وفيها مات هشام بن عبد الملك بالرصافة لست خلون من شهر ربيع الآخر وكانت خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وأحدا وعشرين يوما وقيل وثمانية أشهر ونصفا وكان مرضه الذبحة وعمره خمس وخمسون سنة وقيل ست وخمسون سنة فما مات طلبوا قمقما من بعض الخزان يسخن فيه الماء لغسله فما أعطاهم عياض كاتب الوليد على ما ندكره فاستعاروا قمقما وصلى عليه ابنه مسلمة ودفن بالرصافة
ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة
قال عقال بن شبة دخلت على هشام وعليه قباء فنك أخضر فوجهني إلى خراسان وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء ففطن فقال ما لك فقلت رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء مثل هذا فجعلت أتأمل أهو هذا أم غيره فقال هو والله ذاك وأما ما ترون من جمعي المال وصونه فهو لكم قال وكان محشوا عقلا وقيل ضرب رجل نصراني غلاما لمحمد بن هشام فشجه فذهب خصي لمحمد فضرب النصراني وبلغ هشاما الخبر وطلب الخصي فعاذ بمحمد فقال له محمد ألم آمرك فقال الخصي بلى والله قد أمرتني فضرب هشام الخصي وشتم ابنه قال عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس جمعت دواوين بني أمية فلم أر ديوانا أصح ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام
وقيل أتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط فقال اكسروا الطنبور على رأسه فبكى الشيخ لما ضربه فقال عليك بالصبر فقال أتراني أبكي للضرب إنما أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبورا قال وأغلظ رجل لهشام فقال له ليس لك أن تغلظ لإمامك قيل وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة فقال ما منعك من الصلاة قال نفقت دابتي قال أفعجزت عن المشي فمنعه الدابة سنة قيل وكتب إليه بعض عماله قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن وكتب إلى عامل له قد بعث بكماة قد وصلت الكماة وهي أربعون وقد نعم بعضها من حشوها فإذا بعثت شيئا فأجد حشوها في الطرق بالرمل حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضها بعضا وقيل له أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان قال ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف قيل وكان هشام ينزل الرصافة وهي من أعمال قنسرين وكان الخلفاء قبله وأبناء الخلفاء يبتدرون هربا من الطاعون فينزلون البرية فما أراد هشام أن ينزل الرصافة قيل له لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون ولم ير خليفة طعن قال أتريدون أن تجربوا في فنزلها وهي مدينة رومية قيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق وأمره بقتله فحبسه خالد ولم يقتله فبلغ الخبر هشاما فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه فلما صلى العيد يوم الأضحى قال في آخر خطبته انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم فإنه يقول ما كلم الله موسى ولا اتخذ إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل وذبحه قيل إن غيلان بن يونس وقيل ابن مسلم أبا مروان أظهر القول بالقدر في أيام عمر بن عبد العزيز فأحضره عمر واستتابه فتاب ثم عاد إلى الكلام فيه أيام هشام فأحضره من ناصرة ثم أمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم أمر به وصلب قيل وجاء محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى هشام فقال ليس لك عندي صلة ثم قال إياك إن يغرك أحد فيقول لم يعرفك أمير المؤمنين إني قد عرفتك أنت محمد بن زيد فلا تقيمن وتنفق ما معك فليس لك عندي صلة الحق بأهلك
قال مجمع بن يعقوب الأنصاري شتم هشام رجلا من الاشراف فوبخه الرجل وقال أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في الأرض فاستحى منه وقال اقتص مني قال إذا أنا سفيه مثلك قال فخذ مني عوضا من المال قال ما كنت لأفعل قال فهبها لله قال هي لله ثم لك فنكس هشام رأسه واستحى وقال والله لا أعود إلى مثلها أبدا
قيل وكانت بيعته لست مضين من شهر ربيع الآخر من السنة وقد تقدم عقد أبيه ولاية العهد له بعد أخيه هشام بن عبد الملك وكان الوليد حين جعل ولي عهد بعد هشام ابن إحدى عشرة سنة ثم عاش من بعد ذلك فبلغ الوليد خمس عشرة سنة فكان يزيد يقول الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك فلما ولي هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب وكان يحمله على ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه واتخذ له ندماء فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج سنة ست عشرة ومائة فحمل معه كلابا في صناديق وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة وحمل معه الخمر وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويشرب فيها الخمر فخوفه أصحابه وقالوا لا نأمن من الناس عليك وعلينا معك فلم يفعل وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة وخلع الوليد وأراد الوليد على ذلك فأبى فقال له اجعله فأبى فتنكر له هشام وأضر به وعمل سرا في البيعة لابنه مسلمة فأجابه قوم وكان ممن أجابه خالاه محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل وبنو القعقاع بن خليد العبسي وغيرهم من خاصته فأفرط الوليد في الشراب وطلب اللذات فقال له هشام ويحك يا وليد والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير منحاش ولا مستتر به فكتب إليه الوليد
( يا أيها السائل عن ديننا % نحن على دين أبي شاكر )
( نشربها صرفا وممزوجة % بالسخن أحيانا وبالفاتر )
فغضب هشام على إبنه مسلمة وكان يكنى أبا شاكر وقال له يعيرني الوليد بك وأنا أرشحك للخلافة فألزمه الأدب وأحضره الجماعة وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة فأظهر النسك واللين ثم انه قسم بمكة والمدينة أموالا فقال مولى لأهل المدينة
( يا أيها السائل عن ديننا % نحن على دين أبي شاكر )
( الواهب الجرد بأرسالها % ليس بزنديق ولا كافر )
يعرض بالوليد وكان هشام يعيب الوليد وينتقصه ويقصر به فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالأزرق على ماء له بالأردن وخلف كاتبه عياض بن مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم وقطع هشام عن الوليد ما كان يجري عليه وكاتبه الوليد فلم يجبه إلى رده وأمره باخراج عبد الصمد من عنده فأخرجه وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه فضرب هشام ابن سهيل وسيره وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه فقال الوليد من يثق بالناس ومن يصنع المعروف هذا الأحول المشؤوم قدمه أبي على أهل بيته وميزه ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث به وكتب إلى هشام في ذلك يعاتبه ويسأله أن يرد عليه كاتبه فلم يرده فكتب إليه الوليد
( رأيتك تبني دائما في قطيعتي % ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني )
( تثير على الباقين مجنى ضغينة % فويل لهم إن مت من شر ما تجني )
( كأني بهم والليت أفضل قولهم % ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني )
( كفرت يدا من منعم لو شكرتها % جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن )
فلم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى مات هشام فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير المنذر بن أبي عمرو ما بت على ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة عرضت لي هموم وحدثت نفسي فيها بأمور هذا الرجل يعني هشاما قد أولع بي فاركب بنا نتنفس فركبا وسارا ميلين ووقف على كثيب فنظر إلى رهج فقال هؤلاء رسل هشام فسأل الله من خيرهم فبينما هما كذلك إذ بدا رجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمد السفياني والآخر جردبة فلما قربا نزلا يعدوان حتى دنوا منه فسلما عليه بالخلافة فوجم ثم قال أمات هشام قالا نعم والكتاب معنا من سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل فقرأه وسأل مولى أبي محمد السفياني عن كاتبه عياض فقال لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت فأرسل إلى الخزان وقال احتفظوا ما في أيديكم فأفاق هشام فطلب شيئا فمنعوه فقال إنا لله كنا خزانا للوليد ومات من ساعته وخرج عياض من السجن فختم أبواب الخزائن وأنزل هشاما من فرشه وما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه ولا وجدوا كفنا من الخزائن فكفنه غالب مولاه فقال
( هلك الأحول المش % وم وقد أرسل المطر )
( وملكنا من بعد ذا % ك فقد أورق الشجر )
( فاشكر لله انه % زائد كل من شكر )
وقيل إن هذا الشعر لغير الوليد فلما سمع الوليد موته كتب إلى العباس بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرصافة فيحمي ما فيها من أموال هشام وولده وعياله وحشمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كلم أباه في الرفق بالوليد فقدم العباس الرصافة ففعل ما كتب به الوليدإليه وكتب به إلى الوليد فقال الوليد
( ليت هشاما كان حيا يرى % محلبه الأوفر قد اترعا )
( ليت هشاما عاش حتى يرى % مكياله الأوفر قد طبعا )
( كلناه بالصاع الذي كاله % وما ظلمناه به أصبعا )
( وما ألفنا ذاك عن بدعة % أحله الفرقان لي أجمعا )
وضيق على أهل الشام وأصحابه فجاء خادم لهشام فوقف عند قبره وبكى وقال يا أمير المؤمنين لو رأيت ما يصنع بنا الوليد فقال بعض من هناك لو رأيت ما صنع بهشام لعلمت أنك في نعمة لا تقوم بشكرها إن هشاما في شغل مما هو فيه عنكم واستعمل الوليد العمال وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة فجاءته بيعتهم وكتب إليه مروان بن محمد ببيعته واستأذنه في القدوم عليه فلما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام وعميهم وكساهم وأمر لكل انسان منهم بخادم وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزادهم وزاد الناس في العطاء عشرات ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة وزاد الوفود ولم يسأل في شيء إلا وقال
( ضمنت لكم إن لم يعقني عائق % بأن سماء الضر عنكم ستقلع )
( سيوشك إلحاق معا وزيادة % وأعطية مني عليكم تبرع )
( فيجمعكم ديوانكم وعطاؤكم % به تكتب الكتاب شهرا وتطبع )
قال حلم الوادي المغني كنا مع الوليد وأتاه خبر موت هشام وهنئ بولاية الخلافة وأتاه القضيب والخاتم ثم قال فامسكنا ساعة ونظرنا إليه بعين الخلافة فقال غنوني
( طاب يومي ولذ شرب السلافه % وأتانا نعي من بالرصافه )
( وأتانا البريد ينعى هشاما % وأتانا بخاتم للخلافة )
( فاصطحبنا من خمر عانة صرفا % ولهونا بقينة عرافه )
وحلف أن لا يبرح من موضعه حتى يغني في هذا الشعر وشرب عليه ففعلنا ذلك ولم نزل نغني إلى الليل ثم ان الوليد هذه السنة عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليي عهده أحدهما بعد الآخر وجعل الحكم مقدما وكتب بذلك إلى الأمصار العراق وخراسان
في هذه السنة ولى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرا وعماله فرد إليه الوليد ولاية خراسان وكتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم ويحمل معه ما قدر عليه من الهدايا والأموال وأن يقدم معه بعياله أجمعين وكتب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة وأن يجمع له كل صناجة بخراسان وكل بازى وبرذون فاره ثم يسير بكل ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان وكان المنجمون قد أخبروا نصرا بفتنة تكون وألح يوسف على نصر بالقدوم وأرسل إليه رسولا في ذلك وأمره أن يستحثه أو ينادي في الناس أنه قد خلع فأرضى نصر الرسول وأجازه فلم يمض لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة فتحول إلى قصره بماجان واستخلف عصمة بن عبد الله الأسدي على خراسان وموسى بن ورقاء بالشاش وحسان من أهل الصغانيان بسمرقند ومقاتل بن علي السعدي بآمل وأمرهم إذا بلغهم خروجه من مرو أن يستجلبوا الترك ليعبروا على ما وراء النهر ليرجع إليهم وسار إلى العراق فبينا هو يسير إلى العراق طرقه مولى لبني ليث وأعلمه بقتل الوليد فلما أصبح أذن للناس وأحضر رسل الوليد وقال لهم قد كان من مسيري ما علمتم وبعثي بالهدايا ما رأيتم وكان قد قدم الهدايا فبلغت بيهق وطرقني فلان ليلا فأخبرني أن الوليد قد قتل ووقعت الفتنة بالشام وقدم منصور بن جمهور العراق وهرب يوسف بن عمر ونحن بالبلاد التي قد علمتم حالها وكثرة عدونا فقال سالم بن أحوز أيها الأمير انه بعض مكايد قريش أرادوا تهجين طاعتك فسر ولا تمتحنا فقال يا سالم أنت رجل لك علم بالحرب وحسن طاعة لبني أمية فأما مثل هذه الأمور فرأيك فيها رأي أمية ورجع الناس
في هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بخراسان وسبب قتله أنه سار بعد قتل أبيه إلى خراسان كما سبق ذكره فأتى بلخ فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود حتى هلك هشام وولي الوليد بن يزيد فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش وقال له خذه أشد الأخذ فأخذ نصر الحريش فطالبه بيحيى فقال لا علم لي به فأمر به فجلد ستمائة سوط فقال الحريش والله لو أنه تحت قدمي ما رفعتهما عنه فلما رأى ذلك قريش بن الحريش قال لا تقتل أبي وأنا أدلك على يحيى فدله عليه فأخذه نصر وكتب إلى الوليد يخبره فكتب الوليد يأمره أن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل أصحابه فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد وأمر له بألفي درهم فسار إلى سرخس فأقام بها فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عباد يأمره أن يسيره عنها فسيره عنها فسار حتى انتهى إلى بيهق وخاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور وبها عمرو بن زرارة وكان مع يحيى سبعون رجلا فرأى يحيى تجارا فأخذ هو وأصحابه دوابهم وقالوا علينا أثمانها فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر يخبره فكتب نصر يأمره بمحاربته فقاتله عمرو وهو في عشرة آلاف ويحيى في سبعين رجلا فهزمهم يحيى وقتل عمرا وأصاب دواب كثيرة وسار حتى مر بهراة فلم يعرض لمن بها وسار عنها وسرح نصر بن سيار سالم بن أحوز في طلب يحيى فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالا شديدا فرمي يحيى بسهم فأصاب جبهته رماه رجل من عنزة يقال له عيسى فقتل أصحاب يحيى عن آخرهم وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه فلما بلغ الوليد قتل يحيى كتب إلى يوسف بن عمر خذ عجيل أهل العراق فأنزله من جذعه يعني زيدا وأحرقه بالنار ثم انسفه باليم نسفا فأمر يوسف به فأحرق ثم رضه وحمله في سفينة ثم ذراه في الفرات وأما يحيى فإنه لما قتل صلب بالجوزجان فلم يزل مصلوبا حتى ظهر أبو مسلم الخراساني واستولى على خراسان فأنزله وصلى عليه ودفنه وأمر بالنياحة عليه في خراسان وأخذ أبو مسلم ديوان بني أمية وعرف منه أسماء من حضر قتل فمن كان حيا قتله ومن كان ميتا خلفه في أهله بسوء وكانت أم يحيى ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية عباد بضم العين وفتح الباء الموحدة المخففة
في هذه السنة قدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي الأندلس أميرا في رجب وكان أبو الخطار لما تبايع ولاة الأندلس من قيس قد قال شعرا وعرض فيه بيوم مرج راهط وما كان من بلاء كلب فيه مع مروان بن الحكم وقيام القيسيين مع الضحاك بن قيس الفهري على مروان ومن الشعر
( أقادت بنو مروان قيسا دماءنا % وفي الله ان لم يعدلوا حكم عدل )
( كأنكم لم تشهدوا مرج راهط % ولم تعلموا من كان ثم له الفضل )
( وقيناكم حر القنا بنحورنا % وليس لكم خيل تعد ولا رجل )
فلما بلغ شعره هشام بن عبد الملك سأل عنه فأعلم أنه رجل من كلب وكان هشام قد استعمل على افريقية حنظلة بن صفوان الكلبي سنة أربع وعشرين ومائة فكتب إليه هشام أن يولي أبا الخطار الأندلس فولاه وسيره إليها فدخل قرطبة يوم جمعة فرأى ثعلبة بن سلامة أميرها قد أحضر الأسارى الألف من البربر الذين تقدم ذكر أسرهم ليقتلهم فلما دخل أبو الخطار دفع الأسرى إليه فكانت ولايته سببا لحياتهم وكان أهل الشام الذين بالأندلس قد أرادوا الخروج مع ثعلبة بن سلامة إلى الشام فلم يزل أبو الخطار يحسن إليهم ويستميلهم حتى أقاموا فانزل كل قوم على شبه منازلهم بالشام فلما رأوا بلدا يشبه بلدانهم أقاموا وقيل إنه إنما فرقهم في البلاد لأن قرطبة ضاقت عليهم ففرقهم وقد ذكرنا بعض أخباره سنة تسع وثلاثين ومائة
قيل وفي هذه السنة وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي واليا على المدينة ومكة والطائف ودفع إليه محمدا وابراهيم ابني هشام بن اسماعيل المخزومي موثوقين في عباءتين فقدم بهما المدينة في شعبان فأقامهما للناس ثم حملا إلى الشام فأحضرا عند الوليد فأمر بجلدهما فقال محمد أسألك بالقرابة قال وأي قرابة بيننا قال فقد نهى رسول الله بضرب بسوط إلا في حد قال ففي حد أضربك وقود أنت أول من فعل بالعرجي وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان وكان محمد قد أخذه وقيده وأقامه للناس وجلده وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجي إياه ثم أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم ثم أوثقهما حديدا وأمر أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو على العراق فلما قدم بهما عليه عذبهما حتى ماتا
وفي هذه السنة عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة وولاه يحيى بن سعيد الأنصاري وفيها خرجت الروم إلى زبطرة وهو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن سلمة الفهري فأخربته الروم الآن فبني بناء غير محكم فعاد الروم وأخربوه أيام مروان بن محمد الحمار ثم بناه الرشيد وشحنه بالرجال فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه فأمر المأمون بمرمته وتحصينه ثم قصده الروم أيام المعتصم على ما نذكره ان شاء الله تعالى فإنما سقت خبره ههنا لأني لم أعلم تواريخ حوادثه
وفيها غزا الوليد أخاه الغمر بن يزيد وأمر على جيوش البحر الأسود بن بلال المحاذي وسيره إلى قبرص ليخير أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم فاختارت طائفة جوار المسلمين فسيرهم إلى الشام واختار آخرون الروم فسيرهم إليهم وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب مكة فلقوا في قول بعض أهل السير محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فأخبره بقصة أبي مسلم وما رأوا منه فقال أحر هو أم عبد قالوا أما عيسى فيزعم أنه عبد وأما هو فيزعم أنه حر قال فاشتروه وأعتقوه وأعطوا محمد بن علي مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم فقال لهم ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا فإن حدث بي حدث فصاحبكم ابني إبراهيم فإني أثق به وأوصيكم به خيرا فرجعوا من عنده وقال بعضهم في هذه السنة توفي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في شهر ذي القعدة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة وكان بين موته وموت أبيه سبع سنين
وحج بالناس هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف وفيها غزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة
وفي هذه السنة مات أبو حازم الأعرج وقيل سنة أربعين وقيل سنة أربع وأربعين ومائة
وفي آخر أيام هشام بن عبد الملك توفي سماك بن حرب
وفي هذه السنة توفي القاسم بن أبي بزة واسم أبي بزة يسار وهو من المشهورين بالقراءة واشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسود المحاربي وسيد بن أبي أنيسية الحزري مولى بني كلاب وقيل مولى يزيد بن الخطاب وقيل مولى غني وكان عمره ستا وأربعين سنة وكان فقيها عابدا وكان له أخ اسمه يحيى كان ضعيفا في الحديث وفي أيام هشام مات العرجي الشاعر في حبس محمد بن هشام المخزومي عامل هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة وكان سبب حبسه أنه هجاه فتتبعه حتى بلغه أنه أخذ مولى له فضربه وقتله وأمر عبيدة أن يطؤوا امرأة المولى المقتول فأخذه محمد فضربه وأقامه للناس وحبسه تسع سنين فمات في السجن العرجي بفتح العين المهملة وسكون الراء وآخره جيم وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
