الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
19

ثم دخلت سنة خمس واربعين ومائة

الجزء الخامس 9 عنصر صفحة 146
ذكر ظهور محمد بن عبد الله بن الحسن ص 146

في هذه السنة كان ظهور محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة وقيل رابع عشر شهر رمضان قد ذكرنا فيما تقدم أخباره وتبعته وحمل المنصور أهله إلى العراق فلما حملهم وسار بهم رد رياحا إلى المدينة اكيرا عليها فالح في طلب محمد وضيق عليه وطلبه حتى سقط ابنه فمات وارهقه الطلب يوما فتدلى في بئر بالمدينة يناول أصحابه الماء وانغمس في الماء إلى حلقه وكان بدنه لا يخفى لعظمه وبلغ رياحا خبر محمد وانه بالمذار فركب نحوه في جنده فتنحى محمد عن طريقه واختفى في دار الجهينة فحيث لم يره رياح رجع إلى دار مروان وكان الذي اعلم رياحا سليمان بن عب د الله بن أبي سبرة فلما اشتد الطلب بمحمد خرج قبل وقته الذي واعد اخاه إبراهيم على الخروج فيه وقيل بل خرج محمد لميعاده مع أخيه وإنما اخوه تاخر لجدري لحقه وكان عبيد الله بن عمرو بن أبي ذئب وعبد الحميد بن جعفر يقولان لمحمد بن عبد الله ما تنتظره بالخروج فوالله ما على هذه الامة أشام منك اخرج ولو وجدك فتحرك بذلك أيضا واتى رياحا الخبر ان محمدا خارجد الليلة فاحضر دمحمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضي المدينة والعباس بن عبد الله بن الحرث بن العباس وغيرهما عنده فصمت طويلا ثم قال لهم يا أهل المدينة أمير المؤمنين يطلب محمدا في شرق الأرض وغربها وهو بين اظهركم واقسم بالله لئن خرج لاقتلنكم اجميعن

وقال محمد بن عمران أنت قاضي أمير المؤمنين فادع عشيرتك فأرسل تجمع بني زهرة فأرسل فجاؤوا في جمع كثير فاجلسهم بالباب فأرسل فاخذ نفرا من العلويين وغيرهم فيهم جعر بن علي بن الحسين والحسين بن علي بن الحسين بن علي والحسن بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي ورجال من قريش فيهم اسماعيل بن ايوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد فبينما هم عنده اذ ظهر محمد فسمعوا التكبير فقال ابن مسشلم بن عقبة المري وكان من رياح اطعني في هؤلاء واضرب اعناقهم فقال له الحسين بن عليس بن الحسين بن علي والله ما ذاك إليك أنا لعلي السمع والطاعة واقبل محمد من المذار في مائة وخمسين رجلا فاتى في بني سلمة بهؤلاء تفاؤلا بالسلامة وقصد السجن فكسر بابه واخرج من فيه وكان فيهم محمد بن خالد بن عبد الله القسري وابن اخ النذير بن يزيد ورزام فاخرجهم وجعل على الرجالة خوات بن بكير بن خوات بن جبير وأتى دار الإمارة وهو يقول لأصحابه لا تقتلوا الا ان يقتلوا فامتنع منهم رياح فدخلوا من باب المقصورة واخذوا رياحا اسيرا واخاه عباسا وابن مسلم بن عقبة المري فحبسهم في دار الامارة ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال اما بعد فانه قد كان من أمر هذه الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه وتصغيرا للكعبة الحراتم وإنما أخذ الله فرعون حين قال أنا ربكم الاعلى وان احق الناس بالقيام في هذا الدين ابناء المهاجرين والانصار المواسين اللهم انهم لاحلوا حرامك وحرموا حلالك وامنوا من اخفت واخافوا من امنت اللهم فاحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم احدا ايها الناس اني والله ما خرجت بين اظهركم وأنت عندي أهل قوة ولا شدة ولكني اخترتكم لنفسي والله ما جت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه الا وقد أخذ لي فيه البيعة وكان المنصور يكتب إلى محمد على السن قواده يدعونه إلى الظهور ويخبرونه انهم معه فكان محمد يقوله ويقول لو التقينا مال إلى القواد كلهم

واستولى محمد على المدينة واستعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردي وعلى الشرط أبا القلمس عثمان بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب وعلى ديوان اتلعطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وقيل كان على شرطته عبد الحميد بن جعفر فعزله

وأرسل محمد إلى محمد بن عبد العزيز اني كنت لأظنك ستنصرنا وتقوم معنا فاعتذر إليه وقال افعل ثم انسل منه واتى مكة ولم يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس الا نفر منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبيد الله بن عمر وحبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير

وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد وقالوا إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر فقال إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته فأرسل محمد إلى اسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكان شيخا كبيرا فدعاه إلى بيعته فقال يا ابن اخي أنت والله مقتول فكيف أبايعك فارتدع الناس عنه قليلا وكان بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر قد أسرعوا إلى محمد فأتت حمادة بنت معاوية إلى اسماعيل بن عبد الله وقالت له يا عم ان اخوتي قد اسرعوا إلى ابن خالهم وانك ان قلت هذه المقالة ثبطت الناس عنه فيقتل ابن خالي واخوتي فابى اسماعيل الا النهي عنه فيقال ان حمادة عدت عليه فقتلته فأراد محمد الصلاة عليه فمنعه عبد الله بن اسماعيل وقال أتأمر بقتل أبي وتصلي عليه فنحاه الحرس وصلى عليه محمد

ولما ظهر محمد كان محمد بن خالد القسري بالمدينة في حبس رياح فأطلقه وقال ابن خالد فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر قلت هذه دعوة حق والله لأبلين لله فيها بلاء حسنا فقلت ياايمر المؤمنين انك قد خرجت بهذا البلد والله لو وقف على نقب من انقابه أحد مات أهله جوعا وعطشا فانهض معي فانما هي عشر حتى اضربه بمائة ألف سيف فأبى علي

فبينا أنا عنده إذ قال ما وجدنا من خير المتاع شيئا أجود من شيء وجدناه عند ابن أبي فروة ختن أبي الخصيب وكان أنتهبه قال فقلت الا اراك قد ابصرت خير المتاع فكتبت إلى المنصور فاخبرته بقلة من معه فاخذني محمد فحبسني حتى اطلقني عيسى بن موسى بعد قتله بأيام وكان رجل من آل أويس بن أبي سرح العامري عامر بن لؤي اسمه الحسين بن صخر بالمدينة لما ظهر محمد سار من ساعته إلى المنصور فبلغه في تسعة أسام فقدم ليلا فقام على أبواب المدينة فصاح حتى علموا به وأدخلوه فقال الربيع ما حاجتك في هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم قال لا بد لي منه

فدخل الربيع على المنصور فأخبره خبره وأنه قد طلب مشافهته فأذن له فدخل عليه فقال يا أمير المؤمنين خرج محمد بن عبد الله بالمدينة قال قتلته والله إن كنت صادقا أخبرني من معه فسمى له ومن معه من وجوه أل المدينة وأهل بيته قال أنت رأيته وعاينته قال أنا رأيته وعاينته وكلمته علر منبر رسول الله جالسا فأدخله أبو جعفر بيتا فلما صابح جار رسول لسعيد بن دينار غلام عيسى بن موسى يلي أمواله بالمدينة فأخبره بأمر محمد وتواترت عليه أخباره فأخرج الأويسي فقال لأوطئن الرجال عقيبك ولأعيننك فأمر له بتسعة آلاف درهم لكل ليلة ألف درهم وأشفق من محمد فقال له الحارثي المنجم يا أمير المؤمنين ما يجزعك منه والله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوما فأرسل المنصور إلى عمه عبد الله بن علي وهو محبوس إن هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأي فأشر به علينا وكا ذا رأي عندهم فقال إن المحبوس محبوس الرأي فأرسل إليه المنصور لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك واا خير لك منه وهو ملك أهل بيتك فأعاد عليه عبد الله ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة فاجثم على أكنافهم فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصاره ثم احففها بالمسالح فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه وابعث إلى سلم بن قتيبة يتحدر إليك وكان بالري واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجحدة ما حمل البريد فأحسن جوائزمهم ووجههم مع سلم ففعل وقيل أرسل المنصور إلى عبد الله مع إخوته يستشيرونه في أمر محمد وقال لهم لا يعلم عبد الله أني أرسلتكم إليه فلما دخلوا عليه قال لأمر ما جئتم ما جاء بكم جميعا وقد هجرتموني مذ دهر قالوا أنا استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا قال ليس هذا بشيء فما الخبر قالوا خرج محمد بن عبد الله قال فما ترون ابن سلامة صانعا يعني المنصور قالوا لا ندري والله قال إن البخل قد قتله فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد فإن غلب فما أسرع ما يعود إليه ماله وإن غلب لم يقدم صاحبه على دينار ولا درهم

ولما ورد الخبر على المنصور بخروزج محمد كان المنصور قد خط مدينة بغداد بالقصب فسار إلى الموفة ومعه عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن عبد المدان فقال له المنصور إن محمدا قد خرج بالمدينة فقال عبد الله هلك وأهلك خرج في غير عدد ولا رجال

حدثني سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي قال كنت مع مروان يوم الزاب واقفا فقال لي مروان من هذا الذي قاتلني قلت عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس قال وددت والله أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه إن عليا وولده لا حظ لهم في هذا الأمر وهل هو إلا رجل من بني هاشم وابن عم رسول الله معه ريح الشام ونصر الشام يا ابن جعدة تدري ما حملني أن عقدت لعبد الله وعبيد الله بعدي وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبيد الله قال ابن جعدة لا

قال وجدت الذي يلي هذا الأمر عبد الله وعبيد الله وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك فعقدت له فاستحلفه المنصور على صحة ذلك فحلف له فسرى عنه

ولما بلغ المنصور خبر ظهور محمد قال لأبي أيوب وعبد الملك هل من رجل تعرفانه بالرأي يجمع رأيه إلى رأينا قالا بالكوفة بديل بن يحيى وكان السفاح يشاوره فأرسل إليه وقال له إن محمدا قد ظهر بالمدينة قال فاشحن الاهواز بالجنود قال إنه قد ظهر بالمدينة قال قد فهمت وإنما الأهواز الباب الذي تؤتون منه فلما ظهر إبراهيم بالبصرة قال له المنصور ذلك قال فعاجله بالجنود واشغل الأهواز عليه وشاور المنصور أيضا جعفر بن حنظلة البهراني عن زهور محمد فقال وجه الجنود إلى البصرة قال انصرف حتى أرسل إلسك

فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إليه فقال له ذلك فقال إني خفت بادرة الجنود قال وكيف خفت البصرة قال لأن محمدا ظهر بالمدينة وليسوا أهل الحرب بحبسهم أن يقيموا شأن أنفسهم وأهل الكوفة تحت قدمك وأهل الشام أعداء آل أبي طالب فلم يبق إلا البصرة ثم إن المنصور كتب إلى محمد بسم الله الرحمن الرحيم إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض الآيتين

ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن ابتعكم على دمائكم وأموالكم وأسوغك ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج وأنزلك من البلاد حيث شئت وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل في شيء من أمرك ثم لا أتبع أحدا منهم بشيء كان منه أبدا فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إلي من أحببت ياذ لك مني الأمان والعهد والميثاق ما تتوثق به والسلام

فكتب إلى محمد طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إلى يحذرون وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي فإن الحق حقنا وإنما دعيتم هذا الأمر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضله فإن أبانا عليا كان الوصي وكان الإمام فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر أحد مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف أبائنا لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل

وإنا بنو أم رسول الله فاطمة بنت عمرو في الجاهلية وبنو بنته فاطمة في الإلسام دونكم إن الله اختارنا واختار لنا فوالدنا من النبيين محمد أفضلهم ومنهم السلف أولهم إسلاما علي ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأول من صلى إلى القبلة ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء العالمين وأهل الجنة ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن هاشما ولد عليا مرتين وأن عبد المطلب ولد حسنا مرتين وأن رسول الله ولدني مرتني من قبل حسن وحسين وإني أوسط بني هاشم نسبا وأصرحهم أبا لم تعرف في العجمة ولم تنازع في أمهات الأولاد فما زال الله يختار لي الأباء والأمنهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في الأشرار فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة وأهونهم عذأبا في النار ولك الله على أن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد فقد علمت ما يلزمني من ذلك وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد لأنك أعطيتني من الأمان والعهد ما أعطيته رجالا قبلي فأي الأمانات تعطيني أمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد الله بن علي أم أمان أبي مسلم

فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو أيوب المورياني دعني أجبه عليه قال إلا إذا تقارعنا على الأحساب فدعني وإياه ثم كتب إليه المنصور بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغني كلامك وقرأت كتابك فإذا جل فخرك بقرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء ولم يجعل الله النساء كالعمومة والأباء ولا كالعصبة والأولياء لأن الله جعل العم أبا وبدأ في كتابه على الوالدية الدنيا ولو كان اختار الله لهن على قد قرابتهن كأنت آمنة أقربهن رحما وأعظمهن حقا وأول من يدخل الجنة غدا ولكن اختار الله لخلقه على علمه فيما مضى منهم واضطفاه لهم وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب وولادتها فإن الله لم يرزق أحدا من ولدها الإسلام لا بنتا ولا ابنا ولو أن رجلا رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله ولكن أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة ولكن الأمر لله يختار لدنيه من يشاء

قال الله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ولقد بعث محمدا وله عمومة أربعة فأنزل الله عز وجل وأنذر عشيرتك الأقربين فأذنرهم ودعاهم فأجاب اثنان أحدهما أبي وأبى اثنان أحدهما أبوك فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثا وزعمت أنك ابن أخف أهل النار عذأبا وابن خير الأشرار وليس في الكفر بالله ضغير ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير وليس في الشر خيار ولا ينبغي لمؤمن بالله أن يفخر بالنار وسترد فتعلم وسيعلم الذين ظلموا الآية وأما أمر حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين وأن النبي ولدك مرتين فخير الأولين والآخرين رسول الله لم يلده هاشم إلا مرة ولا عبد المطلب إلا مرة

وزعمت أنك أوسط بني هاشم وأصرحهم أما وأبا وأنه لم يلدك العجم ولم تعرف فيك أمهات الاولاد فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طرا فانظر ويحك أين أنت من الله غدا فإنك قد تعديت طورك وفخرت على من هو خير منك نفسا وأبا وأولادا وأخا إبراهيم رسول الله وما خيار بني أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمهات الأولاد ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله أفضل من علي بن الحسين وهو لأم ولد ولهو خير من جدك حسن بن حسين وما كان فيكم بعده مثل محمد بن علي وجدته أم ولد ولهو خير من أبيك ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد وهو خير منك وأما قولك إنكم بنو رسول الله فإن الله تعالى يقول في كتابه ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكنكم بنو بنته وإنها لقرابة قريبة ولكنها لا يجوز لها الميراث ولا ترث الولاية ولا يجوز لها الإمامة فكيف تورث بها ولقد طلبها أبوك بكل وجه فأخرج فاطمة نهارا ومرضها سرا ودفنها ليلا فأبى الناس إلا الشيخين ولقد جاءت السنة التي لا اختلاف فيها من المسلمين أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يورثون وأما ما فخرت به من علي وسابقته فقد حضرت رسول الله الوفاة فأمر غيره بالصلاة ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه وكان في الستة فتركوه كلهم دفعا له عنها ولم يروا له حقا فيها وأما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان وهو له متهم وقاتله طلحة والزبير وأبى سعد بيعته فأغلق بابه دونه ثم بايع معاوية بعده ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها وتفرق عنه أصحابه وشط فيه شيعته قبل الحكومة ثم حكم حكمين رضي بهما وأعطاهما عهد الله وميثاقه فاجتمعا على خلعه

ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله وأخذ مالا من غير ولاية ولا حلة فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخهذتم ثمنه ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه

ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان وقتلوا رجالكم واسروا الصبية والنساء وحملوهم بلا وطء في المحامل كالسبي المجلوب إلى الشام حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم وسنينا سلفكم وفضلناه فاتخذت ذلك علينا حجة وظننت أنا إنما ذكرنا أباك للتقدمة مناله على حمزة والعباس وجعفر وليس ذلك كما ظننت ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين متسلما منهم مجتمعا عليهم بالفضل وابتلى أبوك بالقتال والحرب وكأنت بنو أمية تلعنه كما تعلن الكفرة في الصلاة المكتوبة فاحتججنا وذكرناهم فضله وعنفناهم وظلمناهم لما نالوا منه فلقد علمت أن مكرمتنا في الجاهليى سقاية الحاج الأعظم وولاية زمزم فصارت للعباس من بين إخوته نفنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر فلم نزل نليها في الجاهلية والإلسام

ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه بأبينا حتى يغيثهم الله فسقاهم الغيث وأبوك حاضر لم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه بأبينا حتى يغيثهم الله فسقاهم الغيث وأبوك حاضر لم يتوسل له ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبي غيره فكأنت وراثة من عمومته ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله إلا ولده فالسقاية سقايته وميراث النبي له والخلافة في ولده فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في الدنيا والآخرة إلا والعباس وارثه ومورثه

وأما ما ذكرت من بدر فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله وينفق عليهم للأزمة التي أصابته ولولا أن العباس أخرج إلى بدر كارها لمات طالب وعقيل جوعا وللحسا أجفانه عتبة وشيبة ولكنه كان من المطعمين فأذهب عنكم العار والسبة وكفاكم النفقة والمؤونة ثم فدى عقيلا يود بدر فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر وفديناكم وجزنا عليكم مكارم الأباء ورثنا دونكم خاتم الأنبياء وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه ولم تدركوا لأنفسكم والسلام عليكم ورحمة الله

وكان محمد قد استعمل محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على الشام فأما محمد بن الحسن والقاسم فسار إلى مكة فخرج إليهما السري بن عغبد الله عامل المنصور على مكة فلقيهما ببطن أذاخر فهزماه ودحل محمد مكة وأقام بها يسيرا فأتاه كتاب محمد بن عبد الله يأمره بالمسير إليه فيمن معه ويخبره بمسير عيسى بن موسى إليه ليحاربه فسار إليه من مكة هو والقاسم فبلغه بنواحي قديد قتل محمد فهرب هو وأصحابه وتفرقوا فلحق محمد بن الحسن بإبراهيم فأقام عنده حتى قتل إبراهيم واختفى القاسم بالمدينة حتى أخذت له ابنة عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر امرأة عيسى الأمان له ولإخوته معاوية وغيره وأما موسى بن عبد الله فسار نحو الشام ومعه رزام مولى محمد بن خالد القسري فانسل منه رزام تيمنا وسار إلى المنصور برسالة من مولاه محمد القسري فظهر محمد بن عبد الله على ذلك فحبس محمد القسري ووصل موسى إلى الشام فرأى منهم سوء رد عليه وغلظة فكتب إلى محمد

أخبرك أني لقيت الشام وأهله فكان أحسنهم قولا الذي قال والله لقد مللنا البلاء وضقنا حتى ما فينا لهذا الأمر موضع ولا لنا به حاجة ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا وأمسينا من غد ليرفعن أمرنا فكتب إليك وقد غيبت وجهي وخفت على نفسي ثم رجع إلى المدينة

وقيل أتى البصرة وأرسل صاحبا له يشتري له طعاما فاشتراه وجاء به على حمار اسود فادخله الدار التي سكنها وخرج فلم يكن بأسرع من أن كسبت الدار وأخذ موسى وابنه عبد الله وغلامه فأخذوا وحملوا إلى محمد بن سلمان بن علي بن عبد الله بن عباس فلما رأى موسى قال لا قرب الله قرابتكم ولا حيا وجوهكم تركت البلاد كلها إلا بلدا أنا فيه فإن وصلت ارحامكم أغضبت أمير المؤمنين وإن أطعته قطعت أرحامكم ثم أرسلهم إلى المنصور فأمر فضرب موسى وابنه كل واحد خمسمائة سوط فلم يتأوهوا فقال المنصور أعذرت أهل الباطل في صبرهم فما بال هؤلاء فقال موسى أهل الحق أولى بالصبر ثم أخرجهم وأمر بهم فسجنوا

( خبيب بن ثابت ) بالخاء المعجمة المضمومة وبياءين موحدتين وبينهما ياء مثناة من تحتها

ذكر مسير عيسى بن موسى إلى محمد بن عبد الله وقتله ص 155

ثم إن المنصور أحضر ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد فقال شاور عمومتك يا أمير المؤمنين ثم قال فأين قول قول ابن هرثمة

( نزور امرءا لا يمخض القوم سره % ولا ينتجي الأدنين عما يحاول )

( إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى % وإن قال إني فاعل فهو فاعل )

فقال المنصور امض أيهات الرجل فوالله ما يراد غيري وغيرك وما هو إلا أن تشخص أنت وأشخص أنا فسار وسير معه الجنود وقال المنصور لما سار عيسى لا أبالي أيهما قتل صاحبه وبعث محمد بن أبي العباس السفاح وكثير من حصين العبدي وابن قحطبة وهزارمرد وغيرهم وقال له حين ودعه يا عيسى إني أبعثك إلى ما بين هذين واشار إلى جنبيه فإن ظفرت بالرجل فاغمد سيفك وأبذل الأمان وإن تغيب فضمنهم إياه فإنهم يعرفون مذاهبه ومن لقيك من آل أبي طالب فاكتب إلي باسمه ومن لم يلقك فاقبض ماله

وكان جعفر الصادق تغيب عنه فقبض ماله فلما قدم المنصور المدينة قال له جعفر في معنى ماله فقال قبضه مهديكم فلما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى الناس في خرق حرير منهم عبد العزيز بن المطلب المخزومي وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي وكتب إلى عبد الله بن محمد بن عمر بن عل بن أبي طالب يأمره بالخروج من المدينة فيمن أطاعه فخرج هو وعمر بن محمد بن عمر وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل وأبو عيسى ولما بلغ محمدا قرب عيسى من المدينة استشار أصحابه في الخروج من المدينة أو المقام بها فأشار بعضهم بالخروج عنها وأشار بعضهم بالمقام بها لقول رسول الله ( رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة ) فأقام ثم استشارهم في حفر خندق رسول الله فقال له جابر بن أنس رئيس سليم يا أمير المؤمنين نحو أخوالك وجيرانك وفينا السلاح والكراع فلا تخندق الخندق فإن رسول الله خندق خندقة لما الله أعلم به وان خندقته لم يحسن القتال رجالة ولم توجه لنا الخيل بين الأرقة وان الذين تخندق دونهم هم الذين يحول الخندق دونهم فقال أحد بني شجاع خندق خندق رسول الله فاقتد به وتريد أنت أن تدع أثر رسول الله لرأيك قال انه والله يا ابن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم وما شيء أحب إلينا من مناجزتعم فقال محمد إنما اتبعنا في الخندق أثر رسول الله فلا يردني أحد عنه فليست بتاركه وأمر به فحفر وبدأ هو فحفر بنفسه الخندق الذي حفره رسول الله للاحزاب وسار عيسى حتى نزل الأعوص وكان محمد قد جمع الناس وأخذ عليهم الميثاق وحصرهم فلا يخرجون وخطبهم محمد بن عبد الله فقال لهم إن عدو الله عدوكم قد نزل الأعوص وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء المهاجرين والأنصار ألا وإنا قد جمعناكم وأخذنا عليكم الميثاق وعدوكم عدد كثير والنصر من الله والأمر بيده وأنه قد بجالي أن آذن لكم فمن أحب منكم أن يقيم أقام ومن أحب أن يظعن ظعن فخرج عالم كثير وخرج ناس من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال وبقي محمد في شرذمة يسيرة فأمر أبا القلمي برد من قدر عليه فأعجزه كثير منهم فتركهم وكان المنصور قد أرسل ابن الأصم مع عيسى ينزله المنازل فلما قدموا أنزلوا على ميل من المدينة فقال ابن الاصم إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة وإني أخاف إن كشفوكم كشفة أن يدخلوا عسكركم فتأخروا إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف وهي على أربعة أميال من المدينة وقال لا يهرول الراجل أكثر من ميلين وثلاث حتى يأخذه الخيل وأرسل عيسى خمسمائة رجل إلى بطحاء بن أزهر على ستة أميال من المدينة فاقاموا بها وقال أخاف أن ينهزم محمد فيأتي مكة فيرده هؤلاء فاقاموا بها حتى قتل وأرسل عيسى إلى محمد يخبره أن المنصور قد أمنه وأهله فاعاد الجواب يا هذا إنك لك برسول الله قرابة قريبة وإن أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته وأحذرك نقمته وعذابه وإني والله ما أنا منصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه وإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله فتكون شر قتيل أو تقتله فيكون أعظم لوزرك فلما بلغته الرسالة قال عيسى ليس بيننا وبينه إلا القتال وقال محمد للرسول علام تقتلونني وإنما أنا رجل فر من أن يقتل قال القوم يدعونك إلى الأمان فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير أبائك طلحة والزبير على نكث بيعتهم وكيد ملكه فلما سمع المنصور قوله قال ما سرني أنه قال غير ذلك ونزل عيسى بالجرف لاثنتي عشرة من رمضان يوم السبت فأقام السبت والأجد وغدا يوم الاثنين فوقف على سلع فنظر إلى المدينة ومن فيها فنادى يا أهل المدينة إن الله حرم دماء بعضنا على بعض فهلموا إلى الأمان فمن قام تحت رايتنا فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن خرج من المدينة فهو آمن خلوات بيننا وبين صاحبنا فإما لنا وأما له فشتموه وانصرف من يومه وعاد من الغد وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة وأهلى ناحية مسجد أبي الجراح وهو على بطحان فإنهأخلى تلك الناحية لخروج منينهزم وبرز محمد في أصحابه وكأنت رايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وكان شعاره أحد أحد فبرز أبو القلمس وهو من أصحاب محمد فبرز إليه أخو أسد واقتتلوا طويلا فقتله أبو القلمس وبرز إليه آخر فقتله فقال حين ضربه خذها وأنا ابن الفاروق فقال رجل من أصحاب عيسى قتلت خيرا من ألف فاروق وقاتل محمد بن عبد الله يومئذ قتالا عظيما فقتل بيده سبعين رجلا وأمر عيسى حميد بن قحطبة فتقدم في مائة كلهم راجل سواه فزحفوا حتى بلغوا جدارا دون الخندق عليه ناس من أصحاب محمد فهدم حميد الحائط وأنتهى إلى الخندق ونصب عليه أبوأبا وعبر هو وأصحابه عليها فجازوا الخندق وقاتلوا من ورائه أشد قتال من بكرة إلى العصر وأمر عيسى أصحابه فالقوا الحقائب وغيرها في الخندق وجعل الأبواب عليها وجازت الخيل فاقتتلوا قتالا شديدا فانصرف محمد قبل الظهر فاغتسل وتحنط ثم رجع فقال له عبد الله بن جعفر بأبي أنت وأمي والله مالك بما ترى طاقة فلو أتيت الحسن بن معاوية بمكة فإن معه جل أصحابك فقال لو خرجت لقتل أهل المدينة والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل وأنت مني في سعة فاذهب حين شئت فمشى معه قليلا ثم رجع عنه وتفرق عنه جل أصحابه حتى بقي في ثلاثمائة رجل يزيدون قيلال فقال لبعض أصحابه نحن اليوم بعدة أهل بدر وصلى محمد الظهر والعصر وكان معه عيسى بن خضير وهو يناشده إلا ذهبت إلى البصرة أو غيرها ومحمد يقول والله لا تبتلون بي مرتين ولكن اذهب أنت حيث شئت فقال ابن خضير وأين المذهب عنك ثم مضى فاحرق الديوان الذي فيه أسماء من بايعه وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباس بن عثمان وقتل ابن مسلم بن عقبة المري ومضى إلى محمد بن القسري وهو محبوس ليقتله فعلم به فردم الابواب دونه فلم يقدر عليه ورجع إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل

وتقدم حميد بن قحطبة وتقدم محمد فلما صار ينظر مسيل سلع عرقب فرسه وعرقب بنو شجاع الخميسيون دوابهم ولم يبق أحد غلا كسر جفن سيفه فقال لهم محمد قد بايعتموني ولست بارحا حتى أقتل فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له واشتد القتال فهزموا أصحاب عيسى مرتين وثلاثا وقال يزيد بن معاوية بن عباس بن جعفر ويل أمه فتحا لو كان له رجال فصعد نفر من أصحاب عيسى على جبل سلع وانحدروا منه إلى المدينة وأمرت اسماء بنت حسن بنت عبد الله بن عبيد الله بن عباس بخمار أسود فرفع على منارة مسجد رسول الله فقال أصحاب محمد دخلت المدينة فهربوا فقال يزيد لكل قوم جبل يعصمهم ولنا جبل لا نؤتى الا منه يعني سلعا وفتح بنو أبو عمر والغفاريون طريقا في بني غفار لأصحاب عيسى ودخلوا منه أيضا وجاؤوا من رواء أصحاب محمد ونادى محمد حميد بن قحطبة ابرز إلي فأنا محمد بن عبد الله فقال حميد قد عرفتك وأنت الشريف ابن الشريفغ الكريم ابن الكريم لا والله لا أبرز إليك وبين يدي من هؤلاء الأغمار أحد فإذا فرغت منهم فسأبرز إليك وجعل حميد يدعو ابن خضير إلى الأمان ويشح به على الموت واين خضير يحمل على الناس راجلا لا يصغي إلى أمانه وهو ياخذه بين يديه فضربه رجل من أصحاب عيسى على اليته فحلها فرجع إلى أصحابه فشدها بثوب ثم عاد إلى القتال فضربه إنسان على عينه فغاص السيف وسقط فابتدروه فقتلوه واحتزوا رأسه وكأنه باذنجانة مفلقة من كثرة الجراح فيه

فلما قتل تقدم محمد فقاتل على جيفته فجل يهد لاناس هدا وكان أشبه الناس بقتال حمزة ولم يزل يقاتل حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى فبرك لركبتيخ وجعل يذب عن نفسه ويقول ويحكم ابن نبيكم مجرح مظلوم فطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه ثم نزل إليه فاحتز رأسه وأتى به عيسى وهو لا يعرف من كثرة الدماء وقيل إن عيسى اتهم ابن قحطبة وكان في الخيل فقال له ما أراك تبالغ فقال له أتتهمني فوالله لأضربن محمدا حين أراه بالسيف أو اقتل دونه قال فمر به وهو مقتول فضربه ليبر يمينه وقيل بل رمى بسهم وهو يقاتل فوقف إلى جدار فتحاماه الناس فلما وجد الموت تحامل على سيفه فكسره وهو ذو الفقار سيف علي وقيل بل أعطاه رجلا من التجار كان معه وله عليه أربعمائة دينار وقال خذه فإنك لا تلقى أحدا من آل أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك فلم يزل عنده حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر به فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار ولم يزل معه حتى أخذه منه المهدي ثم صار إلى الهادي فجربه على كلب فانقطع السيف وقيل بل بقي إلى أيام الرشيد وكان يتقلده وكان به ثماني عشرة فقارة ولما أتي عيسى برأس محمد قال لأصحابه ما تقولون فيه فوقعوا فيه فقال بعضهم كذبتم ما لعذا قاتلناه ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصا المسلمين وان كان لصوأما قوأما فسكتوا فأرسل عيسى الرأس إلى المنصور مع محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب والبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأرسل معه رؤوس بني شجاع فأمر المنصور فطيف برأس محمد في الكوفة وسيره إلى الآفاق ولما رأى المنصور رؤوس بني شجاع قال هكذا فليكن الناس طلبت محمدا فاشتمل عليه هءلاؤ ثم نقلوه وأنتقلوا معه ثم قاتلوا معه حتى قتلوا وكان قتل محمد وأصحابه يوم الاثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان وكان المنصور قد بلغه أن عيسى قد هزم فقال كلا اين لعب أصحابنا وصبياننا بها على المنابر ومشورة النساء ما أتى كذلك بعد ثم بلغه أن محمدا هرب فقال كلا أنا أهل بيت لا نفر فجاءته بعد ذلك الرؤوس ولما وصل رأس محمد إلى المنصور وكان الحسن بن زيد بن الحسن بن علي عنده فلما رأى الرأس عظم عليه فتجلد خوفا من المنصور وقال لنقيب المنصور أهو قال هو فلذهم وقال لوددت أنا الركانة إلى طاعته وانه لم يكن فعل ولا قال وإلا فأم موسى طالق وكأنت غاية أيمانه ولكنه أراد قتله وكأنت نفسه أكرم علينا من نفسه فبصق بعض الغلمان في وجهه فأمر المنصور بأنفه فكسر عقوبة له ولما ورد الخبر بقتل محمد على أخيه إبراهيم بالبصرة كان يوم العيد فخرج فصلى بالناس ونعاه على المنبر وأظهر الجزع عليه وتمثل على المنبر

( أبا المنازل يا خير الفوارس من % يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا )

( الله يعلم أني لو خشيتهم % وأوجس القلب من خوف لهم فزعا )

( لم يقتلوه ولم اسلم أخي بدا % حتى نموت جميعا أو نعيش معا )

ولما قتل محمد أرسل عيسى الوية فنصبت في مواضع بالمدينة ونادى مناديه من دخل تحت لواء منها فهو آمن

وأخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز صفين ووكل بخشبة ابن خضير من يحفظها فاحتمله قوم من الليل فواروه سرا وبقي الآخرون ثلاثا فأمر بهم عيسى فألقوا على مقابر اليهود ثم ألقوا بعد ذلك في خندق في أصل ذباب

فأرسلت زينب بنت عبد الله أخت محمد وابنة فاطمة إلى عيسى انكم قد قتلتموه وقضيتم حاجتكم منه فلو أذنتم لنا في دفنه فأذن لها فدفن بالبقيع وقطع المنصور المسرة في البحر إلى المدينة ثم أذن فيها المهدي

ذكر بعض المشهورين ممن كان معه ص 161

وكان فيمن معه من بني هاشم أخوه موسى بن عبد الله وحسين وعلس ابنا زيد بن علي بن الحسين بن علي ولما بلغ المنصور أن ابني زيد أعانا محمدا عليه قال عجبا لهما قد خرجا علي وقد قتلنا أبيهما كما قتله وصلبناه كما صلبه وأحرقناه كما أحرقه وكان معه حمزة بن عبد الله بن محمد بن الحسين وعلي وزيد ابنا الحسن بن زيد بن علي بن أبي طالب وكان أبوهما مع المنصور والحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر والمرجى علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر وكان أبوه مع المنصور ومن غيرهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العباس ومحمد بن عجلان وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم أخذا أسيرا فأتي به المنصور فقال له أنت الخارج علي قال لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد وكان معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة وعبد الواحد بن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدراوردي وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب ويعقوب وعثمان وعبد العزيز بنو عبد الله بن عطاء وعيسى بن خضير وعثمان بن خضير وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير هرب بعد قتل محمد فأتي البصرة فأخذ منها وأتي به المنصور فقال له هيه يا عثمان أنت الخارج علي مع محمد قال بايعته أنا وأنت بمكة فوفيت ببيعتي وغدرت بيعتك قال يابن اللخناء قال ذاك من قامت عنه الإماء يعني المنصور فأمر به فقتل

وكان مع محمد بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وأخذ أسيرا فأطلقه المنصور وعبد العزيز بن إبراهيم ن عبد الله بن مطيع وعلي بن عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب وابراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير وهشام بن عمارة بن الوليد بن عدي بن الخيار وعبد الله بن يزيد بن هرمز وغيرهم ممن تقدم ذكرهم

ذكر صفة محمد والاخبار بقتله ص 162

كان محمد أسمر شديد السمرة وكان المنصور يسميه محمما وكان سمينا شجاعا كثير الصوم والصلاة شديد القوة وكان يخطب على المنبر فاعترض في حلقه بلغم فتنحنح فذهب ثقم عاد فتنحنح فذهب ثم عاد فتنحنح فنظر فلم ير موضعا يبصق فيه فرمى بنخامته في سقف المسجد فالصقها فيه

وسئل جعفر الصادق عن أمر محمد فقال فتنة يقتل فيها محمد ويقتل أخوه لأبيه وأمه بالعراق وحوافر فرسه في ماء فلما قتل محمد قبض عيسى أموال بني الحسن كلها وأموال جعفر فلقي جعفر المنصور فقال له رد علي قطيعتي من أبي زياد قال إياي تكلم بهذا والله لأزهقن نفسك قال فلا تعجل علي قد بلغت ثلاثا وستين سنة وفيها مات أبي وجدي وعلي بن أبي طالب وعلي كذا وكذا إن ربتك بشيء وإن بقيت بعدك ان ربت الذي يقوم بعدك فرق له المنصور ولم يرد عليه قطيعته فردها المهدي على ولده

وقال محمد لعبد الله بن عامر الأسلمي تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ظفرنا وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي عند أحجار الزيت قال فوالله لقد أظلتنا سحابة فلم تمطرنا وتجاوزتنا إلى عيسى وأصحابه فظفروا وقتلوا محمدا ورأيت دمه عند أحجار الزيت وكان قتله يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وكان يلقب المهدي والنفس الزكية ومما رثي به هو وأخوه قول عبد الله بن مصعب بن ثابت

( يا صاحبي دعا الملامة واعلما % أن لست في هذا بألوم منكما )

( وقفا بقبر للنبي فسلما % لا باس أن تقفا به وتسلما )

( قبر تضمن خير أهل زمانه % حسبا وطيب سجية وتكرما )

( رجل نفى بالعدل جور بلادنا % وعفا عظيمات الأمور وأنعما )

( لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر % عنه ولم يفتح بفاحشة فما )

( لو أعظم الحدثان شيئا قبله % بعد النبي به لكنت المعظما )

( أو كان أمتع بالسلامة قبله % أحدا لكان قصاره أن يسلما )

( ضحوا بإبراهيم خير ضحية % فتصرمت أيامه فتضرما )

( بطلا يخوض بنفسه غمراته % لا طائشا رعشا ولا مستسلما )

( حتى مضت فيه السيوف وربما % كأنت حتوفهم السيوف وربما )

( أضحى بنو حسن أبيح حريمهم % فينا وأصبح نهبهم متقسما )

( ونساؤهم في دورهن نوائح % سجع الحمام إذا الحمام ترنما )

( يتوسلون بقتله ويرونه % شرفا لهم عند الامام ومغنما )

( والله لو شهد النبي محمد % صلى الإله على النيببي وسلما )

( اشراع أمته الأسنة لابنه % حتى تقطر من ظباتهم دما )

( حقا لأيقن أنهم قد ضيعوا % تلك القرابة واستحلوا المحرما )

ولما قتل محمد قام عيسى بالمدينة أياما ثم سار عنها صبح تسع عشرة خلت من رمضان يريد مكة معتمرا واستخلف على المدينة كثير بن خضير فأقام بها شهرا ثم استعمل المنصور عليها عبد الله بن الربيع الحارثي

ذكر وثوب السودان بالمدينة ص 163

وفيها ثار السودان بالمدينة على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثي فهرب منهم وسبب ذلك أن المنصور استعمل عبد الله بن الربيع على المدينة وقدمها لخمس بقين من شوال فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم فشكا ذلك التجار إلى ابن الربيع فأنتهرهم وشتمهم فتزايد طمع الجند فيهم فعدوا على رجل صيرفي فنازعوه كيسه فاستعان بالناس فخلص ماله منهم وشكا أهل المدينة ذلك منهم فلم ينكره ابن الربيع ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزار لحما يوم جمعة ولم يعطه ثمنه وشهر عليه السيف فضربه الجزار بشفرة في خاصرته فقتله واجتمع الجزارون وتنادى السودان على الجند وهم يروحون إلى الجمعو فقتلوهم بالعمد ونقخوا في بوق لهم فسمعه السودان من العالية والسافلة فأقبلوا واجتمعوا وكان رؤساؤهم ثلاثة نفر وثيق ويعقل وزمعة ولم يزالوا على ذلك من قتل الجند حتى أمسوا فلما كان الغد قصدوا ابن الربيع فهرب منهم وأتى بطن نخل على ليليتين من المدينة فنزل به فأنتهبوا طعاما للمنصور وزيتا وقصبا فباعو الحمل الدقيق بدرهمين وراوية الزيت باربعة دراهم وسار سليمان بن مليح ذلك اليوم إلى المنصور فأخبره وكان أبو بكر بن أبي سبرة في الحبس قد أخرج مع محمد بن عبد الله فضرب وحبس مقيدا فلما كان من السودان ما كان خرج في حديده من الحبس فأتى المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما فاحضرهم عنده فقال أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت فوالله إن ثبتت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى إنه لهلاك البلد وأهله والعبيد في السوق باجمعهم فاهذبوا إليهم فكلموهم في الرجعة والعود إلى رأيكم فانهم أخرجتهم الحمية فذهبوا إلى العبيد فكلموهم فقالوا مرحبا بموالينا والله ما قمنا إلا أنفة مما عمل بكم فأمرنا اليكم فأقبلوا بهم غلى المسجد فخطبهم ابن أبي سبرة وحثهم على الطاعة فتراجعوا ولم يصل الناس يومئذ جمعة فلما كان وقت العشاء الآخرة لم يجب المؤذن أحد إلى الصلاة بهم فقدم الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان فلما وقف للصلاة واستوت الصفوف أقبل عليهم بوجهه ونادى بأعلى صوته أنا فلان ابن فلان أصلي بالناس على طاعة أمير المؤمنين ثم يقول ذلك مرتين وثلاثا ثم تقدم فصلى بهم فلما كان الغد قال لهم ابن أبي سبرة انكم قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم ونهبتم طعام أمير المؤمنين فلا يبقين عند أحد منه شيء إلا ده فردوه ورجع ابن الربيع من بطن نخل فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما

ذكر بناء مدينة بغداد ص 164

فيها ابتدأ المنصور في بناء مدينة بغداد وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة فلما ثارت الراوندية فيها كره سكناها لذلك ولجوار أهل الكوفة أيضا فإنه كان لا يأمن أهلها على نفسه وكانوا قد أفسدوا جنده فخرج بنفسه يرتاد له موضعا يسكنه هو وجنده فانحدر إلى جرجرايا ثم أصعد إلى الموصل وسار نحو الجبل في طلب منزل يبنى له وكان قد تخلف بعض جنده بالمدائن لرمد لحقه فساله الطبيب الذي يعالجه عن سبب حركة المنصور فأخبره فقال أنا نجد في كتاب عندنا أن رجلا يدعى مقلاصا يبنى مدينة بين دجلة والصراة تدعى الزوراء فإذا اسسها وبنى بعضها أتاه فتق من الحجاز فقطع بناءها وأصلح ذلك الفتق ثم أتاه فتق من البصرة أعظم منه فلم يلبث الفتقان أن ليتئما ثم يعود إلى بنائها فيتمه ثم يعمر عمرا طويلا ويبقى الملك في عقبه فقدم ذلك الجندي إلى عسكر المنصور وهو بنواحي الجبل فأخبره الخبر فرجع وقال إني أنا كنت أدعي مقلاصا وأنا صبي ثم زال عني وسار حتى نزل الدير الذي حذاء تقصره المعروف بالخلد ودعا بصاحب الدير وبالبطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرم وصاحب بستان النفس وصاحب العتيقة فسالهم عن مواضعهم وكيف هي في الحر والبرد والأمطار والوحول والبق والهوام فأخبره كل منهم بما عنده ووقع اختيارهم على صاحب بغداد فأحضره وشاوره فقال يا أمير المؤمنين سألتني عن هذه الأمكنة وما نختار منها وإني أرى أن تنزل أربعة طساسيج في الجانب الغرب طسوجين وهما بقطربل وبادوريا وفي الجانب الشرقي طسوجين وهما نهر بوق وكلواذي فيكون بين نخل وقرب الماء وإن أجدب طسوج وتأخرت عمارته كان في الطسوج الآخر العمارات وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من الشام والرقة والغرب في طوائف مصر وتجيئك الميرة من الصين والهند والصرة وواسط وديار بكر والروم والموصل وغيرها في دجلة وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها في تامرا حتى يتصل بالزاب فأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة فإذا قطعت الجسر وأخربت القنطرة لم يصل إليك

ودجلة والفرات والصراة خنادق هذه المدينة وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والموصل والواد وأنت قريب من البر والبحر والجبل فازداد المنصور عزما على النزول في ذلك الموضع وقيل إن المنصور لما أراد أن يبني مدينته بغداد رأى راهبا فناداه فأجابه فقال هل تجدون في كتبكم انه يبنى ههنا مدينه قال نعم يبنيها مقلاص قال فانا كنت ا دعى مقلاصا فى حداثنى قال فادا أنت صاحبها فابتدا المنصور بعملها سنة خمس واربعين وكتب إلى الشام والجبل والكوفة وواسط والبصرة فى معنى انفاد الصناع والفعلة وأمر باختيار قوم من دوى الفضل والعدالة والفقه وأمر باختيار قوم من دوى الامانة والمعرفة بالهندسة فكان ممن احضر لدالك الحجاج بن ارطاة وا بو حنيفة وأمر فخطت المدينة وحفر الاساس وضرب اللبن وطبخ الاجر فكان أول ما ابتدا به منها انه أمر بخطها بالرماد فدخلها من ابوابها وفصلانها وطاقاتها ورحابهاوهى مخطوطة بالرماد ثم أمر ان يجعل على الرماد حب القطن ويشعل بالنار ففعلو فنظر إليها وهى تشتعل ففهمها وعرف رسمها وأمر ان يحفر الاساس على دلك الرسم ووكل بها اربعة من القواعد كل قائد بربع ووكل أبا حنيفة بعد الاجر واللبن

وكان قبل ذلك قد أراد أبا حنيفة أن يتولى القضاء والمظالم فلم يجب فحلف المنصور أنه لا يقلع عنه أو يعمل له فأجابه إلى أن ينظر في عمارة بغداد ويعد اللبن والأجر بالقصب وهو أول من فعل ذلك وجعل المنصور عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين ذراعا وجعل في البناء القضب والخشب ووضع بيده أول لبنة وقال بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ثم قال ابنوا على بركة الله فلما بلغ السور مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد بن عبد الله فقطع البناء ثم أقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد واخيه إبراهيم ثم رجع إلى بغداد فأتم بناءها وأقطع فيها القطائع لأصحابه

وكان المنصور قد أعد جميع ما يحتاج إليه من بناء المدينة من خشب وساج وغير ذلك واستخلف حين يشخص إلى الكوفة على غصلاح ما أعد أسلم مولاه فبلغه أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور فأحرق ما كان خلفه عليه المنصور فبلغ المنصور ذلك فكتب إليه يلومه فكتب إليه أسلم ليخبره أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه فلم يقل شيئا وسنذكر كيفية بنائها في سنة ست وأرعبني إن شاء الله

ذكر ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أخي محمد ص 167

فيها كان ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب وهو أخو محمد المقدم ذكره وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب فحكت جارية له انه لم تقرهم أرض خمس سنين مرة بفارس ومرة بكرمان ومرة بالجبل ومرة بالحجاز ومرة باليمن ومرة بالشام ثم انه قدم الموصل وقدمها المنصور في طلبه فحكة إبراهيم قال اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور ثم خرجت وق كف الطلب وكان قوم من أهل العسكر يتشيعون فكتبوا إلى إبراهيم يسألونه القدوم إليهم ليثبوا بالمنصور فقدم عسكر أبي جعفر وهو بغبغداد وقد خطها وكأنت له مرآة ينظر فيها فيرى عدوه من صديقه فنظر فيها فقال يا مسيب قد رأيت إبراهيم في عسكري وما في الأرض أعدى لي منه فانظر أي رجل يكون ثم ان المنصور أمر ببناء قنطرة الصراة العتيقة فخرج إبراهيم ينظر إليها مع الناس فوقعت عليه عين المنصور فجلس إبراهيم وذهب في الناس فاتى قاميا فلجأ إليه فأصعده غرفة له وجد المنصور في طلبه وضع الرصد بكل مكان فنشب إبراهيم مكانه فقال له صاحبه سفيان بن حيان القمي قد نزل بنا ما ترى ولا بد من المخاطرة قال فأنت وذاك فاقبل سفيان إلى الربيع فسأله الاذن على المنصور فادخله عليه فلما رآه شتمه فقال يا أمير المؤمنين أنا أهل لما تقول غير أني أتيتك تائبا ولك عندي كل ما تحب وأنا آتيك بابراهيم بن عبد الله إني قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيرا فاكتب لي جوازا ولغلام معي يحملني على البريد ووجه معي جندا فكتب له جوازا ودفع إليه جندا وقال هذه ألف دينار فاستعن بها قال لا حاجة لي فيها وأخذ منها ثلاثمائة دينار وأقبل الجند معه فدخل البيت وعلى إبراهيم جبة صوف وقباء كأقبية الغلمان فصاح به فوثب وجعل يأمره وينهاه وسار على البريد وقيل لم يركب البريد وسار حتى قدن المدائن فمنعه صاحب القنطرة بها فدفع جوازه إليه فلما جازها قال له الموكل بالقنطرة ما هذا غلام وإنه لابراهيم بن عبد الله إذهب راشدا فأطلقهما فركبا سفينة حتى قدما البصرة فجعل يأتي بالجند

الدار لها بابنا فيقعد البعض منهم على أحد البابين ويقول لا تبرحوا حتى آتيكم فيخرج من الباب الآخر ويتركهم حتى فرق الجند عن نفسه وبقي وحده وبلغ الخبر سفيان بن معاوية أمير البصرة فأرسل إليهم فجمعهم وتطلب القمي فأعجزه وكان إبراهيم قد قدم الأهواز قبل ذلك واختفى عند الحسن بن خبيب وكان محمد بن الحصين يطلبه فقال يوما إن أمير المؤمنين كتب إلي يخبرني أن المنجمين أخبروه أن إبراهيم نازلا بالأهواز في جزيرة بين نهرين وقد طلبته في الجزيرة وليس هناك وقد عزمت أن أطلبه فدا بالمدينة لعل أمير المؤمنين يعني بقوله بين نهرين بين دجيل والمسرقان فرجع الحسن بن خبيب إلى إبراهيم فأخبره وأخرجه إلى ظاهر البلد ولم يطلبه محمد ذلك اليوم

فلما كان آخر النهار خرج الحسن إلى إبراهيم فادخله البلد وهما على حمارين وقت العشاء الآخرة فلقيه اوائل خيل ابن الحصين فنزل إبراهيم عن حماره كأنه يبول فسأل ابن الحصين الحسن بن خبيب عن مجيئه فقال من عند بعض أهلي فمضى وتركه ورجع الحسن إلى إبراهيم فاركبه وادخله إلى منزله فقال له إبراهيم والله لقد بلت دما قال فاتيت الموضع فرأيته قد بال دما ثم ان إبراهيم قدم البصرة فقيل قدمها سنة خمس واربعين بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة وقيل قدمها سنة ثلاث واربعين ومائة وكان الذي أقدمه وتولى قراه في قول بعضهم يحيى بن زياد بن حيان النبطي وأنزله في داره في بني ليث وقيل نزل في دار أبي فروة ودعا الناس إلى بيعة أخيه وكان أول من بايعه نميلة بن مرة العبشمي وعفو الله بن سفيان وعبد الواحدج بن زياد وعمرو بن سلمة الهجيعي وعبد الله بن يحيى بن حصين الرقاضي وندبوا الناس فأجابهم المغيرة بن الفزع وأشباه له وأجابه أيضا عيسى بن يونس ومعا بن معاذ وعباد بن العوام واسحاق بن يوسف الأزرق ومعاوية بن هشيم بن بشير وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف وشهر أمره فقالوا له لو تحولت إلى وسط البصرة أتاك الناس وهم مستريحون فتحول فنزل دار أبي مروان مولى بني سليم في مقبرة بني يشكر

وكان سفيان بن معاوية قد ملأ على أمره ولما ظهر أخوه محمد كتب إليه يأمره بالظهور فوجم لذلك واغتم فجعل بعض أصحابه يسهل عليه ذلك وقال له قد اجتمع لك أمرك فتخرج إلى السجن فتكسره من الليل فتصبح وقد اجتمع لك عالم من الناس وطابت نفسه

وكان المنصور بظاهر الكوفة كما تقدم في قلة من العساكر وقد أرسل ثلاثة من القواج إلى سفيان بن معاوية بالبصرة مددا له ليكونوا عونا له على إبراهيم ان ظهر فلما أراد إبراهيم الظهور أرسل إلى سفيان فأعلمه فجمع القواد عنده وظهر إبراهيم أول شهر رمضان سنة خمس وأرعبين ومائة فغنم دواب أولئك الجند وصلى بالناس الصبح في الجامع وقصد دار الإمارة وبها سفيان متحصنا في جماعة فحصره وطلب سفيان منه الأمان فأمنه إبراهيم ودخل الدار ففرشوا له حصيرا فهبت الريح فقلبته قبل أن يجلس فتطير الناس بذلك فقال إبراهيم أنا لا نتطير وجلس عليه مقلوبا وحبس القواد وحبس أيضا سفيان بن معاوية في القصر وقيده بقيد خفيف ليعلم المنصور أنه محبوس وبلغ جعفرا ومحمدا ابني سليمان بن علي ظهور إبراهيم

فأتيا في ستائة رجل فأرسل إليهما إبراهيم المضاء بن القاسم الجزري في خمسين رجلا فهزمهما ونادى مناي إبراهيم لا يتبع مهزوم ولا يذفف على جريح ومضى إبراهيم بنفسه إلى باب زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وإليها ينسب الوينبيون من العباسيين فنادى بالأمان وأن لا يعرض لهم أحد فصفت له البصرة ووجد في بيت مالها ألفي ألف درهم قوي بذلك وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين خمسين فلما استقرت له البصرة أرسل المغيرة إلى الأهواز فبلغها في مئاتي رجل وكان بها محمد بن الحصين عاملا للمنصور فخرج إليه في أربعة آلاف فالتقوا فانهزم ابن الحصين ودخل المغيرة الأهواز وقيل إنما وجه المغيرة بعد مسيره إلى باخمرى وسير إبراهيم إلى فارس عمرو بن شداد فقدمها وبها إسماعيل وعبد الصمد ابنا علي بن عبد الله بن عباس فبلغهما دنو عمرو وهما باصطخر فقصد دارا بجرد فتحصنا بها فصارت فارس في يد عمرو وأرسل إبراهيم مروان بن سعيد العجلي في سبعة عشر ألفا إلى واسط وبها هارون بن حميد الأيادي من قبل المنصور فملكها العحلي

وأرسل المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف وقيل في عشرين ألفا فكأنت بينهم وعات ثم تهادنوا على ترك الحرب حتى ينظروا ما يكون من إبراهيم والمنصور فلما قتل إبراهيم هرب مروان بن سعيد عنهما فاختفى حتى مات فلم يزل إبراهيم بالبصرة يفرق العمال والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمد قبل عيد الفطر بثلاثة أيام فخرج بالناس يوم العيد وفيه الانكسار فصلى بهم واخبرهم بقتل محمد فازدادوا في قتال المنصور بصيرة واصبح من الغد فعسكر واستخلف على البصرة وخلف ابنه حسنا معه

ذكر مسير إبراهيم وقتله ص 170

ثم إن إبراهيم عزم على المسير فأشار أصحابه البصريون أن تقيم وترسل الجنود فيكون إذا انهزم لك الجند أمددتهم بغيرهم فخيف مكانك واقتاك عدوك وجبيت الأموال وثبتت وطأتك فقال من عنده من أهل الكوفة إن بالكوفة أقوأما لو رأوك ماتوا دونك وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى فسار عن البصرة إلى الكوفة وكان المنصور لما بلغه ظهور إبراهيم في قلة من العسكر فقال والله ما أدري كيف أصنع ما في عسكري إلا ألفا رجل فرقت جندي مع المهدي بالري ثلاثون ألفا وع محمد بن الأشعث بافريقية أربعون ألفا والباقون مع عيسى بن موسى والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفا ثم كتب إلى عيسى بن موسى يأمره بالعود مسرعا فأتاه الكتاب وقد أحرم بعمرة فتركها وعاده

وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الري فقال له المنصور اعمد إلى إبراهيم ولا يروعنك جمعه فوالله انهما جملا بني هاشم المقتولان فثق بما أقول وضم في غيره من القواد وكتب إلى المهدي يا / ره بانفاذ خزيمة بن خازم إلى الأهواز فسيره في أربعة آلاف فارس فوصلها وقاتل المغيرة فرجع الموغيرة إلى البصرة واستباح خزيمة الأهواز ثلاثا وتوالت على المنصور الفتوق من البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد وإلى جانيه أهل الكوفة في مائة ألف مقاتل ينتظرون به صبحة فلما توالت الأخبار عليه بذلك أنشد

( وجعلت نفسي للرماح دريثة % إن الرئيس لمثل ذاك فعول )

ثم إنه رمى كل ناحية بحجرها وبقي المنصور على مصلاه خمسين يوما ينام عليه وجلس عليه وعليه جبة ملونة قد اتسخ جبيها لا غيرها ولا هجر المصلى إلا أنه كان إذا ظهر للناس لبس السواد فإذا فارقهم رجع إلى هيئته وأهديت إليه امرأتان من المدينة احداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أم الكريم ابنة عبد الله من ولد خالد بن أسيد فلم ينظر إليهما فقيل له انهما قد ساءت ظنونهما فقال ليست هذه أيام نساء ولا سبيل إليهما حتى أنظر رأس إبراهيم لي أو رأسي له قال الحجاج بن قتيبة لما تتابعت الفتوق على المنصور دخلت مسلما عليه وقد أتاه خبر البصرة والأهواز وفارس وعساكر إبراهيم قد عظمت

وبالكوفة مائة ألف سيف بازاء عسكره ينتظر صيحة واحدة فيثبون به فرأيته أحوذيا مشمرا قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها فقام بها ولم تقعد به نفسه وإنه كما قال الأول

( نفس عصام سودت عصاما % وعلمته المر والإقداما )

( وصيرته ملكا هماما % )

ثم وجه المنصور إلى إبراهيم عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف وقال له لما ودعه إن هؤلاء الخبثاء يعني المنجمين يزعمون أنك إذا لاقيت إبراهيم تجول أصحابك جولة حتى تلقاه ثم يرجعون إليك وتكون العاقبة لك

ولما سار إبراهيم عن البصرة مشى ليلته في عسكره سرا فسمع أصوات الطنابير ثم فعل ذلك مرة أخرى فسمعها أيضا فقال ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا وسمع ينشد في طريقه أبيات القطامى

( أمور لو يدبرها حكيم % اذن أنهى وهيب ما استطاعا )

( ومعصية الشفيق عليك مما % يزيدك مرة منه استماعا )

( وخير الأمر ما استقبلت منه % وليس بأن تتبعه التباعا )

( ولكن الأديم إذا تفرى % بلى وتعيبا غلب الصناعا

فعلموا أنه نادم على مسيره وكان ديوانه قد أحصى مائة ألف وقيل كان معه في طريقه عشرة آلاف وقيل له في طريقه ليأخذ غير الوجه الذي فيه عيسى ويقصد الكوفة فان المنصور لا يقوم له وينضاف أهل الكوفة إليه ولا يبقى للمنصور مرجع دون حلوان فلم يفعل فقيل له ليبيت عيسى فقال أكره البيات الا بعد الانذار وقام بعض أهل الكوفة ليأمره بالمسير إليها ليدعو إليه الناس وقال أدعوهم سرا ثم أجهر فإذا سمع المنصور الهيعة بأرجاء الكوفة لم يرد وجهه شيء دون حلوان فاستشار بشيرا الرحال فقال لو وثقنا بالذي تقول لكان رأيا ولكنا لا نأمن أن تجيئك منهم طائفة فيرسل إليهم المنصور الخيل فيأخذ البريء والصغير والمرأة فيكون ذلك تعرضا للمأثم فقال الكوفي كأنكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم تتوقون قتل الضعيف والمرأة والصغير أو لم يكن رسول الله يبعث سراياه ليقاتل ويكون نحو هذا فقال بشير أولئك كفار وهؤلاء مسلمون واتبع إبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمرا وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخا مقابل عيسى بن موسى فأرسل إليه سلم بن قتيبة إنك قد أصحرت ومثلم أنفس به عن الموت فخندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من مأتى واحد فإن أنت لم تفعل فقد أغرى أبو جعفر عسكره فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه فدعا إبراهيم أصحابه وعرض عليهم ذلك فقالوا نخندق على أنفسنا ونحن الظطاهرون عليهم لا ة الله لا نفعل قال فنأتي أبا جعفر قالوا ولم هو في أيدينا متى اردناه فقال إبراهيم للرسول أتسمع فارجع راشدا ثم انهم تصافوا

فصف إبراهيم أصحابه صفا واحدا فاشار عليه بعض أصحابه بأن يجعلهم كراديس فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس فإن الصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره فقال الباقون لا نصف إلا صف أهل الإسلام يعني قول الله تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا الآية فاقتتل الناس قتالا شديدا وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه فاقبل حميد منهزما فقال له عيسى الله الله والطاعة فقال لا طاعة في الهزيمة

ومر الناس فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير فقيل له لو تنحيت عن مكانك حتى تؤب إليك الناس فتكر بهم فقال لا أزول عن مكاني هذا أبدا حتى أقتل أو يفتح الله على يدي والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبدا وقد انهزمت عن عدوهم وجعل يقول لمن يمر به اقرئ أهل بيتي السلام وقولوا لهم لم أجد فداء أفديكم به أعز من نفسي وقد بذلتها دونكم

فبينا هم على ذلك لا يلوي أحد على أحد إذ أتى جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي من ظهور أصحاب إبراهيم ولا يشعر باقي أصحابه الذيت يتبعون المنهزمين حتى نزر بعضهم فرأى القتال من ورائهم فعطفوا نحوه ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم فأنت الهزيمة على أصحاب إبراهيم فلولا جعفر ومحمد لتمت الهزيمة

وكان من صنع الله للمنصور أن أصحابه لقيهم نهر في طريقهم فلم يقدروا على الوثوب ولم يجدوا مخاضة فعادوا بأجمعهم وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتلاهم من وجده واحد فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة وقيل أربعمائة وقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى

وجاء إبراهيم سهم عائر فوقع في حلقه فنحره فتنحى من موقفه وقال أنزلوني فأنزلوه عن مركبه وهو يقول وكان أمر الله قدرا مقدورا أردنا أمرا وأراد الله غيره

واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه فقال حميد بن قحطبة لأصحابه شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه

فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم ووصلوا إليه وحزوا رأسه فأتوا به عيسى فأراه ابن أبي الكرام الجعفري فقال نعم هذا رأسه فنزل عيسى إلى الأرض فسجد وبعث براسه إلى المنصور وكان قتله يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام

وقيل كان سبب انهزام أصحابه أنهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم نادى منادي إبراهيم ألا لا تتبعوا مدبرا فرجعوا فلما رآهم أصحاب المنصور راجعين ظنوهم منهزمين فعطفوا في آثارهم وكأنت الهزيمة

وبلغ المنصور الخبر بهزيمة أصحابه أولا فعزم على إتيان الري فأتاه نوبخت المنجم وقال يا أمير المؤمنين الظفر لك وسيقتل إبراهيم فلم يقبل منه فبينما هو كذلك إذ جاءه الخبر بقتل إبراهيم فتمثل

( فألقت عصاها واستقر بها النوى % كما قر عينا بالإياب المسافر )

فاقطع المنصور نوبخت ألفي جريب بنهر حويزة وحمل رأس إبراهيم إلى المنصور فوضع بين يديه لما رآه بكى حتى خرجت دموعه على خد إبراهيم ثم قال أما والله إني كنت لهذا كارها ولكنك ابتليت بي وابتليت بك

ثم جلس مجلسا عاما وأذن للناس فكان الداخل يدخل فيتناول إبراهيم ويسيء القول فيه ويذكر فيه القبيح التماسا لرضا المنصور والمنصور متمسك متغير لونه حتى دخل جعفر بن حنظلة الدارمي فوقف فسلم ثم قال أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك فاصفر لون المنصور وأقبل عليه وقال يا أبا خالد مرحبا ههنا فعلم الناس أن ذلك يرضيه فقالوا مثل قوله وقيل لما وضع الراس بصق في وجهه رجل من الحرس فأمر به المنصور فضرب بالعمد فهشمت أنفه ووجهه وضرب حتى خمد وأمر به فجروا رجله فالقوه خارج الباب

قيل نظر المنصور إلى سفيان بن معاوية بعد مدة راكبا فقال لله العجب كيف يقتلني ابن الفاعلة انقضى أمر إبراهيم رضي الله عنه

ذكر عدة حوادث ص 174

وفيها خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة

وحج بالناس هذه السنة السري بن عبد الله بن الحرث بن العباس وكان على مكة

وكان على المدينة عبد الله بن الربيع وعلى الكوفة عيسى بن موسى وعلى البصرة سلم بن قتيبة الباهلي وعلى قضائها عباد بن منصور وعلى مصر يزيد بن حاتم وفيها عزل المنصور مالك بن الهيثم عن الموصل بابنه جعفر بن أبي جعفر المنصور وسير معه حرب بن عبد الله وهو من أكابر قواده وهو صاحب الحربية ببغداد وبنى باسفل الموصل قصرا وسكنه فهو يعرف إلى اليوم بقصر حرب وفيه ولدت زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد وعنده يومنا هذا قرية كأنت ملكا لنا فبيننا فيها رباطا للصوفية وقفنا القرية عليه قد جمعت كثيرا من هذا الكتاب في هذه القرية في دار لنا بها وهي من أنزه المواضع وأحسنها

واثر القصر باق بها إلى الآن سبحان من لا يزول ولا تغيره الدهور وفيها مات عمرو بن ميمون بن مهران والحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان موته في حبس المنصور لأنه أخذه من المدينة كما ذكرناه وهو عم محمد وابراهيم وفيها مات عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي ويحيى بن الحرث الذماري وله سبعون سنة

وإسماعيل بن أبي خالد البجلي وحبيب بن الشهيد مولى الأزد وكنيته أبو شهيد

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.