الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
1

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة

الجزء الخامس 12 عنصر صفحة 2
ذكر مسير مروان إلى الشام وخلع إبراهيم ص 2

وفي هذه السنة سار مروان إلى الشام لمحاربة إبراهيم بن الوليد وكان السبب في ذلك ما قد ذكرنا بعضه من مسير مروان بعد مقتل الوليد وإنكاره قتله وغلبته على الجزيرة في مبايعته ليزيد بن الوليد وما ولاه يزيد عن عمل أبيه فلما مات يزيد بن الوليد سار مروان في جنود الجزيرة وخلف ابنه عبد الملك في جمع عظيم بالرقة فلما انتهى مروان إلى قنسرين لقي بها يشر بن الوليد وكان ولاه أخوه يزيد قنسرين ومعه أخوه مسرور بن الوليد فتصافوا ودعاهم مروان إلى بيعته فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية وأسلموا بشرا وأخاه مسرورا فأخذهما مروان فحبسهما وسار ومعه أهل قنسرين متوجها إلى حمص وكان أهل حمص قد امتنعوا حين مات يزيد من بيعة إبراهيم وعبد العزيز فوجه إليهم إبراهيم عبد العزيز وجند أهل دمشق فحاصرهم في مدينتهم وأسرع مروان السير فلما دما من حمص رحل عبد العزيز عنها وأخرج أهلها إلى مروان فبايعوه وساروا معه ووجه إبراهيم بن الوليد الجنود من دمشق مع سليمان ابن هاشم فنزل عين الجرفي مائة وعشرين ألفا ونزلها مروان في ثمانين ألفا فدعاهم مروان إلى الكف عن قتاله وإطلاق ابني الوليد الحكم وعثمان من السجن وضمن لهم أنه لا يطلب أحدا من قتلة الوليد فلم يجيبوه وجدوا في قتاله فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر وكثر القتل بينهم وكان مروان ذا رأي ومكيدة فأرسل ثلاثة آلاف فارس فساروا خلف عسكره وقطعوا نهرا كان هناك وقصدوا عسكر إبراهيم ليغيروا فيه فلم يشعر سليمان ومن معه وهم مشغولون بالقتال إلا بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من خلفهم فلما رأوا ذلك انهزموا ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحنقهم عليهم فقتلوا منهم سبعة عشر ألفا وكف أهل الجزيرة وأهل قنسرين عن قتلهم وأتوا مروان من سرائهم بمثل قتلى وأكثر فأخذ مروان عليهم البيعة لولد الوليد وخلا عنهم ولم يقتل منهم إلا رجلين يزيد بن عقار والوليد بن مصاد الكلبيين وكانا ممن ولي قتل الوليد فحبسهما حتى هلكا في حبسه وهرب يزيد بن خالد بن عبد القسري فيمن هرب مع سليمان إلى دمشق واجتمعوا مه إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج فقال بعضهم لبعض أن بقي ولدا الوليد حتى يخرجهما مروان ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحدا من قتله وقتلة أبيهما والرأي قتلهما فرأى ذلك يزيد بن خالد فأمر أبا الأسد مولى خالد بقتلهما فاخرج يوسف بن عمر فضرب رقبته وأرادوا قتل أبي محمد السفياني فدخل بيتا من بيوت السجن وأغلقه وألقى خلفه الفرش والوسائد واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه فأرادوا إحراقه فلم يؤتوا بنار حتى قيل قد دخلت خيل مروان المدينة فهربوا وهرب إبراهيم واختفى وانتهب سليمان ما في بيت المال وقسمه في أصحابه وخرجا من المدينة

ذكر بيعة مروان بن محمد بن مروان ص 3

وفي هذه السنة بويع بدمشق لمروان بالخلافة وكان سب ذلك أنه لما دخل دمشق وهرب إبراهيم بن الوليد وسليمان ثار من بدمشق من موالي الوليد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فقتلوه ونبشوا قتل يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية وأتي مروان بغلامين الحكم وعثمان ابني الوليد مقتولين بيوسف بن عمر فدفنهم وأتي بأبي محمد السفياني في قيوده فسلم عليه بالخلافة ومروان يسلم عليه يومئذ بالإمرة فقال مروان مه فقال انهما جعلاها لك بعهدهما وأنشده شعرا قال الحكم في السجن وكانا قد بلغا وولدا لأحدهما وهو الحكم فقال الحكم

( إلا من مبلغي مروان عني % وعمي الغمر طال به حنينا )

( بأني قد ظلمت وصار قومي % على قتل الوليد مشايعينا )

( أيذهب كلهم بدمي ومالي % فلا غثا أصبت ولا سمينا )

( ومروان بأرض بني نزار % كليث الغاب مفترس عرينا )

( أتنكث بيعتي من اجل أمي % فقد باعيت قبلي هجينا )

( فإن أهلك وولي عهدي % فمروان أمير المؤمنينا )

ثم قال ابسط يديك أبايعك وسمعه من مع مروان وكان أول من بايعه معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ورؤوس أهل حمص والناس بعده فلما استقر له الأمر رجع إلى منزله بحران وطلب منه الأمان لإبراهيم بن الوليد وسليمان بن هاشم فأمنهما فقدما عليه وكان سليمان بتدمر بمن معه من اخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانية فبايعوا مروان بن محمد

ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ص 4

وفي هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة ودعا إلى نفسه وكان سبب ذلك أنه قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي الكوفة فأكرمه وأجازه وأجرى عليه وعلى إخوته كل يوم ثلاثمائة درهم فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن وليد وبايع الناس أخاه إبراهيم بن وليد وبعده عبد العزيز بن حجاج بن عبد الملك فلما بلغ خبر بيعتهما عبد الله بن عمر بالكوفة بايع الناس وزاد في العطاء وكتب في بيعتهما إلى الآفاق فجاءته البيعة ثم بلغه امتناع مروان بن محمد من البيعة مسيره إليهما إلى الشام فحبس عبد الله بن معاوية عنده وزاده فيما كان يجري عليه وأعده لمروان بن محمد أن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له ويقاتل به مروان فماج الناس وورد مروان الشام وظفر بإبراهيم فانهزم إسماعيل بن عبد الله القسري إلى الكوفة مسرعا وافتعل كتابا على لسان إبراهيم بإمرة الكوفة وجمع الجمانية وأعلمهم ذلك فأجابوه وامتنع عبد الله بن عمر عليه وقاتله فلما رأى الأمر كذلك خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل فقال لأصحابه إني أكره سفك الدماء فكفوا أيديكم فكفوا فظهر أمر إبراهيم وهربه ووقعت العصبية بين الناس وكان سببها أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضر وربيعة عطايا كثيرة ولم يعط جعفر بن نافع بن قعقاع بن سور الذهلي وعثمان بن الخيبري من تيم اللات بن ثعلبة شيئا وهما من ربيعة فكانا مغضبين وغضب لهما تمامة بن حوشب بن رويم الشيباني وخرجوا من عند عبد الله بن عمر وهو بالحيرة إلى الكوفة فنادوا يا آل ربيعة فاجتمعت ربيعة وتنمروا وبلغ الخبر عبد الله بن عمر فأرسل إليهم أخاه عاصما فأتاهم وهم بدير هند فألقى نفسه بينهم وقال هذه يدي لكم فاحكموا فاستحيوا ورجعوا وعظموا عاصما وشكروه فلما كان المساء أرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان بن القبعثري بمائة ألف فقسمها في قومه بني همام بن مرة بن ذهل الشيباني وإلى ثمامة بن حوشب بمائة ألف قسمها في قومه وأرسل إلى جعفر بن نافع بمال وإلى عثمان بن الخيبري بمال

فلما رأت الشيعة ضعف عبد الله بن عمر طمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية واجتمعوا في المسجد وثاروا وأتوا عبد الله بن معاوية وأخرجوه من داره وادخلوه القصر ومنعوا عاصم بن عمر عن القصر فلحق بأخيه بالحيرة وجاء ابن معاوية الكوفيون فبايعوه فيهم عمر بن الغضبان ومنصور بن جمهور وإسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد وأقام أياما يبايعه الناس وأتته البيعة من المدائن وفم النيل واجتمع إليه الناس فخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة فقيل لابن عمر قد أقبل ابن معاوية في الخلق فأطرق مليا وأتاه رئيس خبازيه فأعلمه بإدراك الطعام فأمره بإحضار فأحضره فأكل هو ومن معه وهو غير مكترث والناس يتوقعون أن يهجم عليهم ابن معاوية وفرغ من طعامه وأخرج المال ففرق في قواده ثم دعا مولى له كان يتبرك به ويتفاءل باسمه كان اسمه إما ميمونا وإما رباحا أو فتحا أو اسما يتبرك به فأعطاه اللواء وقال له امض به إلى موضع كذا فأركزه وادع أصحابك وأقم حتى آتيك ففعل وخرج عبد الله فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية فأمر ابن عمر مناديا فنادى من جاء برأس فله خمسمائة فأتي برؤوس كثيرة وهو يعطي ما ضمن وبرز رجل من أهل الشام فبرز إليه القاسم بن عبد الغفار العجلي فسأله الشامي فعرفه فقال قد ظننت أنه لا يخرج إلى رجل من بكر بن وائل والله ما أريد قتالك ولكن أحببت أن القي إليك حديثا أتخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن لا إسماعيل ولا منصور ولا غيرهما إلا وقد كاتب ابن عمر وكاتبته مضر وما أرى لكم يا ربيعة كتابا ولا رسولا وأنا رجل من قيس فان أردتم الكتاب أبلغته ونحن غدا بازائكم فانهم اليوم لا يقاتلونكم فبلغ الخبر ابن معاوية فأخبر به عمر بن الغضبان فأشار عليه أن يستوثق من إسماعيل ومنصور وغيرهما فلم يفعل واصبح الناس من الغد غادين على القتال فحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة فانهزم أصحاب ابن معاوية إلى الكوفة وابن معاوية معهم فدخلوا القصر وبقي من بالمسيرة من ربيعة ومضر ومن بازائهم من أصحاب ابن عمر فقال لعمر بن الغضبان ما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بكم فانصرفوا فقال ابن الغضبان لا أبرح حتى أقتل فأخذ أصحابه بعنان دابته فأدخلوه الكوفة فلما أمسوا قال لهم ابن معاوية يا معشر ربيعة قد رأيتم ما صنع الناس بنا وقد علقنا دماءنا في أعناقكم فإن قاتلتم قاتلنا معكم وإن كنتم ترون الناس يخذلوننا وإياكم فخذوا لنا ولكم أمانا فقال له عمر بن الغضبان ما نقاتل معكم وما نأخذ لكم أمانا كما نأخذ لأنفسنا فأقاموا في القصر والزيدية على أفواه السكك يقاتلون أصحاب ابن عمر أياما ثم أن ربيعة أخذت أمانا لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية ليذهبوا حيث شاؤوا وسار ابن معاوية من الكوفة فنزل المدائن فأتاه قوم من أهل الكوفة فخرج بهم فغلب على حلوان والجبال وهمذان واصبهان والري وخرج إليه عبيد أهل الكوفة وكان شاعرا مجيدا فمن قوله

( ولا تركبن الصنيع الذي % تلوم أخاك على مثله )

( ولا يعجبنك قول امرئ % يخالف ما قال في فعله )

ذكر رجوع الحرث بن سريج إلى مرو ص 6

وفي هذه السنة رجع الحرث إلى مرو وكان مقيما عند المشركين مدة وقد تقدم سبب عوده وكان قدومه مرو في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين فلقيه الناس بكشميهن فلما لقيهم قال ما قرت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا وما قرة عين إلا أن يطاع الله ولقيه صر وأنزله وأجرى عليه كل يوم خمسين درهما فكان يقتصر على لون واحد وطلق أهله وأولاده وعرض عليه نصر أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار فلم يقبل وأرسل إلى نصر أني لست من الدنيا واللذات في شيء إنما أسألك كتاب الله والعمل بالسنة وأن تستعمل أهل الخير فإن فعلت ساعدتك على عدوك وأرسل الحرث إلى الكرماني أن أعطاني نصر العمل بالكتاب وما سألته عضدته وقمت بأمر الله وان لم يفعل أعنتك أن ضمنت لي القيام بالعدل والسنة ودعا بني تميم إلى نفسه فأجابه منهم ومن غيرهم جمع كثير واجتمع ثلاثة آلاف وقال لنصر إنما خرجت من هذه البلدة منذ ثلاثة عشر سنة إنكارا للجور وأنت تريدني عليه

ذكر انتفاض أهل حمص ص 7

وفى هده السنة انتفض أهل حمص على مروان وكان سبب دلك أن مروان لما عاد إلى حران بعد فراغه من أهل الشام أقام ثلاثة اشهر فانتفض عليه أهل حمص وكان الذي دعاهم إلى دلك ثابت بن نعيم وراسلهم وأرسل أهل حمص إلى من بتدمر منكلب فأتاهم الاصبغ بن دؤالة الكلبى وأولاده ومعأوية السكسيى وكان فارس أهل الشام وغيرهما في نحو من ألف من فرسانهم فدخلو ليلة الفطر فجد مروان في السير إليه ومعه إبراهيم المخلوع وسليمان بن هشام وكان قد أمنهما وكان يكرمهما فبلغهما بعد الفطر بيومين وقد سد أهلها أبوابها فأحدق بالمدينة ووقف بازاء باب من أبوابها فنادى مناديه الدين عند الباب ما دعاكم إلى النكث قالوا أنا على طاعتك لم ننكث قال ففتحوا لباب ففتحوا الباب فدخله عمر بن الوضاح في الوضاحية وهم نحو من ثلاثة آلاف فقاتلهم من في البلد فكثرتهم خيل مروان فخرج من بها من باب تدمر فقاتلهم من عليه من أصحاب مروان فقتل عامة من خرج منه وأفلته الاصبغ بن دؤالة وابنه فرافصه وقتل مروان جماعة من أسراهم وصلب خمسمائة من القتلى حول المدينة وهدم من سورها نحو غلوة وقيل أن فتح حمص وهدم سورها كان في سنة ثمان وعشرين

ذكر خلاف أهل الغوطة ص 7

في هذه السنة خالف أهل الغوطة وولوا عليهم يزيد بن خالد القسرى وحصروا دمشق وأميرها زامل بن عمرو فوجه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحرث وعمر بن الوضاح في عشرة آلاف فلما دنوا من المدينة حملو عليهم وخرج عليهم من بالمدينة فانهزموا واستباح أهل مروان عسكرهم واحرقوا المزة وقرى من اليمانية واخذ يزيد بن خالد فقتل وبعث زامل برأسه إلى مروان بحمص وممن قتل في هده الحرب عمر بن هانئ العبسى مع يزيد وكان عابدا كثير المجاهدة

ذكر خلاف أهل فلسطين ص 8

وفيها خرج ثابت بن نعيم بعد أهل مصر والغوطة وكان خروجه في أهل فلسطين وانتفض على مروان أيضا واتى طبرية فحاصرها وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم ابن أخي عبد الملك فقاتله أهلها أياما فكتب مروان بن محمد إلى أبي الورد يأمره بالمسير إليهم فسار إليهم فلما قرب منه خرج أهل طبريا على ثابت فهزموه واستباحوا عسكره وانصرف إلى فلسطين منهزما وتبعه أبو الورد فالتقوا واقتتلوا فهزمه أبو الورد ثانية وتفرق أصحابه واسر ثلاثة من الواده وبعث بهم إلى مروان وتغيب ثابت وولده رفاعة استعمل مروان على فلسطين الدماحن بن عبد العزي الكناني فظفر بثابت وبعثه إلى مروان موثقا بعد شهرين فأمر به وبأولاده الثلاثة فقطعت أيديهم وأرجلهم وحملوا إلى دمشق فالقوا على باب المسجد ثم صلبهم على أبواب دمشق

وكان مروان بدير أيوب فبايع لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوجهما ابنتيا هاشم بن عبد الملك وجمع لذلك بني أمية واستقام له الشام ما خلا تدمر فسار إليها فنزل القسطل وبينه وبين تدمر أياما وكانوا قد غوروا المياه فاستعمل المزاد والقرب والإبل وكلمه الابرش بن وليد وسليمان بن هشام وغيرهما وسألوه أن يرسل إليهم فأذن لهم في ذلك وسار ابرش وخوفهم وحذرهم فأجابوا إلى الطاعة وهرب نفر منهم إلى البر ممن لم يثق بمروان ورجع الابرش إبراهيم إلى مروان ومعه من أطاع بعد أن هدم سوريا وكان مروان قد سير يزيد بن عمر بن هبيرة بين يديه إلى العراق لقتال الضحاك الخارجي وضرب على أهل الشام بعثا وأمرهم باللحاق بيزيد وسار مروان إلى الرصافة فاستأذنه سليمان بن هشام ليقيم أياما ليقوى من معه ويستريح ظهره فأذن له وتقدم مروان إلى قرقيسيا أبوها ابن هبيرة ليقدمه إلى الضحاك فرجع عشرة آلاف ممن كان مروان قد أخذه من أهل الشام لقتال الضحاك فأقاموا بالرصافة ودعوا سليمان إلى خلع مروان فأجابهم

ذكر خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك مروان بن محمد ص 9

وفي هذه السنة خلع سليمان بن هاشم بن عبد الملك مروان بن محمد وحاربه وكان السبب في ذلك ما ذكرنا من قدوم الجنود عليه وتحسينهم له خلع مروان وقالوا له أنت أوضأ عند الناس من مروان وأولى بالخلافة فأجابهم إلى ذلك وسار باخوته ومواليه معهم فعسكر بقنسرين وكان أهل الشام فأتوه من كل وجه وبلغ الخبر مروان فرجع إليه من قرقيسيا وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالمقام واجتاز مروان في رجوعه بحصن الكامل وفيه جماعة من موالي سليمان وأولاد هشام فتحصنوا منه فأرسل إليهم إني أحذركم أن تعرضوا لأحد ممن يتبعني من جندي بأذى فإن فعلتم فلا أمان لكم عندي فأرسلوا إليه أنا نستكف ومضى مروان فجعلوا يغيرون على من يتبعه من أخريات الناس وبلغه ذلك فتغيظ عليهم واجتمع إلى سليمان نحو من سبعين ألفا من أهل الشام والذكوانية وغيرهم وعسكر بقرية خساف من أرض قنسرين واتاه مروان فواقعه عند وصوله فاشتد بينهم القتال وانهزم سليمان ومن معه واتبعتهم خيل مروان تقتل وتأسر واستباحوا عسكرهم ووقف مروان موقفا ووقف ابناه موقفين ووقف كوثر صاحب شرطته موقفا وأمرهم أن لا يؤتوا بأسير إلا قتلوه إلا عبدا مملوكا فاحصي من قتلاهم يومئذ ما ينوف على ثلاثين ألف قتيل وقتل إبراهيم بن سليمان واكثر ولده وخالد بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك وادعى كثير من الأسراء للجند انهم عبيد فكف عن قتلهم وأمر ببيعهم فيمن يزيد مع من أصيب من عسكرهم ومضى سليمان حتى انتهى إلى حمص وانضم إليه من افلت ممن كان معه فعسكر بها وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانها وسار مروان إلى حصن الكامل حنقا على من فيه فحصرهم وأنزلهم على حكمه فمثل بهم وأخذهم أهل الرقة فدأووا جراحاتهم فهلك بعضهم وبقي أكثرهم وكانت عدتهم نحوا من ثلاثمائة ثم سار إلى سليمان ومن معه فقال بعضهم لبعض حتى متى ننهزم من مروان فتبايع سبعمائة من فرسانهم على الموت وساروا بأجمعهم مجمعين على أن يبيتوه أن أصابوا منه غرة وبلغه خبرهم فتحرز منهم وزحف إليهم في الخنادق على احتراس وتعبية فلم يمكنهم أن يبيتوه فكمنوا في زيتون على طريقه فخرجوا عليه وهو مسير على تعبية فوضعوا السلاح فيمن معه وانتدب لهم ونادى خيوله فرجعت إليه فقاتلوه من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر وانهزم أصحاب سليمان وقتل منهم نحو من ستة آلاف فلما بلغ سليمان هزيمتهم خلف أخاه سعيدا بحمص ومضى هو إلى تدمر فأقام بها ونزل مروان على حمص فحصر أهلها عشرة اشهر ونصب عليهم نيفا وثمانين منجنيقا يرمي بها الليل والنهار وهم يخرجون إليه كل يوم فيقاتلونه وربما يلببون نواحي عسكره فلما تتابع عليهم البلاء طلبوا الأمان على أن يمكنوه من سعيد بن هشام وابنيه عثمان ومروان ومن رجل كان يسمى السكسكي كان يغير على عسكره ومن رجل حبشي كان يشتم مروان وكان يشد في ذكره ذكر حمار ثم يقول يا بني سليم يا أولاد كذا وكذا هذا لواؤكم فأجابهم إلى ذلك فاستوثق من سعيد وابنيه وقتل السكسكي وسلم الحبشي إلى بني سليم فقطعوا ذكره وانفه ومثلوا به فلما فرغ من حمص سار نحو الضحاك الخارجي وقيل أن سليمان بن هشام لما انهزم من وقعة خساف اقبل هاربا حتى صار إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بالعراق فخجر معه إلى الضحاك فبايعه وحرض على مروان فقال بعض شعرائهم

( ألم تر أن الله أظهر دينه % وصلت قريش خلف بكر بن وائل )

فلما رأى النضر بن سعيد الحرشي وكان قد ولي العراق على ما نذكره أن شاء الله ذلك علم أنه لا طاقة له لعبد الله بن عمر فسار إلى مروان فلما كان بالقادسية خرج إليه ابن ملجان خليفة الضحاك بالكوفة فقاتله فقتله النضر واستعمل الضحاك على الكوفة المثنى بن عمران العائذي ثم سار الضحاك في ذي القعدة إلى الموصل واقبل ابن هبيرة حتى نزل بعين التمر فسار إليه المثنى بن عمران فاقتتلوا أياما فقتل المثنى وعدة من قواد الضحاك وانهزمت الخوارج ومعهم منصور بن جمهور وأتوا الكوفة فجمعوا من بها منهم وساروا نحو ابن هبيرة فلقوه فقاتلهم أياما وانهزمت الخوارج واتى ابن هبيرة إلى الكوفة وسار إلى واسط ولما بلغ الضحاك ما لقي أصحابه أرسل عبيدة بن سوار التغلبي إليهم فنزل الصراة وبلغ ذلك ابن هبيرة فرجع إليهم فالتقوا بالصراة وسيرد خبر خروج الضحاك بعدها إن شاء الله تعالى ( الرحشي ) بفتح الحاء المهملة وبالشين المعجمة

ذكر خروج الضحاك محكما ص 11

وفي هذه السنة خرج الضحاك بن قيس الشيباني محكما ودخل الكوفة وكان سبب ذلك أن الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حروري يقال له سعيد بن بهدل الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة فيهم الضحاك فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشام فخرج بأرض كفرتوثا وخرج بسطام البيهسي وهو مفارق لرأيه في مثل عدتهم من ربيعة فسار كل واحد منهما إلى صاحبه فلما تقاربا أرسل سعيد بن بهدل الخيبري وهو أحد قواده في مائة وخمسين فارسا فاتاهم وهم غارون فقتلوا فيهم وقتلوا بسطاما وجميع من معه إلا أربعة عشر رجلا ثم مضى سعيد بن بهدل إلى العراق لما بلغه أن الاختلاف بها فمات سعيد بن بهدل في الطريق واستخلف الضحاك بن قيس من بعده فبايعه الشراة فأتى أرض الموصل ثم شهرزور واجتمعت إليه الصفرية حتى صار في أربعة آلاف وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ومروان بالحيرة فكتب مروان إلى النضر بن سعيد الحرشي وهو أحد قواد ابن عمر بولاية العراق فلم يسلم ابن عمر إليه العمل فشخص النضر إلى الكوفة وبقي ابن عمر بالحيرة فتحاربا أربعة اشهر وأمد مروان النضر بابن الغزيل واجتمعت المضرية مع النضر عصبية لمروان حيث طلب بدم الوليد وكانت أم الوليد قيسية من مضر وكان أهل اليمن مع ابن عمر عصبية له حيث كانوا مع يزيد في قتل الوليد حين اسلم خالد القسري إلى يوسف فقتله فلما سمع الضحاك باختلافهم اقبل نحوهم وقصد العراق سنة سبع وعشرين فأرسل ابن عمر إلى النضر أن هذا لا يريد غيري وغيرك فهلم نجتمع عليه فتعاقدا عليه واجتمعا بالكوفة وكان كل منهما يصلي بأصحابه وأقبل الضحاك فنزل بالنخيلة في رجب واستراح ثم تعبوا للقتال يوم الخميس من غد يوم نزوله فاقتتلوا قتالا شديدا فكشفوا ابن عمر وقتلوا أخاه عاصما وجعفر بن العباس الكندي أخا عبيد الله ودخل ابن عمر خندقه وبقي الخوارج عليهم إلى الليل ثم انصرفوا ثم اقتتلوا يوم الجمعة فانهزم أصحاب ابن عمر فدخلوا خنادقهم فلما اصبحوا يوم السبت تسلل أصحابه نحو واسط وأروا قوما لم يروا اشد باسا منهم وكان ممن لحق بواسط النضر بن سعيد الحرشي وإسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد ومنصور بن جمهور والاصبغ بن ذؤالة وغيرهم من الوجوه وبقي ابن عمر فيمن عنده من أصحابه لم يبرح فقال له أصحابه قد هرب الناس فعلام تقيم فبقي يومين لا يرى إلا هاربا فرحل عند ذلك إلى واسط واستولى الضحاك على الكوفة ودخلها ولم يأمنه عبيد الله بن العباس الكندي على نفسه فصار مع الضحاك وبايعه وصار في عسكره فقال أبو عطاء السندي له يعيره بإتباعه الضحاك وقد قتل أخاه

( فقل لعبيد الله لو كان جعفر % هو الحي لم يجنح وأنت قتيل )

( ولم يتبع المراق والثار فيهم % وفي كفه عضب الذباب صقيل )

( إلى معشر ردوا أخاك واكفروا % اباك فماذا بعد ذاك تقول )

فلما بلغ عبيد الله هذا البيت من قول أبي عطاء قال أقول عض ببظر أمك

( فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة % وطالب وتر والذيلي ذليل )

( تركت أخا شيبان يسلب بزه % ونجاك خوار العنان مطول )

ووصل ابن عمر إلى واسط فنزل بدار الحجاج بن يوسف وعادت الحرب بين عبد الله والنضر إلى ما كانت عليه قبل قدوم الضحاك إلى النضر يطلب أن يسلم إليه ابن عمر ولاية العراق بعهد مروان له وابن عمر يمتنع وسار الضحاك من الكوفة إلى واسط واستخلف ملجان الشيباني ونزل الضحاك باب المضمار فلما رأى ذلك ابن عمر والنضر تركا الحرب بينهما واتفقا على قتال الضحاك فلم يزالوا على ذلك شعبان وشهر رمضان وشوال والقتال بينهم متواصل ثم أن منصور بن جمهور قال لابن عمر ما رأيت في الناس مثل هؤلاء فلم تحاربهم وتشغلهم عن مروان أعطهم الرضا واجعلهم بينك وين مروان فانهم يرجعون عنا إليه ويوسعونه شرا فان ظفروا به كان ما أردت وكنت عندهم آمنا وإن ظفر بهم وأردت خلافه وقتاله قتلته وأنت مستريح فقال ابن عمر لا تعجل حتى ننظر فلحق بهم منصور وناداهم إني أريد أن أسلم واسمع كلام الله وهي حجتهم فدخل إليهم وبايعهم ثم أن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز خرج إليهم في شوال فصالحهم وبايع الضحاك ومعه سليمان بن هشام بن عبد الملك

ذكر خلع أبي الخطار أمير الأندلس وإمارة ثوابة ص 13

وفي هذه السنة خلع أهل الأندلس أبا الخطار الحسام بن ضرار أميرهم وسبب ذلك أنه لما قدم الأندلس أميرا اظهر العصبية لليمانة على المضرية فاتفق في بعض الأيام أنه اختصم رجل من كنانة ورجل من غسان فاستعان الكناني بالصميل بن حاتم بن ذي الجوشن الضبابي فكلم فيه أبا الخطار فاستغلظ له أبو الخطار فأجابه الصميل فأمر به فأقيم وضرب قفاه فمالت عمامته فلما خرج قيل له نرى عمامتك مالت فقال أن كان لي قوم فسيقيمونها وكان الصميل من أشراف مضر فلما دخل الأندلس مع بلج شرف فيها بنفسه وأوليته فلما جرى له ما ذكرناه جمع قومه وأعلمهم فقالوا له نحن تبع لك فقال أريد أن أخرج أبا الخطار من الأندلس فقال له بعض أصحابه افعل واستعن بمن شئت ولا تستعن بابي عطاء القيسي وكان من أشراف قيس وكان يناظر الصميل في الرياسة ويحسده

وقال له غيره الرأي انك تأتي أبا عطاء وتشد أمرك به فإنه تحركه الحمية وينصرك وان تركته مال إلى أبي الخطار وأعانه عليك ليبلغ فيك ما يريد والرأي أيضا أن تستعين عليه بأهل اليمن فضلا عن معد ففعل ذلك وسار من ليلته إلى أبي عطاء وكان يسكن مدينة أستجة فعظمه أبو عطاء وسأله عن سبب قدومه فأعلمه فلم يكلمه حتى قام فركب فرسه ولبس سلاحه قال له انهض الآن حيث شئت فأنا معك وأمر أهله وأصحابه باتباعه فساروا إلى مرو وبها ثوابة بن سلمة الحداني وكان مطاعا في قومه وكان أبو الخطار قد استعمله على اشبيلية وغيرها ثم عزله ففسد عليه فدعاه الصميل إلى نصره ووعده انهم إذا اخرجوا أبا الخطار صار أميرا فأجاب إلى نصره ودعا قومه فأجابوه فساروا إلى شدونة وسار إليهم أبو الخطار من قرطبة واستخلف بها إنسانا فالتقوا واقتتلوا في رجب من هذه السنة وصبر الفريقان ثم وقعت الهزيمة على أبي الخطار وقتل أصحابه اشد قتال واسر أبو الخطار وكان بقرطبة أمية بن عبد الملك بن قطن فاخرج منها خليفة أبي الخطار وانتهب ما وجد لهما فيها ولما انهزم أبو الخطار سار ثوابة بن سلمة والصميل إلى قرطبة فملكاها واستقر ثوابة في الامارة فثار به عبد الرحمن بن حسان الكلبي وأخرج أبا الخطار من السجن فاستجاش اليمانية فاجتمع له خلق كثير واقبل لهم إلى قرطبة وخرج إليه ثوابة فيمن معه من اليمانية والمضرية مع الصميل فلما تقاتل الطائفتان نادى رجل من مضر يا معشر اليمانية ما بالكم تتعرضون للحرب على أبي الخطار وقد جعلنا الأمير منكم يعني ثوابة فإنه من اليمن ولو أن الأمير منا لقد كنتم تعتذرون في قتالكم لنا وما نقول هذا إلا تحرجا من الدماء ورغبة في العافية للعامة فلما سمع الناس كلامه قالوا صدق الله والأمير منا فما بالنا نقاتل قومنا فتركوا القتال وافترق الناس فهرب أبو الخطار فلحق بباجة ورجع ثوابة إلى قرطبة فسمي ذلك العسكر عسكر العافية

ذكر شيعة بني العباس ص 14

في هذه السنة توجه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ وقحطبة إلى مكة فلقوا إبراهيم بن محمد الإمام بها وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكا ومتاعا كثيرا وكان معهم أبو مسلم فقال سليمان لإبراهيم هذا مولاك وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم الإمام أنه في الموت وانه قد استخلف أبا سلمة حفص بن سليمان وهو رضا للأمر فكتب إبراهيم لأبي سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه وكتب أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه ومضى أبو سلمة إلى خراسان فصدقوه وقبلوا أمره ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم

ذكر عدة حوادث ص 14

وحج بالناس هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على مكة والمدينة والطائف وكان العامل على العراق النضر بن الحرشي وكان من أمره وأمر ابن عمر والضحاك الخارجي ما ذكرنا وكان بخراسان نصر بن سيار وبها من ينازعه فيها الكرماني والحرث بن سريج

وفيها مات سويد بن غفلة وقيل سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وثلاثين وعمره مائة وعشرون سنة وعبد الكريم بن مالك الجزري وقيل غير ذلك

وفيها مات أبو حصين عثمان بن حصين الاسدي الكوفي ( حصين ) بفتح الحاء وكسر الصاد

وفيها مات أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني وقيل سنة ثمان وعشرين وعمره مائة سنة

( السبيعي ) بفتح السين وكسر الباب وفيها توفي عبد الله بن دينار وقيل سنة ست وثلاثين وفيها مات محمد بن واسع الأزدي البصري وكنيته أبو بكر وداود بن أبي هند واسم أبي هند دينار مولى بني قشير أبو محمد وفيها توفي أبو بحر عبد الله بن إسحاق مولى الخضر وكان إماما في النحو واللغة تعلم ذلك من يحيى بن النعمان وكان يعيب الفرزدق في شعره وينسبه إلى للحن فهجاه الفرزدق يقول

( فلو كان عبد الله مولى هجوته % ولكن عبد الله مولى مواليا )

فقال له أبو عبد الله لقد لحنت أيضا في قولك مواليا ينبغي أن تقول مولى موال

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.