ذكر خروج الراوندية
ص 128
وفي هذه السنة كان خروج الراوندية على المنصور وهم قوم من أهل خراسان على رأي أبي مسلم صاحب الدعوة يقولون بتناسخ الارواح يزعمون انروح آدم في عثمان بن نهيك وان ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور وان جبرائيل هو الهيثم ابن معاوية فلما ظهروا اتوا قصر المنصور فقالوا هذا قصر ربنا فأخذ المنصور رؤساهم فحبس منهم مائتين فغضب اصحابهم واخذوا نعشا وحملوا السرير وليس في النعش احدا ومروا به حتى صاروا على باب السجن فرموا بالنعش وحملوا على الناس ودخلوا السجن وأخرجوا أصحابهم وقصدوا نحو المنصور وهم يومئذ ستمائة رجل فتنادى الناس وغلقت ابواب المدينة فلم يدخل أحد فخرج المنصور من القصر ماشيا ولم يكن في القصر دابة فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط دابة معه في القصر فلما خرج المنصور اتي بدابة فركبها وهو يريدهم وتكاثروا عليه حتى كادوا يقتلونه
وجاء معن بن زائدة الشيباني وكان مستترا من المنصور بقتاله مع ابن هبيرة كما ذكرناه والمنصور شديد الطكلب له وقد بذل فيه مالا كثيرا فلما كان هذا اليوم حضر عند المنصور متلثما وترجل وقاتل قتالا شديدا وأبلى بلاء حسنا وكان المنصور راكبا على بغلة ولجامها بيد الربيع حاجبه فاتى معن وقال تنح فأنا أحق بهذا اللجام منك في هذا الوقت وأعظم غناء فقال المنصور صدق فادفعه إليه فلم يزل يقاتل حتى تكشفت الحال وظفر بالراوندية فقال له المنصور من أنت قال طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة فقال آمنك الله على نفسك ومالك وأهلك مثلك يصطنع وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب المنصور قال أنا اليوم بواب ونودي في أهل السوق فرموهم وقاتلوهم وفتح باب المدينة فدخل الناس فجاء خازم بن خزيمة فحمل عليهم حتى الجاهم إلى الحائط ثم حملوا عليه فكشفوه مرتين فقال خازم للهيثم بن شعبة إذا كروا علينا فاستبقهم إلى الحائط فاذا رجعوا فاقتلهم فحملوا على خازم فاطرد لهم وصار الهيثم من ورائهم فقتلوا جميعا وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك فكلمهم فرموه بسهم عند رجوعه فوقع بين كتفيه فمرض اياما ومات منها فصلى عليه المنصور وجعلى على حرسه بعده عيسى بن نهيك فكان على الحرس حتى مات فجعل على الحرس أبو العباس الطوسي وكان ذلك كله بالمدينة الهاشمية بالكوفة فلما صلى المنصور الظهر دعا بالعشاء واحضر معنا ورفع منزلته وقال لعمه عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس يا أبا العباس اسمعت بأشد رجل قال نعم
قال لو رأيت اليوم معنا لعلمت انه منهم فقال معن والله يا أمير المؤمنين لقد اتيتك واني لوجل القلب فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدة الاقدام عليهم رأيت ما لم اره من خلق في حرب فشد ذلك من قلبي وحملني ما رأيت مني
وقيل كان معن متخفيا من المنصور لما كان من قتاله مع ابن هبيرة كما ذكرناه وكان اختفاؤه عند أبي الخصيب حاجب المنصور وكان على ان يطلب له الأمان فلما خرجت الراوندية جاء معن فوقف بالباب فسال المنصور أبا الخصيب من بالباب فقال معن بن زائدة فقال المنصور رجل من العرب شديد النفس عالك بالحرب كريم الحسب أدخله فلما دخل قال إيه يا معن ما الرأي قال الرأي أن تنادي في الناس فتأمر لهم بالاموال فقال واين الناس والاموال ومن يقدم على ان يعرض نفسه لهؤلاء العلوج لم تصنع شيئا يا معن الرأي ان اخرج فاقف للناس فاذا رأوني قاتلوا وتراجعوا الي وان اقمت تهاونوا وتخاذلوا فاخذ معن بيده وقال لا يا أمير المؤمنين إذا والله تقتل الساعة فانشدك الله في نفسك فقال له أبو الخصيب مثلها فجذب ثوبه منهما وركب دابته وخرج ومعن أخذ بلجام دابته وأبو الخصيب مع ركابه واتاه رجل فقتله معن حتى قتل اربعة في تلك الحالة حتى اجتمع إليه الناس فلم يكن الا ساعة حتى افنوهم ثم تغيب معن فسال المنصور عنه أبا الخصيب فقال لا اعلم مكانه فقال المنصور ايظن معن ان لا اغفر ذنبه بعد بلائه اعطه الأمان وادخله علي فادخله إليه فأمر له بعشرة آلاف درهم ثم ولاه اليمن
ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدي إليه
ص 130
في هذه السنة خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل خراسان للمنصور وسبب ذلك أن عبد الجبار لما ساتعمله المنصور على خراسان عمد إلى القواد فقتل بعضهم وحبس بعضهم فبلغ ذلك المنصور وأتاه من بعضهم كتاب قد نغل الأديم فقال لأبي أيوب إن عبد الجبار قد افنى شيعتنا وما فعل ذلك الا وهو يريد ان يخلع فقال له اكتب إليه انك تريد غزو الروم فليوجه إليك الجنود من خراسان وعليهم فرسانهم ووجوههم فاذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فلا تمنع فكتب المنصور إليه بذلك وأجابه أن الترك قد جشات وإن فرقت الجنود ذهب خراسان فالقى الكتاب إلى أبي ايوب وقال له ما ترى قال قد امكنك من قياده اكتب إليه خان خراسان اهم الي من غيرها وانا موجه إليك الجنود من قبلي ثم وجه إليه الجنود ليكونوا بخراسان فان هم بخلع أخذوا بعنقه فلما ورد الكتاب بهذا على عبد الجبار أجابه ان خراسان لم تكن قط اسوا حالا منها في هذا العام وان دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من الغلاء فلما اتاه الكتاب القاه إلى أبي ايوب فقال له أبو ايوب قد ابدى صفحته وقد خلع فلا تناظره ووجه المنصور ابنه المهدي وأمره بنزول الري فسار إليها المهدي ووجه خازم بن خزيمة بين يديه لحرب عبد الجبار وسار المهدي فنزل نيسابور فلما بلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار وحاربوه وقاتلوه قتالا شديدا فانهزم منهم ولجأ إلى معطنة فتوارى فيها فعبر إليه بمحشر بن مزاحم من أهل مرو الروذ فاخذه اسيرا فلما قدن خازم اتاه به فالبسه جبة صوف وحمله على بعير وجعل وجهه مما يلي عجز البعير وحمله إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه فبسط عليهم العذاب حتى استخرج منهم الأموال ثم أمر فقطعت يدا عبد الجبار ورجلاه وضرب عنقه وأمر بتسيير ولده إلى دهلك وهي جزيرة باليمن فلم يزالوا بها حتى اغار عليهم الهند فسبوهم فيمن سبوا ثم فودوا بعد ذلك وكان ممن نجا منهم عبد الرحمن بن عبد الجبار صحب الخلفاء ومات أيام الرشيد سنة سبعين ومائة وقيل وكان أمر عبد الجبار سنة اثنتين واربعين في ربيع الأول وقيل سنة اربعين
ذكر فتح طبرستان
ص 131
ولما ظفر المهدي بعبد الجبار بغير تعب ولا مباشرة قتال كره المنصور ان تبطل تلك النفقات التي انفق على المهدي فكتب إليه ان يغزو طبرستان وينزل الري ويوجه أبا الخطيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الأصبهبذ وكان الأصبهبذ يومئذ محاربا للمصمغان ملك دنبازند معسكرا بازائه فلما بلغه دخول الجنود بلاده ودخول أبي الخصيب سايره فقال المصمغان للاصبهبذ متى قهروك صاروا الي فاجتمعوا على حرب المسلمين فانصرف الاصبهبذ إلى بلاده فحارب المسلمين فطالخت تلك الحروب فوجه المنصور عمر بن العلاء إلى طبرستان وهو الذي يقول فيه بشار
( إذا أيقظتك حروب العدى % فنبه لها عمرا ثم نم )
وكان عالما ببلاد طبرستان فأخذ الجنود وقصد الرويان وفتحها وأخذ قلعة الطلق وما فيها وطالت الحروب فألح خازم على القتال ففتح طبرستان وقتل منهم فأكثر وسار الاصبهبذ إلى قلعته فطلب الأمان على ان يسلم القلعة بما فيها من الذخائر وكتب المهدي بذلك إلى المنصور فوجه المنصور صالحا صاحب المصلى فاحصوا ما في الحصن وانصرفوا ودخل الاصبهبذ بلاد جيلان من الديلم فمات بها واخذت ابنته وهي أم إبراهيم بن العباس بن محمد وقصدت الجنود بلد المصمغان فظفروا به وبالبحترية أم منصور بن المهدي
ذكر عدة حوادث
ص 131
في هذه السنة عزل زياد بن عبيد الله الحرثي عن مكة والمدينة والطائف واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري في رجب على الطائف ومكة الهيثم بن معاوية العتكي من أهل خراسان
وفيها توفي موسى بن كعب وهو على شرط المنصور وعلى مصر والهند وخليفته على الهند عيينة ابنه وكطان قد عزل موسى عن مصر ووليها محمد بن الأشعث ثم عزل عنها ووليها نوفل بن محمد بن الفرات
وحج بالناس هذه السنة صالح بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على الشام وعلى الكوفة عيسى بن موسى وعلى البصرة سفيان بن معاوية وعلى خراسان المهدي وخليفته بها السري بن عبد الله وعلى الموصل اسماعيل بن علي وفيها مات سعد بن سعيد اخو يحيى بن سعيد الانصاري وأبان بن تغلب القارئ
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.