ذكر خروج حسان بن مجالد
ص 184
وفيها خرج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمداني ومالك هذا هو أخو مسروق بن الاجدع
وكان خروجه بنواحي الموصل بقرية تسمى بافخارى قريب من الموصل على دجلة فخرج إليه عسكر الموصل وعليها الصقر بن نجدة وكان قد وليها بعد حرب بن عبد الله فالتقوا واقتتلوا وانهزم عسكر الموصل إلى الجسر وأحرق الخوارج أصحاب حسان السوق هناك ونهبوه ثم ان حسان سار إلى الرقة ومنها إلى البحر ودخل إلى بلد السند وكأنت الخوارج من أهل عمان يدخلونهم ويدعونهم فاستأذنهم في المسير إليهم فلم يجيبوه فعاد غلى الموصل فخرج إليه الصقر أيضا والحسن بن صالح بن حسان الهمذاني وبلال القيسي فالتقوا فانهزم الصقر وأسر الحسن بن صالح وبلال فقتل حسان بلالا واستبقى الحسن لأنه من همدان ففارقه بعض أصحابه لهذا
وكان حسان قد أخذ رأي الخوارج عن خاله حفص بن أشيك وكان من علماء الخوارج وفقهائهم ولما بلغ المنصور خروج حسان قال خارجي من همدان قالوا إنه ابن أخت حفص بن أشيم فقال فمن هناك وإنما أنكر المنصور ذلك لأنه عامة همدان شيعة لعلي وعزم المنصور على انفاذ الجيوش إلى الموصل والفتك بأهلها فأحضر أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وقال لهم إن أهل الموصل شرطوا لي أنهم لا يخرجون علي فإن فعلوا حلت دماؤهم وأموالهم وقد خرجوا فسكت أبو حنيفة وتكلم الرجلان وقالا رعيتك فإن عفوت فأهل ذلك أنت وإن عاقبت فيما يستحقون فقال لأبي حنيفة أراك سكت يا شيخ فقال يا أمير المؤمنين أباحوك مالا يملكون أرأيت لو أن امرأة أباحت فرجها بغير عقد نكاح وملك يمين أكان يجوز أن توطأ قال لا وكف عن أهل الموصل وأم أبا حنيفة وصاحبيه بالعود إلى الكوفة
ذكر استعمال خالد بن برمك
ص 185
وفيها استعمل المنصور على الموصل خالد بن برمك وسبب ذلك أنه بلغه أنتشار الاكراد بولايتها وإفسادهم فقال من لها فقالوا المسيب بن زهير فأشار عمارة بن غمرة بخالد بن برمك فولاه وسيه إليها وأحسن إلى الناس وقهر المفسدين وكفهم وهابه أهل البلد هيبة شديدة مع إحسانه إليهم وفيها ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك لسبع بقين من ذي الحجة قبل أن يولد الرشيد ابن المهدي بسبعة أيام فارضعته الخيزران أم الرشد \ بلبن ابنها فكان الفضل بن يحيى أخا الرشيد من الرضاعة ولذلك يقول سلم الخاسر
( أصبح الفضل والخليفة هلر % ن رضيعي لبان خير النساء )
وقال أبو الجنوب
( كفى لك فضلا أن افضل حرة % غذتك بثدي والخليفة واحد )
ذكر ولاية الأغلب بن سالم أفريقية
ص 185
لما بلغ المنصور خروج محمد بن الأشعث من أفريقية بعث غلى الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمي عهدا بولاية أفريقية وكان هذا الأغلب ممن قام مع أبي مسلم الخراساني وقدم أفريقية مع محمد بن الأشعث فلما أتاه العهد قدم القيروان في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائة وأخرج جماعة من قواد المضرية وسكن الناس وخرج عليه أبو قرة في جمع كثير من البربر فسار إليه الأغلب فهرب أبو قرة من غير قتال وسار الأغلب يريد طنجة فاشتد ذلك على الجند وكرهوا المسير وتسللوا عنه إلى القيروان فلم يبق معه إلا نفر يسير
وكان الحسن بن حرب الكندي بمدينة تونس وكاتب الجند ودعاهم إلى نفسه فأجابوه فسار حتى دخل القيروان من غير مانع وبلغ الأغلب الخبر فعاد مجدا فقال له بعض أصحابه ليس من الرأي أن تعدل إلى لقاء العدو في هذه العدة القليلة ولكن الرأي أن تعدل إلى قابس فإن أكثر من معه يجيء إليك لأنهم إنما كرهوا المسير إلى طنجة لا غير وتقوى بهم وتقاتل عدوك
ففعل ذلك وكثر جمعه وسار إلى الحسن بن حرب فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم الحسن وقتل من أصحابه جمع كثير ومضى الحسن إلى تونس في جمادى الآخرة سنة خمسين ومائة ودخل الأغلب القيروان وحشد الحسن وجمع فصار في عدة عظيمة فقصد الأغلب فخرج إليه الاغلب من القيروان فالتقوا واقتتلوا فأصاب الأغلب سهم فقتله وثبت أصحابه فتقدم عليهم المخارق بن غفار فحمل المخارق على الحسن وكان في ميمنة الاغلب فهزمه فمضى منهزما إلى تونس في شعبان سنة خمسين ومائة
وولي المخارق أفريقية في رمضان ووجه الخيل في طلب الحسن فهرب الحسن من تونس إلى كتامة فأقا شهرين ثم رجع إلى تونس فخرج إليه من بها من الجند فقتلوه وقد قيل إن الحسن قتل بعد قتل الأغلب لأن أصحاب الأغلب ثبتوا بعد قتله في المعركة فقتل الحسن بن حرب أيضا وولي أصحابه منهزمين وصلب الحسن ودفن الأغلب وسمي الشهيد وكأنت هذه الوقعة في شعبان سنة خمسين ومائة
ذكر الفتن بالأندلس
ص 186
في هذه السنة خرج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بالأندلس بمدينة لبلة وسبب ذلك أنه سكر يوما فتذكر من قتل من أصحابه اليمانية مع العلاء وقد ذكرناه فعقد لواء فلما صحا رآه معقودا فسا لعنه فأخبر به فأراد حله ثم قال ما كنت أعقد لواء ثم أحله بغر شيء وشرع في الخلاف فاجتمعت اليمانية إليه وقصد إشبيلية وتغلب عليها وكثر جمعه فبادره عبد الرحمن صاحب الأندلس في جموعه فامتنع المطري في قلعة زعواق لاحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول فحصره عبد الرحمن فيها وضيق عليه ومنع أهل الخلاف من الوصول إليه وكان قد وافقه على الخلاف غياث بن علقمة اللخمي وكان بمدينة شدونة وقد انضاف إليه جماعة من رؤساء القبائل يريدون إمداد المطري وهم في جمع كثير فلما سمع عبد الرحمن ذلك سير إليهم بدرا مولاه في جيش فحال بينهم وبين الوصول إلى المطري فطال الحصار عليه وقلت رجاله بالقتل ففارقه بعضهم فخرج يوما من القلعة وقاتل فقتل وحمل رأسه إلى عبد الرحمن
فقدم أهل القلعة عليهم خليفة ابن مروان فدام الحصار عليهم فأرسل أهلها يطلبون الأمان من عبد الرحمن ليسلموا إليه خليفة فأجابهم إلى ذلك وأمنهم فسلموا إليه الحصن وخليفة فخرب الحصن وقتل خليفة ومن معه ثم أنتقل إلى غياث وكان موافقا للمطري على الخلاف فحصرهم وضيق عليهم فطلبوا الأمان فأمنهم إلا نفرا كان يعرف كراهتهم لدولته فإنه قبض عليهم وعاد إلى قرطبة فلما عاد إليها خرج عليه عبد الله بن خراشة الأسدي بكورة جيان فاجتمعت إليه جموع فأغار على قرطبة فسير إليه عبد الرحمن جيشا فتفرق جمعه فطلب الأمان فبذله له عبد الرحمن ووفى له
ذكر عدة حوادث
ص 187
وفيها عسكر صالح بن علي بدابق ولم يغز وحج بالناس أبو جعفر المنصور وكان ولاة الأمصار من تقدم ذكرهم وفيها مات سليمان بن مهران الأعمش وكان مولده سنة ستين وفيها مات جعفر بن محمد الصادق وقبره بالمدينة يزار هو وأبوه وجده في قبر واحد مع الحسن بن علي بن أبي طالب وفيها مات زكريا بن أبي زائدة وأبو أمية عمرو بن الحرث بن يعقوب مولى قيس بن سعد بن عبادة وقيل غير ذلك وكان مولده سنة تسعين وعبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ويقال مولى تميم وهو ثقة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي ومحمد بن الوليد الزبيدي ومحمد بن عجلان المدني وعوام بن حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني الواسطي ويحيى بن أبي عمرو السيباني من أهل الرملة و ( سيبان ) بالسين المهملة ثم بالياء المثناة من تحت ثم بالباء الموحدة بطن من حمير
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.