الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
10

ثم دخلت سنة خمس وسبعين

الجزء الرابع 7 عنصر صفحة 137
ص 137

في هذه السنة غزا محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم من قبل مرعش

ذكر ولاية الحجاج بن يوسف العراق ص 137

في هذه السنة ولى عبد الملك الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان فأرسل إليه عبد الملك بعهده على العراق وهو بالمدينة وأمره بالمسير إلى العراق فسار في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار فجأة وقد كان بشر بعث المهلب إلى الخوارج فبدأ الحجاج بالمسجد فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فقال علي بالناس فحسبوه وأصحابه خارجيا فهموا به وهو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم فاجتمع الناس وهو ساكت قد أطال السكوت فتناول محمد بن عمير حصباء وأراد أن يحصبه بها وقال قاتله الله ما أغباه وأذمه والله إني لأحسب خبره كروائه فلما تكلم الحجاج جعلت الحصباء تنتشر من يده وهو لا يعقل به قال ثم كشف الحجاج عن وجهه وقال

( أنا ابن جلا وطلاع الثنايا % متى أضع العمامة تعرفوني )

أما والله إني لأحمل الشر محمله وآخذه بفعله وأجزيه بمثله وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وقد حان قطافها إني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى قد شمرت عن ساقها تشميرا

( هذا أوان الحرب فاشتدي زيم % قد لفها الليل بسواق حطم )

( ليس براعي إبل ولا غنم % ولا بجزار على لحم وضم )

ثم قال

( قد لفها الليل بعصلبي )

( أروع خراج من الدوي )

( مهاجر ليس بأعرابي )

( ليس أوان بكرة الخلاط )

( جاءت به والقلص الاعلاط )

( تهوي هوي سائق الغطاط )

إني والله يا أهل العراق ما أغمز بتغماز التين ولا يقعقع لي بالشنان ولقد فررت عن ذكاء وجريت إلى الغاية القصوى ثم قرا وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وأنتم أولئك وأشباه أولئك إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا واصلبها مكسرا فوجهني إليكم ورمى بي في نحوركم فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق فإنكم طالما أوضعتم في الشر وسننتم سنن الغي فاستوثقوا واستقيموا فوالله لأذيقنكم الهوان ولأمرينكم به حتى تدروا ولألحونكم لحو العود ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تذلوا ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا ولأقرعنكم قرع المروة حتى تلينوا إني والله ما أعد إلا وفيت ولا أخلق إلا وفيت ولا أخلق إلا فريت فإياي وهذه الجماعات فلا يركبن رجل إلا وحده أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف ولتدعن الإرجاف وقيلا وقال وما تقول وما يقول وأخبرني فلان أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده فيم أنتم وذاك والله لتستقيمن على الحق أو لأضربنكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى والولدان يتامى حتى تذروا السمهي وتقلعوا عن هواها ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جيء فيء ولا قوتل عدو ولعطلت الثغور ولولا أنهم يغزون كرها ما غزو طوعا وقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين وإني أقسم بالله لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلا ضربت عنقه وأنهبت داره

ثم أمر بكتاب عبد الملك فقرئ على أهل الكوفة فلما قال القارئ أما بعد سلام عليكم فإني أحمد الله اليكم قال له اقطع ثم قال يا عبيد العصا يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب ثم قال للقارئ اقرأ فلما قرأ سلام عليكم قالوا بأجمعهم سلام الله على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثم دخل منزله لم يزد على ذلك ثم دعا العرفاء وقال ألحقوا الناس بالمهلب واتوني بالبراءة بموافاتهم ولا تغلقن أبواب الجسر ليلا ولا نهارا حتى تنقضي هذه المدة

تفسير هذه الخطبة قوله أنا ابن جلا فابن جلا هو الصبح لأنه يجلو الظلمة وقوله فاشتدي زيم هو اسم للحرب والحطم الذي يحطم كل ما مر به والوضم ما وقي به اللحم عن الأرض والعصلبي الشديد والاعلاط من الابل التي لا أرسان عليها وقوله فعجم عيدانها أي عضها واختبرها وقوله لأعصبنكم عصب السلمة فالعصب القطع والسلم شجر من العضاة وقوله لا أخلق إلا فريت فالخلق التقدير ويقال فريت الأديم إذا أصلحته والسميهي الباطل وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان والغطاط بضم الغين المعجمة وقيل بفتحها ضرب من الطير

فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيرا في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال يا أهل العراق وأهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به وجه الله ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الأيامى ألا يربع رجل منكم على ظلفه ويحسن حقن دمه ويعرف موضع قدمه فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالا لما قبلها وأدبا لما بعدها فقام عمير بن ضابئ الحنظلي التيمي فقال أصلح الله الأمير أنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير عليل وابني هذا أشب مني فقال الحجاج هذا خير لنا من أبيه ثم قال ومن أنت قال أنا عمير بن ضابئ قال أسمعت كلامنا بالأمس قال نعم قال ألست الذي غزا عثمان بن عفان قال بلى قال يا عدوا الله أفلا إلى عثمان بعثت بدلا وما حملك على ذلك قال إنه حبس أبي وكان شيخا كبيرا قال أولست القائل

( هممت ولم أفعل وكدت وليتني % تركت على عثمان تبكي حلائله )

إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين وأمر به فضربت رقبته وأنهب ماله وقيل أن عنبسة بن سعيد بن العاص قال للحجاج أتعرف هذا قال لا قال هذا أحد قتلة عثمان فقال الحجاج إي عدو الله أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلا ثم أمر به فضربت عنقه وأمر مناديا فنادى ألا إن عميرا بن ضابئ أتى بعد ثلاثة وكان سمع النداء فأمرنا بقتله ألا إن ذمة الله بريئة ممن لم يأت الليلة إلى جند المهلب فخرج الناس فازدحموا على الجسر وخرج العرفاء إلى المهلب وهو برامهرمز فأخذوا كتبه بالموافاة فقال المهلب قدم العراق رجلا ذكر اليوم قتل العدو فلما قتل الحجاج عميرا لقي إبراهيم بن عامر الأسدي عبد الله بن الزبير فسأله عن الخبر فقال

( أقول لإبراهيم لما لقيته % أرى الأمر أضحى منصبا متشعبا )

( تجهز وأسرع فالحق الجيش لا أرى % سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا )

( تخير فإما أن تزور ابن ضابئ % عميرا وإما أن تزور المهلبا )

( هما خططتا خسف نجاؤك منهما % ركوبك حوليا من البلج أشهبا )

( فحال ولو كانت خراسان دونه % رآها مكان السوق أو هي أقربا )

( فكائن ترى من مكره الغزو مسمر % تحمم حنو السرج حتى تحنبا )

تحمم أي لزمه حتى صار كالحميم وتحنب أعوج والزبير ههنا بفتح الزاي وكسر الباء قيل وكان قدوم الحجاج في شهر رمضان فوجه الحكم بن أيوب الثقفي على البصرة أميرا وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله فبلغ خالدا الخبر فخرج عن البصرة قبل أن يدخلها الحكم فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف فكان الحجاج اول من عاقب بالقتل على التخلف عن الوجه الذي يكتب إليه

قال الشعبي كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي نزعت عمامته ويقام للناس ويشهر أمره فلما ولي مصعب قال ما هذا بشيء وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحى فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمر في يديهه مسماران في حائط فربما مات وربما خرق المسمار كفه فسلم فقال شاعر

( لولا مخافة بشر أو عقوبته % وإن ينوط في كفي مسمار )

( إذا لعطلت ثغري ثم زرتكم % إن المحب لمن يهواه زوار )

فلما كان الحجاج قال هذا لعب اضرب عنق من يخل مكانه في الثغر

ذكر ولاية سعيد بن أسلم السند وقتله ص 141

في هذه السنة استعمل عبد الملك على السند سعيد بن أسلم بن زرعة فخرج عليه معاوية ومحمد ابنا الحرث العلاقيان فقتلاه وغلبا على البلاد فأرسل الحجاج مجاعة بن سعر التميمي إلى السند فغلب على ذلك الثغر وغزا وفتح أماكن من قندابيل ومات مجاعة بعد سنة بمكران فقيل فيه

( ما من مشاهدك التي شاهدتها % إلا يزيدك ذكرها مجاعا )

ذكر وثوب أهل البصرة بالحجاج ص 141

في هذه السنة خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة وتوعد من رآه منهم بعد ثلاثة ولم يلحق بالمهلب فأتاه شريك بن عمرو اليشكري وكان به فتق وكان أعور يضع على عينيه قطعة كرسفة فلقب ذا الكرسفة فقال أصلح الله الأمير إن بي فتقا وقد رآه بشر بن مروان فعذرني وهذا عطائي مردود في بيت المال فأمر به فضربت عنقه فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلا لحق به فقال المهلب لقد أتى العراق رجل ذكر وتتابع الناس مزدحمين إليه حتى كثر جمعه ثم سار الحجاج رستقاباذ وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا وإنما أراد أن يشد ظهر المهلب وأصحابه بمكانه فقام برستقا خطيبا حين نزلها فقال يا أهل المصرين هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر وسنة بعد سنة حتى يهلك الله عدوكم هؤلاء الخوارج المطلين عليكم ثم إنه خطب يوما فقال إن الزيادة التي زادكم إياها ابن الزبير إنما هي زيادة مخسر باطل ملحد فاسق منافق ولسنا نجيزها وكان مصعب قد زاد الناس في العطاء مائة مائة فقال عبد الله بن الجارود إنها ليست بزيادة ابن الزبير إنما هي زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر فقال له الحجاج ما أنت والكلام لتحسنن حمل رأسك أو لأسلبنك إياه فقال ولم إني لك لناصح وإن هذا لقول من ورائي فنزل الحجاج ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة ثم أعاد القول فيها فرد عليه ابن الجارود مثل رده الأول فقام مصقلة بن كرب العبدي أبو رقبة بن مصقلة المحدث عنه فقال إنه ليس للرعية أن ترد على راعيها وقد سمعنا ما قال الأمير فسمعا وطاعة فيما أحبننا وكرهنا فقال له عبد الله ابن الجارود يابن الجرمقانية ما أنت وهذا ومتى كان مثلك يتكلم وينطق في مثل هذا وأتى الوجوه عبد الله بن الجارود فصوبوا رأيه وقوله

وقال الهذيل بن عمران البرجمي وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي وغيرهما نحن معك وأعوانك إن هذا الرجل غير كاف حتى ينقصنا هذه الزيادة فهلم نبايعك على إخراجه من العراق ثم نكتب إلى عبد الملك نسأله أن يولي علينا غيره فإن أبى خلعناه فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج فبايعه الناس سرا وأعطوه المواثيق على الوفاء وأخذ بعضهم على بعضهم العهود وبلغ الحجاج ما هم فيه فأحرز بيت المال واحتاط فيه فلما تم لهم أمرهم أظهروه وذلك في ربيع الآخر سنة ست وسبعين وأخرج عبد الله بن الجارود عبد القيس على راياتهم وخرج الناس معه حتى لقي الحجاج وليس معه مالا خاصته وأهل بيته فخرجوا قبل الظهر وقطع ابن جارود ومن معه الجسر وكانت خزائن الحجاج السلاح من ورائه فأرسل الحجاج أعين صاحب حمام أعين بالكوفة إلى ابن الجارود يستدعيه إليه فقال ابن الجارود ومن الأمير لا ولا كرامة لابن أبي رغال ولكن ليخرج عنا مذموما مدحورا وإلا قاتلناه فقال أعين فإنه يقول لك أتطيب نفسا بقتلك وقتل أهل بيتك وعشيرتك والذي نفسي بيده لئن لم تأتني لأدعن قومك عامة وأهلك خاصة حديثا للغابرين وكان الحجاج عقد حمل أعين هذه الرسالة فقال ابن الجارود لولا أنك رسول لقتلتك يا ابن الخبيثة وأمر فوجئ في عنقه وأخرج واجتمع الناس لابن الجارود فأقبل بهم زحفا نحو الحجاج وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه فلما صاروا إليه نهبوه في فسطاطة وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه

وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير وجاءت مضر فأخذوا امراته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخي سهيل به عمرو فخافه السفهاء ثم إن القون انصرفوا عن الحجاج وتركوه فأتاه قوم من أهل البصرة فصاروا معه خائفين من محاربة الخليفة فجعل الغضبان بن القبعثري الشيباني يقول لابن الجارود تعش بالجدي قتل أن يتغدى بك أما ترى من قد أتاه منكم ولئن أصبح ليكثرن ناصره وليضعفن منكم فقال قد قرب المساء ولكننا نعاجله بالغداة وكان مع الحجاج عثمان بن قطن وزياد بن عمرو العتكي وكان زياد على شرطة البصرة فقال لهما ما تريان فقال زياد أن آخذ لك من القوم أمانا وتخرج حتى بلحق بأمير المؤمنين فقد ارفض أكثر الناس عنك ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك فقال عثمان بن قطن الحارثي لكني لا أرى ذلك إن أمير المؤمنين قد شركك في أمره وخلطك بنفسه واستنصحك وسلطك فسرت إلى ابن الزبير وهو أعظم الناس خطرا فقتلته فولاك الله شرف ذلك وسناه وولاك أمير المؤمنين الحجاز ثم رفعت فولاك العراقين فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على قعود إلى الشام والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من سلطان أبدا وليتضعن شأنك ولكني أرى أن تمشي بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما فقال له الحجاج الرأي ما رأيت وحفظ هذا لعثمان وحقدها على زياد بن عمرو وجاء عامل بن مسمع إلى الحجاج فقال إني قد أخذت لك أمانا من الناس فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول والله لا أؤمنهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم وأرسل إلى عبيد بن كعب النميري يقول هلم إلي فامنعني فقال قل له إن أتيتني منعتك فقال لاولا كرامة وبعث إلى محمد بن عمير بن عطارد وكذلك فأجابه مثل الجواب الأول فقال لا ناقتي في هذا ولا جملي وأرسل إلى عبد الله بن حكيم المجاشعي فأجابه كذلك أيضا

ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن الجارود وابن الهذيل وعبد الله بن حكيم وهم يتناجون فقال أشركونا في نجواكم فقالوا هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من بني الحبط فغضب وسار إلى الحجاج في مائة رجل فقال له الحجاج ما أبالي من تخلف بعدك وسعى قتيبة بن مسلم في قومه في يحيى أعصر وقال لا والله لا ندع قيسا يقتل ولا ينهب ماله يعني الحجاج وأقبل إلى الحجاج وكان الحجاج قد يئس من الحياة فلما جاءه اطمأن ثم جاءه سبرة بن علي الكلابي وسعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي فسلم فأدناه منه وأتاه جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدي وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع إن شئت أتيتك وإن شئت أقمت وثبطت الناس عنك فقال أقم وثبط الناس عني فلما اجتمع إلى الحجاج جمع يمنع بمثلهم خرج فعبى أصحابه وتلاحق الناس به فلما أصبح إذ حوله نحو ستة آلاف وقيل غيرذلك فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان ما الرأي قال تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك وقد ذهب الرأي وبقي الصبر فدعا ابن الجارود بدرع فلبسها مقلوبة فتطير وحرض الحجاج أصحابه وقال لا يهولنكم ما ترون من كثرتهم وتزاحف القوم وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل بن عمران وعلى ميسربه عبد الله بن زياد بن ظبيان وعلى ميمنة الحجاج قتيبة بن مسلم ويقال عباد بن الحصين وعلى ميسرته سعيد بن أسلم فحمل ابن الجارود في أصحابه حتى جاز أصحاب الحجاج فعطف الحجاج عليه ثم اقتتلوا ساعة وكاد ابن الجارود يظفر فأتاه سهم غرب فأصابه فوقع ميتا ونادى منادي الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم وأمر أن لا يتبع المنهزمون وقال الاتباع من سوء الغلبة فانهزم عبيد الله بن زياد بن ظبيان وأتى سعيد بن عياذ بن الجلندي الأزدي بعمان فقيل لسعيد إنه رجل فاتك فاحذره فلما جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة مسمومة وقال هذا أول شيء جاء من البطيخ وقد أكلت نصف بطيخة وبعثت بنصفها فأكلها عبيد الله فأحس بالشر فقال أردت أن أقتله فقتلني وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر رأسا من وجوه أصحابه إلى المهلب فنصبت ليراها الخوارج ويتأسوا الاختلاف

وحبس الحجاج عبيد الله بن كعب ومحمد بن عمير حيث قالوا للحجاج تأتينا لنمنعك وحبس الغضبان بن القبعثري وقال له أنت القائل تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك فقال ما نفعت من قيلت له ولا ضرت من قيلت فيه فكتب عبد الملك إلى الحجاج بإطلاقه وقتل مع ابن الجارود عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري فقال الحجاج ولا أرى أنسا يعين علي فلما دخل البصرة أخذ ماله فحين دخل عليه أنس قا لا مرحبا ولا أهلا بك يا ابن خبيثة شيخ ضلالة جوال في الفتن مرة مع أبي تراب ومرة مع ابن الزبير ومرة مع ابن جارود أما والله لأجردنك جرد القضيب ولأعصبنك عصب السلمة ولأقلعنك قلع الصمغة فقال أنس بمن يعني الأمير قال إياك أعني أصم الله صداك فرجع أنس فكتب إلى عبد الملك كتابا يشكو فيه الحجاج وما صنع به فكتب عبد الملك إلى الحجاج أما بعد يا ابن أم الحجاج فإنك عبد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتى عدوت طورك وجاوزت قدرك يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب لأغمزتك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب ولأخبطنك خبطة تود لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك أما تذكر حال آبائك في الطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومياههم أنسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما وأظنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره فتعلم إنكاره ذلك وإغضاءه عنك فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدما فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصك الرجلين ممسوح الجاعرتين ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتابة عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لارسل من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتي بك أنسا فيحكم فيك فأكرم أنسا وأهل بيته واعرف له حقه وخدمته رسول الله ولا تقصرن في شيء من حوائجه ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه فيبعث إليك من يضرب ظهرك ويهتك سترك ويشمت بك عدوك والقه في منزله متنصلا إليه وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله والسلام

وبعث بالكتاب مع اسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم فأتى إسماعيل أنسا بكتاب أمير المؤمنين إليه فقرأه وأتى الحجاج بالكتاب إليه فجعل يقرءه ووجهه يتغير ويتغبر وجبينه يرشح عرقا ويقول يغفر الله لأمير المؤمنين ثم اجتمع بأنس فرحب به الحجاج واعتذر إليه وقال أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان إذ بلغت منك ما بلغت أني إليهم بالعقوبة أسرع فقال أنس ما شكوت حتى بلغ مني الجهد وحتى زعمت أنا الأشرار وقد سمانا الله الأنصار وزعمت أنا أهل النفاق ونحن الذين تبوؤا الدار والايمان وسيحكم الله بيننا وبينك فهو أقدر على التغيير لا يشبه الحق عنده الباطل والصدق الكذب وزعمت أنك اتخذتني ذريعة وسلما إلى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرم الله عليك مني ولم يكن لي عليك قوة فوكلتك إلى الله ثم إلى أمير المؤمنين فحفظ من حقي ما لم تحفظ فوالله لو أن النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى بن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقه ما لم تعرف أنت من حقي وقد خدمت رسول الله عشر سنين وبعد فإن راينا خيرا حمدنا الله عليه وأثنينا وإن رأينا غير ذلك صبرنا والله المستعان ورد عليه الحجاج ما كان أخذ منه

ذكر شيرزنجي والزنج معه ص 146

اجتمع الزنج بفرات البصرة في آخر أيام مصعب بن الزبير ولم يكونوا بالكثير فأفسدوا وتناولوا الثمار وولي خالد بن عبد الله بن خالد البصرة وقد كثروا فشكا الناس اليه ما نالهم منهم فجمع لهم جيشا فلما بلغهم ذلك تفرقوا وأخذ بعضهم فقتلهم وصلبهم فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرنا خرج الزنج أيضا فاجتمع منهم خلق كثير بالفرات وجعلوا عليهم رجلا اسمه رباح ويلقب شيرزنجي يعني أسد الزنج فأفسدوا فلما فرغ الحجاج من ابن الجارود أمر زياد بن عمرو وهو على شرطة البصرة أن يرسل إليهم جيشا يقاتلهم ففعل وسير إليهم جيشا عليه ابنه حفص بن زياد فقاتلهم فقتلوه وهزموا أصحابه ثم أرسل إليهم جيشا آخر فهزم الزنج وقتلهم واستقامت البصرة

ذكر إجلاء الخوارج عن رامهرمز وقتل ابن مخنف ص 147

لما أتى كتاب الحجاج إلى المهلب وابن مخنف يأمرهما بمناهضة الخوارج زحفوا إليهم وقاتلوهم شيئا من قتال فانهزمت الخوارج كأنهم على حامية ولم يكن منهم قتال وسار الخوارج حتى نزلوا كازرون وسار المهلب وابن مخنف حتى نزلوا بهم وخندق المهلب على نفسه وقال لابن مخنف إن رأيت أن تخندق عليك فافعل فقال أصحابه نحن خندقنا سيوفنا فأتى الخوارج المهلب ليبيتوه فوجدوه قد تحرز فمالوا نحو ابن مخنف فوجدوه ولم يخندق فقاتلوه فانهزم عنه أصحابه فقاتل في أناس من أصحابه فقتل وقتلوا حوله فقال شاعرهم

( لمن العسكر المكلل بالصر % عى فهم بين ميت وقتيل )

( فتراهم تسفي الرياح عليهم % حاصب الرمل بعد جر الذيول )

هذا قول أهل البصرة فأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أنه لما وصل كتاب الحجاج بمناهضة الخوارج ناهضهم المهلب وعبد الرحمن فاقتتلوا قتالا شديدا ومالت الخوارج إلى المهلب فاضطروه إلى عسكره فأرسل إلى عبد الرحمن يستمده فامده عبد الرحمن بالخيل والرجال وكان ذلك بعد الظهر لعشر بقين من رمضان فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجيء من عسكر عبد الرحمن من الرجال ظنوا أنه قد خف أصحابه فجعلوا بازاء المهلب من يشغله وانصرفوا بجندهم إلى عبد الرحمن فلما رآهم قد قصدوه نزل ونزل معه القرا ء منهم أبو الأحوص خاحب ابن مسعود وخزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة العبسي الذي قتل مع زيد بن علي وصلب معه بالكوفة ونزل معه من قومه أحد وسبعون رجلا وحمل عليهم الخوارج فقاتلهم قتالا شديدا وانكشف الناس عنه وبقي في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه فلم يتبعه إلا ناس قليل فجاء حتى دنا من أبيه فحالت الخوارج بينهما فقاتل حتى جرح وقاتل عبد الرحمن ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثي الليل ثم قتل في تلك العصابة فلما أصبحوا جاء المهلب فدفنه فصلى عليه وكتب بذلك إلى الحجاج فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فترحم عليه وذم أهل الكوفه وبعث الحجاج إلى عسكر عبد الرحمن عتاب بن ورقاء وأمره أن يسمع للمهلب فساءه ذلك ولم يجد بدا من طاعته فجاء إلى العسكر وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب وهو يقضي أموره ولا يكاد يستشير المهلب فوضع عليه المهلب رجالا اصطنعهم وأغراهم به منهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة وجرى بين عتاب والمهلب ذات يوم كلام أغلظ كل منهما لصاحبه ورفع المهلب القضيب على عتاب فوثب إليه ابنه المغيرة بن المهلب فقبض القضيب وقال أصلح الله الأمير شيخ من أشياخ العرب وشريف من أشرافهم أن سمعت بعض ما تكره فاحتمله له فإنه لذلك أهل ففعل فافترقا فارسل عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب ويسأله أن يأمره بالعود فوافق ذلك حاجة من الحجاج اليه فيما لقي أشراف الكوفة من سببه فاستقدمه وأمره أن يترك ذلك الجيش مع المهلب فجعل المهلب عليهم ابنه حبيبا وقال سراقة بن مرداس البارقي يرثي عبد الرحمن بن مخنف

( ثوى سيد الأزدين أزد شيوءة % وازد عمان رهن رمس بكازر )

( وضارب حتى مات أكرم ميتة % بأبيض صاف كالعقيقة باتر )

( وصرع حول التل تحت لوائه % كرام المساعي من كرام المعاشر )

( قضى نحبه يوم اللقا ابن مخنف % وأدبر عنه كل ألوث داثر )

( أمد ولم يمدد فراح مشمرا % إلى الله لم يذهب بأثواب غادر ) وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحوا من سنة

ذكر عدة حوادث ص 148

في هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة من تميم وكان يرى رأي الصفرية وهو أول من خرج فيهم

وحج هذه السنة ومعه شبيب بن يزيد وسويد والبطين وأشباههم وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان فهم شبيب أن يفتك به فبلغه ذلك من خبرهم فكتب إلى الحجاج بن يوسف بعد انصرفه يأمره بطلبهم وكان شيخا صالحا يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى أصحابه ويعد ما يحتاج اليه فلما طلبه الحجاج نبت به الكوفة فتركها

وفيها غزا محمد بن مروان الصائفة عند خروج الروم إلى الغنيق من ناحية مرعش وحج بالناس عبد الملك فخطب الناس بالمدينة فقال بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد فإني لست بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا بالخليفة المداهن يعني معاوية ولا بالخليفة المأفون يعني يزيد ألا واني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسف حتى تستقيم لي قناتكم وإنكم تحفظون أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل

وفي هذه السنة مات العرباض بن سارية السلمي وهو من أهل الصفة وقيل بل مات بالشام في فتنة ابن الزبير وفيها توفي الأسود بن يزيد النخعي وهو ابن أخي علقمة بن قيس

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.