الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
60

ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة

الجزء الرابع 7 عنصر صفحة 464
ذكر وفاة هشام بن عبد الملك ص 464

وفيها مات هشام بن عبد الملك بالرصافة لست خلون من شهر ربيع الآخر وكانت خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وأحدا وعشرين يوما وقيل وثمانية أشهر ونصفا وكان مرضه الذبحة وعمره خمس وخمسون سنة وقيل ست وخمسون سنة فما مات طلبوا قمقما من بعض الخزان يسخن فيه الماء لغسله فما أعطاهم عياض كاتب الوليد على ما ندكره فاستعاروا قمقما وصلى عليه ابنه مسلمة ودفن بالرصافة

ذكر بعض سيرته ص 464

قال عقال بن شبة دخلت على هشام وعليه قباء فنك أخضر فوجهني إلى خراسان وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء ففطن فقال ما لك فقلت رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء مثل هذا فجعلت أتأمل أهو هذا أم غيره فقال هو والله ذاك وأما ما ترون من جمعي المال وصونه فهو لكم قال وكان محشوا عقلا وقيل ضرب رجل نصراني غلاما لمحمد بن هشام فشجه فذهب خصي لمحمد فضرب النصراني وبلغ هشاما الخبر وطلب الخصي فعاذ بمحمد فقال له محمد ألم آمرك فقال الخصي بلى والله قد أمرتني فضرب هشام الخصي وشتم ابنه قال عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس جمعت دواوين بني أمية فلم أر ديوانا أصح ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام

وقيل أتي هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط فقال اكسروا الطنبور على رأسه فبكى الشيخ لما ضربه فقال عليك بالصبر فقال أتراني أبكي للضرب إنما أبكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبورا قال وأغلظ رجل لهشام فقال له ليس لك أن تغلظ لإمامك قيل وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة فقال ما منعك من الصلاة قال نفقت دابتي قال أفعجزت عن المشي فمنعه الدابة سنة قيل وكتب إليه بعض عماله قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن وكتب إلى عامل له قد بعث بكماة قد وصلت الكماة وهي أربعون وقد نعم بعضها من حشوها فإذا بعثت شيئا فأجد حشوها في الطرق بالرمل حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضها بعضا وقيل له أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان قال ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف قيل وكان هشام ينزل الرصافة وهي من أعمال قنسرين وكان الخلفاء قبله وأبناء الخلفاء يبتدرون هربا من الطاعون فينزلون البرية فما أراد هشام أن ينزل الرصافة قيل له لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون ولم ير خليفة طعن قال أتريدون أن تجربوا في فنزلها وهي مدينة رومية قيل إن الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام هشام بن عبد الملك فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق وأمره بقتله فحبسه خالد ولم يقتله فبلغ الخبر هشاما فكتب إلى خالد يلومه ويعزم عليه أن يقتله فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه فلما صلى العيد يوم الأضحى قال في آخر خطبته انصرفوا وضحوا يقبل الله منكم فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم فإنه يقول ما كلم الله موسى ولا اتخذ إبراهيم خليلا تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل وذبحه قيل إن غيلان بن يونس وقيل ابن مسلم أبا مروان أظهر القول بالقدر في أيام عمر بن عبد العزيز فأحضره عمر واستتابه فتاب ثم عاد إلى الكلام فيه أيام هشام فأحضره من ناصرة ثم أمر به فقطعت يداه ورجلاه ثم أمر به وصلب قيل وجاء محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى هشام فقال ليس لك عندي صلة ثم قال إياك إن يغرك أحد فيقول لم يعرفك أمير المؤمنين إني قد عرفتك أنت محمد بن زيد فلا تقيمن وتنفق ما معك فليس لك عندي صلة الحق بأهلك

قال مجمع بن يعقوب الأنصاري شتم هشام رجلا من الاشراف فوبخه الرجل وقال أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في الأرض فاستحى منه وقال اقتص مني قال إذا أنا سفيه مثلك قال فخذ مني عوضا من المال قال ما كنت لأفعل قال فهبها لله قال هي لله ثم لك فنكس هشام رأسه واستحى وقال والله لا أعود إلى مثلها أبدا

ذكر بيعة الوليد بن يزيد بن عبد الملك ص 466

قيل وكانت بيعته لست مضين من شهر ربيع الآخر من السنة وقد تقدم عقد أبيه ولاية العهد له بعد أخيه هشام بن عبد الملك وكان الوليد حين جعل ولي عهد بعد هشام ابن إحدى عشرة سنة ثم عاش من بعد ذلك فبلغ الوليد خمس عشرة سنة فكان يزيد يقول الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك فلما ولي هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون وشرب الشراب وكان يحمله على ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه واتخذ له ندماء فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج سنة ست عشرة ومائة فحمل معه كلابا في صناديق وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة وحمل معه الخمر وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويشرب فيها الخمر فخوفه أصحابه وقالوا لا نأمن من الناس عليك وعلينا معك فلم يفعل وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة وخلع الوليد وأراد الوليد على ذلك فأبى فقال له اجعله فأبى فتنكر له هشام وأضر به وعمل سرا في البيعة لابنه مسلمة فأجابه قوم وكان ممن أجابه خالاه محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل وبنو القعقاع بن خليد العبسي وغيرهم من خاصته فأفرط الوليد في الشراب وطلب اللذات فقال له هشام ويحك يا وليد والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير منحاش ولا مستتر به فكتب إليه الوليد

( يا أيها السائل عن ديننا % نحن على دين أبي شاكر )

( نشربها صرفا وممزوجة % بالسخن أحيانا وبالفاتر )

فغضب هشام على إبنه مسلمة وكان يكنى أبا شاكر وقال له يعيرني الوليد بك وأنا أرشحك للخلافة فألزمه الأدب وأحضره الجماعة وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة فأظهر النسك واللين ثم انه قسم بمكة والمدينة أموالا فقال مولى لأهل المدينة

( يا أيها السائل عن ديننا % نحن على دين أبي شاكر )

( الواهب الجرد بأرسالها % ليس بزنديق ولا كافر )

يعرض بالوليد وكان هشام يعيب الوليد وينتقصه ويقصر به فخرج الوليد ومعه ناس من خاصته ومواليه فنزل بالأزرق على ماء له بالأردن وخلف كاتبه عياض بن مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم وقطع هشام عن الوليد ما كان يجري عليه وكاتبه الوليد فلم يجبه إلى رده وأمره باخراج عبد الصمد من عنده فأخرجه وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه فضرب هشام ابن سهيل وسيره وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه فقال الوليد من يثق بالناس ومن يصنع المعروف هذا الأحول المشؤوم قدمه أبي على أهل بيته وميزه ولي عهده ثم يصنع بي ما ترون لا يعلم أن لي في أحد هوى إلا عبث به وكتب إلى هشام في ذلك يعاتبه ويسأله أن يرد عليه كاتبه فلم يرده فكتب إليه الوليد

( رأيتك تبني دائما في قطيعتي % ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني )

( تثير على الباقين مجنى ضغينة % فويل لهم إن مت من شر ما تجني )

( كأني بهم والليت أفضل قولهم % ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني )

( كفرت يدا من منعم لو شكرتها % جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن )

فلم يزل الوليد مقيما في تلك البرية حتى مات هشام فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير المنذر بن أبي عمرو ما بت على ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة عرضت لي هموم وحدثت نفسي فيها بأمور هذا الرجل يعني هشاما قد أولع بي فاركب بنا نتنفس فركبا وسارا ميلين ووقف على كثيب فنظر إلى رهج فقال هؤلاء رسل هشام فسأل الله من خيرهم فبينما هما كذلك إذ بدا رجلان على البريد أحدهما مولى لأبي محمد السفياني والآخر جردبة فلما قربا نزلا يعدوان حتى دنوا منه فسلما عليه بالخلافة فوجم ثم قال أمات هشام قالا نعم والكتاب معنا من سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل فقرأه وسأل مولى أبي محمد السفياني عن كاتبه عياض فقال لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت فأرسل إلى الخزان وقال احتفظوا ما في أيديكم فأفاق هشام فطلب شيئا فمنعوه فقال إنا لله كنا خزانا للوليد ومات من ساعته وخرج عياض من السجن فختم أبواب الخزائن وأنزل هشاما من فرشه وما وجدوا له قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه ولا وجدوا كفنا من الخزائن فكفنه غالب مولاه فقال

( هلك الأحول المش % وم وقد أرسل المطر )

( وملكنا من بعد ذا % ك فقد أورق الشجر )

( فاشكر لله انه % زائد كل من شكر )

وقيل إن هذا الشعر لغير الوليد فلما سمع الوليد موته كتب إلى العباس بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرصافة فيحمي ما فيها من أموال هشام وولده وعياله وحشمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كلم أباه في الرفق بالوليد فقدم العباس الرصافة ففعل ما كتب به الوليدإليه وكتب به إلى الوليد فقال الوليد

( ليت هشاما كان حيا يرى % محلبه الأوفر قد اترعا )

( ليت هشاما عاش حتى يرى % مكياله الأوفر قد طبعا )

( كلناه بالصاع الذي كاله % وما ظلمناه به أصبعا )

( وما ألفنا ذاك عن بدعة % أحله الفرقان لي أجمعا )

وضيق على أهل الشام وأصحابه فجاء خادم لهشام فوقف عند قبره وبكى وقال يا أمير المؤمنين لو رأيت ما يصنع بنا الوليد فقال بعض من هناك لو رأيت ما صنع بهشام لعلمت أنك في نعمة لا تقوم بشكرها إن هشاما في شغل مما هو فيه عنكم واستعمل الوليد العمال وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة فجاءته بيعتهم وكتب إليه مروان بن محمد ببيعته واستأذنه في القدوم عليه فلما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام وعميهم وكساهم وأمر لكل انسان منهم بخادم وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة وزادهم وزاد الناس في العطاء عشرات ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرة عشرة وزاد الوفود ولم يسأل في شيء إلا وقال

( ضمنت لكم إن لم يعقني عائق % بأن سماء الضر عنكم ستقلع )

( سيوشك إلحاق معا وزيادة % وأعطية مني عليكم تبرع )

( فيجمعكم ديوانكم وعطاؤكم % به تكتب الكتاب شهرا وتطبع )

قال حلم الوادي المغني كنا مع الوليد وأتاه خبر موت هشام وهنئ بولاية الخلافة وأتاه القضيب والخاتم ثم قال فامسكنا ساعة ونظرنا إليه بعين الخلافة فقال غنوني

( طاب يومي ولذ شرب السلافه % وأتانا نعي من بالرصافه )

( وأتانا البريد ينعى هشاما % وأتانا بخاتم للخلافة )

( فاصطحبنا من خمر عانة صرفا % ولهونا بقينة عرافه )

وحلف أن لا يبرح من موضعه حتى يغني في هذا الشعر وشرب عليه ففعلنا ذلك ولم نزل نغني إلى الليل ثم ان الوليد هذه السنة عقد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده وجعلهما وليي عهده أحدهما بعد الآخر وجعل الحكم مقدما وكتب بذلك إلى الأمصار العراق وخراسان

ذكر ولاية نصر بن سيار خراسان للوليد ص 469

في هذه السنة ولى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها وأفرده بها ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فاشترى منه نصرا وعماله فرد إليه الوليد ولاية خراسان وكتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم ويحمل معه ما قدر عليه من الهدايا والأموال وأن يقدم معه بعياله أجمعين وكتب الوليد إلى نصر يأمره أن يتخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة وأن يجمع له كل صناجة بخراسان وكل بازى وبرذون فاره ثم يسير بكل ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان وكان المنجمون قد أخبروا نصرا بفتنة تكون وألح يوسف على نصر بالقدوم وأرسل إليه رسولا في ذلك وأمره أن يستحثه أو ينادي في الناس أنه قد خلع فأرضى نصر الرسول وأجازه فلم يمض لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة فتحول إلى قصره بماجان واستخلف عصمة بن عبد الله الأسدي على خراسان وموسى بن ورقاء بالشاش وحسان من أهل الصغانيان بسمرقند ومقاتل بن علي السعدي بآمل وأمرهم إذا بلغهم خروجه من مرو أن يستجلبوا الترك ليعبروا على ما وراء النهر ليرجع إليهم وسار إلى العراق فبينا هو يسير إلى العراق طرقه مولى لبني ليث وأعلمه بقتل الوليد فلما أصبح أذن للناس وأحضر رسل الوليد وقال لهم قد كان من مسيري ما علمتم وبعثي بالهدايا ما رأيتم وكان قد قدم الهدايا فبلغت بيهق وطرقني فلان ليلا فأخبرني أن الوليد قد قتل ووقعت الفتنة بالشام وقدم منصور بن جمهور العراق وهرب يوسف بن عمر ونحن بالبلاد التي قد علمتم حالها وكثرة عدونا فقال سالم بن أحوز أيها الأمير انه بعض مكايد قريش أرادوا تهجين طاعتك فسر ولا تمتحنا فقال يا سالم أنت رجل لك علم بالحرب وحسن طاعة لبني أمية فأما مثل هذه الأمور فرأيك فيها رأي أمية ورجع الناس

ذكر قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين ص 470

في هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بخراسان وسبب قتله أنه سار بعد قتل أبيه إلى خراسان كما سبق ذكره فأتى بلخ فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود حتى هلك هشام وولي الوليد بن يزيد فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش وقال له خذه أشد الأخذ فأخذ نصر الحريش فطالبه بيحيى فقال لا علم لي به فأمر به فجلد ستمائة سوط فقال الحريش والله لو أنه تحت قدمي ما رفعتهما عنه فلما رأى ذلك قريش بن الحريش قال لا تقتل أبي وأنا أدلك على يحيى فدله عليه فأخذه نصر وكتب إلى الوليد يخبره فكتب الوليد يأمره أن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل أصحابه فأطلقه نصر وأمره أن يلحق بالوليد وأمر له بألفي درهم فسار إلى سرخس فأقام بها فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس بن عباد يأمره أن يسيره عنها فسيره عنها فسار حتى انتهى إلى بيهق وخاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور وبها عمرو بن زرارة وكان مع يحيى سبعون رجلا فرأى يحيى تجارا فأخذ هو وأصحابه دوابهم وقالوا علينا أثمانها فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر يخبره فكتب نصر يأمره بمحاربته فقاتله عمرو وهو في عشرة آلاف ويحيى في سبعين رجلا فهزمهم يحيى وقتل عمرا وأصاب دواب كثيرة وسار حتى مر بهراة فلم يعرض لمن بها وسار عنها وسرح نصر بن سيار سالم بن أحوز في طلب يحيى فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالا شديدا فرمي يحيى بسهم فأصاب جبهته رماه رجل من عنزة يقال له عيسى فقتل أصحاب يحيى عن آخرهم وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه فلما بلغ الوليد قتل يحيى كتب إلى يوسف بن عمر خذ عجيل أهل العراق فأنزله من جذعه يعني زيدا وأحرقه بالنار ثم انسفه باليم نسفا فأمر يوسف به فأحرق ثم رضه وحمله في سفينة ثم ذراه في الفرات وأما يحيى فإنه لما قتل صلب بالجوزجان فلم يزل مصلوبا حتى ظهر أبو مسلم الخراساني واستولى على خراسان فأنزله وصلى عليه ودفنه وأمر بالنياحة عليه في خراسان وأخذ أبو مسلم ديوان بني أمية وعرف منه أسماء من حضر قتل فمن كان حيا قتله ومن كان ميتا خلفه في أهله بسوء وكانت أم يحيى ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية عباد بضم العين وفتح الباء الموحدة المخففة

ذكر ولاية حنظلة افريقية وأبي الخطار الأندلس ص 471

في هذه السنة قدم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي الأندلس أميرا في رجب وكان أبو الخطار لما تبايع ولاة الأندلس من قيس قد قال شعرا وعرض فيه بيوم مرج راهط وما كان من بلاء كلب فيه مع مروان بن الحكم وقيام القيسيين مع الضحاك بن قيس الفهري على مروان ومن الشعر

( أقادت بنو مروان قيسا دماءنا % وفي الله ان لم يعدلوا حكم عدل )

( كأنكم لم تشهدوا مرج راهط % ولم تعلموا من كان ثم له الفضل )

( وقيناكم حر القنا بنحورنا % وليس لكم خيل تعد ولا رجل )

فلما بلغ شعره هشام بن عبد الملك سأل عنه فأعلم أنه رجل من كلب وكان هشام قد استعمل على افريقية حنظلة بن صفوان الكلبي سنة أربع وعشرين ومائة فكتب إليه هشام أن يولي أبا الخطار الأندلس فولاه وسيره إليها فدخل قرطبة يوم جمعة فرأى ثعلبة بن سلامة أميرها قد أحضر الأسارى الألف من البربر الذين تقدم ذكر أسرهم ليقتلهم فلما دخل أبو الخطار دفع الأسرى إليه فكانت ولايته سببا لحياتهم وكان أهل الشام الذين بالأندلس قد أرادوا الخروج مع ثعلبة بن سلامة إلى الشام فلم يزل أبو الخطار يحسن إليهم ويستميلهم حتى أقاموا فانزل كل قوم على شبه منازلهم بالشام فلما رأوا بلدا يشبه بلدانهم أقاموا وقيل إنه إنما فرقهم في البلاد لأن قرطبة ضاقت عليهم ففرقهم وقد ذكرنا بعض أخباره سنة تسع وثلاثين ومائة

ذكر عدة حوادث ص 472

قيل وفي هذه السنة وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي واليا على المدينة ومكة والطائف ودفع إليه محمدا وابراهيم ابني هشام بن اسماعيل المخزومي موثوقين في عباءتين فقدم بهما المدينة في شعبان فأقامهما للناس ثم حملا إلى الشام فأحضرا عند الوليد فأمر بجلدهما فقال محمد أسألك بالقرابة قال وأي قرابة بيننا قال فقد نهى رسول الله بضرب بسوط إلا في حد قال ففي حد أضربك وقود أنت أول من فعل بالعرجي وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان وكان محمد قد أخذه وقيده وأقامه للناس وجلده وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجي إياه ثم أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم ثم أوثقهما حديدا وأمر أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو على العراق فلما قدم بهما عليه عذبهما حتى ماتا

وفي هذه السنة عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة وولاه يحيى بن سعيد الأنصاري وفيها خرجت الروم إلى زبطرة وهو حصن قديم كان افتتحه حبيب بن سلمة الفهري فأخربته الروم الآن فبني بناء غير محكم فعاد الروم وأخربوه أيام مروان بن محمد الحمار ثم بناه الرشيد وشحنه بالرجال فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه فأمر المأمون بمرمته وتحصينه ثم قصده الروم أيام المعتصم على ما نذكره ان شاء الله تعالى فإنما سقت خبره ههنا لأني لم أعلم تواريخ حوادثه

وفيها غزا الوليد أخاه الغمر بن يزيد وأمر على جيوش البحر الأسود بن بلال المحاذي وسيره إلى قبرص ليخير أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم فاختارت طائفة جوار المسلمين فسيرهم إلى الشام واختار آخرون الروم فسيرهم إليهم وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب مكة فلقوا في قول بعض أهل السير محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فأخبره بقصة أبي مسلم وما رأوا منه فقال أحر هو أم عبد قالوا أما عيسى فيزعم أنه عبد وأما هو فيزعم أنه حر قال فاشتروه وأعتقوه وأعطوا محمد بن علي مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم فقال لهم ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا فإن حدث بي حدث فصاحبكم ابني إبراهيم فإني أثق به وأوصيكم به خيرا فرجعوا من عنده وقال بعضهم في هذه السنة توفي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في شهر ذي القعدة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة وكان بين موته وموت أبيه سبع سنين

وحج بالناس هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف وفيها غزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة

وفي هذه السنة مات أبو حازم الأعرج وقيل سنة أربعين وقيل سنة أربع وأربعين ومائة

وفي آخر أيام هشام بن عبد الملك توفي سماك بن حرب

وفي هذه السنة توفي القاسم بن أبي بزة واسم أبي بزة يسار وهو من المشهورين بالقراءة واشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسود المحاربي وسيد بن أبي أنيسية الحزري مولى بني كلاب وقيل مولى يزيد بن الخطاب وقيل مولى غني وكان عمره ستا وأربعين سنة وكان فقيها عابدا وكان له أخ اسمه يحيى كان ضعيفا في الحديث وفي أيام هشام مات العرجي الشاعر في حبس محمد بن هشام المخزومي عامل هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة وكان سبب حبسه أنه هجاه فتتبعه حتى بلغه أنه أخذ مولى له فضربه وقتله وأمر عبيدة أن يطؤوا امرأة المولى المقتول فأخذه محمد فضربه وأقامه للناس وحبسه تسع سنين فمات في السجن العرجي بفتح العين المهملة وسكون الراء وآخره جيم وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.