الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
9

ثم دخلت سنة أربع وسبعين

الجزء الرابع 7 عنصر صفحة 131
ص 131

في هذه السنة عزل عبد الملك طارقا عن المدينة واستعمل عليها الحجاج فاقام بها شهرا وفعل بالصحابة ما تقدم ذكره وخرج عنها معتمرا

وفيها هدم الحجاج بناء الكعبة الذي كان ابن الزبير بناه وأعادها إلى البناء الأول وأخرج الحجر منها وكان عبد الملك يقول كذب ابن الزبير على عائشة في أن الحجر من البيت فلما قيل له قال غير ابن الزبير إنها روت عن رسول الله قال وددت أني تركته وما يحمل وفيها استقضى عبد الملك أبا ادريس الخولاني

ذكر ولاية المهلب حرب الأزارقة ص 131

لما استعمل عبد الملك أخاه بشرا على البصرة سار اليها فأتاه كتاب عبد الملك يأمره أن يبعث المهلب إلى حرب الأزارقة في أهل البصرة ووجوههم وكان ينتخب منهم من أراد أن يتركه وراءه في الحرب وأمره أن يبعث من أهل الكوفة رجلا شريفا معروفا بالبأس والنجدة والتجربة في جيش كثيف إلى المهلب وأمرهم أن يتبعوا الخوارج أين كانوا حتى يهلكوهم فأرسل المهلب جديع بن سعيد بن قبيصة وأمره أن ينتخب الناس من الديوان وشق على بشر أن امرة المهلب جاءت من عبد الملك فأوغرت صدره عليه حتى كأنه أذنب اليه فدعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له قد عرفت منزلك عندي وقد رأيت أن أوليك هذا الجيش الذي أسيره من الكوفة للذي عرفته منك فكن عند أحسن ظني بك وانظر إلى هذا كذا وكذا يقع في المهلب فاستبد عليه بالأمر ولا تقبلن له مشورة ولا رأيا وتنقصه قال عبد الرحمن فترك أن يوصيني بالجيش وقتال العدو والنظر لأهل الاسلام وأقبل يغريني بابن عمي كأني من السفهاء ما رأيت شخصا مثلي طمع منه في مثل هذا قال فلما رأى أني لست بنشيط إلى جوابه قال لي مالك قلت أصلحك الله وهل يسعني إلا إنفاذ أمرك فيما أحببت وكرهت وسار المهلب حتى نزل رام هرمز فلقي بها الخوارج فخندق عليه وأقبل عبد الرحمن في أهل الكوفة ومعه بشر بن جرير ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وإسحاق بن محمد بن الأشعث وزحر بن قيس فسار حتى نزل على ميل من المهلب حيث يتراءى العسكران برام هرمز فلم يلبث العسكر حتى أتاهم نعي بشر بن مروان توفي بالبصرة فتفرق ناس كثير من أهل البصرة وأهل الكوفة واستخلف بشر على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد وكان خليفته على الكوفة عمرو بن حريث وكان الذين انصرفوا من أهل الكوفة زحر بن قيس وإسحاق بن محمد بن الأشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد فأتوا الأهواز فاجتمع بها ناس كثير فبلغ ذلك خالد بن عبيد الله فكتب اليهم يأمرهم بالرجوع إلى المهلب وتهددهم إن لم يفعلوا بالضرب والقتل ويحذرهم عقوبة عبد الملك فلما قرأ الرسول من الكتاب عليهم سطرا أو سطرين قال زحر أوجز فلما فرغ من قراءته لم يلتفت الناس اليه وأقبل زحر ومن معه حتى نزلوا إلى جانب الكوفة وأرسلوا إلى عمرو بن حريث أن النفر لما بلغهم وفاة الأمير تفرقوا فأقبلنا إلى مصرنا وأحببنا أن لا ندخل إلا بإذن الأمير فكتب إليهم ينكر عليهم عودهم ويأمرهم بالرجوع إلى المهلب ولم يأذن لهم في دخول الكوفة فانتظروا الليل ثم دخلوا إلى بيوتهم فأقاموا حتى قدم الحجاج أميرا

ذكر عزل بكير عن خراسان وولاية أمية بن عبد الله بن خالد ص 132

في هذه السنة عزل عبد الملك بكير بن وشاح عن خراسان وولاها أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد وكانت ولاية بكير سنتين وكان سبب عزله أن تميما اختلفت بها فصارعت مقاعس والبطون يتعصبون لبحير ويطلبون بكيرا وصارت أوف والأبناء يتعصبون لبكير وكل هذه بطون من بني تميم فخاف أهل خراسان أن تعود الحرب وتفسد البلاد ويقهرهم المشركون فكتبوا إلى عبد الملك بذلك وأنها لا تصلح إلا على رجل من قريش لا يحسدونه ولا يتعصبون عليه فاستشار عبد الملك فيمن يوليه فقال أمية يا أمير المؤمنين تداركهم برجل منك قال لولا انهزامك عن أبي فديك كنت لها قال يا أمير المؤمنين والله ما انهزمت حتى خذلني الناس ولم أجد مقاتلا فرأيت أن انحيازي إلى فئة أفضل من تعرض عصبة بقيت من المسلمين للهلكة وقد كتب اليك خالد بن عبد الله بعذري وقد علم الناس ذلك فولاه خراسا ن وكان عبد الملك يحبه فقال الناس ما رأينا أحدا عوض من هزيمة ما عوض أمية فلما سمع بكير بمسيره أرسل إلى بحير وهو في حبسه وقد تقدم ذكر ذلك في مقتل ابن خازم يطلب منه الصلح فامتنع بحير وقال ظن بكير أن خراسان تبقى له في الجماعة ومشت السفراء بينهم فأبى ذلك بحير فدخل عليه ضرار بن حصين الضبي فقال أراك أحمق يرسل اليك ابن عمك يعتذر اليك وأنت أسيره والسيف بيده ولو قتلتك ما حبقت فلا تقبل منه اقبل الصلح واخرج وأنت على رأس أمرك فقبل منه وصالح بكيرا فأرسل إليه بكير باربعين ألفا وأخذ عليه أن لا يقاتله وخرج بحير فأقام يسأل عن مسير أمية فلما بلغه أنه قد قارب نيسابور سار اليه ولقيه بها فاخبره عن خراسان وما يحسن به طاعة أهلها ورفع على بكير أموالا أخذها وحذره غدره وسار معه حتى قدم مرو وكان أمية كريما ولا يعرض لبكير ولا لعماله وعرض عليه شرطته فأبى فولاها بحير بن ورقاء فلام بكيرا رجال من قومه فقال كنت بالأمس أميرا تحمل الحراب بين يدي فأصير اليوم أحمل الحربة ثم خير أمية بكيرا أن يوليه ما شاء من خراسان فاختار طخارستان قال فتجهز لها فأنفق مالا كثيرا فقال بحير لأمية إن أتى طخارستان خلعك وحذره فلم يوله أسيد بفتح الهمزة وكسر السين وبحير بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء

ذكر ولاية عبد الله بن أمية سجستان ص 133

لما وصل أمية بن عبد الله إلى كرمان استعمل ابنه عبد الله على سجستان فلما قدمها غزا رتبيل الذي ملك بعد المقتول الأول وكان رتبيل هائبا للمسلين فلما وصل عبد الله إلى بست أرسل رتبيل يطلب الصلح وبذل ألف ألف وبعث إليه بهدايا ورقيق فأبى عبد الله قبول ذلك وقال إن ملأ لي هذا الرواق ذهبا وإلا فلا صلح وكان غرا فخلى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها وأخذ عليه الشعاب والمضايق فطلب أن يخلى عنه وعن المسلمين ولا يأخذ منه شيئا فأبى رتبيل وقال بل يأخذ ثلاثمائة ألف درهم صلحا ويكتب لنا به كتابا ولا يغزو بلادنا ما كنت أميرا ولا يحرق ولا يخرب ففعل وبلغ ذلك عبد الملك فعزله

ذكر ولاية حسان بن النعمان أفريقية ص 134

قد ذكرنا ولاية زهير بن قيس سنة اثنتين وستين وكان قتله سنة تسعة وستين فلما علم عبد الملك قتله عظم عليه وعلى المسلمين وأهمه ذلك وشغله عن أفريقية ما كان بينه وبين ابن الزبير فلما قتل ابن الزبير واجتمع المسلمون عليه جهز جيشا كثيرا واستعمل عليهم وعلى افريقية حسان بن النعمان الغساني وسيرهم اليها في هذه السنة فلم يدخل افريقية قط جيش مثله فلما ورد القيروان تجهز منها وسار إلى قرطاجنة وكان صاحبها أعظم ملوك إفريقية ولم يكن المسلمون قط حاربوها فلما وصل إليها رأى بها من الروم والبربر ما لا يحصى كثرة فقاتلهم وحصرهم وقتل منهم كثيرا فلما رأوا ذلك اجتمع رأيهم على الهرب فركبوا في مراكبهم وسار بعضهم إلى صقيلية وبعضهم إلى الأندلس ودخلها حسان بالسيف فسبى ونهب وقتلهم قتلا ذريعا وأرسل الجيوش فيما حولها فأسرعوا إليه خوفا فأمرهم فهدموا من قرطاجنة ما قدروا عليه ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا له في صطفورة وبنزرت وهما مدينتان فسار إليهم وقاتلهم ولقي منهم شدة وقوة فصبر لهم المسلمون فانهزمت الروم وكثر القتل فيهم واستولوا على بلادهم ولم يترك حسان موضعا من بلادهم إلا وطئه وخاف أهل افريقية خوفا شديدا ولجأ المنهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا وتحصن البربر بمدينة بونة فعاد حسان إلى القيروان لأن الجراح كثرت في أصحابه فأقام بها حتى صحوا

ذكر تخريب أفريقية ص 134

لما صلح الناس قال حسان دلوني على أعظم من بقي من ملوك أفريقية فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة وكانت تخبرهم بأشياء من الغيب ولهذا سميت بالكاهنة وكانت بربرية وهي بجبل أواراس وقد اجتمع حولها البربر بعد قتل كسيرة فسأل أهل افريقية عنها فعظموا محلها وقالوا له ان قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك فسار إليها فلما قاربها هدمت حصن باغاية ظنا منها انه يريد الحصون فلم يعرج حسان على ذلك وسار إليها فالتقوا على نهر نيني واقتتلوا أشد قتال رآه الناس فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وانهزم حسان وأسر جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة سوى خالد بن يزيد القيسي وكان شريفا شجاعا فاتخذته ولدا وسار حسان حتى فارق أفريقية وأقام وكتب إلى عبد الملك يعلمه الحال فأمره عبد الملك بالمقام إلى أن يأتيه أمره فأقام بعمل برقة خمس سنين فسمي ذلك المكان قصور حسان إلى الآن وملكت الكاهنة أفريقية كلها وأساءت السيرة في أهلها وعسفتهم وظلمتهم ثم سير إليه عبد الملك الجنود والأموال وأمره بالمسير إلى أفريقية وقتال الكاهنة فأرسل حسان رسولا سرا إلى خالد بن يزيد وهو عند الكاهنة بكتاب يستعلم منه الأمور فكتب إليه خالد جوابه في رقعة يعرفه تفرق البربر ويأمره بالسرعة وجعل الرقعة في خبزة وعاد الرسول فخرجت الكاهنة ناشرة شعرها تقول ذهب ملكهم فيما يأكل الناس فطلب الرسول فلم يوجد فوصل إلى حسان وقد احترق الكتاب بالنار فعاد إلى خالد وكتب إليه بما كتب أولا وأودعه قربوس السرج فسار حسان فلما علمت الكاهنة بمسيره إليها قالت ان العرب يريدون البلاد والذهب والفضة ونحن إنما نريد المزارع والمراعي ولا أرى إلا أن أخرب أفريقية حتى ييأسوا منها وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها وهدموا الحصون ونهبوا الأموال وهذا هو الخراب الأول لأفريقية فلما قرب حسان من البلاد لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون من الكاهنة ويشكون اليه منها فسره ذلك وسار إلى قابس فلقيه أهلها بالأموال والطاعة وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء وجعل فيها عاملا وسار إلى قفصة ليتقرب الطريق فأطاعه من بها واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزلوة وبلغ الكاهنة قدومه فاحضرت ولدين لها وخالد بن يزيد وقالت لهم إنني مقتولة فامضوا إلى حسان وخذوا لأنفسكم منه أمانا فساروا اليه وبقوا معه وسار حسان نحوها فالتقوا واقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل حتى ظن أنه الفناء ثم نصر الله المسلمين وانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا وانهزمت الكاهنة ثم أدركت فقتلت ثم ان البربر استأمنوا إلى حسان فامنهم وشرط عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا يجاهدون العدو فأجابوه إلى ذلك فجعل على هذا العسكر ابني الكاهنة ثم فشا الاسلام في البربر وعاد حسان إلى القيروان في رمضان من تلك السنة وأقام لا ينازعه أحد إلى أن توفي عبد الملك فلما ولي الوليد بن عبد الملك ولى افريقية عمه عبد الله بن مروان فعزل عنها حسانا واستعمل موسى بن نصير سنة تسع وثمانين على ما نذكره إن شاء الله وقد ذكر الواقدي أن الكاهنة خرجت غضبا لقتل كسيلة وملكت أفريقية جميعها وعملت باهلها الأفاعيل القبيحة وظلمتهم الظلم الشنيع ونال من بالقيروان من المسلمين أذى شديد بعد قتل زهير بن قيس سنة سبع وستين فاستعمل عبد الملك على أفريقية حسان بن النعمان فسار في جيوش كثيرة وقصد الكاهنة فاقتتلوا فانهزم المسلون وقتل منهم جماعة كثيرة وعاد حسان منهزما إلى نواحي برقة فأقام بها إلى سنة أربع وسبعين فسير إليه عبد الملك جيشا كثيفا وأمره بقصد الكاهنة فسار اليها وقاتلها فهزمها وقتلها وقتل أولادها وعاد إلى القيروان وقيل إنه لما قتل الكاهنة عاد من فوره إلى عبد الملك واستخلف على أفريقية رجلا اسمه أبو صالح إليه ينسب فحص صالح

ذكر عدة حوادث ص 136

حج بالناس هذه السنة الحجاج بن يوسف وكان على قضاء المدينة عبد الله بن قيس بن مخرمة وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وقيل إن عبد الملك اعتمر هذه السنة ولا يصح وفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة فبلغ أندولية

وفيها مات جابر بن سمرة السوائي في امارة بشر بن مروان بالكوفة وفي إمارته أيضا مات أبو جحيفة بالكوفة وفيها مات عمرو بن ميمون الأودي وقيل سنة خمس وسبعين وكان قد أدرك الجاهليه وهو من المعمرين وفيها مات عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان من عمال عمر وقيل مات سنة ثلاث وسبعين وفيها مات عبد الرحمن بن عثمان التيمي وله صحبة وفيها مات محمد بن حاطب بن الحرث الجمحي وكان مولده بأرض الحبشة وأتى به النبي وفيها مات أبو سعيد بن معلى الأنصاري وفيها مات أوس بن ضمعج الكوفي ضمعج بالضاد المعجمة والجيم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.