الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
21

ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة

الجزء الخامس 4 عنصر صفحة 179
ذكر قتل حرب بن عبد الله ص 179

فيها أغار استرخان الخوارزمي في جمع من الترك على المسلمين بناحية ارمينية وسبى من المسلمين وأهل الذمة خلقا ودخلوا تفيس وكان حرب مقيما بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزيرة وسير المنصور إلى محاربة الترك جبرائيل بن يحيى وحرب بن عبد الله فقاتلوهم فهزم جبرائيل وقتل حرب وقتل من أصحاب جبرائيل خلق كثير

ذكر البيعة للمهدي وخلع عيسى بن موسى ص 179

وفيها خلع عيسى بن موسى بن محمد بن علي من ولاية العهد وبويع للمهدي محمد بن المنصور وقد اختلف في السبب الذي خلع لأجله نفسه فقيل إن عيسى لم يزل على ولاية العهد وأمارة الكوفة من أيام السفاح إلى الآن فلما كبر المهدي وعزم المنصور على البيعة له كل عيسى بن موسى في ذلك وكان يكرمه ويجلسه عن يمينه ويجلس المهدي عن يساره فلما قال له المنصور في معنى خلع نفسه وتقديم المهدي عليه أبى وقال يا أمير المؤمنين كيف بالايمان علي وعلى المسلمين من العتق والطلاق وغير ذلك ليس إلى الخلع سبيل

فتغير المنصور عليه وباعده بعض المباعدة وصار يأذن للمهدي قبله وكان يجلس عن يمينه في مجلس عيسى ثم يؤذن لعيسى فيدخل فيجلس إلى جانب المهدي ولم يجلس عن يسار المنصور فاغتاظ مه ثم صار يأذن للمهدي ولعمه عيسى بن علي ثم لعبد الصمد بن علي ثم لعيسى بن موى وربما قدم وأخر إلا أنه يبدأ بالإذن للمهدي على كل حال

وتوهم عيسى أنه يقدم اذنهم لحجاة له إليهم وعيسى صامت لا يشكو منه شيئا ثم صار حال عيسى إلى أعظم من ذلك فكان يكون في المجلس معه بعض ولده فيسمع الحفر في اصل الحائط وينثر عليه التراب وينظر إلى الخشبة من السقف قد حفر عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه فيأمر من معه من ولده بالتحول ويقوم هو يصلي ثم يؤذن له فيدخل بهيئته والتراب على رأسه وثيابه لا ينفضه فيقول له المنصور يا عيسى ما يدخل على أحد بمثل هيئتك من كثرة الغبار والتراب أفكل هذا من الشارع فيقول أحسب ذلك يا أمير المؤمنين ولا يشكو شيئا

وكان المنصور يرسل إليه عمه عيسى بن علي في ذلك فكان عيسى بن موسى لا يؤثره ويتهمه فقيل ان المنصور أمر أن يسقى عيسى بن موسى بعض ما يتلفه فوجد الماء في بطنه فاستأذن في العود إلى بيته بالكوفة فأذن له فمرض من ذلك واشتد مرضه ثم عوفي بعد أن أشفى

وقال عيسى بن علي للمنصور إن ابن موسى إنما يتربص بالخلافة لابنه موسى فابنه الذي يمنعه فقال له خوفه وتهدده فكلمه عيسى بن علي في ذلك وخوفه فخاف عيسى بن موسى وأتى العباس بن محمد فقال يا عم إني أرى ما يئستم أبي من إخراج هذا الأمر من عنقه وهو يؤذي بصنوف الأذى بالمكروه فهو يهدد مرة ويؤخر إذنه مرة ويهدم عليه الحيطان مرة وتدس إليه الحتوف مرة وأبي لا يعطي على ذلك شيئا ولا يكون ذلك ابدا ولكن ههنا طريق لعله يعطي عليها وإلا فلا قال وما هو قال يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد فقول له إني أعلم إنك لا تبخل بهذا الأمر لنفسك لكبر سنك وأنه لا تطول مدتك فيه وغنما تبخل له لابنك أفتراني أدع ابنك يبقى بعدم حتى يلي على ابني كلا والله لا يكون ذلك ابدا ولأبثن على ابنك وأنت تنظر حتى ييأس منه فإن فعل ذلك فلعله أن يجيب إلى ما يراد منه فجاء العباس إلى المنصور وأخبره بذلك فلما اجتمعوا عنده قال ذلك

وكان عيسى بن علي حاضرا فقام ليبول فأمر عيسى بن موسى ابنه موسى ليقوم معه يجمع عليه ثيابه فقام معه فقال له عيسى بن علي بأبي أنت وبأبي أب ولدك والله إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأمر بعدكما وأنكما لأحق له ولكن المرء مغرى بما تعجل

فقال موسى في نفسه أمكنني هذا والله من مقاتله وهو الذي يغرى بأبي والله لأقتلنه فلما رجعا قال موسى لأبيه ذلك سرا فاستأذنه في أن يقول للمنصور ما سمع منه فقال له أبوه إن لهذا رأيا ومذهبا أيأتمنك عمك على مقالة أراد أن يسرك لها فجعلتها سببا لمكروهه لا يسمعن هذا أحد ارجع إلى مكانك

فلما رجع إلى مكانه أمر المنصور الربيع فقام إلى موسى فخنقه بحمائله وموسى يصيح الله الله في دمي يا أمير المؤمنين وما يبالي عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر ذكرا والمنصور يقول يا ربيع أزهق نفسه والربيع يوهم أنه يريد تلفه وهو يرفق به وموسى يصيح

فلما رأى ذلك أبوه قال والله يا أمير ما كنت أظن أن الأمر يبلغ منك هذا كله فاكفف عنه فها أنا ذا أشهدك أن نسائي طوالق ومماليكي أحرار وما أملك في سبيل الله تصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنن وهذه يدي بالبيعة للمهدي فبايعه للمهدي ثم جعل عيسى بن موسى بعد المهدي فقال بعض أهل الكوفة هذا الذي كان غدا فصار بعد غد وقيل إن المنصور وضع الجند وكانوا يسمعون عيسى بن موسى ما يكره فشكا ذلك من فعلهم فنهاهم المنصور عنه وكانوا يكفون ثم يعودون ثم أنهما تكاتبا أغضبت المنصور

وعاد الجند معه لأشد ما كانوا منهم أسد بن المرزبان وعقبة بن سلم ونصر بن حرب بن عبد الله وغيرهم فكانوا يمنعونه من الدخول عليه ويسمعونه فشكاهم إلى المنصور فقال له يا بن أخي أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي فإنهم يحبون هذا الفتى فلو قدمته بين يديك لكفوا فأجاب عيسى إلى ذلك وقيل إن المنصور استشار خالد بن برمك في ذلك وبعثه إلى عيسى فأخذ معه ثلاثين من كبار شيعة المنصور ممن يختارهم وقال لعيسى في أمر البيعة فامتنع

فرجعوا إلى المنصور وشهدوا على عيسى أنه خلع نفسه فبايع للمهدي وجاء عيسى فانكر ذلك فلم يسمع منه وشكر لخالد صنيعه وقيل بل اشترى المنصور منه ذلك قدره أحد عشر ألف ألف درهم له ولأولاده وأشهد على نفسه بالخلع وكأنت مدة ولاية عيسى بن موسى الكوفة ثلاث عشرة سنة وعزله المنصور واستعمل محمد بن سليمان بن علي ليؤذي عيسى ويستخف به فلم يفعل ولم يزل معظما له مبجلا

ذكر موت عبد الله بن علي ص 182

وكان المنصور قد أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه وسلم إليه عمه عبد الله بن علي وأمره بقتله وقال له إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدي فاضرب عنقه وإياك أن تضعف فتنقض على أمري الذي دبرته ثم مضى إلى مكة وكتب إلى عيسى من الطريق يستعلم منه ما فعل في الأمر الذي أمره فكتب عيسى في الجواب قد أنفذت ما أمرت به فلم يشك أنه قتله

وكان عيسى حين أخذ عبد الله من عند المنصور عا كاتبه يونس بن فروة وأخبره الخبر فقال أراد أن تقتله ثم يقتلك لأنه أمر بقتله سرا ثم يدعيه عليك علانية فلا تقتله ولا تدفعه إليه سرا أبدا واكتم أمره ففعل ذلك عيسى

فلما قدم المنصور وضع على أعمامه من يحركهم على الشفاعة في اخيهم عبد الله ففعلوا وشفعوا فشفعهم وقال لعيسى إني كنت دفعت إليك عمي وعمك عبد الله ليكون في منزلك وقد كلمني عمومتك فيه وقد صفحت عنه فأتنا به قال يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله فقتلته قال ما أمرتك قال بلى أمرتني قال ما أمرتك إلا بحبسه وقد كذبت ثم قال المنصور لعمومته إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم قالوا فادفعه إلينا نقيده به فسلمه إليهم وخرجوا به إلى الرحبة واجتمع الناس وشهر الأمر وقام أحدهم ليقتله فقال له عيسى أفاعل أنت قال إي والله قال ردوني إلى أمير المؤمنين فردوه إليه فقال له إنما أردت بقتله أن تقتلني هذا عمك حي سوي قال ائتنا به فأتاه به قال يدخل حتى أرى رأيي ثم انصرفوا ثم أمر به فجعل في بيت أساسه ملح وأجرى الماء في أساسه فسقط عليه فمات فدفن في مقابر باب الشام فكان أول من دفن فيها وكان عمره اثنتين وخمسين سنة

قيل ركب المنصور يوما ومعه ابن عياش المنتوف فقال له المنصور تعرف ثلاث خلفاء اسمائهم على العين قتلت ثلاثة خوارج مبدأ أسمائهم على العين قال لا أعرف إلا ما يقول العامة إن عليا قتل عثمان وكذبوا وعبد الملك قتل عبد الرحمن بن أشعث وعبد الله بن الزبير قتل عمرا بن سعيد وعبد الله بن علي سقط عليه بيت

فقال المنصور إذا سقط عليه فما ذنبي أنا قال ما قلت إن لك ذنبا قوله ابن الزبير قتل عمرا بن سعيد ليس بصحيح إنما قتله عبد الملك عياش بالياء المثناة من تحت والشين المعجمة

ذكر عدة حوادث ص 183

في هذهالسنة ولى المنصور محمدا ابن أخيه أبي العباس السفاح البصرة فاستعفى منها فأعفاه فانصرف إلى بغداد واستخلف بها نخبة بن سالم فاقره عليها فلما رجع إلى بغداد مات بها وحج بالناس هذه السنة المنصور وكان عامله على مكة والطائف عمه عبد الصمد بن علي وعلى المدينة جعفر بن سليمان وعلى مصر يزيد بن حاتم المهلبي وفيها أغزى عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس مولاه بدرا وتمام بن علقمة طليطلة وبها هاشم بن عذرة وضيقا عليه ثم أسراه هو وحياة بن الوليد اليحصبي وعثمان بن حمزة بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب وأتيا بهم إلى عبد الرحمن في جباب صوف وقد حلقت رؤوسهم ولحاهم وقد أركبوا الحمير وهم في السلاسل ثم صلبوا بقرطبة وفيها قدم رسول عبد الرحمن الذي أرسله إلى الشام في إحضار ولده الأكبر سليمان فحضر وسليمان معه وكان قد ولد لعبد الرحمن بالأندلس ولده هشام فقدمه الأمير عبد الرحمن على سليمان فحصل بينهما حقد وغل أوجبا ما نذكره فيما بعد وفيها تناثرت النجوم وفيها مات أشعث بن عبد الملك الحمراني البصري وهشام بن حسان مولى لعتيك وقيل مات سنة ثمان وأربعين وعبد الرحمن بن زبيد بن الحرث اليامي أبو الأشعث الكوفي

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.