في هذه السنة فرغ صالح بن علي والعباس بن محمد من عمارة ما اخربه الروم من ملطية ثم غزوا الصائفة من درب الحدث فوغلا في أرض الروم وفزا مع صالح اختاه أم عيسى ولبابة بنتا علي وكأنتا نذرتا ان زوال ملك بني أمية ان تجاهدا في سبيل الله وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة المهراني وفي هذه السنة كان الفداء بين المنصور وملك الروم فاستفدى المنصور اسرى قالي قلا وغيرهم من الروم بوناها وعمرها ورد إليها اهلها وندب إليها جندا من أهل الجزيرة وغيرهم فاقاموا بها وحموها ولم يكن بعد ذلك صائفة فيما قيل الا سنة ست واربعين لاشتغال المنصور بابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي الا ان بعضهم قال ان الحسن بن قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الامام في سنة اربعين واقبل قسطنطين ملك الروم في مائة ألف فبلغ جيحان فسمع كثرة المسلمين فأحجم عنهم ثم لم يكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة
قد ذكرنا في سنة اثنتين وستعين فتح الأندلس وعزل موسى بن نصير عنها فلما عزل عنها وسار إلى الشام استخلف عليها ابنه عبد العزيز وضبطها وحمى ثغورها وافتتح في ولايته مدائن كثيرة وكان خيرا فاضلا وبقي أميرا إلى سنة سبع وتسعين وقيل ثمان وتسعين فقتل بها وقد تقدم سبب قتله فلما قتل بقي أل الأندلس ستة أشهر لا يجمعهم وال ثم اتفقوا على أيوب بن حبيب اللخمي وهو ابن أخت موسى بن نصير فكان يصلي بهم لصلاحه وتحول إلى قرطبة وجعلها دار إمارة في أول سنة تسع وتسعين وقيل سنة ثمان وتسعين ثم ان سليمان بن عبد الملك استعمل بعده الحر بن عبد الرحمن الثقفي فقدمها سنة ثمان وتسعين فأقام واليا عليها سنتين وتسعة أشهر فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة استعمل على الأندلس السمح بن مالك الخولاني وأمره ان يميز ارضها ويخرج منها ما كان عنوة وياخذ منه الخمس ويكتب إليه بصفة الأندلس وكان رايه اقفال اهلها منها لانقطاعهم عن المسلمين فقدمها السمح سنة مائة في شهر رمضان وفعل ما أمره عمر وقتل عند انصرافه من دار الحرب سنة اثنتين ومائة وكان قد بدا لعمر في نقل اهلها عنها ثم تركهم ودعا لاهلها ثم وليها بعد السمح عنبسة بن سحيم الكلبي سنة ثلاث ومائة وتوفي في شعبان سنة سبع ومائة عند انصرافه من غزوة الافرنج ثم وليها وبعده يحيى بن سلمى الكلبي في ذي القعدة سنة سبع فبقي عليها واليا سنتين وستى اشهر
ثم دخل الأندلس حذيفة بن الابرص الاشجعي سنة عشر ومائة فبقي واليا عليها ستى اشهر ثم عزل ثم وليها عثمان بن أبي نسعة الخثصعمي فقدمها سنة عشر ومائة وعزل آخر سنة عشر ومائة أيضا وكأنت ولايته خمسة اشهر ثم وليها الهيثم بن عبيد الكناني فقدمها في المحركم سنة إحدى عشرة ومائة فأقام واليا عليها عشرة اشهر واياما ثم توفي في ذي الحجة فقدم أهل الأندلس على انفسهم محمد بن عبد اللهالاشجعي وكأنت ولايته شهرين وولي بعده عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي في صفر سنة اثنتي عشرة ومائة واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة اربع عشرة ومائة ثم وليها عبد الملك ابن قطن الفهري فأقام عليها سنتين وعزل ثم وليها بعده عقبة بن الحجاج السلولي دخلها سنة ست عشرة ومائة فوليها خمس سنين وثار أهل الأندلس به فخلعوه فولوا بعده عبد الملك بن قطن وهي ولايته الثانية
وقد ذ 1 كر بعض مؤرخي الأندلس انه توفي فولي أهل الأندلس عبد الملك ثم وليها بلج بن بشر القشيري بايعه أصحابه فهرب عبد الملك ولحق بداره وهرب ابناه قطن وامية فلحق احدهما بماردة والآخر بسرقسطة ثم ثارت اليمن على بلج وسالوه قتل عبد الملك بن قطن فلما خشي فسادهم أمر به فقتل وصلب وكان عمره تسعين سنة فلما بلغ ابنيه قتله حشدا من ماردة إلى اربونة فاجتمع إليهما مائة ألف وزحفوا إلى بلج ومن معه بقرطبة فخرج إليهم بلج فلقيهم فيمن معه من أهل الشام بقرب قرطبة فهزمهما ورجع إلى قرطبة فمات بعد أيام يسيرة وكان سبب قدوم بلج الأندلس انه كان مع عمه كلثوم بن عياض في وقعة البربر سنة ثلاث وعشرين وقد تقدم ذكرها فلما قتل عمه سار إلى الأندلس فاجازه عبد الملك بن قطن إليها وكان سبب قتله ثم ولى أهل الشام على الأندلس مكانه ثعلبة بن سلامة العاملي فأقام إلى ان قدم أبو الخطار واليا على الأندلس سنة خمس وعشرين ومائة فدان له أهل الأندلس واقبل إليه ثعلبة وابن أبي نسعة وابنا عبد الملك فامنهم واحسن إليهم واستقام أمره وكان شجاعا ذا رأي وكرم وكثر أهل الشام عنده فلم تحملهم قرطبة ففرقهم في البلاد فانزل أهل دمشق البيرة لشبهها بها وسماها دمشق وانزل أهل حمص اشبيلية وسماها حمص وانزل أهل قنسرين بجيان وسماها قتسرين وانزل أهل الاردن برية وسماها الاردن وانزل أهل فلسطين بشذونة وسماها فلسطين وانزل أهل كصر بتدمير وسماها مصر لشبهها بها
ثم تعصب اليمانية وكان ذلك سببا لتألب الصميل بن حاتم عليه مع مضر وحربه وخلعه وقامت هذه الفتنة سنة سبع وعشرين ومائة وكان الصميل بن حاتم بن شمر ابن ذي الجوشن قد قدم الأندلس في امداد الشام فراس بها فأراد أبو الخطار ان يضع منه فأمر به يوما وعنده الجند فشتم واهين فخرج وعمامته مائلة فقال له بعض الحجاب ما بال عمامتك مائلة فقال ان كان لي قوم فسيقيمونها وبعث إلى قومه فشكا إليهم ما لقي فقالوا نحن لك تبع وكتبوا إلى ثوابة بن سلامة الجذامي وهو من أهل فلسطين فوفد عليهم واجابهم وتبعهم لخم وجذام فبلغ ذلك إلى أبي الخطار فسار إليهم فقتلوه فانهزم أصحابه واسر أبو الخطار ودخل ثوابة قصر قرطبة وأبو الخطار في قيوده فولي ثوابة الأندلس سنتين ثم توفي فأراد أهل اليمن اعادة أبي الخطار وامتنعت مضر ورأسهم الصميل وافترقت الكلمة فاقامت الأندلس اربعة اشهر بغير أمير وقد تقدم ابسط من هذا سنة سبع وعشرين ومائة فلما بقوا بغير أمير قدموا عبد الرحمن بن كثير اللخمي للاحكام
فلما تفاقم الأمر اتفق رأيهم على يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري فوليها يوسف سنة تسع وعشرين فاستقر الأمر ان يلي سنة ثم يرد الأمر إلى اليمن فيولون من احبوا من قومهم فلما انقضت السنة اقبل أهل اليمن باسرهم يريدون ان يولوا رجلا منهم فبيتهم الصميل فقتل منهم خلقا كثيرا فهي وقعة شقندة المشهورة وفيها قتل أبو الخطار واقتتلوا بالرماح حتى تقطعت وبالسيوف حتى تكسرت ثن تجاذبوا بالشعور وكان ذلك سنة ثلاثين واجتمع الناس على يوسف ولم يعترضه أحد وقد قيل غير ما ذكرنا وقد تقدم ذكره سنة سبع وعشرين ومائة ثم توالى القحط على الأندلس وجلا اهلها عنها وتضعضعت إلى سنة ست وثلاثين ومائة وفيها اجتمع تميم بن معبد الفهري وعامر العبدري بمدينة سرقسطة وحاربهما الصميل ثم سار إليهما يوسف الفهري فحاربهما فقتلهما وبقي يوسف على الأندلس إلى ان غلب عليها عبد الرحمن بن معايوة بن هشام هذا ما ذكرناه من ولاة الأندلس على الاختصار وقد تقدم ابسط من هذا متفرقا وإنما اوردناه ههنا متتابعا ليتصل بعض أخبار الانجلس ببعض لانها وردت متفرقة ونرجع إلى ذكر عبور عبد الرحمن بن معاوة بن هشام إليها
وأما سبب مسير عبد الرحمن إلى الغرب فانه يحكى عنه انه لما ظهرت الدولة العباسية وقتب من بني امية من قتل ومن شيعتهم فر منهم من نجا في الأرض وكان عبد الرحمن بن معاوية بذات الزيتون ففر منها إلى فلسطين واقام هو ومولاه بدر يتجسس الاخبار فحكي عنه انه قال لما اعطينا الأمان ثم نكث بنا بنهر أبي فطرس وابيحت دماؤنا اتانا الخبر وكنت منتبذا من الناس فرجعت إلى منزلي آيسا ونظرت فيما يصلحني واهلي وخرجت خائفا حتى صرت إلى قرية على الفرات ذات شجر وغياض فبينا أنا ذات يوم بها وولدي سليمان يلعب بين يدي وهو يومئذ ابن اربع سنين فخرج عني ثم دخل الصبي من باب البيت باكيا فزعا فتعلق بي وجعلت أدفعه وهو يتعلق بي فخرجت لانظر وإذا بالخوف قد نزل بالقرية وإذا بالرايت السود منحطة عليها واخ لي حدث السن يقول لي النجاء النجاء فهذه رايات المسودة فاخذت دنانير معي ونجوت بنفسي واخي واعلمت اخواتي بمتوجهي فأمرتهن ان يلحقنني مولاي بدرا واحاطت الخيل بالقرية فلم يجدوا لي اثرا فاتيت رجلا من معارفي وأمرته فاشترى لي دواب وما يصلحني فدل علي عبد له العامل فاقبل في خيله يطلبني فخرجنا على أرجلنا هرأبا والخيل تبصرنا فدخلنا في بساتين على الفرات فسبقنا الخيل إلى الفرات فسبحنا فاما أنا فنجوت والخيل ينادوننا بالامان ولا ارجع وأما اخي فانه عجز عن السباحة في نصف الفرات فرجع إليهم بالامان واخذوه فقتلوه وانا انظر إليه وهو ابن ثلاث عشرة سنة فاحتملت فيه ثكلا ومضيت لوجهي فتواريت في غيضة أشبة حتى انقطع الطلب عني وخرجت فقصدت المنغرب فبلغت افريقية ثم ان اخته أم الاصبغ الحقته بدرا ومولاه ومعه نفقة له وجوهر فلما بلغ افريقية لج عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري قيل هو والد يوسف أمير الأندلس وكان عبد الرحمن عامل افريقية في طلبه واشتد عليه فهرب منه فاتى مكناسة وهم قبيل من البربر فلقي عندهم شدة يطول ذكرها ثم هرب من عندهم فاتى نفزاوة وهم اخواله وبدر معه
وقيل اتى قوما من الزناتيين فاحسنوا قبوله واطمأن فيهم وأخذ في تدبير المكاتبة إلى الامويين من أهل الأندلس يعلمهم بقدومه ويدعوهم إلى نفسه ووجه بدرا مولاه إليهم وامير الأندلس حينئذ يوسف بن عبد الرحمن الفهري فسار بدر إليهم واعلمهم حال عبد الرحمن ودعاهم إليه فاجابوه ووجهوا له مركبا فيه ثمامة بن علقمة ووهب بن الاصفر وشاكر بن أبي الاسمط فوصلوا إليه وابلغوه طاعتهم له واخذوه ورجعوا إلى الأندلس فارسي في المكنب في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائة فاتاه جماعة من رؤسائهم من أهل اشبيلية وكأنت أيضا نفوس أهل اليمن حنقة على الصميل ويوسف الفهري فاتوه ثم أنتقل إلى كورة رية فبايعه عاملها عيسى بن مساور ثم اتى شذونة فبايعه غياث بن علقمة اللخمي ثم اتى موزرو فبايعه إبراهيم ابن شجرة عاملها ثم اتى اشبيلية فبايعه أبو الصباح يحيى بن يحيى ونهض إلى قرطبة فبلغ خبره إلى يوسف وكان غائبا عن قرطبة بنواحي طليلة فاتاه الخبر وهو راجع إلى قرطبة فسار عبد الرحمن نحو قرطبة فلما اتى قرطبة تراسل هو ويوسف في الصلح فخادعه نحو يومين احدهما يوم عرفة ولم يشك أحد من أصحاب يوسف ان الصلح قد ابترم واقبل على اعداد الطعام ليأكله الناس على السماط يوم الاضحى وعبد الرحمن مرتب خيله ورجله وعبر النهر في أصحابه ليلا ونشب القتال ليلة الاضحى وصبر الفريقان إلى ان ارتفع النهار وركب عبد الرحمن على بغل لئلا يظن الناس انه يهرب فلما رأوه كذلك سكنت نفوسهم واسرع القتل في أصحاب يوسف وانهزم وبقي الصميل يقاتل مع عصابة من عشيرته ثم انهزموا فظفر عبد الرحمن ولما انهزم يوسف اتى ماردة واتى عبد الرحمن قرطبة فاخرج حشم يوسف من القصر على عودة ودخله بعد ذلك
ثم سار في طلب يوسف فلما احس به يوسف خالفه إلى قرطبة فدخلها وملك قصرها فأخذ جميع أهله وماله ولحق بمدينة البيرة وكان الصميل لحق بمدينة شوذر وورد إلى عبد الرحمن الخبر فرجع إلى قرطبة طمعا في لحاقه بها فلما لم يجده عزم على النهوض إليه فسار إلى البيرة وكان الصميل قد لحق بيوسف وتجمع لهما هناك جمع فتراسلوا في الصلح فاصطلحوا على ان ينزل يوسف بامان هو ومن معه وان يسكن مع عبد الرحمن بقرطبة ورهنه يوسف ابنيه أبا الاسود محمدا وعبد الرحمن وسار يوسف مع عبد الرحمن فلما دخل قرطبة تمثل
( فبينا نسوس الناس والأمر امرنا % إذا نحن فيهم سوقة ننتصف )
واستقر عبد الرحمن بقرطبة وبنى القصر والمسجد الجامع وانفق فيه ثمانين ألف دينار ومات قبل تمامه وبنى مساجد الجماعات ووافاه جماعة من أهل بيته وكان يدعو للمنصور وقد ذكر أبو جعفر ان دخول عبد الرحمن كان سنة تسع وثلاثين وقيل سنة ثمان وثلاثين على ما ذكرنا
وهذا القدر كاف في ذكر دخوله الأندلس لئلا نخرج عن الذي قصدنا له من الاختصار
ولما عزل سليمان عن البصرة اختفى اخوه عبد الله بن علي ومن معه من أصحابه خوفا من المنصور فبلغ ذلك المنصور فأرسل إلى سليمان وعيسى ابني علي بن عبد الله بن عباس في اشخاص عبد الله واعطاهما الأمان لعبد الله وعزم عليهما ان يفعلا فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وقواده ومواليه حتى قدموا على المنصور في ذي الحجة فلما قدموا عليه أذن لسيلمان وعيسى فدخلا عليه واعلماه حضور عبد الله وسألاه الإذن له فأجابهما إلى ذلك وشغلهما بالحديث وكان قد هيأ لعبد الله مكانا في قصره فأمر به أن يصرف إليه بعد دخول سليمان وعيسى ففعل به ذلك ثم نهض المنصور وقال لسليمان وعيسى خذا عبد الله معكما فلما خرجا لم يجدا عبد الله فعلما أنه قد حبس فرجعا إلى المنصور فمنعنا عنه وأخذت عند ذلك سيوف من حضر من أصحابه وحبسوا
وقد كان خفاف بن منصور حذرهم ذلك وندم على مجيئه معهم وقال ان أطعتموني شددنا شدة واحدة على أبي جعفر فوالله لا يحول بينه وبيننا حائل حتى نأتي عليه ولا يعرض لنا أحد الا قتلناه وننجو بانفسنا فعصوه فلما اخذت سيوفهم وحبسوا جعل خفاف يضرط في لحية نفسه ويتفل في وجوه أصحابه ثم أمر المنصور بقتل بعضهم بحضرته وبعث الباقين إلى أبي داود خالد بن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها
عزل سليمان بن علي عن امراة البصرة وقيل سنة اربعين واستعمل عليها سفيان بن معاوية في رمضان وحج بالناس هذه السنة العباس بن محمد بن علي وكان على مكة والمدينة والطائف زياد بن عبيد الله الحرثي وعلى الكوفة عيسى ابن موسى وعلى البصرة سفيان بن معاوية وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى خراسان أبو داود
وفيها مات عبد ربه سعيد بن قيس الانصاري
وقيل سنة إحدى واربعين
وفيها مات العلاء بن عبد الرحمن مولى الخرقة ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن أبي صعصعة المازني ويزيج بن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي وكان موته بالاسكندرية
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
