الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
2

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة

الجزء الخامس 6 عنصر صفحة 16
ذكر قتل الحرث بن سريج وغلبة الكرماني على مرو ص 16

قد تقدم ذكر أمان يزيد بن الوليد للحرث بن سريج وعوده من بلاد المشركين إلى بلاد الإسلام وما كان بينه وبين نصر من الاختلاف فلما ولي ابن هبيرة العراق كتب إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد فقال الحرث إنما أمنني يزيد وبم يرمنني مروان ولا يجيز مروان أمان يزيد فلا آمنه فخالف نصرا فأرسل إليه نصر يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن الفرقة وأطماع العدو فلم يجبه إلى ما أراد وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر اجعل الأمر شورى فأبى نصر وأم الحرث جهم بن صفوان راس الجهمية وهو مولى راسب أن يقرا سيرته وما يدعو إليه على الناس فلما سمعوا ذلك كثروا وكثر جمعه

وأرسل الحرث إلى نصر ليعزل سالم بن أحوز عن شرطته ويغير عماله ويقر الأمر بينهما أن يختاروا رجالا يسمون لهم قوما يعملون بكتاب الله فاختار نصر مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان واختار الحرث المغيرة بن شعبة الجهضمي ومعاذ بن جبلة وأمر نصر كاتبه أن يكتب ما يرضي هؤلاء الأربعة من السنن وما يختارونه من العمال فيوليهم ثغر سمرقند وطخارستان وكان الحرث يظهر أنه صاحب الراية السود فأرسل إليه نصر أن كنت تزعم أنكم تهدمون سور دمشق وتزيلون ملك بني أمية فخذ مني خمسمائة راس ومائتي بعير واحمل من الأموال ما شئت وآلة الحرب وسر فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت أني لفي يدك وإن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك فقال الحرث قد علمت أن هذا حق ولكن لا يبايعني عليه من صحبني فقال نصر فقد ظهر انهم ليسوا على رأيك فاذكر الله في عشرين ألفا من ربيعة واليمن يهلكون فيما بينكم وعرض عليه نصر أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف فلم يقبل فقال له نصر فابدأ بالكرماني فإنه قتلته فأنا في طاعتك فلم يقبل ثم تراضيا بان حكما جهم بن صفوان ومقاتل بن حيان فحكما بأن يعتزل نصر وأن يكون الأمر شورى فلم يقبل نصر فخالفه الحرث واتهم نصر قوما من أصحابه أنهم كاتبوا الحرث فاعتذروا إليه فقبل عذرهم وقد عليه جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة منهم عاصم بن عمير الصريمي وأبو الذيال الناجي ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم وأمر الحرث أن تقرأ سيرته في الأسواق والمساجد وعلى باب نصر فقرئت فأتاه خلق كثير وقرأها رحل على باب نصر فضربه غلمان نصر فنابذهم الحرث وتجهزوا للحرب ودل رجل من أهل مرو الحرث على نقب في سورها فمضى الحرث إليه فنقبه ودخل المدينة من ناحية باب بالين فقاتلهم جهم بن مسعود الناجي فقتل جهم وانتهبوا منزل سالم بن أحوز وقتلوا من كان يحرس باب بالين وذلك يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة وعدل الحرث في سكة السعد فرأى أعين مولى حيان فقاتله فقتل أعين وركب سالم حين أصبح وأمر مناديا فنادى من جاء براس فله ثلاثمائة فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحرث وقاتلهم الليل كله وأتى سالم عسكر الحرث فقتل كاتبه واسمه يزيد بن داود وقتل الرجل الذي دل الحرث على النقب

وأرسل نصر إلى الكرماني فأتاه على عهد وعنده جماعة فوقع بين سالم بن أحوز ومقدام بن نعيم كلام فأغلظ كل واحد منهما لصحابه فأعان كل واحد منهما نفر من الحاضرين فخاف الكرماني أن يكون مكرا من نصر فقام وتعلقوا به فلم يجلس وركب فرسه ورجع وقال أراد نصر الغدر بي وأسر يومئذ جهم بن صفوان وكان مع الكرماني فقتل وأرسل الحرث ابنه حاتما إلى الكرماني فقال له محمد بن المثنتى هما عدواك دعهما يضطربان فلما كان الغد ركب الكرماني إلى باب مديان يزيد فقاتل أصحاب نصر واقبل الكرماني إلى باب حرب بن عامر ووجه أصحابه إلى نصر يوم الأربعاء فتراموا ثم تحاجزوا ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال والتقوا يوم الجمعة فانهزم الأزد حتى وصلوا إلى الكرماني فأخذ اللواء بيده فقاتل به وانهزم أصحاب نصر وأخذوا لهم ثمانين فرسا وصرع تميم بن نصر وأخذوا له برذونين وسقط سالم بن أحوز فحمل إلى عسكر نصر فلما كان بعض الليل خرج نصر بن مرو وقيل عصمة بن عبد الله الأسدي فكان يحمي أصحاب نصر واقتتلوا ثلاثة أيام فانهزم أصحاب الكرماني في آخر يوم وهم الازد وربيعة فنادى الخليل بن غزوان يا معشر ربيعة واليمن قد دخل الحرث السوق وقتل ابن الاقطع يعني نصر بن سيار فقطع في أعضاد المضرية وهم أصحاب نصر فانهزموا وترجل تميم بن نصر فقاتل فلما هزمت اليمانية مضر أرسل الحرث إلى نصران اليمانية يعيرونني بانهزامكم وأنا كاف فاجعل حماة أصحابك بازاء الكرماني فأخذ عليه نصر العهود بذلك وقدم على نصر عبد الملك بن سعد العودي وأبو جعفر عيسى بن حرز من مكة فقال نصر لعبد الحكم العوذي وهم بطن من الازد أما ترى ما فعل سفهاء قومك فقال بل سفهاء قومك طالت ولايتها بولايتك دون ربيعة واليمن فنظروا في ربيعة واليمن علماء وسفهاء فغلب السفهاء العلماء فقال أبو جعفر عيسى لنصر أيها الأمير حسبك من الولاية وهذه الأمور فإنه قد أظلك أمر عظيم سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعو إلى دولة تكون فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون فقال نصر ما أشبه أن يكون كما تقول لقلة الوفاء وسوء ذات البين فقال أن الحرث مقتول مصلوب وما الكرماني من ذلك ببعيد

فلما خرج نصر بن مرو غلب الكرماني وخطب الناس فأمنهم وهدم الدور ونهب الأموال فأنكر الحرث عليه ذلك فهم الكرماني به ثم تركه واعتزل بشر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف وقال للحرث إنما قتلت معك طلب العدل فأما إذا أنت مع الكرماني فما تقاتل إلا ليقال غلب الحرث وهؤلاء يقاتلون عصبية فلست مقاتلا معك فنحن الفئة العادلة لا نقاتل إلا من يقاتلنا واتى الحرث مسجد عياض وأرسل إلى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى فأبى الكرماني فانتقل الحرث عنه وأقاموا أياما ثم أن الحرث أتى السور فثلم فيه ثلمة ودخل البلد واتى الكرماني فاقتتلوا فاشتد القتال بينهم فانهزم الحرث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكرهم والحرث على بغل فنزل عنه وركب فرسا وبقي في مائة فقتل عند شجرة زيتون أو غبيراء وقتل أخوه سوادة وغيرهما

وقيل كان سبب قتله أن الكرماني خرج إلى بشر بن جرموز الذي ذكرنا اعتزاله ومعه الحرث بن سريج فأقام الكرماني أياما بينه وبين عسكر بشر فرسخان ثم قرب منه ليقاتله فندم الحرث على اتباع الكرماني وقال لا تعجل إلى قتالهم فأنا أردهم عليك فخرج في عشرة فوارس فأتى عسكر بشر فأقام معهم وخرج المضرية أصحاب الحرث من عسكر الكرماني إليه فلم يبق مع الكرماني مضري غير سلمة بن أبي عبد الله فإنه قال لم أر الحرث إلا غادرا وغير المهلب بن اياس فإنه قال لم أر الحرث قط إلا في خيل تطرد فقاتلهم الكرماني مرارا يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء ثم أن الحرث ارتحل بعد أيام فنقب سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني فدخلها أيضا فقالت المضرية للحرث تركنا الخنادق فهو يومنا وقد فررت غر مرة فترجل فقال أنا لكم فارسا خير مني لكم راجلا فقالوا لا نرضى إلا أن تترجل وترجل فاقتتلوا هم والكرماني فقتل الحرث وأخوه وبشر بن جرموز وعدة من فرسان تميم وانهزم الباقون وصلب الحرث وصفت مرو لليمن فهدموا دور المضرية فقال نصر بن سيار للحرث حين قتل

( يا مدخل الذل على قومه % بعدا وسحقا لك من هالم )

( شؤمك أردى مضرا كلها % وحز من قومك بالحارك )

( ما كانت الأزد وأشياعها % تطمع في عمرو ولا مالك )

( ولا بنو سعد إذا ألجموا % كل طمر لونه حالك )

عمرو ومالك وسعد بطون من تميم وقيل بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة وقالت أم كثير الضبية

( لا بارك الله في أنثى وعذبها % تزوجت مضريا آخر الدهر )

( أبلغ رجال تميم قول موجعة % أحللتموها بدار الذل والفقر )

( أن أنتم لم تكروا بعد جولتكم % حتى تعدوا رجال الازد في الظهر )

( إني استحيت لكم من بعد طاعتكم % هذا المزوني يجنيكم على قهر )

ذكر شيعة بني العباس ص 20

وفي هذه السنة وجه إبراهيم الإمام أبا مسلم الخراساني واسمه عبد الرحمن بن مسلم إلى خراسان وعمره تسع عشرة سنة وكتب إلى أصحابه أني قد أمرته بأمري فاسمعوا له وأطيعوا فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك فاتاهم فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة عند إبراهيم فاعلمه أبو مسلم انهم لم ينفذوا كتابه وأمره فقال إبراهيم قد عرضت هذا الأمر على غير واحد وأبوه علي وكان قد عرضه على سليمان بن كثير فقال لا ألي على اثنين أبدا ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى فأعلمهم أنه قد جمع رأيه على أبي مسلم وأمرهم بالسمع والطاعة له ثم قال له انك رجل منا أهل بيتا حفظ وصيتي انظر هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن بين أظهرهم فان الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم واتهم ربيعة في ارمهم وأما مضر فانهم العدو القريب الدار واقتل من شككت فيه وان استطعت أن لا تدع تخالف هذا الشيخ يعني سليمان بن كثير ولا تعص وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني وسيرد من خبر أبي مسلم غير هذا إن شاء الله تعالى

ذكر قتل الضحاك الخارجي ص 20

قد ذكرنا محاصرة الضحاك بن قيس الخارجي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط فلما طال عليه الحصار أشير عليه بان يدفعه عن نفسه إلى مروان فأرسل ابن عمر إليه أن مقامكم علي ليس يسيء هذا مروان فسيروا إليه فان قتلته فأنا معك فصالحه وخرج إليه وصلى خلفه فانصرف إلى الكوفة وأقام ابن عمر بواسط وكاتب أهل الموصل الضحاك ليقدم عليهم ليمكنوه منها فسار في جماعة من جنوده بعد عشرين شهرا حتى انتهى إليها وعليها يومئذ لمروان رجل من بني شيبان يقال له القطران بن أكمة ففتح أهل الموصل البلد فدخله الضحاك وقاتلهم القطران ومن معه من أهله وهم عدة يسيرة حتى قتلوا واستولى الضحاك على الموصل وكورها

وبلغ مروان خبره وهو محاصر حمص مشتغل بقتال أهلها فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة يأمره أن يسير إلى نصيبين فيمن معه الضحاك عن توسط الجزيرة فسار إليها في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف وسار الضحاك إلى نصيبين فحصر عبد الله فيها وكان مع الضحاك ما يزيد على مائة ألف ووجه قائدين من قواده إلى الرقة في أربعة آلاف أو خمسة آلاف فقاتله من بها فوجه إليهم مروان من رحلهم عنها ثم أن مروان سار إلى الضحاك فالتقوا بنواحي كفرتوثا من أعمال ماردين فقاتله يومه اجمع فلما كان عند المساء ترجل الضحاك ومعه من ذوي الثبات وأرباب البصائر نحو من ستة آلاف ولم يعلم أكثر أهل عسكره لما كان فأحدقت بهم خيول مروان والحوا عليهم في القتال حتى قتلوهم عند العتمة وانصرف من بقي من أصحاب الضحاك عند العتمة إلى عسكرهم ولم يعلموا بقتل الضحاك ولم يعلم به مروان أيضا وجاء بعض من عاينه إلى أصحابه فأخبرهم فبكوا وناحوا عليه وخرج قائد من قواده إلى مروان فاخبره فأرسل معه النيران والشمع فطافوا عليه فوجدوه قتيلا وفي وجهه وفي رأسه أكثر من عشرين ضربة فكبروا فعرف عسكر الضحاك انهم قد علموا بقتله وبعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة فطيف به فيها وقيل أن الضحاك والخيبري إنما قتلا سنة تسع وعشرين

ذكر قتل الخيبري وولاية شيبان ص 21

ولما قتل الضحاك اصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبري وأقاموا يومئذ وغادوا القتال من بعد الغد وصافوا مروان وصافهم وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك مع الخيبري وكان قبله مع الضحاك وقد ذكرنا سبب قدومه وقيل بل قدم على الضحاك وهو بنصيبين في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه تزوج أخت شيبان الحروري الذي بويع بعد قتل الخيبري فحمل الخيبري على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشراة فهزم مروان وهو في القلب وخرج مروان من العسكر منهزما ودخل الخيبري ومن معه عسكره ينادون بشعارهم ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى خيمة مروان نفسه فقطعوا إطنابها وجلس الخيبري على فرشه وميمنة مروان وعليها ابنة عبد الله ثابتة وميسرته ثابتة وعليه إسحاق بن مسلم العقيلي فلما رأى أهل العسكر قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيدهم بعمد الخيم فقتلوا الخيبري وأصحابه جميعا ف خيمة مروان وحولها وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزمات فانصرف إلى عسكره ورد خيوله عن مواقعها وبات ليلته في عسكره وانصرف أهل عسكر الخيبري فولوا عليهم شيبان وبايعوه فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وابطل الصف منذ يومئذ

ذكر خلع أبي حمزة الخارجي مع طالب الحق ص 22

كان اسم أبي حمزة الخارجي المختار بن عوف الازدي السلمي البصري وكان أول أمره أنه كان من الخوارج الاباضية يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق في آخر سنة ثمان وعشرين فقال له يا رجل اسمع كلاما حسنا واراك تدعو إلى حق فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومي فخرج حتى ورد حضرموت فبايعه أبو حمزة على الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان وكان أبو حمزة فجلده أربعين سوطا فلما ملك أبو حمزة المدينة وافتتحها تغيب كثير حتى كان من أمرهما ما كان

ذكر عدة حوادث ص 22

في هذه السنة سير مروان يزيد بن هبيرة إلى العراق لقتال من به الخوارج في قول وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مكة والمدينة وكان بالعراق عمال الضحاك الخارجي وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز وعلى قضاء البصرة ثمامة بن عبد الله بن انس وبخراسان مصر بن سيار والفتنة بها قائمة

وفيها مات عاصم بن أبي النجود صاحب القراآت ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الاخنس الثقفي المدني وفيها توفي جابر بن يزيد الجعفي وكان من غلاة الشيعة يقول بالرجعة

وفيها مات محمد بن مسلم بن تدروس أبو الزبير المكي وجامع بن شداد وأبو قبيل المعافري واسمه حيي بن هانئ المضري ( قبيل ) بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وسعيد بن مسروق الثوري والد سفيان وكان ثقة في الحديث

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.