في هذه السنة غزا محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قبل مرعش
ثم دخلت سنة خمس وسبعين
في هذه السنة ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان فأرسل إليه عبد الملك بعهده على العراق وهو بالمدينة وأمره بالمسير إلى العراق فسار في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار فجأة وقد كان بشر بعث المهلب إلى الخوارج فبدأ الحجاج بالمسجد فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال علي بالناس فحسبوه وأصحابه خارجيا فهموا به وهو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم فاجتمع الناس وهو ساكت قد أطال السكوت فتناول محمد بن عمير حصباء وأراد أن يحصبه بها وقال قاتله الله ما أغباه وأذمه والله إني لأحسب خبره كروائه فلما تكلم الحجاج جعلت الحصباء تنتشر من يده وهو لا يعقل به قال ثم كشف الحجاج عن وجهه وقال
( أنا ابن جلا وطلاع الثنايا % متى أضع العمامة تعرفوني )
أما والله إني لأحمل الشر محمله وآخذه بفعله وأجزيه بمثله وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وقد حان قطافها إني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها تشميرا
( هذا أوان الحرب فاشتدي زيم % قد لفها الليل بسواق حطم )
( ليس براعي إبل ولا غنم % ولا بجزار على لحم وضم )
ثم قال
( قد لفها الليل بعصلبي )
( أروع خراج من الدوي )
( مهاجر ليس بأعرابي )
( ليس أوان بكرة الخلاط )
( جاءت به والقلص الاعلاط )
( تهوي هوي سائق الغطاط )
إني والله يا أهل العراق ما أغمز بتغماز التين ولا يقعقع لي بالشنان ولقد فررت عن ذكاء وجريت إلى الغاية القصوى ثم قرا وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وأنتم أولئك وأشباه أولئك إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا واصلبها مكسرا فوجهني إليكم ورمى بي في نحوركم فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق فإنكم طالما أوضعتم في الشر وسننتم سنن الغي فاستوثقوا واستقيموا فوالله لأذيقنكم الهوان ولأمرينكم به حتى تدروا ولألحونكم لحو العود ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تذلوا ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا ولأقرعنكم قرع المروة حتى تلينوا إني والله ما أعد إلا وفيت ولا أخلق إلا وفيت ولا أخلق إلا فريت فإياي وهذه الجماعات فلا يركبن رجل إلا وحده أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف ولتدعن الإرجاف وقيلا وقال وما تقول وما يقول وأخبرني فلان أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده فيم أنتم وذاك والله لتستقيمن على الحق أو لأضربنكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى والولدان يتامى حتى تذروا السمهي وتقلعوا عن هواها ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جيء فيء ولا قوتل عدو ولعطلت الثغور ولولا أنهم يغزون كرها ما غزو طوعا وقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين وإني أقسم بالله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه وأنهبت داره
ثم أمر بكتاب عبد الملك فقرئ على أهل الكوفة فلما قال القارئ أما بعد سلام عليكم فإني أحمد الله اليكم قال له اقطع ثم قال يا عبيد العصا يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب ثم قال للقارئ اقرأ فلما قرأ سلام عليكم قالوا بأجمعهم سلام الله على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثم دخل منزله لم يزد على ذلك ثم دعا العرفاء وقال ألحقوا الناس بالمهلب واتوني بالبراءة بموافاتهم ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضي هذه المدة
تفسير هذه الخطبة قوله أنا ابن جلا فابن جلا هو الصبح لأنه يجلو الظلمة وقوله فاشتدي زيم هو اسم للحرب والحطم الذي يحطم كل ما مر به والوضم ما وقي به اللحم عن الأرض والعصلبي الشديد والاعلاط من الابل التي لا أرسان عليها وقوله فعجم عيدانها أي عضها واختبرها وقوله لأعصبنكم عصب السلمة فالعصب القطع والسلم شجر من العضاة وقوله لا أخلق إلا فريت فالخلق التقدير ويقال فريت الأديم إذا أصلحته والسميهي الباطل وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان والغطاط بضم الغين المعجمة وقيل بفتحها ضرب من الطير
فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال يا أهل العراق وأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به وجه الله ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الأيامى ألا يربع رجل منكم على ظلفه ويحسن حقن دمه ويعرف موضع قدمه فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها فقام عمير بن ضابئ الحنظلي التيمي فقال أصلح الله الأمير أنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير عليل وابني هذا أشب مني فقال الحجاج هذا خير لنا من أبيه ثم قال ومن أنت قال أنا عمير بن ضابئ قال أسمعت كلامنا بالأمس قال نعم قال ألست الذي غزا عثمان بن عفان قال بلى قال يا عدوا الله أفلا إلى عثمان بعثت بدلا وما حملك على ذلك قال إنه حبس أبي وكان شيخا كبيرا قال أولست القائل
( هممت ولم أفعل وكدت وليتني % تركت على عثمان تبكي حلائله )
إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين وأمر به فضربت رقبته وأنهب ماله وقيل أن عنبسة بن سعيد بن العاص قال للحجاج أتعرف هذا قال لا قال هذا أحد قتلة عثمان فقال الحجاج إي عدو الله أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلا ثم أمر به فضربت عنقه وأمر مناديا فنادى ألا إن عميرا بن ضابئ أتى بعد ثلاثة وكان سمع النداء فأمرنا بقتله ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يأت الليلة إلى جند المهلب فخرج الناس فازدحموا على الجسر وخرج العرفاء إلى المهلب وهو برامهرمز فأخذوا كتبه بالموافاة فقال المهلب قدم العراق رجلا ذكر اليوم قتل العدو فلما قتل الحجاج عميرا لقي إبراهيم بن عامر الأسدي عبد الله بن الزبير فسأله عن الخبر فقال
( أقول لإبراهيم لما لقيته % أرى الأمر أضحى منصبا متشعبا )
( تجهز وأسرع فالحق الجيش لا أرى % سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا )
( تخير فإما أن تزور ابن ضابئ % عميرا وإما أن تزور المهلبا )
( هما خططتا خسف نجاؤك منهما % ركوبك حوليا من البلج أشهبا )
( فحال ولو كانت خراسان دونه % رآها مكان السوق أو هي أقربا )
( فكائن ترى من مكره الغزو مسمر % تحمم حنو السرج حتى تحنبا )
تحمم أي لزمه حتى صار كالحميم وتحنب أعوج والزبير ههنا بفتح الزاي وكسر الباء قيل وكان قدوم الحجاج في شهر رمضان فوجه الحكم بن أيوب الثقفي على البصرة أميرا وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله فبلغ خالدا الخبر فخرج عن البصرة قبل أن يدخلها الحكم فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف فكان الحجاج اول من عاقب بالقتل على التخلف عن الوجه الذي يكتب إليه
قال الشعبي كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي نزعت عمامته ويقام للناس ويشهر أمره فلما ولي مصعب قال ما هذا بشيء وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحى فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمر في يديهه مسماران في حائط فربما مات وربما خرق المسمار كفه فسلم فقال شاعر
( لولا مخافة بشر أو عقوبته % وإن ينوط في كفي مسمار )
( إذا لعطلت ثغري ثم زرتكم % إن المحب لمن يهواه زوار )
فلما كان الحجاج قال هذا لعب اضرب عنق من يخل مكانه في الثغر
في هذه السنة استعمل عبد الملك على السند سعيد بن أسلم بن زرعة فخرج عليه معاوية ومحمد ابنا الحرث العلاقيان فقتلاه وغلبا على البلاد فأرسل الحجاج مجاعة بن سعر التميمي إلى السند فغلب على ذلك الثغر وغزا وفتح أماكن من قندابيل ومات مجاعة بعد سنة بمكران فقيل فيه
( ما من مشاهدك التي شاهدتها % إلا يزيدك ذكرها مجاعا )
في هذه السنة خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة وتوعد من رآه منهم بعد ثلاثة ولم يلحق بالمهلب فأتاه شريك بن عمرو اليشكري وكان به فتق وكان أعور يضع على عينيه قطعة كرسفة فلقب ذا الكرسفة فقال أصلح الله الأمير إن بي فتقا وقد رآه بشر بن مروان فعذرني وهذا عطائي مردود في بيت المال فأمر به فضربت عنقه فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلا لحق به فقال المهلب لقد أتى العراق رجل ذكر وتتابع الناس مزدحمين إليه حتى كثر جمعه ثم سار الحجاج رستقاباذ وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا وإنما أراد أن يشد ظهر المهلب وأصحابه بمكانه فقام برستقا خطيبا حين نزلها فقال يا أهل المصرين هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر وسنة بعد سنة حتى يهلك الله عدوكم هؤلاء الخوارج المطلين عليكم ثم إنه خطب يوما فقال إن الزيادة التي زادكم إياها ابن الزبير إنما هي زيادة مخسر باطل ملحد فاسق منافق ولسنا نجيزها وكان مصعب قد زاد الناس في العطاء مائة مائة فقال عبد الله بن الجارود إنها ليست بزيادة ابن الزبير إنما هي زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر فقال له الحجاج ما أنت والكلام لتحسنن حمل رأسك أو لأسلبنك إياه فقال ولم إني لك لناصح وإن هذا لقول من ورائي فنزل الحجاج ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة ثم أعاد القول فيها فرد عليه ابن الجارود مثل رده الأول فقام مصقلة بن كرب العبدي أبو رقبة بن مصقلة المحدث عنه فقال إنه ليس للرعية أن ترد على راعيها وقد سمعنا ما قال الأمير فسمعا وطاعة فيما أحبننا وكرهنا فقال له عبد الله ابن الجارود يابن الجرمقانية ما أنت وهذا ومتى كان مثلك يتكلم وينطق في مثل هذا وأتى الوجوه عبد الله بن الجارود فصوبوا رأيه وقوله
وقال الهذيل بن عمران البرجمي وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي وغيرهما نحن معك وأعوانك إن هذا الرجل غير كاف حتى ينقصنا هذه الزيادة فهلم نبايعك على إخراجه من العراق ثم نكتب إلى عبد الملك نسأله أن يولي علينا غيره فإن أبى خلعناه فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج فبايعه الناس سرا وأعطوه المواثيق على الوفاء وأخذ بعضهم على بعضهم العهود وبلغ الحجاج ما هم فيه فأحرز بيت المال واحتاط فيه فلما تم لهم أمرهم أظهروه وذلك في ربيع الآخر سنة ست وسبعين وأخرج عبد الله بن الجارود عبد القيس على راياتهم وخرج الناس معه حتى لقي الحجاج وليس معه مالا خاصته وأهل بيته فخرجوا قبل الظهر وقطع ابن جارود ومن معه الجسر وكانت خزائن الحجاج السلاح من ورائه فأرسل الحجاج أعين صاحب حمام أعين بالكوفة إلى ابن الجارود يستدعيه إليه فقال ابن الجارود ومن الأمير لا ولا كرامة لابن أبي رغال ولكن ليخرج عنا مذموما مدحورا وإلا قاتلناه فقال أعين فإنه يقول لك أتطيب نفسا بقتلك وقتل أهل بيتك وعشيرتك والذي نفسي بيده لئن لم تأتني لأدعن قومك عامة وأهلك خاصة حديثا للغابرين وكان الحجاج عقد حمل أعين هذه الرسالة فقال ابن الجارود لولا أنك رسول لقتلتك يا ابن الخبيثة وأمر فوجئ في عنقه وأخرج واجتمع الناس لابن الجارود فأقبل بهم زحفا نحو الحجاج وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه فلما صاروا إليه نهبوه في فسطاطة وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه
وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير وجاءت مضر فأخذوا امراته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخي سهيل به عمرو فخافه السفهاء ثم إن القون انصرفوا عن الحجاج وتركوه فأتاه قوم من أهل البصرة فصاروا معه خائفين من محاربة الخليفة فجعل الغضبان بن القبعثري الشيباني يقول لابن الجارود تعش بالجدي قتل أن يتغدى بك أما ترى من قد أتاه منكم ولئن أصبح ليكثرن ناصره وليضعفن منكم فقال قد قرب المساء ولكننا نعاجله بالغداة وكان مع الحجاج عثمان بن قطن وزياد بن عمرو العتكي وكان زياد على شرطة البصرة فقال لهما ما تريان فقال زياد أن آخذ لك من القوم أمانا وتخرج حتى بلحق بأمير المؤمنين فقد ارفض أكثر الناس عنك ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك فقال عثمان بن قطن الحارثي لكني لا أرى ذلك إن أمير المؤمنين قد شركك في أمره وخلطك بنفسه واستنصحك وسلطك فسرت إلى ابن الزبير وهو أعظم الناس خطرا فقتلته فولاك الله شرف ذلك وسناه وولاك أمير المؤمنين الحجاز ثم رفعت فولاك العراقين فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على قعود إلى الشام والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من سلطان أبدا وليتضعن شأنك ولكني أرى أن تمشي بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما فقال له الحجاج الرأي ما رأيت وحفظ هذا لعثمان وحقدها على زياد بن عمرو وجاء عامل بن مسمع إلى الحجاج فقال إني قد أخذت لك أمانا من الناس فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول والله لا أؤمنهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم وأرسل إلى عبيد بن كعب النميري يقول هلم إلي فامنعني فقال قل له إن أتيتني منعتك فقال لاولا كرامة وبعث إلى محمد بن عمير بن عطارد وكذلك فأجابه مثل الجواب الأول فقال لا ناقتي في هذا ولا جملي وأرسل إلى عبد الله بن حكيم المجاشعي فأجابه كذلك أيضا
ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن الجارود وابن الهذيل وعبد الله بن حكيم وهم يتناجون فقال أشركونا في نجواكم فقالوا هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من بني الحبط فغضب وسار إلى الحجاج في مائة رجل فقال له الحجاج ما أبالي من تخلف بعدك وسعى قتيبة بن مسلم في قومه في يحيى أعصر وقال لا والله لا ندع قيسا يقتل ولا ينهب ماله يعني الحجاج وأقبل إلى الحجاج وكان الحجاج قد يئس من الحياة فلما جاءه اطمأن ثم جاءه سبرة بن علي الكلابي وسعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي فسلم فأدناه منه وأتاه جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدي وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع إن شئت أتيتك وإن شئت أقمت وثبطت الناس عنك فقال أقم وثبط الناس عني فلما اجتمع إلى الحجاج جمع يمنع بمثلهم خرج فعبى أصحابه وتلاحق الناس به فلما أصبح إذ حوله نحو ستة آلاف وقيل غيرذلك فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان ما الرأي قال تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك وقد ذهب الرأي وبقي الصبر فدعا ابن الجارود بدرع فلبسها مقلوبة فتطير وحرض الحجاج أصحابه وقال لا يهولنكم ما ترون من كثرتهم وتزاحف القوم وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل بن عمران وعلى ميسربه عبد الله بن زياد بن ظبيان وعلى ميمنة الحجاج قتيبة بن مسلم ويقال عباد بن الحصين وعلى ميسرته سعيد بن أسلم فحمل ابن الجارود في أصحابه حتى جاز أصحاب الحجاج فعطف الحجاج عليه ثم اقتتلوا ساعة وكاد ابن الجارود يظفر فأتاه سهم غرب فأصابه فوقع ميتا ونادى منادي الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم وأمر أن لا يتبع المنهزمون وقال الاتباع من سوء الغلبة فانهزم عبيد الله بن زياد بن ظبيان وأتى سعيد بن عياذ بن الجلندي الأزدي بعمان فقيل لسعيد إنه رجل فاتك فاحذره فلما جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة مسمومة وقال هذا أول شيء جاء من البطيخ وقد أكلت نصف بطيخة وبعثت بنصفها فأكلها عبيد الله فأحس بالشر فقال أردت أن أقتله فقتلني وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر رأسا من وجوه أصحابه إلى المهلب فنصبت ليراها الخوارج ويتأسوا الاختلاف
وحبس الحجاج عبيد الله بن كعب ومحمد بن عمير حيث قالوا للحجاج تأتينا لنمنعك وحبس الغضبان بن القبعثري وقال له أنت القائل تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك فقال ما نفعت من قيلت له ولا ضرت من قيلت فيه فكتب عبد الملك إلى الحجاج بإطلاقه وقتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري فقال الحجاج ولا أرى أنسا يعين علي فلما دخل البصرة أخذ ماله فحين دخل عليه أنس قا لا مرحبا ولا أهلا بك يا ابن خبيثة شيخ ضلالة جوال في الفتن مرة مع أبي تراب ومرة مع ابن الزبير ومرة مع ابن جارود أما والله لأجردنك جرد القضيب ولأعصبنك عصب السلمة ولأقلعنك قلع الصمغة فقال أنس بمن يعني الأمير قال إياك أعني أصم الله صداك فرجع أنس فكتب إلى عبد الملك كتابا يشكو فيه الحجاج وما صنع به فكتب عبد الملك إلى الحجاج أما بعد يا ابن أم الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتى عدوت طورك وجاوزت قدرك يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب لأغمزتك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب ولأخبطنك خبطة تود لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك أما تذكر حال آبائك في الطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومياههم أنسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما وأظنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره فتعلم إنكاره ذلك وإغضاءه عنك فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدما فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصك الرجلين ممسوح الجاعرتين ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتابة عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لارسل من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتي بك أنسا فيحكم فيك فأكرم أنسا وأهل بيته واعرف له حقه وخدمته رسول الله ولا تقصرن في شيء من حوائجه ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه فيبعث إليك من يضرب ظهرك ويهتك سترك ويشمت بك عدوك والقه في منزله متنصلا إليه وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله والسلام
وبعث بالكتاب مع اسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم فأتى إسماعيل أنسا بكتاب أمير المؤمنين إليه فقرأه وأتى الحجاج بالكتاب إليه فجعل يقرءه ووجهه يتغير ويتغبر وجبينه يرشح عرقا ويقول يغفر الله لأمير المؤمنين ثم اجتمع بأنس فرحب به الحجاج واعتذر إليه وقال أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان إذ بلغت منك ما بلغت أني إليهم بالعقوبة أسرع فقال أنس ما شكوت حتى بلغ مني الجهد وحتى زعمت أنا الأشرار وقد سمانا الله الأنصار وزعمت أنا أهل النفاق ونحن الذين تبوؤا الدار والايمان وسيحكم الله بيننا وبينك فهو أقدر على التغيير لا يشبه الحق عنده الباطل والصدق الكذب وزعمت أنك اتخذتني ذريعة وسلما إلى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرم الله عليك مني ولم يكن لي عليك قوة فوكلتك إلى الله ثم إلى أمير المؤمنين فحفظ من حقي ما لم تحفظ فوالله لو أن النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى بن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقه ما لم تعرف أنت من حقي وقد خدمت رسول الله عشر سنين وبعد فإن راينا خيرا حمدنا الله عليه وأثنينا وإن رأينا غير ذلك صبرنا والله المستعان ورد عليه الحجاج ما كان أخذ منه
اجتمع الزنج بفرات البصرة في آخر أيام مصعب بن الزبير ولم يكونوا بالكثير فأفسدوا وتناولوا الثمار وولي خالد بن عبد الله بن خالد البصرة وقد كثروا فشكا الناس اليه ما نالهم منهم فجمع لهم جيشا فلما بلغهم ذلك تفرقوا وأخذ بعضهم فقتلهم وصلبهم فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرنا خرج الزنج أيضا فاجتمع منهم خلق كثير بالفرات وجعلوا عليهم رجلا اسمه رباح ويلقب شيرزنجي يعني أسد الزنج فأفسدوا فلما فرغ الحجاج من ابن الجارود أمر زياد بن عمرو وهو على شرطة البصرة أن يرسل إليهم جيشا يقاتلهم ففعل وسير إليهم جيشا عليه ابنه حفص بن زياد فقاتلهم فقتلوه وهزموا أصحابه ثم أرسل إليهم جيشا آخر فهزم الزنج وقتلهم واستقامت البصرة
لما أتى كتاب الحجاج إلى المهلب وابن مخنف يأمرهما بمناهضة الخوارج زحفوا إليهم وقاتلوهم شيئا من قتال فانهزمت الخوارج كأنهم على حامية ولم يكن منهم قتال وسار الخوارج حتى نزلوا كازرون وسار المهلب وابن مخنف حتى نزلوا بهم وخندق المهلب على نفسه وقال لابن مخنف إن رأيت أن تخندق عليك فافعل فقال أصحابه نحن خندقنا سيوفنا فأتى الخوارج المهلب ليبيتوه فوجدوه قد تحرز فمالوا نحو ابن مخنف فوجدوه ولم يخندق فقاتلوه فانهزم عنه أصحابه فقاتل في أناس من أصحابه فقتل وقتلوا حوله فقال شاعرهم
( لمن العسكر المكلل بالصر % عى فهم بين ميت وقتيل )
( فتراهم تسفي الرياح عليهم % حاصب الرمل بعد جر الذيول )
هذا قول أهل البصرة فأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أنه لما وصل كتاب الحجاج بمناهضة الخوارج ناهضهم المهلب وعبد الرحمن فاقتتلوا قتالا شديدا ومالت الخوارج إلى المهلب فاضطروه إلى عسكره فأرسل إلى عبد الرحمن يستمده فامده عبد الرحمن بالخيل والرجال وكان ذلك بعد الظهر لعشر بقين من رمضان فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجيء من عسكر عبد الرحمن من الرجال ظنوا أنه قد خف أصحابه فجعلوا بازاء المهلب من يشغله وانصرفوا بجندهم إلى عبد الرحمن فلما رآهم قد قصدوه نزل ونزل معه القرا ء منهم أبو الأحوص خاحب ابن مسعود وخزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة العبسي الذي قتل مع زيد بن علي وصلب معه بالكوفة ونزل معه من قومه أحد وسبعون رجلا وحمل عليهم الخوارج فقاتلهم قتالا شديدا وانكشف الناس عنه وبقي في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه فلم يتبعه إلا ناس قليل فجاء حتى دنا من أبيه فحالت الخوارج بينهما فقاتل حتى جرح وقاتل عبد الرحمن ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثي الليل ثم قتل في تلك العصابة فلما أصبحوا جاء المهلب فدفنه فصلى عليه وكتب بذلك إلى الحجاج فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فترحم عليه وذم أهل الكوفه وبعث الحجاج إلى عسكر عبد الرحمن عتاب بن ورقاء وأمره أن يسمع للمهلب فساءه ذلك ولم يجد بدا من طاعته فجاء إلى العسكر وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب وهو يقضي أموره ولا يكاد يستشير المهلب فوضع عليه المهلب رجالا اصطنعهم وأغراهم به منهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة وجرى بين عتاب والمهلب ذات يوم كلام أغلظ كل منهما لصاحبه ورفع المهلب القضيب على عتاب فوثب إليه ابنه المغيرة بن المهلب فقبض القضيب وقال أصلح الله الأمير شيخ من أشياخ العرب وشريف من أشرافهم أن سمعت بعض ما تكره فاحتمله له فإنه لذلك أهل ففعل فافترقا فارسل عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب ويسأله أن يأمره بالعود فوافق ذلك حاجة من الحجاج اليه فيما لقي أشراف الكوفة من سببه فاستقدمه وأمره أن يترك ذلك الجيش مع المهلب فجعل المهلب عليهم ابنه حبيبا وقال سراقة بن مرداس البارقي يرثي عبد الرحمن بن مخنف
( ثوى سيد الأزدين أزد شيوءة % وازد عمان رهن رمس بكازر )
( وضارب حتى مات أكرم ميتة % بأبيض صاف كالعقيقة باتر )
( وصرع حول التل تحت لوائه % كرام المساعي من كرام المعاشر )
( قضى نحبه يوم اللقا ابن مخنف % وأدبر عنه كل ألوث داثر )
( أمد ولم يمدد فراح مشمرا % إلى الله لم يذهب بأثواب غادر ) وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحوا من سنة
في هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة من تميم وكان يرى رأي الصفرية وهو أول من خرج فيهم
وحج هذه السنة ومعه شبيب بن يزيد وسويد والبطين وأشباههم وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان فهم شبيب أن يفتك به فبلغه ذلك من خبرهم فكتب إلى الحجاج بن يوسف بعد انصرفه يأمره بطلبهم وكان شيخا صالحا يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى أصحابه ويعد ما يحتاج اليه فلما طلبه الحجاج نبت به الكوفة فتركها
وفيها غزا محمد بن مروان الصائفة عند خروج الروم إلى الغنيق من ناحية مرعش وحج بالناس عبد الملك فخطب الناس بالمدينة فقال بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد فإني لست بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا بالخليفة المداهن يعني معاوية ولا بالخليفة المأفون يعني يزيد ألا واني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسف حتى تستقيم لي قناتكم وإنكم تحفظون أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل
وفي هذه السنة مات العرباض بن سارية السلمي وهو من أهل الصفة وقيل بل مات بالشام في فتنة ابن الزبير وفيها توفي الأسود بن يزيد النخعي وهو ابن أخي علقمة بن قيس
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
