلغ عبد الله بن يحيى طالب الحق مسيره وهو بصنعاء فاقبل إليه بن معه فالتقى هو وابن عطية فاقتتلوا فقتل ابن يحيى وحمل رأسه إلى مروان بالشام ومضى ابن عطية إلى صنعاء
ذكر قتل ابن عطية
ص 51
ولما سار ابن عطية إلى صنعاء دخلها واقام بها فكتب إليه مروان يأمره أن يسرع إليه السير ليحج بالناس فسار في اثني عشر رجلا بعهد مروان على الحج ومعه أربعون ألفا وسار خلف عسكره وخيله بصنعاء ونزل الجرف فاتاه ابنا جهانة المراديان في جمع كثير وقالوا له ولأصحابه أنتم لصوص فاخرج ابن عطية عهده على الحجج وقال هذا عهد أمير المؤمنين بالحج وأنا ابن عطية قالوا هذا باطل فانتم لصوص فقاتلهم ابن عطية قتالا شديدا حتى قتل
ذكر إيقاع قحطبة بأهل جرجان
ص 51
وفي هذه السنة قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان ما يزيد على ثلاثين ألفا وسبب ذلك أنه بلغه عنهم بعد قتل نباتة بن حنظلة انهم يريدون الخروج عليه فلما بلغه ذلك دخل إليهم واستقرر منهم فقتل منهم من ذكرنا وسار نصر وكان بقومس حتى نزل خوار الري وكاتب ابن هبيرة يستمده وهو بأواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان وعظم الأمر عليه وقال له أني قد مذبت أهل خراسان حتى ما أحد منهم يصدقني فأمدني بعشرة آلاف قبل أن تمدني بمائة ألف لا تغني شيئا فحبس ابن هبيرة رسل نصر فأرسل نصر إلى مروان أني وجهت قوما من أهل خراسان إلى ابن هبيرة ليعلموه أمر الناس قبلنا وسألته المدد فحبس رسلي ولم يمدني بأحد وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته ثم أخرج من حجرته إلى داره ثم من داره إلى فناء داره فان أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له وان أخرج إلى الطريق فلا دار له ولا فناء فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمد نصرا وكتب إلى نصر يعلمه ذلك وجهز ابن هبيرة جيشا كثيفا وجعل عليهم ابن غطيف وسيرهم إلى نصر
ذكر عدة حوادث
ص 51
غزا الصائفة هذه السنة الوليد بن هشام فنزل العمق وبنى حصن مرعش
وفيها وقع الطاعون بالبصرة
وحج بالناس هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان وكان هو أمير مكة والمدينة والطائف وكان بالعراق يزيد بن عمر بن هبيرة وكان على قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربي وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور وكان الأمير بخراسان على ما وصفت قلت قد ذكر أبو جعفر ههنا أن محمد بن عبد الملك حج بالناس وكان أمير مكة والمدينة وذكر فيما تقدم أن عروة بن الوليد كان على المدينة وذكر في آخر سنة إحدى وثلاثين أن عروة أيضا كان على المدينة ومكة والطائف وانه حج بالناس تلك السنة
وفي هذه السنة مات أبو جعفر يزيد بن القعقعا القاري مولى عبد الله بن عباس المخزومي بالمدينة وقيل سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بقديد
وفيها توفي أيوب بن أبي تميمة السختياني وقيل سنة تسع وعشرين وعمره ثلاث وستون سنة وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري وقيل سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقيل سنة أربع وثلاثين ومائة ويكنى أبا نجيح وفيها توفي محمد بن مخرمة بن سليمان وله سبعون سنة وأبو وجرة السعدي يزيد بن عبيد وأبو الحويرث ويزيد بن أبي مالك الهمداني ويزيد بن رومان وعكرمة بن عبد الرحمن ابن الحرث بن هشام وعبد العزيز بن رفيع بضم الراء المهملة وفتح الفاء وبالعين المهملة وهو أبو عبد الله المكي الفقيه وكان قد قارب مائة سنة وكان لا يثبت معه امرأة لكثرة نكاحه وإسماعيل بن أبي حكيم كاتب عمر بن عبد العزيز ويزيد بن أبان وهو المعروف بيزيد الرشك وكان قساما بالبصرة وحفص بن سليمان بن المغبرة وكان مولده سنة ثمانين يروي قراءة عاصم عنه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.