الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
8

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين

الجزء الرابع 5 عنصر صفحة 120
ذكر قتل عبد الله بن الزبير ص 120

لما بويع عبد الملك بالشام بعث إلى المدينة عروة بن أنيف في ستة آلاف من أهل الشام وأمره أن لا يدخل المدينة وأن يعسكر بالعرصة وكان عامل عبد الله بن الزبير على المدينة الحرث بن حاطب بن الحرث بن معمر الجمحي فهرب الحرث وكان ابن أنيف يدخل ويصلي بالناس الجمعة ثم يعود إلى معسكره فأقام شهرا ولم يبعث إليهم ابن الزبير أحدا وكتب إليه عبد الملك بالعود إليه فعاد هو ومن معه وكان يصلي بالناس بعده عبد الرحمن بن سعد القرظي ثم عاد الحرث إلى المدينة وبعث ابن الزبير سليمان بن خالد الزرقي الأنصاري وكان رجلا صالحا عاملا على خيبر وفدك فنزل في عمله فبعث عبد الملك عبد الواحد بن الحرث بن الحكم وقيل اسمه عبد الملك وهو أصح في أربعة آلاف فسار حتى نزل وادي القرى وسير سرية عليها أبو القمقام في خمسمائة إلى سليمان فوجوده قد هرب فطلبوه فأدركوه فقتلوه ومن معه فاغتم عبد الملك بن مروان بقتله وقال قتلوا رجلا مسلما صالحا بغير ذنب وعزل ابن الزبير الحارث واستعمل مكانه جابر بن الأسود بن عوف الزهري فوجه جابر أبا بكر بن أبي قيس في ستمائة فارس وأربعين فارسا إلى خيبر فوجدوا أبا القمقام ومن معه مقيمين بفدك يعسفون الناس فقاتلوهم فانهزم اصحاب أبي القمقام وأسر منهم ثلاثون رجلا فقتلوا صبرا وقيل بل قتل الخمسمائة أو أكثرهم ووجه عبد الملك طارق بن عمرو مولى عثمان وأمره أن ينزل بين أيلة ووادي القرى ويمنع عمال ابن الزبير من الانتشار ويسد على خللا إن ظهر له فوجه طارق إلى أبي بكر خيلا فاقتتلوا فأصيب أبو بكر في المعركة وأصيب من أصحابه أكثر من مائتي رجل وكان ابن الزبير قد كتب إلى القباع أيام كان عامله على البصرة يأمره أن يرسل اليه ألفي فارس ليعينوا عامله على المدينة فوجه إليه ألفي رجل فلما قتل أبو بكر أمر ابن الزبير جابر بن الأسود أن يسير جيش البصرة إلى قتال طارق فسار البصريون عن المدينة وبلغ طارقا الخبر فسار نحوه فالتقيا فقتل مقدم البصريين وقتل أصحابه قتلا ذريعا وطلب طارق مدبرهم وأجهز على جريحهم ولم يستبق أسيرهم ورجع طارق إلى وادي القرى

وكان عامل ابن الزبير بالمدينة جابر بن الأسود وعزل ابن الزبيرجابرا واستعمل طلحة بن عبيد الله بن عوف الذي يعرف بطلحة الندي سنة سبعين فلم يزل على المدينة حتى أخرجه طارق فلما قتل عبد الملك مصعبا وأتى الكوفة وجه منها الحجاج بن يوسف الثقفي في ألفين وقيل في ثلاثة آلاف من أهل الشام لقتال عبد الله بن الزبير وكان السبب في تسييره دون غيره أنه قال لعبد الملك قد رأيت في المنام أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولني قتاله فبعثه وكتب معه أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا فسار في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ولم يعرض للمدينة ونزل الطائف وكان يبعث الخيل إلى عرفة ويبعث ابن الزبير أيضا فيقتتلون بعرفة فتنهزم خيل ابن الزبير في كل ذلك وتعود خيل الحجاج بالظفر

ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير ويخبره بضعفه وتفرق اصحابه ويستمده فكتب عبد الملك إلى طارق يأمره باللحاق بالحجاج فقدم المدينة في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وأخرج عامل ابن الزبير عنها وجعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة فكان ثعلبة يخرج المخ وهوعلى منبر النبي ثم يأكله ويأكل عليه التمر ليغبط أهل المدينة وكان مع ذلك شديدا على أهل الزبير وقدم طارق على الحجاج بمكة في سلخ ذي الحجة في خمسة آلاف وأما الحجاج فإنه قدم مكة في ذي القعدة وقد أحرم بحجة فنزل بئر ميمون وحج بالناس تلك السنة الحجاج إلا أنه لم يطف بالكعبة ولا سعى بين الصفا والمروة منعه ابن الزبير من ذلك فكان يلبس السلاح ولا يقرب النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة ولم يرموا الجمار ونحر ابن الزبير بدنه بمكة ولما حصر الحجاج ابن الزبير نصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة وكان عبد الملك ينكر ذلك أيام يزيد بن معاوية ثم أمر به فكان الناس يقولون خذل في دينه وحج ابن عمر تلك السنة فأرسل إلى الحجاج أن أتق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس فإنك في شهر حرام وبلد حرام وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله ويزدادوا خيرا وإن المنجنيق قد منعهم عن الطواف فاكفف عن الرمي حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكة فبطل الرمي حتى عاد الناس من عرفات وطافوا وسعوا ولم يمنع ابن الزبير الحاج من الطواف والسعي فلما فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجاج انصرفوا إلى بلادكم فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد وأول ما رمي بالمنجنيق إلى الكعبة أرعدت السماء وأبرقت وعلا صوت الرعد على الحجارة فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم فأخذ الحجاج حجارة المنجنيق بيده فوضعها فيه ورمى بها معهم فلما أصبحوا جاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا فانكسر أهل الشام فقال الحجاج يا أهل الشام لا تنكروا هذا فإني ابن تهامة وهذه صواعقها وهذا الفتح قد حضر فأبشروا فلما كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير عبدة فقال الحجاج ألا ترون أنهم يصابون وأنتم على الطاعة وهم على خلافها وكانت الحجارة تقع بين يدي ابن الزبير وهو يصلي فلا ينصرف وكان أهل الشام يقولون

( ياابن الزبير طالما عصيكا )

( وطالما عنيتنا اليكا )

( لتجزين بالذي أتيكا ) يعنون عصيت وأتيت

وقدم عليه قوم من الأعراب فقالوا قدمنا للقتال معك فنظر فإذا مع كل امرئ منهم سيف كأنه شفرة وقد خرج من غمده فقال يا معشر الأعراب لاقربكم الله فوالله ان سلاحكم لرث وإن حديثكم لغث وإنكم لقتال في الجدب أعداء في الخصب فتفرقوا ولم يزل القتال بينهم دائما فغلت الأسعار عند ابن الزبير وأصاب الناس مجاعة شديدة حتى ذبح فرسه وقسم لحمها في أصحابه وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم والمد الذرة بعشرين درهما وان بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا وكان أهل الشام يننتظرون فناء ما عنده وكان يحفظ ذلك ولا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق ويقول أنفس أصحابي قوية ما لم ييفن فلما كان قبيل مقتله تفرق الناس عنه وخرجوا إلى الحجاج بالأمان خرج من عنده نحو عشرة آلاف وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب أخذا لأنفسهما أمانا فقال عبد الله لابنه الزبير خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك فوالله إني لأحب بقاءكم فقال ما كنت لأرغب بنفسي عنك فصبر معه فقتل

ولما تفرق أصحابه عنه خطب الحجاج الناس وقال قد ترون قلة من مع ابن الزبير وما هم عليه من الجهد والضيق ففرحوا واستبشروا وتقدموا فملؤوا ما بين الحجون إلى الأبواء فدخل على أمه فقال يا أماه خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا فما رأيك فقالت أنت والله يا بني أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن قتل معك وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين كم خلودك في الدنيا القتل أحسن فقال يا أماه أخاف ان قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني قالت يا بني إن الشاة لا تتألم بالسلخ فامض على بصيرتك واستعن بالله فقبل رأسها وقال هذا رأيي والذي خرجت هخ دائبا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله وان تستحل حرماته ولكني احببت أن أعلم رأيك فقد زدتني بصيرة فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر إلى الله فإن ابنك لم يتعهد إيثار منكر ولا عملا بفاحشة ولم يجر في حكم الله ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم أو معاهد ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسي ولكني أقوله تعزية لأمي حتى تسلو عني

فقالت أمه لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا إن تقدمتني احتسبتك وإن ظفرت سررت بظفرك اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك فقال جزاك الله خيرا فلا تدعي الدعاء لي قالت لا أدعه لك أبدا فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت اللهم ارحم طول ذاك القيام في الليل الطويل وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة وبره بأبيه وبي اللهم قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فاثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين فتناول يديها ليقبلهما فقالت هذا وداع فلا تبعد فقال لها جئت مودعا لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا قالت امض على بصيرتك وادن مني حتى أودعك فدنا منها فعانقها وقبلها فوقعت يدها على الدرع فقالت ما هذا صنيع من يريد ما تريد فقال ما لبسته إلا لأشد متنك قالت فإنه لا يشد متني فنزعها ثم درج كميه وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت أثناء السراويل وأدخل أسفلها تحت المنطقة وأمه تقول له البس ثيابك مشمرة فخرج وهو يقول

( إني إذا أعرف يومي أصبر )

( وإنما يعرف يومه الحر )

( إذ بعضهم يعرف ثم ينكر )

فسمعته فقالت تصبر إن شاء الله أبواك أبو بكر والزبير وأمك صفية بنت عبد المطلب فحمل على أهل الشام حملة منكرة فقتل منهم ثم انكشف هو وأصحابه وقال له بعض أصحابه لو لحقت بموضع كذا قال بئس الشيخ أنا إذا في الاسلام لئن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم ودنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب وكانوا يصيحون به يا ابن ذات النطاقين فيقول

( وتلك شكاة ظاهر عنك عارها )

وجعل أهل الشام على أبواب المسجد رجلا من أهل كل بلد فكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة ولأهل دمشق باب بني شيبة ولأهل الأردن باب الصفا ولأهل فلسطين باب بني جمح ولأهل قنسرين باب بني تميم وكان الحجاج وطارق من ناحية الأبطح من المروة فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية ومرة في هذه الناحية فكأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه الرجال يعدو في أثر القوم حتى يخرجهم ثم يصيح أبا صفوان ويل أمه فتحا لو كان له رجال أو كان قرني واحدا كفيته فيقول أبو صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف أي والله وألف فلما رأى الحجاج ان الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب وترجل وأقبل يسوق الناس ويصمد بهم صمد صاحب علم ابن الزبير وهو بين يديه فتقدم ابن الزبير على صاحب علمه وضاربهم فانكشفوا وعرج وصلى ركعتين عند المقام فحملوا على صاحب علمه فقتلوه عند باب بني شيبة وصار العلم بأيدي أصحاب الحجاج فلما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم فضرب رجلا من أهل الشام وقال خذها وأنا ابن الحواري وضرب آخر وكان حبشيا فقطع يده وقال إصبر أبا حممة اصبر ابن حام

وقاتل معه عبد الله بن مطيع وهو يقول

( أنا الذي فررت يوم الحره )

( والحر لا يفر إلا مره )

( واليوم أجزى فرة بكره )

وقاتل حتى قتل وقيل انه أصابته جراح فمات منها بعد أيام وقال ابن الزبير لأصحابه وأهله يوم قتل بعد صلاة الصبح اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم وعليهم المغافر ففعلوا فقال يا آل الزبيرلو طبتم بي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلحنا في الله فلا يرعكم وقع السيوف فإن ألم الدواء للجراح أشد من ألم وقعها صونوا سيوفكم كما تصونوا وجوهكم غضوا أبصاركم من البارقة وليشغل كل امرئ قرنه ولا تسألوا عني فمن كان سائلا عني فإني في الرعيل الأول احملوا على بركة الله ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون فرمي بآجرة رماه رجل من السكون فأصابته في وجهه فأرعش لها ودمي وجهه فلما وجد الدم على وجهه قال

( فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا % ولكن على أقدامنا تقطر الدما )

وقاتلهم قتالا شديدا فتعاودوا عليه فقتلوه يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة وله ثلاث وسبعون سنة وتولى قتله رجل من مراد وحمل رأسه إلى الحجاج فسجد ووفد السكوني والمرادي إلى عبد الملك بالخبر فاعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار وسار الحجاج وطارق حتى وقفا عليه فقال طارق ما ولدت النساء أذكر من هذا فقال الحجاج أتمدح مخالف أمير المؤمنين قال نعم هو أعذر لنا ولولا هذا لما كان لنا عذر إنا محاصروه منذ سبعة أشهر وهو في غير جند ولا حصن ولا منعة فينتصف منا بل يفضل علينا فبلغ كلامهما عبد الملك فصوب طارقا ولما قتل ابن الزبير كبر أهل الشام فرحا بقتله فقال ابن عمر انظروا إلى هؤلاء ولقد كبر المسلمون فرحا بولادته وهؤلاء يكبرون فرحا بقتله وبعث الحجاج برأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان وأخذ جثته فصلبها على الثنية اليمنى بالحجون فأرسلت اليه أسماء قاتلك الله على ماذا صلبته قال استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة وكانت له فاستأذنته في تكفينه ودفنه فأبى ووكل بالخشبة من يحرسها وكتب إلى عبد الملك يخبره بصلبه فكتب إليه يلومه ويقول ألا خليت بينه وبين أمه فأذن لها الحجاج فدفنته بالحجون فمر به عبد الله بن عمر فقال السلام عليك يا أبا خبيب أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ولقد كنت صواما قواما وصولا للرحم أما والله ان قوما أنت شرهم لنعم القوم وكان ابن الزبير قبل قتله بقي أياما يستعمل الصبر والمسك لئلا ينتن فلما صلب ظهرت منه رائحة المسك فقيل ان الحجاج صلب معه كلبا ميتا فغلب على ريح المسك وقيل بل صلب معه سنورا ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة ناقه لم ير مثلها فسار إلى عبد الملك فقدم الشام قبل وصول رسل الحجاج بقتل عبد الله فاتى باب عبد الملك فاستأذن عليه فأذن له فلما دخل سلم عليه بالخلافة فرد عليه عبد الملك ورحب به وعانقه وأجلسه على السرير فقال عروة

( متنت بأرحام إليك قريبة % ولا قرب للأرحام ما لم تقرب )

ثم تحدثا حتى جرى ذكر عبد الله فقال عروة إنه كان فقال عبد الملك وما فعل قال قتل فخر ساجدا فقال عروة ان الحجاج صلبه فهب جثته لأمه قال نعم وكتب إلى الحجاج يعظم صلبه وكان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك يقول له إن عروة كان مع أخيه فلما قتل عبد الله أخذ مالا من مال الله فهرب فكتب اليه عبد الملك انه لم يهرب ولكنه أتاني مبايعا وقد أمنته وحللته مما كان وهو قادم عليك فإياك وعروة وعاد عروة إلى مكة وكان غيبته عنها ثلاثين يوما فأنزل الحجاج جثة عبد الله عن الخشبة وبعث به إلى أمه فغسلته فلما أصابه الماء تقطع فغسلته عضوا عضوا فاستمسك وصلى عليه عروة ودفنته

وقيل إن عروة لما كان غائبا عند عبد الملك كتب اليه الحجاج وعاوده في إنفاذ عروة اليه فهم عبد الملك بانفاذه فقال عروة ليس الذليل من قتلتموه ولكن الذليل من ملكتموه وليس بملوم من صبر فمات ولكن الملوم من فر من الموت فسمع منه هذا الكلام فقال عبد الملك يا أبا عبد الله لن تسمع منا شيئا تكرهه وإن عبد الله لم يصل عليه أحد منعه الحجاج من الصلاة عليه وقال إنما أمر أمير المؤمنين بدفنه

وقيل صلى عليه غير عروة والذي ذكره مسلم في صحيحه أن عبد الله بن الزبير ألقي في مقابر اليهود وعاشت أمه بعده قليلا وماتت وكانت قد أضرت وهي أم عروة أيضا فلما فرغ الحجاج من أمر ابن الزبير دخل مكة فبايعه أهلها لعبد الملك بن مروان وأمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة والدم وسار إلى المدينة وكان عبد الملك قد استعمله على مكة والمدينة فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخف بهم وقال أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان وختم أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمة منهم جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وسهل بن سعد ثم عاد إلى مكة فقال حين خرج منها الحمد لله الذي أخرجني من أم نتن أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين وأحسدهم له على نعمة الله والله لولا ما كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا يعودون بها وزمة قد بليت يقولون منبر رسول الله وقبر رسول الله فبلغ جابر بن عبد الله قوله فقال إن وراءه ما يسوءه قد قال فرعون ما قال ثم أخذه الله بعد أن أنظره وقيل إن ولاية الحجاج المدينة وما فعله بأصحاب رسول الله كان سنة أربع وسبعين في صفر خبيب بن عبد الله بن الزبير بضم الخاء المعجمة وبباءين موحدتين بينهما ياء مثناة من تحت وكان عبد الله يكنى به وبأبي بكر أيضا

ذكر عمر ابن الزبير وسيرته ص 127

كان له من العمر حين قتل اثنتان وسبعون سنة وكانت خلافته تسع سنين لأنه بويع له سنة أربع وستين وكانت له جمة مفروقة طويلة قال يحيى بن وثاب كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تظنه حائطا لسكونه وطول سجوده وقال غيره قسم عبد الله الدهر ثلاث حالات فليلة قائم حتى الصباح وليلة راكع حتى الصباح وليلة ساجد حتى الصباح وقيل أول ما علم من همة ابن الزبير أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان وهو صبي فمر به رجل فصاح عليهم ففروا ومشى ابن الزبير القهقرى وقال يا صبيان اجعلوني أميركم وشدوا بنا عليه ففعلوا ومر به عمر بن الخطاب وهو يلعب ففر الصبيان ووقف هو فقال له عمر مالك لم تفر معهم فقال لم أجرم فأخافك ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك وقال قطن بن عبد الله كان ابن الزبير يواصل من الجمعة إلى الجمعة

قال خالد بن أبي عمران كان ابن الزبير يفطر في الشهر ثلاثة أيام ومكث أربعين سنة لم ينزع ثيابه عن ظهره وقال مجاهد لم يكن باب من أبواب العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه ابن الزبير ولقد جاء سيل طبق البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباحة قال هشام بن عروة كان أول ما أفصح به عمي عبد الله بن الزبير وهو صغير السيف فكان لا يضعه من يده فكان الزبير يقول والله ليكونن لك منه يوم وأيام قال ابن سيرين قال ابن الزبير ما شيء كان يحدثنا به كعب إلا وقد جاء على ما قال إلا قوله فتى ثقيف يقتلني وهذا رأسه بني يدي يعني المختار قال ابن سيرين ولا يشعر ابن الزبير أن الحجاج قد خبئ له وقال عبد العزيز بن أبي جميلة الأنصاري ان ابن عمر مر بابن الزبير وهو مصلوب بعد قتله فقال رحمك الله أبا خبيب إنك كنت صواما قواما ولقد أفلحت قريش إن كنت شرها وكان الحجاج قد صلبه ثم ألقاه في مقابر اليهود وأرسل إلى أمه يستحضرها فلم تحضر فأرسل إليها لتأتيني أو لأبعثن اليك من يسحبك بقرونك فلم تأته فقام إليها فلما حضر قال لها كيف رأيتني صنعت بعبد الله قالت رأيتك أفسدت على ابني دنياه وأفسد عليك آخرتك أما إن رسول الله حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا فأما الكذاب فقد رأيناه تعني المختار وأما المبير فأنت هو وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه وقال ابن الزبير لعبد الله بن جعفر أتذكر يوم لقينا رسول الله أنا وأنت فأخذ بني فاطمة فقال نعم فحملنا وتركك ولو علم أنه يقول له هذا ما سأله

ذكر ولاية محمد بن مروان الجزيرة وأرمينية ص 128

وفي هذه السنة استعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة وأرمينية فعزا منها وأثخن في العدو وكانت بحيرة الطريخ التي بأرمينية مباحة لم يعرض لها أحد بل يأخذ منها من شاء فمنع من صيدها وجعل عليها من يأخده ويبيعه ويأخذ ثمنه ثم صارت بعده لابنه مروان ثم أخذت منه لما انتقلت الدولة عنهم وهي إلى الآن على هذا الحال من الحجر ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أزوارهم شيء وهذا الطريخ من عجائب الدنيا لأن سمكه صغير له كل سنة موسم يخرج من هذه البحيرة في نهر يصب اليها كثيرا يؤخذ بالأيدي والآلات المصنوعة له فاذا انقضى موسمه لا يوجد منه شيء

ذكر قتل أبي فديك الخارجي ص 128

قد ذكرنا سنة اثنتين وسبعين قتل نجدة بن عامر الخارجي وطاعة أصحابه أبا فديك وثبت قدم أبي فديك إلى الآن فامر عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمر أن يندب الناس من أهل الكوفة والبصرة ويسير إلى قتاله فندبهم وانتدب معه عشرة آلاف فأخرج لهم أرزاقهم ثم سار بهم وجعل أهل الكوفة على الميمنة وعليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله وأهل البصرة على الميسرة وعليهم عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر وهو ابن أخي عمر وجعل خيله في القلب وساروا حتى انتهوا إلى البحرين فالتقوا واصطفوا للقتال فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد فكشفوا ميسرة عمر حتى أبعدوا إلا المغيرة بن المهلب ومجاعة بن عبد الرحمن وفرسان الناس فإنهم مالوا إلى صف أهل الكوفة بالميمنة وجرح عمر بن موسى فلما رأى أهل الميسرة أهل الميمنة لم ينهزموا رجعوا وقاتلوا وما عليهم أمير لأن أميرهم عمر بن موسى كان جريحا فحملوه معهم واشتد قتالهم حى دخلوا عسكر الخوارج وحمل أهل الكوفة من الميمنة ومن معهم من أهل الميسرة حتى استباحوا عسكرهم وقتلوا أبا فديك وحصروا أصحابه بالمشقر فنزلوا على الحكم فقتل منهم نحو ستة آلاف وأسر ثمانمائة ووجدوا جارية عبد الله بن أمية حبلى من أبي فديك وعادوا إلى البصرة

ذكر عدة حوادث ص 129

في هذه السنة عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وولاها أخاه بشرا في قول بعضهم فاجتمع له المصران بالكوفة والبصرة فسار بشر إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث وفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة فهزمهم وفيها كانت وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية في أربعة آلاف والروم في ستين ألفا فهزمهم وأكثر القتل فيهم وحج بالناس هذه السنة الحجاج وكان على مكة واليمن واليمامة وكان على الكوفة والبصرة في قول بعضهم بشر بن مروان وقيل كان على الكوفة بشر وعلى البصرة خالد بن عبد الله وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحرث وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة وعلى خراسان بشير بن وشاح

وفي هذه السنة مات عبد الله بن عمر بمكة ودفن بذي طوى وقيل بفخ وكان سبب موته أن الحجاج أمر بعض أصحابه فضرب ظهر قدمه بزج رمح مسموم فمات منها وعاده الحجاج في مرضه فقال من فعل بك هذا قال أنت لأنك أمرت بحمل السلاح في بلد لا يحل حمله فيه وكان موته بعد ابن الزبير يثلاثة أشهر وقيل غير ذلك وكان عمره سبعا وثمانين سنة وفيها مات سلمة بن الأكوع وأبو سعيد الخدري ورافع بن خديج ومالك بن مسمع أبو غسان البكري وقيل مات سنة أاربع وستين وولد على عهد رسول الله وتوفي سلم بن زياد بن أبيه قبل بشر بن مروان وأسماء بنت أبي بكر بعد ابنها بقليل وكانت قد عميت وهي مطلقة من الزبير قيل ان ابنها عبد الله قال له مثلي لا توطأ أمه فطلقها

وفيها مات عوف بن مالك الأشجعي وكان أول مشاهده خيبر ومعاوية بن حديج قبل ابن عمر بيسير وفيها مات معبد بن خالد الجهني وهو ابن ثمانين سنة وله صحبة وفيها قتل عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله مع ابن الزبير وهوابن أخي طلحة بن عبيد الله وله صحبة

رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة ومعاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وآخره جيم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.