ذكر قتل خالد بن عبد الله القسري
ص 475
في هذه السنة قتل خالد بن عبد الله وقد تقدم ذكر عزله عن العراق وخراسان وكان عمله خمس عشرة سنة فيما قيل ولما عزله هشام قدم عليه يوسف بن عمر واسط فحبسه بها ثم سار يوسف إلى الحيرة وأخذ خالدا فحبسه بها تمام ثمانية عشر شهرا مع أخيه إسماعيل وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن أسد استأذن يوسف هشاما في تعذيبه فأذن له مرة واحدة وأقسم لئن هلك ليقتلنه فعذبه يوسف ثم رده إلى حبسه وقيل بل عذبه عذابا كثيرا وكتب هشام إلى يوسف يأمره بإطلاقه في شوال سنة إحدى وعشرين فأطلقه فسار فأتى القرية التي بإزاء الرصافة فأقام بها إلى صفر سنة اثنتين وعشرين وخرج زيد فقتل فكتب يوسف بن عمر إن بني هاشم قد هلكوا جوعا فكانت همة أحدهم قوت عياله فلما ولي خالد العراق أعطاهم الأموال فتاقت أنفسهم إلى الخلافة وما خرج زيد إلا عن رأي خالد فقال هشام كذب يوسف وضرب رسوله وقال لسنا نتهم خالدا في طاعة وسمع خالد فسار حتى نزل دمشق وسار إلى الصائفة وكان على دمشق يومئذ كلثوم بن عياض القشيري وكان يبغض خالدا فظهر في دور دمشق حريق كل ليلة يفعله رجل من أهل العراق يقال له ابن العمرس فإذا وقع الحريق يسرقون وكان أولاد خالد وإخوته بالساحل لحدث كان من الروم فكتب كلثوم إلى هشام يخبره أن موالي خالد يريدون الوثوب على بيت المال وأنهم يحرقون البلد لك ليلة لهذا الفعل فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد الصغير منهم والكبير وهو إليهم فأنفذوا وأحضر أولاد خالد واخوته من الساحل في الجوامع ومعهم ومواليهم وحبس البنات خالد والنساء والصبيان ثم ظهر علي ابن العمرس ومن كان معه فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام يخبره
بأخذ ابن العمرس وأصحابه بأسمائهم وقبائلهم ولم يذكر فيهم أحدا من موالي خالد فكتب هشام إلى كلثوم يشتمه ويأمره باطلاق آل خالد فأطلقهم وترك الموالي رجاء أن يشفع فيهم خالد إذا قدم من الصائفة ثم قدم خالد فنزل منزله في دمشق فأذن للناس فقام بناته يحتجبن فقال لا تحتجبن فإن هشاما كان كل يوم يسوقكن إلى الحبس فدخل الناس فقام أولاده يسترون النساء فقال خالد خرجت غازيا سامعا مطيعا فخلفت في عقبي وأخذ حرمي وأهل بيتي فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين فما منع عصابة منكم أن تقولوا علام حبس حرم هذا السامع المطيع أخفتم أن تقتلوا جميعا أخافكم الله ثم قال مالي ولهشام ليكفن عني أو لأدعون إلى عراقي الهوى شامي الدار حجازي الأصل يعني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقد أذنت لكم أن تبلغوا هشاما فلما بلغه قال قد خرف أبو الهيثم وتتابعت كتب يوسف بن عمر إلى هشام يطلب منه يزيد بن خالد بن عبد الله فأرسل هشام إلى كلثوم يأمره بإنقاذ يزيد بن خالد بن عبد الله إلى يوسف بن عمر فطلبه فهرب فاستدعى خالدا فحضر عنده فحبسه فسمع هشام فكتب إلى كلثوم يلومه ويأمره بتخليه فأطلقه وكان هشام إذا أراد أمرا الأبرش الكلبي فكتب به إلى خالد فكتب إليه الأبرش أنه بلغ أمير المؤمنين أن رجلا قال لك يا خالد إني لأحبك لعشر خصال إن الله كريم وأنت كريم والله جواد وأنت جواد والله رحيم وأنت رحيم حتى عد عشرا وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق ذلك عند ليقتلنك فكتب إليه خالد أن ذلك المجلس كان أكثر أهلا من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرف ما كان فيه إنما قال لي يا خالد إني لأحبك لعشر خصال إن الله كريم يحب كل كريم والله يحبك فأنا أحبك حتى عد عشر خصال ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحميري إلى أمير المؤمنين وقوله يا أمير المؤمنين خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك في حاجتك فقال بل خليفتي في أهلي فقال ابن شقي فأنت خليفة الله ومحمد رسوله وضلال رجل من بجيلة يعني نفسه أهون على العامة من ضلال أمير المؤمنين فلما قرأ هشام كتابه قال خرف أبو الهيثم فأقام خالد بدمشق حتى هلك هشام وقام الوليد فكتب إليه الوليد ما حال الخمسين ألف ألف التي تعلم فاقدم على أمير المؤمنين فقدم عليه فأرسل إليه الوليد وهو واقف بباب السراداق فقال يقول أمير المؤمنين أين ابنك يزيد فقال كان هرب من هشام وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله فلما لم نره ظنناه ببلاد قومه من السراة
ورجع الرسول وقال لا ولكنك خلفته طالبا للفتنة فقال قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بيت طاعة فرجع الرسول فقال يقول لك أمير المؤمنين لتأتين به أو لأزهقن نفسك فرفع خالد صوته وقال قل له هذا أردت والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه فأمر الوليد بضربه فضرب فلم يتكلم فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر من العراق بالأموال فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف فأرسل الوليد إلى خالد أن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف فإن كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه فقال خالد ما عهدت العرب تباع والله لو سألتني أن أضمن عودا ما ضمنته فدفعه إلى يوسف فنزع ثيابه وألبسه عباءة وحمله في محمل بغير وطاء وعذبه عذابا شديدا وهو لا يكلمه كلمة ثم حمله إلى الكوفة فعذبه ثم وضع المضرسة على صدره فقتله من الليل ودفنه من وقته بالحيرة في عباءته التي كان فيها وذلك في المحرم سنة ست وعشرين وقيل بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود وقام عليه الرجال حتى تكسرت قدماه وما تكلم ولا عبس وكانت أم خالد نصرانية رومية ابتنى بها أبوه في بعض أعيادهم فأولدها خالدا وأسدا ولم تسلم وبنى لها خالد بيعة فذمه الناس والشعراء فمن ذلك قول الفرزدق
( ألا قطع الرحمن ظهر مطية % أتتنا تهادى من دمشق بخالد )
( فكيف يؤم الناس من كانت امه % تدين بأن الله ليس بواحد )
( بنى بيعة فيها النصارى لأمه % ويهدم من كفر منار المساجد )
وكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد لأنه بلغه أن شاعرا قال
( ليتني في المؤذنين حياتي % انهم يبصرون من في السطوح )
( فيشيرون أو تشير إليهم % بالهوى كل ذات دل مليح )
فلما سمع هذا الشعر أمر بهدمها ولما بلغه أن الناس بذمونه لبنائه البيعة لأمه قام يعتذر إليهم فقال لعن الله دينهم إن كان شرا من دينكم وكان يقول إن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته يعني أن الخليفة هشاما أفضل من رسول الله نبرأ إلى الله من هذه المقالة
ذكر قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك
ص 478
في هذه السنة قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي يقال له الناقص في جمادى الآخرة وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجانته فلما ولي الخلافة لم يزد من الذي كان فيه من اللهو واللذه والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساق إلا تماديا فثقل ذلك على رعيته وجنده وكرهوا أمره وكان أعظمه ما جنى على نفسه افساده بني عميه هشام والوليد فإنه أخذ سلميان بن هشام فضربه مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان من أرض الشام فحبسه بها فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد وأخذ جارية كانت لآل الوليد فكلمه عثمان بن الوليد في ردها فقال لا أردها فقال إذن تكثر الصواهل حول عسكرك وحبس الأفقم يزيد بن هشام وفرق بين روح بن الوليد وبين امرأته وحبس عدة من ولد الوليد فرماه بنو هشام وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه وقالوا قد اتخذ مائة جامعة لبني أمية وكان أشدهم فيه يزيد بن الوليد وكان الناس إلى قوله أميل لأنه كان يظهر النسك ويتواضع وكان قد نهاه سعيد بن بيهس به صهيب عن البيعة لابنيه الحكم وعثمان لصغرهما فحبسه حتى مات في الحبس وأراد خالد بن عبد الله القسري على البيعة لابنيه فأبى فغضب عليه فقيل له لا تخالف أمير المؤمنين فقال كيف أبايع من لا أصلي خلفه ولا أقبل شهادته قالوا فتقبل شهادة الوليد مع فسقة قال أمير المؤمنين غائب عني وإنما هي أخبار الناس ففسدت اليمانية عليه وفسدت عليه قضاعة وهم اليمن أكثر جند أهل الشام فأتى حريث وشبيب بن أبي مالك الغساني ومنصور بن جبور الكلبي وابن عمه حيال بن عمرو ويعقوب بن عبد الرحمن وحميد بن منصور اللخمي والاصبغ بن ذؤالة والطفيل بن حارثة والسري زياد إلى خالد بن عبد الله القسري فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم
وأراد الوليد الحج فخاف خالد أن يقتلوه في الطريق فنهاه عن الحج فقال ولم فأخبره فحبسه وأمر أن يطالب بأموال العراق ثم استقدم يوسف بن عمر من العراق وطلب منه أن يحضر معه الأموال وأراد عزله وتولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فقدم يوسف بأموال لم يحمل من العراق مثلها فلقيه حسان النبطي فأخبره أن الوليد يريد أن يولي عبد لملك بن محمد وأشار عليه أن يحمل الرشاء إلى وزرائه ففرق فيهم خمسمائة ألف وقال له حسان اكتب على لسان خليفتك بالعراق كتابا إني كتبت إليك ولا أملك إلا القصر وادخل على الوليد والكتاب معك مختوما واشتر منه خالدا ففعل فأمره الوليد بالعود إلى العراق واشترى منه خالدا القسري بخمسين ألف ألف فدفعه إليه فأخذه معه في محمل بغير وطاء إلى العراق فقال بعض أهل اليمن شعرا على لسان الوليد يحرض على اليمانية وقيل إنها للوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد
( ألم تهتج فتذكر الوصالا % وحبلا كان متصلا فزالا )
( بلى فالدمع منك إلى انسجام % كماء المزن ينسجل انسجالا )
( فدع عنك ادكارك آل سعدى % فنحن الأكثرون حصى ومالا )
( ونحن المالكون الناس قسرا % نسومهم المذلة والنكالا )
( وطئنا الأشعري بعز قيس % فيا لك وطأة لن تستقالا )
( وهذا خالد فينا أسير % ألا منعوه إن كانوا رجالا )
( عظيمهم وسيدهم قديما % جعلنا المخزيات له ظلالا )
( فلو كانت قبائل ذات عز % لما ذهبت صنائعه ضلالا )
( ولا تركوه مسلوبا أسيرا % يعالج من سلاسلنا الثقالا )
( وكندة والسكون فما استقاموا % ولا برحب خيولهم الرحالا )
( بها سمنا البرية كل خسف % وهدمنا السهولة والجبالا )
( ولكن الوقائع ضعضعتهم % وجدتهم وردتهم شلالا )
( فما زالوا لنا بلدا عبيدا % نسومهم المذلة والسفالا )
( فأصبحت الغداة علي تاج % لملك الناس ما يبغي انتقالا )
فعظم ذلك عليهم وسعوا في قتله وازدادوا حنقا وقال حمزة بن بيض في الوليد
( وصلت سماء الضر بالضر بعدما % زعمت سماء الضر عنا ستقلع )
( فليت هشاما كان حيا يسومنا % وكنا كما كنا نرجى ونطمع )
وقال أيضا
( يا وليد الخنى تركت الطريقا % واضحا وارتكبت فجا عميقا )
( وتماديت واعتديت وأسرف % ت وأغويت وانبعثت فسوقا )
( أبدا هات ثم هات وهاتي % ثم هاتي حتى تخر صعيقا )
( أنت سكران ما تفيق فما تر % تق فتقا وقد فتقت فتوقا )
فأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة فشاور عمر بن يزيد الحكمي فقال له لا يبايعك الناس على هذا وشاور أخاك العباس فإن بايعك لم يخالفك أحد وإن أبى كان الناس له أطوع فإن أبيت إلا المضي على رأيك فأظهر أن أخاك العباس قد بايعك وكان الشام وبيئا فخرجوا إلى البوادي وكان العباس بالقسطل ويزيد بالبادية أيضا بينهما أميال يسيرة فأتى يزيد أخاه العباس فاستشاره فنهاه عن ذلك فرجع وبايع الناس سرا وبث دعاته فدعوا الناس ثم عاود أخاه العباس فاستشاره ودعاه إلى نفسه فزجره وقال إن عبد لمثل هذا لأشدنك وثاقا وأحملنك إلى أمير المؤمنين فخرج من عنده فقال العباس إني لأظنه أشأم مولود في بني مروان وبلغ الخبر مروان بن محمد بأرمينية فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفهم ويحذرهم الفتنة ويخوفهم خروج الأمر عنهم فأعظم سعيد ذلك وبعث الكتاب إلى العباس بن الوليد فاستدعى العباس يزيد وتهدده فكتمه يزيد أمره فصدقه وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد إني أظن الله قد أذن في هلاككم يا بني مروان ثم تمثل
( إني أعيذكم بالله من فتن % مثل الجبال تسامى ثم تندفع )
( إن البرية قد ملت سياستكم % فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا )
( لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم % إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا )
( لا تبقرن بأيديكم بطونكم % فثم لا حسرة تغني ولا جزع )
فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبد أقبل إلى دمشق وبينه وبين دمشق أربع ليال متنكرا في سبعة نفر على حمير فنزلوا بجرود على مرحلة من دمشق ثم سار فدخل دمشق وقد بايع له أكثر أهلها سرا وبايع أهل المزة وكان على دمشق عبد الملك محمد بن الحجاج فخاف الوباء فخرج منها فنزل قطنا واستخلف ابنه على دمشق وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي فأجمع يزيد على الظهور فقيل للعامل إن يزيد خارج فلم يصدق وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب ليلة الجمعة فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذن العشاء فدخلوا فصلوا وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل فلما صلى الناس أخرجهم الحرس وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق في المسجد غير الحرس وأصحاب يزيد فأخذوا الحرس ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد فأعلمه وأخذ بيده فقال قم يا أمير المؤمنين وابشر بنصر الله وعونه فقام وأقبل في اثني عشر رجلا فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم ولقيهم زهاء مائتي رجل فمضوا إلى المسجد فدخلوه وأخذوا باب المقصورة فضربوه فقالوا رسل الوليد ففتح لهم الباب خادم فأخذوه ودخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران وأخذوا خزائن بيت المال وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وقبض محمد بن عبيدة وهو على بعلبك وأرسل بني عذر إلى محمد بن عبد الملك بن محمد بن الحجاج فأخذوه وكان بالمسجد سلاح كثير فأخذوه فلما أصبحوا جاء أهل المزة وتتابع الناس وجاءت السكاسك وأقبل أهل داريا ويعقوب بن محمد بن هانئ العبسي وأقبل عيسى بن شبيب التغلبي في أهل دومة وحرستا وأقبل حميد بن حبيب النخعي في أهل دير مران والأرزة وسطرا وأقبل أهل جرش وأهل الحديثة ودير زكا وأقبل ربعي بن هاشم الحارثي في الجماعة من بني عزة وسلامان وأقبلت جهينة ومن والاهم
ثم وجه يزيد بن الوليد بن عبد الملك عبد الرحمن بن مصادف في مائتي فارس ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره فأخذوه بأمان وأصاب عبد الرحمن خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار فقيل له خذ أحد هذين الخرجين فقال لا تتحدث العرب عني أني أول من خان في هذا الأمر ثم جهز يزيدجيشا وسيرهم إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك وجعل عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه فأعلمه الخبر وهو بالأغدف من عمان فضربه الوليد وحبسه وسير أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق فسار بعض الطريق فأقام فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصادف فسأله أبو محمد ثم بايع ليزيد بن الوليد ولما أتى الخبر إلى الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة ووجه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص ما ينبغي للخليفة ان يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل والله يؤيد أمير المؤمنين وينصره فقال يزيد بن خالد وما نخاف على حرمه وإنما أتاه عبد العزيز وهو ابن عمهن فأخذ بقول ابن عنبسة وسار حتى أتى البخراء قصر النعمان بن بشير وسار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلا فقالوا له ليس لنا سلاح فلو أمرت لنا بسلاح فما أعطاهم شيئا ونازله عبد العزيز
وكتب العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد إني آتيك فقال الوليد أخرجوا سريرا فأخرجوه فجلس عليه وانتظر العباس فقاتلهم عبد العزيز ومعه منصور بن جمهور فبعث إليهم عبد العزيز زياد بن حصين الكلبي يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه فقتله أصحاب الوليد واقتتلوا قتالا شديدا وكان الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان عقده بالجابية وبلغ عبد العزيز مسير العباس إلى الوليد فأرسل منصور بن جمهور إلى طريقه فأخذه قهرا وأتى به عبد العزيز فقال له بايع لأخيك يزيد فبايع ووقف ونصبوا راية وقالوا هذه راية العباس قد بايع لأمير المؤمنين يزيد فقال العباس انا لله خدعة من خدع الشيطان هلك بنو مروان فتفرق الناس عن الوليد وأتوا العباس وعبد العزيز وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقي ويؤمنه من كل حدث على أن ينصرف عن قتاله فأبى ولم يجبه فظاهر الوليد بين درعين وأتوه بفرسيه السندي والراية فقاتلهم قتالا شديدا فناداهم رجل اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط ارجموه بالحجارة فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق عليه الباب وقال
( دعوا لي سلمى والطلاء وقينة % وكأسا ألا حسبي بذلك مالا )
( إذا ما صفا عيشي برملة عالج % وعانقت سلمى ما أريد بدالا )
( خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم % ثباتا يساوي ما حييت عقالا )
( وخلوا عناني قبل عير وما جرى % ولا تحسدوني أن أموت هزالا )
فلما دخل القصر وأغلق الباب أحاط به عبد العزيز فدنا الوليد من الباب وقال أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه قال يزيد بن عنبسة السكسكي كلمني قال يا أخا السكاسك ألم أزد في أعطياتكم ألم أرفع المؤن عنكم ألم أعط فقراءكم ألم أخدم زمناكم فقال إنا ما ننقم عليك في أنفسنا إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح امهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله قال حسبك يا أخا السكاسك فلعمري لقد أكثرت وأغرقت وإن فيما أحل الله سعة عما ذكرت ورجع إلى الدار وجلس واخذ مصحفا فنشره يقرأ فيه وقال يوم كيوم عثمان فصعدوا على الحائط وكان أول من علاه يزيد بن عنبسة فنزل غليه فأخذه بيده وهو يريد أن يحبسه ويؤامره فيه فنزل من الحائط عشرة منهم منصور بن جمهور وعبد السلام اللخمي فضربه عبد السلام على رأسه وضربه السندي بن زياد بن أبي كبشة في وجهه واحتزوا رأسه وسيروه إلى يزيد فأتاه الرأس وهو يتغدى بالمسجد وحكى له يزيد بن عنبسة ما قاله للوليد قال آخر كلامه الله لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا يجمع كلمتكم فأمر يزيد بنصب رأسه فقال له يزيد بن فروة مولى بني مرة إنما تنصب رؤوس الخوارج وهذا ابن عمك وخليفة ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس ويغضب له أهل بيته فلم يسمع منه ونصبه على رمح فطاف به بدمشق ثم أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد فلما نظر إليه سليمان قال بعدا له اشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا ولقد أرادني في نفسي الفاسق وكان سليمان ممن سعى في أمره وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغني وعمرو الوادي المغني أيضا فلما تفرق عن الوليد أصحابه وحصر قال مالك لعمرو اذهب بنا فقال عمرو ليس هذا من الوفاء نحن لا يعرض لنا لأنا لسنا ممن يقاتل فقال مالك والله لئن ظفروا بك وبي لا يقتل أحد قبلي وقبلك فيوضع رأسه بين رأسينا ويقال للناس انظروا من كان معه في هذا الحال فلا يعيبونه بشيء أشد من هذا فهربا وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر وقيل سنة وشهرين واثنتين وعشرين يوما وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وقيل قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وقيل إحدى وأربعين سنة وقيل ست وأربعين سنة
ذكر نسب الوليد وبعض سيرته
ص 485
هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي يكنى أبا العباس وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي وهي بنت أخي الحجاج بن يوسف وأم أبيه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز وأم عامر بن كريز أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب فلذلك يقول الوليد
( نبي الهدى خالي ومن يك خاله % نبي الهدى يقهر به من يفاخره )
وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم واجوادهم وأشدائهم منهمكا في اللهو والشرب وسماع الغناء فظهر ذلك من أمره فقتل ومن جيد شعره ما قاله لما بلغه أن هشاما يريد خلعه
( كفرت يدا من منعم لو شكرتها % جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن )
وقد تقدمت الأبيات الأربعة وأشعاره حسنة في الغزل والعتاب ووصف الخمر وغير ذلك وقد أخذ الشعراء معانيه في وصف الخمر فسرقوها وأدخلوها في أشعارهم وخاصة أبو نواس فانه أكثرهم أخذا لها قال الوليد المحبة للغناء تزيد في الشهوة وتهدم المروءة وتنوب عن الخمر وتفعل ما يفعل السكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء رقية الزنا وإني لأقول ذلك على أنه احب إلي من كل لذة وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلة ولكن الحق أحق أن يتبع قيل إن يزيد بن منبه مولى ثقيف مدح الوليد وهنأه بالخلافة فأمر أن تعد الأبيات ويعطى بكل بيت ألف ردهم فعدت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين ألف درهم وهو أول خليفة عد الشعر وأعطى بكل بيت ألف درهم ومما اشتهر عنه أنه فتح المصحف فخرج واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد فألقاه ورماه بالسهام وقال
( تهددني بجبار عنيد % فها انا ذاك جبار عنيد )
( اذا ما جئت ربك يوم حشر % فقل يا رب مزقني الوليد )
فلم يلبث بعد ذلك الا يسيرا حتى قتل ومن حسن الكلام ما قاله الوليد لما مات مسلمة بن عبد الملك فإن هشاما قعد للعزاء فأتاه الوليد وهو نشوان يجر مطرق خز عليه فوقف على هشام فقال يا أمير المؤمنين إن عقبي من بقي لحوق من مضى وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى واختل الثغر فهوى وعلى أثر من سلف يمضي من خلف فتزودوا فإن خير الزاد التقوى فأعرض هشاما ولم يحر جوابا وسكت القوم فلم ينطقوا وقد نزه قوم الوليد مما قيل فيه وأنكروه ونفوه عنه وقالوا إنه قيل عنه والصق به وليس بصحيح قال المدائني دخل ابن للغمر بن يزيد أخي الوليد على الرشيد فقال له ممن أنت فقال من قريش قال من أيها فأمسك فقال قل وأنت آمن ولو أنك مروان فقال أنا ابن الغمر بن يزيد فقال رحم الله عمك الوليد ولعن يزيد الناقص فإنه قتل خليفة مجمعا عليه ارفع حوائجك فرفعها فقضاها
وقال شبيب بن شبة كنا جلوسا عند المهدي فذكروا الوليد فقال المهدي كان زنديقا فقام أبو علاثة الفقيه فقال يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الامة زنديقا لقد أخبرني من كان يشهد في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المطائب المصبغة ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسها ويصلي فيها فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها واشتغل بشربه ولهوه فهذا فعال من لا يؤمن بالله فقال المهدي بارك الله عليك يا أبا علائة
ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص
ص 486
في هذه السنة بويع يزيد بن الوليد الذي يقال له الناقص وإنما سمي الناقص لأنه نقص الزيادة التي كان الوليد زادها في عطيات الناس وهي عشرة عشرة ورد العطاء إلى ما كان أيام هشام وقيل أول من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذمه وذكر الحاده وأنه قتله لفعله الخبيث وقال أيها الناس إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر ولا لبنة ولا أكتري نهرا ولا أكثر مالا ولا أعطيه زوجة وولدا ولا أنقل مالا عن بلد حتى أسد ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم فما فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم ولا أغلق بابي دونكم وأحمل على أهل جزيتكم ولكن أعطياتكم كل سنة وأرزاقكم في كل شهر حتى يكون أقصاكم كأدناكم فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن الوزارة وإن لم أف فلكم أن تخلعوني إلا أن أتوب وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه أيها الناس لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
ذكر اضطراب أمر بني أمية
ص 486
في هذه السنة اضطرب أمر بني أمية وهاجت الفتنة فكان من ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد قتل الوليد بعمان وكان حبسه الوليد بها فخرج من الحبس وأخذ ما كان بها من الأموال وأقبل إلى دمشق وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر
ذكر خلاف أهل حمص
ص 486
لما قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها وأقاموا النوائح والبواكي عليه وقيل لهم إن العباس بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله فهدموا داره ونهبوها وسلبوا حرمه وطلبوه فسار إلى أخيه يزيد فكاتبوا الأجناد ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد فأجابوهم واتفقوا أن لا يطيعوا يزيد وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير ووافقهم مروان بن عبد الله بن عبد الملك على ذلك فراسلهم يزيد فلم يسمعوا وجرحوا رسله فسير إليهم أخاه مسرورا في جمع كثير فنزلوا حوارين ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام فرد عليه يزيد ما كان الوليد أخذه من أموالهم وسيره إلى أخيه مسرور ومن معه وأمرهم بالسمع والطاعة له وكان أهل حمص يريدون المسير إلى دمشق فقال لهم مروان بن عبد الملك أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم فإن ظفرتم بهم كان ما بعدهم أهون عليكم ولست أرى المسير إلى دمشق وترك هؤلاء خلفكم فقال السمط بن ثابت إنما يريد خلافكم وهو مائل ليزيد والقدرية فقتلوه وقتلوا ابنه وولوا أبا محمد السفياني وتركوا عسكر سليمان ذات اليسار وساروا إلى دمشق فخرج سليمان مجدا فلحقهم بالسليمانية مزرعة كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عذراء وأرسل يزيد بن الوليد عبد العزيز بن الحجاج في ثلاثة آلاف إلى ثنية العقاب وأرسل هشام بن مصاد في ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية وأمرهم أن يمد بعضهم بعضا ولحقهم سليمان ومن معه على تعب فاقتتلوا قتالا شديد فانهزمت ميمنة سليمان وميسرته وثبت هو في القلب ثم حمل أصحابه على أهل حمص حتى ردوهم إلى موضعهم وحمل بعضهم على بعض مرارا فبيناهم كذلك إذ أقبل عبد العزيز بن الحجاج من ثنية العقاب فحمل على أهل حمص حتى دخل عسكرهم وقتل فيه من عرض له فانهزموا ونادى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري الله الله في قومك فكف الناس ودعاهم سليمان بن هشام إلى بيعة يزيد بن الوليد وأخذ أبو محمد السفياني أسيرا ويزيد بن خالد بن معاوية أيضا فأتى بهما سليمان فسيرهما إلى يزيد فحبسهما واجتمع أمر أهل دمشق ليزيد بن الوليد وبايعه أهل حمص فأعطاهم يزيد العطاء وأجاز الاشراف واستعمل عليهم يزيد بن الوليد معاوية بن يزيد بن الحصين
ذكر خلاف أهل فلسطين
ص 487
وفي هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه وكان قد استعمله عليهم الوليد وأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم وقالوا له ان أمير المؤمنين قد قتل فتول أمرنا فوليهم ودعا الناس إلى قتال يزيد فأجابوه وكان ولد سليمان ينزلون فلسطين وبلغ أهل الاردن أمر أهل فلسطين فولوا عليهم محمد بن عبد الملك واجتمعوا معهم على قتال يزيد بن الوليد وكان أمر أهل فلسطين إلى سعيد بن روح وضبعان بن روح وبلغ خبرهم يزيد بن الوليد فسير إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني وكانت عدتهم أربعة وثمانين ألفا وأرسل يزيد بن الوليد إلى سعيد وضبعان ابني روح فوعدهما وبذل لهما الولاية والمال فرحلا في أهل فلسطين وبقي أهل الأردن فأرسل سليمان خمسة آلاف فنهبوا القرى وساروا إلى طبرية فقال أهل طبرية ما نقيم والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهالينا فانتهبوا يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك وأخذوا دوابهما وسلاحهما ولحقوا بمنازلهم فلما تفرق أهل فلسطين والأردن سار سليمان حتى أتى الصنبرة وأتاه أهل الأردن فبايعوا يزيد بن الوليد وسار إلى طبرية فصلى بهم الجمعة وبايع من بها وسار إلى الرملة فأخذ البيعة على من بها واستعمل ضبعان بن روح على فلسطين وابراهيم بن الوليد بن عبد الملك على الأردن
ذكر عزل يوسف بن عمر عن العراق
ص 488
ولما قتل الوليد استعمل بزيد على العراق منصور بن جمهور وكان قد ندب قبله إلى ولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبي فقال لو كان معي جند لقبلت فتركه واستعمل منصورا ولم يكن منصور من أهل الدين وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية وحمية لقتل يوسف خالدا القسري فشهد لذلك قتل الوليد وقال له لما ولاه العراق اتق الله واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه ولما أظهر من الجور فلا تركب مثل ما قتلناه عليه ولما بلغ يوسف بن عمر قتل الوليد عمد إلى من بحضرته من اليمانية فسجنهم ثم جعل يخلو بالرجل بعد الرجل من المضرية فيقول ما عندك إن اضطرب الحبل فيقول المضري أنا رجل من أهل الشام أبايع من بايعوا وأفعل ما فعلوا فلم ير عندهم ما يحب فأطلق اليمانية وأقبل منصور فلما كان بعين التمر كتب إلى من بالحيرة من قواد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد وتأميره على العراق ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله وبعث الكتب كلها إلى سليمان بن سليم بن كيسان ليفرقها على القواد فحبس الكتب وحمل كتابه فأقرأه يوسف بن عمر فتحير في أمره وقال لسليمان ما الرأي قال ليس لك امام تقاتل معه ولا يقاتل أهل الشام معك ولا آمن عليك منصورا وما الرأي إلا أن تلحق بشامك قال فكيف الحيلة قال تظهر الطاعة ليزيد وتدعو له في خطبتك فإذا قرب منصور تستخفي عندي وتدعه والعمل ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص فأخبره بأمره وسأله أن يواري يوسف بن عمر عنده ففعل فانتقل يوسف إليه قال فلم ير رجل كان مثل عتوه خاف خوفه
وقدم منصور الكوفة فخطبهم وذم الوليد ويوسف وقامت الخطباء فذموهما معه فأتى عمرو بن محمد إلى يوسف فأخبره لا يذكر رجلا ممن ذكره بسوء الا قال لله علي أن أضربه كذا وكذا سوطا فجعل عمرو يتعجب من طمعه في الولاية وتهدده الناس وسار يوسف من الكوفة سرا إلى الشام فنزل البلقاء فلما بلغ خبره يزيد بن الوليد وجه إليه خمسين فارسا فعرض رجل من بني نمير ليوسف فقال يا ابن عمر أنت والله مقتول فأطعني وامتنع قال لا قال فدعني أقتلك أنا ولا تقتلك هذه اليمانية فتغيظنا بقتلك قال ما لي فما عرضت جنان قال فأنت أعلم فطلبه المسيرون لأخذه فلم يروه فهددوا ابنا له فقال انه انطلق إلى مزرعة له فساروا في طلبه فلما أحس بهم هرب وترك نعليه ففتشوا عليه فوجدوه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خز وجلسن على حواشيها حاسرات فجروا برجله وأخذوه وأقبلوا به إلى يزيد فوثب عليه بعض الحرس فأخذ بلحيته ونتف بعضها وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة فلما أدخل على يزيد قبض على لحية نفسه وهي إلى سرته فجعل يقول يا أمير المؤمنين نتفت والله لحيتي فما أبقي فيها شعرة فأمر به فحبس بالخضراء فأتاه انسان فقال له أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت فيلقي عليك حجرا فيقتلك فقال ما فطنت لهذا فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن يحول إلى حبس غير الخضراء وإن كان أضيق منه فعجب من حمقه فنقله وحبسه مع ابني الوليد فبقي في الحبس ولاية يزيد وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم فلما قرب مروان من دمشق ولى قتلهم يزيد بن خالد القسري مولى لأبيه خالد يقال له أبو الأسد ودخل منصور بن جمهور لأيام خلت من رجب فأخذ بيوت الأموال وأخرج العطاء والأرزاق وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج وبايع ليزيد بالعراق وأقام بقية رجب وشعبان ورمضان وانصرف لأيام بقين منه
ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور
ص 490
وفي هذه السنة امتنع نصر ين سيار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور بن جمهور وكان يزيد ولاها منصورا مع العراق وقد ذكرنا فيما تقدم ماكان من كتاب يوسف بن عمر إلى نصر بالمسير اليه ومسير نصر وتباطؤه وما معه من الهدايا فأتاه قتل الوليد فرجع نصر ورد تلك الهدايا وأعتق الرقيق وقسم حسان الجواري في ولده وخاصته وقسم تلك الآنية في عوام الناس ووجه العمال وأمرهم بحسن السيرة واستعمل منصور أخاه منصورا على الري وخراسان فلم يمكنه نصر من ذلك وحفظ نفسه والبلاد منه ومن أخيه
ذكر الحرب بين أهل اليمامة وعاملهم
ص 490
لما قتل الوليد بن يزيد كان على اليمامة علي بن المهاجر استعمله عليها يوسف بن عمر فقال له المهير بن سلمى بن هلال أحد بني الدؤل بن حنيفة اترك لنا بلادنا فأبى فجمع له المهير وسار إليه وهو في قصره بقاع هجر فالتقوا بالقاع فانهزم علي حتى دخل قصره ثم هرب إلى المدينة وقتل المهير ناسا من أصحابه وكان يحيى بن أبي حفص نهى ابن المهاجر عن القتال فعصاه فقال
( بذلت نصيحتي لبني كلاب % فلم تقبل مشاورتي ونصحي )
( فدى لبني حنيفة من سواهم % فإنهم فوارس كل فتح )
وقال شقيق بن عمرو السدوسي
( إذا أنت سلمت المهير ورهطه % أمنت من الأعداء والخوف والذعر )
( فتى راح يوم القاع روحة ماجد % أراد بها حسن السماع مع الأجر )
وهذا يوم القاع وتأمر المهير على اليمامة ثم إنه مات واستخلف على اليمامة عبد الله بن النعمان أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل فاستعمل عبد الله بن النعمان المندلث بن ادريس الحنفي على الفلج وهي قرية من قرى بني عامر بن صعصعة وقيل هي لبني تميم فجمع له بنو كعب بن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل وأبو الفلج المندلث وقاتلهم فقتل المندلث وأكثر أصحابه ولم يقتل من أصحاب بني عامر كثير وقتل يومئذ يزيد بن الطثرية وهي أمه نسبت إلى طثر بن عمرو بن وائل وهو يزيد بن المنتشر فرثاه أخوه ثور بن الطثرية
( أرى الأثل من نحو العقيق مجاوري % مقيما وقد غالت يزيد غوائله )
( وقد كان يحمي المحجرين بسيفه % ويبلغ أقصى حجرة الحي نائلة )
وهو يوم الفلج الأول فلما بلغ عبد الله بن النعمان قتل المندلث جمع ألفا من حنيفة وغيرها وغزا الفلج فلما تصاف الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلي فقال الراجز
( فر أبو لطيفة المنافق % والجفونيان وفر طارق )
( لما أحاطت بهم البوارق )
طارق بن عبد الله القشيري والجفونيان من بني قشير وتخللت بنو جعدة البراذع وولوا فقتل أكثرهم وقطعت يد زياد بن حيان الجعدي فقال
( أنشد كفا ذهبت وساعدا % أنشدها ولا أراني واجدا )
ثم قتل وقال بعض الربعيين
( سمونا لكعب بالصفائح والقنا % وبالخيل شعثا تنحني في الشكائم )
( فما غاب قرن الشمس حتى رأيتنا % نسوق بني كعب كسوق البهائم )
( بضرب يزيل الهام عن سكناته % وطعن كأفواه المزاد الثواجم )
وهذا اليوم هو يوم الفلج الثاني ثم إن بني عقيل وقشيرا وجعدة ونميرا تجمعوا وعليهم أبو سهلة النميري فقتلوا من لقوا من بني حنيفة بمعدن الصخراء وسلبوا نساءهم وكفت بنو نمير عن النساء ثم إن عمر بن الوازع الحنفي لما رأى ما فعل عبد الله بن النعمان يوم الفلج الثاني قال لست بدون عبد الله وغيره ممن يغير وهذه فترة يؤمن فيها عقوبة السلطان فجمع خيله وأتى الشريف وبث خيله فأغارت وغار هو فملئت يداه من الغنائم وأقبل ومن معه حتى أتى النشاش وأقبلت بنو عامر وقد حشدت فلم يشعر عمر بن الوازع إلا برعاء الابل فجمع النساء في فسطاط وجعل عليهن حرسا ولقي القوم فقاتهلم فانهزم هو ومن معه وهرب عمر الوازع فلحق باليمامة وتساقط من بني حنيفة خلق كثير في القلب من العطش وشدة الحر ورجعت بنو عامر بالأسرى والنساء وقال القحيف
( وبالنشاش يوم طار فيه % لنا ذكر وعد لنا فعال )
وقال أيضا
( فداء خالتي لبني عقيل % وكعب حين تزدحم الجدود )
( هم تركوا على النشاش صرعى % بضرب ثم أهونه شديد )
وكفت قيس يوم النشاش عن السلب فجاءت عكل فسلبتهم وهذا يوم النشاش ولم يكن لحنيفة بعده جمع غير أن عبيد الله بن مسلم الحنفي جمع جمعا وأغار على ماء لقشير يقال له حلبان فقال الشاعر
( لقد لاقت قشير يوم لاقت % عبيد الله إحدى المنكرات )
( لقد لاقت على حلبان ليثا % هزبرا لا ينام عن الترات )
وأغار على عكل فقتل منهم عشرين ألفا ثم قدم الثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري واليا على اليمامة من قيل أبيه يزيد بن عمر بن هبيرة حين ولي العراق لمروان الحمار فوردها وهم سلم فلم يكن حرب وشهدت بنو عامر على بني حنيفة فتعصب لهم المثنى لأنه قيسي أيضا فضرب عدة من بني حنيفة وحلقهم فقال بعضهم
( فإن تضربونا بالسياط فإننا % ضربناكم بالمرهفات الصوارم )
( وان تحلقوا من الرؤوس فإننا % قطعنا رؤوسا منكم بالغلاصم )
ثم سكنت البلاد ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي مستخفيا حتى قدم السري بن عبد الله الهاشمي واليا على اليمامة لبني العباس فدل عليه فقتله فقال نوح بن جرير الخطفي
( فلولا السري الهاشمي وسيفه % أعاد عبيد الله شرا على عكل )
ذكر عزل منصور عن العراق وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز
ص 492
في هذه السنة عزل يزيد بن الوليد بن عبد الملك منصور بن جمهور عن العراق واستعمل عليه بعده عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وقال له لما ولاه سر إلى العراق فإن أهله يميلون إلى أبيك فقدم إلى العراق وقدم بين يديه رسلا إلى من بالعراق من قواد الشام وخاف أن لا يسلم إليه منصور العمل فانقاد له أهل الشام وسلم إليه منصور العمل وانصرف إلى الشام ففرق عبد الله العمال وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم فنازعه قواد أهل الشام وقالوا تقسم على هؤلاء فيئنا وهن عدونا فقال لأهل العراق إني أريد أن أرد فيئكم عليكم وعلمت أنكم أحق به فنازعني هؤلاء فاجتمع أهل الكوفة بالجبانة فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون وثار غوغاء الناس من الفريقين فأصيب منهم رهط لم يعرفوا واستعمل عبد الله بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان القبعثري وعلى خراج السواد والمحاسبات أيضا
ذكر الاختلاف بين أهل خراسان
ص 493
وفي هذه السنة وقع الاختلاف بخراسان بين النزارية واليمانية وأظهر الكرماني الخلاف لنصر بن سيار وكان السبب في ذلك أن نصرا رأى الفتنة قد ثارت فرفع حاصل بيت المال وأعطى الناس بعض اعطياتهم ورقا وذهبا من الآنية التي كان اتخذها للوليد فطلب الناس منه العطاء وهو يخطب فقال نصر إياكم والمعصية وعليكم بالطاعة والجماعة فوثب أهل السوق إلى أسواقهم فغضب نصر وقال مالكم عندي عطاء ثم قال كأني بكم وقد نبع من تحت أرجلكم شر لا يطاق وكأني بكم مطرحين في الأسواق كالجزر المنحورة إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملوها وأنتم يا أهل خراسان مسلحة في نحور العدو فإياكم ان يختلف فيكم سفيان إنكم تريشون أمرا بريدون به الفتنة ولا أبقى الله الفتنة ولا أبقى الله عليكم لقد نشرتكم وطويتم فما عندي منكم عشرة وإني وإياكم كما قيل
( استمسكوا أصحابنا بحدوبكم % فقد عرفنا خيركم وشركم )
فاتقوا الله فوالله لئن اختلف فيكم سفيان ليتمنين أحدكم أنه ينخلع من ماله وولده يا أهل خراسان إنكم قد غمصتم الجماعة وركنتم إلى الفرقة اسلطان المجهول تريدون وتنتظرون ان فيه لهلاككم معشر العرب ثم تمثل بقول النابغة الذبياني
( فإن يغلب شقاؤكم عليكم % فإني في صلاحكم سعيت ) وقدم على نصر عهده على خراسان من عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فقال الكرماني لأصحابه الناس في فتنة فانظروا لأموركم رجلا وإنما سمي الكرماني لأنه ولد بكرمان واسمه جديع بن علي الأزدي المعني فقالوا له أنت لنا وقالت المضرية لنصر إن الكرماني يفسد عليك الأمور فأرسل غليه فاقتله أو احبسه فقال لا ولكن لي أولاد ذكور واناث فأزوج بني من بناته وبناتي من بنيه قالوا لا قال فابعث إليه بمائة ألف درهم وهو بخيل ولا يعطي أصحابه شيئا منها فيتفرقون عنه قالوا لا هذه قوة له ولم يزالوا به حتى قالوا له ان الكرماني لو لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهود وكان نصر والكرماني متصافين وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله فلما ولي نصر عزل الكرماني عن الرياسة وولاها غيره فتباعد ما بينهما فلما اكثروا على نصر في أمر الكرماني عزم على حبسه فأرسل صاحب حرسه ليأتيه به فأرادت الازد أن تخلصه من يده فمنعهم من ذلك وسار مع صاحب الحرس إلى نصر وهو يضحك فلما دخل عليه قال له نصر يا كرماني ألم يأتني كتاب يوسف بن عمر بقتلك فراجعته وقلت شيخ خراسان وفارسها فحقنت دمك قال بلى قال ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمته في أعطيات الناس قال بلى قال ألم أرئس ابنك عليا على كره من قومك قال بلى قال فبدلت ذلك اجماعا على الفتنة قال الكرماني لم يقل الأمير شيئا إلا وقد كان أكثر منه وأنا لذلك شاكر وقد كان مني أيام أسد ما قد علمت فليتأن الأمير فلست أحب الفتنة فقال سالم بن أحوز اضرب عنقه ايها الأمير فقال عصمة بن عبد الله الاسدي للكرماني إنك تريد الفتنة وما لا تناله فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نعيم العامري لجلساء فرعون خير منكم إذ قالوا أرجه وأخاه والله لا يقتل الكرماني بقولكما فأمر بضربه وحبس في القهندز لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة فتكلمت الأزد فقال نصرإني حلفت أن أحبسه ولا يناله مني سوء فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه فاختاروا يزيد النحوي فكان معه فجاء رجل من أهل نسف فقال لآل الكرماني ما تجعلون لي ان اخرجته قالوا كل ما سألت فأتى مجرى الماء في القهندز فوسعه وقال لولد الكرماني اكتبوا إلى أبيكم يستعد الليلة للخروج فكتبوا إليه وادخلوا الكتاب في الطعام فتعشى الكرماني ويزيد النحوي وخضر بن حكيم وخرجا من عنده ودخل الكرماني السرب فانطوت على بطنه حية فلم تضره وخرج من السرب وركب فرسه البشير والقيد في رجله فأتوا به عبد الملك بن حرملة فأطلق عنه وقيل بل خلص الكرماني مولى له رأى خرقا في القهندز فوسعه وأخرجه فلم يصل الصبح حتى اجتمع معه زهاء ألف ولم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف وكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة على كتاب الله وسنة رسوله فلما خرج الكرماني قدمه عبد الملك فلما هرب الكرماني عسكر نصر بباب مرو الروذ وخطب الناس فنال من الكرماني فقال ولد بكرمان فكان كرمانيا ثم سقط إلى هراة فصار هرويا والساقط بين الفراشين لا أصل ثابت ولا فرع نابت ثم ذكر الازد فقال ان يستوثقوا فهم أذل قوم وان تابوا فهم كما قال الأخطل
( ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت % فدل عليها صوتها حية البحر )
ثم ندم على فرط منه فقال اذكروا الله فإنه خير لا شر فيه ثم اجتمع إلى نصر بشر كثير فوجه سالم بن أحوز في المجففه إلى الكرماني فسفر الناس بين نصر والكرماني وسألوا نصرا أن يؤمنه ولا يحبسه وجاء الكرماني فوضع يده في يد نصر فأمره بلزوم بيته ثم بلغ الكرماني عن نصر شيء فخرج إلى قرية له فخرج نصر فعسكر بباب مرو فكلموه فيه فأمنه وكان رأي نصر إخراجه من خراسان فقال له سالم بن أحوز إن أخرجته ووهنت بأسه قال الناس إنما أخرجه لأنه هابه فقال نصر إن الذي اتخوفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوفه منه وهو مقيم والرجل إذا نفي عن بلده صغر أمره فأبوا عليه فأمنه وأعطى أصحابه عشرة عشرة وأتى الكرماني نصرا فأمنه فلما عزل ابن جمهور عن العراق وولي عبد الله بن عمبر بن عبد العزبز في شوال سنة ست وعشرين خطب نصر وذكر ابن جمهور وقال قد علمت أنه لم يكن من عمال العراق وقد عزله الله واستعمل الطيب ابن الطيب فغضب الكرماني لابن جمهور وعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح فكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة وأكثر وأقل فيصلي خارج المقصورة ثم يدخل فيسلم على نصر ولا يجلس ثم ترك اتيان نصر وأظهر الخلاف فأرسل اليه نصر مع سالم بن أحوز يقول له إني والله ما أردت بحبسك سوءا ولكن خفت فسادا من الناس فأتني فقال لولا انك في منزلي لقتلتك ارجع إلى ابن الأقطع وأبلغه ما شئت من خير أو شر فرجع إلى نصر فأخبره فلم يزل يرسل إليه مرة بعد أخرى فكان آخر ما قاله له الكرماني إني لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد فتركب منا ما لا بقية بعده فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة وأسفك الدماء فيها فتهيأ للخروج إلى جرجان المعنى بفتح الميم وسكون العين المهملة وبعدها نون نسبة إلى قبيلة من الأزد
ذكر خبر الحرث بن سريج وأمانه
ص 496
وفي هذه السنة أومن الحرث بن سريج وهو ببلاد الترك وكان مقامه عندهم اثنتي عشرة سنة وأمر بالعود إلى خراسان وكان السبب في ذلك أن الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر والكرماني خاف نصر قدوم الحرث عليه في أصحابه والترك فيكون أشد عليه من الكرماني وغيره وطمع أن يناصحه فأرسل إليه مقاتل بن حيان النبطي وغيره ليردوه من بلاد الترك وسار خالد بن زياد الترمذي وخالد بن عمرو مولى بني عامر إلى يزيد بن الوليد فأخذا للحرث منه أمانا فكتب له أمانه وأمر نصر أن يرد عليه ما أخذ له وأمر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل الكوفة بذلك أيضا فأخذا الأمان وسار إلى الكوفة ثم إلى خراسان فأرسل نصر إليه فلقيه الرسول وقد رجع مع مقاتل بن حيان وأصحابه فوصل إلى نصر وقال بمرو الروذ ورد نصر عليه ما أخذ له وكان عوده سنة سبع وعشرين ومائة
ذكر شيعة بني العباس
ص 496
في هذه السنة وجه إبراهيم بن محمد الامام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان وبعث معه بالسيرة والوصية فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة فنعى إليهم محمد بن علي ودعاهم إلى ابنه إبراهيم ودفع إليهم كتابه فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة فقدم بها بكير على إبراهيم
ذكر بيعة إبراهيم بن الوليد بالعهد
ص 496
وفي هذه السنة أمر يزيد بن الوليد بالبيعة لأخيه إبراهيم ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وكان السبب في ذلك أن يزيد مرض سنة ست وعشرين ومائة فقيل له ليبايع لهما ولم تزل القدرية بيزيد حتى أمر بالبيعة لهما
ذكر مخالفة مروان بن محمد
ص 497
وفي هذه السنة أظهر مروان بن محمد الخلاف ليزيد بن الوليد وكان السبب في ذلك أن الوليد لما قتل كان عبد الملك بن مروان بن محمد مع الغمر بن يزيد أخي الوليد بحران بعد انصرافه من الصائفة وكان على الجزيرة عبدة بن الرياح الغساني عاملا للوليد فلما قتل الوليد سار عبدة عنها إلى الشام فوثب عبد الملك بن مروان بن محمد على حران والجزيرة فضبطهما وكتب إلى أبيه بأرمينية يعلمه بذلك ويشير عليه بتعجيل السير فتهيأ مروان للمسير وأنفذ إلى الثغور من يضبطها ويحفظها وأظهر أنه يطلب بدم الوليد وسار ومعه الجنود ومعه ثابت بن نعيم الجذامي من أهل فلسطين وسبب صحبته له أن هشاما كان قد حبسه
وسبب حبسه أن هشاما أرسله إلى افريقية لما قتلوا عامله كلثوم بن عياض فأفسد الجند فحبسه هشام وقدم مروان على هشام في بعض وفداته فشفع فيه فأطلقه فاستصحبه معه فلما سار مروان مسيرة هذا أمر ثابت بن نعيم من مع مروان من أهل الشام بالانضمام إليه ومفارقة مروان ليعودوا إلى الشام فأجابوه إلى ذلك فاجتمع معه ضعف من مع مروان وباتوا يتحارسون فلما أصبحوا اصطفوا للقتال فأمر مروان منادين ينادون بين الصفين يا أهل الشام ما دعاكم إلى هذا ألم أحسن فيكم السيرة فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة الخليفة وقد قتل وبايع أهل الشام يزيد فرضينا بولاية ثابت ليسير بنا إلى أجنادنا فنادوهم كذبتم فإنكم لا تريدون ما قلتم وإنما تريدون أن تغصبوا من مررتم به من أهل الذمة أموالهم وما بيني وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إلي فأسير بكم إلى الغزاة ثم أترككم تلحقون بأجنادكم فانقادوا له فأخذ ثابت بن نعيم وأولاده وحبسهم وضبط الجند حتى بلغ حران وسيرهم إلى الشام ودعا أهل الجزيرة إلى العرض فعرض نيفا وعشرين الفا وتجهز للمسير إلى يزيد وكاتبه ليبايع له ويوليه ما كان عبد الملك بن مروان ولى أباه محمد بن مروان من الجزيرة وأرمينية والموصل واذربيجان فبايع له مروان وأعطاه يزيد ولاية ما ذكر له
ذكر وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك
ص 498
وفي هذه السنة توفي يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة وكان خلافته ستة أشهر وليلتين وقيل كانت ستة أشهر واثني عشر يوما وقيل خمسة أشهر واثني عشر يوما وكان موته بدمشق وكان عمره ستا وأربعين سنة وقيل سبعا وثلاثين سنة وكانت أمه أم ولد اسمها شاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو القائل
( أنا ابن كسرى وأبي مروان % وقيصر جدي وجدي خاقان )
إنما جعل قيصر وخاقان جديه لأن أم فيروز بن يزدجرد ابنة مسرى شيرويه بن كسرى وأمها ابنة قيصر وأم شيرويه ابنة خاقان ملك الترك وكان آخر ما تكلم به واحسرتاه وا أسفاه ونقش خاتمه العظمة لله وهو أول من خرج بالسلاح يوم العيد خرج بين صفين عليهم السلاح 0 قيل إنه كان قدريا وكان أسمر طويلا صغير الرأس جميلا
ذكر خلافة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك
ص 498
فلما مات يزيد بن الوليد قام بالأمر بعده أخوه إبراهيم غير أنه لم يتم له الأمر فكان يسلم عليه تارة بالخلافة وتارة بالامارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما فمكث أربعة أشهر وقيل سبعين يوما ثم سار إليه مروان بن محمد فخلعة على ما نذكره ثم لم يزل حيا حتى اصيب سنة اثنتين وكنيته أبو اسحاق وأمه أم ولد
ذكر استيلاء عبد الرحمن بن حبيب على افريقية
ص 498
كان عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع قد انهزم لما قتل أبوه وكلثوم بن عياض سنة اثنتين وعشرين ومائة وسار إلى الأندلس وقد ذكرناه وأراد أن يتغلب عليها فلم يمكنه ذلك فلما ولي حنظلة بن صفوان افريقية على ما ذكرناه وجه أبا الخطار إلى الأندلس أميرا فايس حينئذ عبد الرحمن مما كان يرجوه فعاد إلى افريقية وهو خائف من أبي الخطار وخرج بتونس من افريقية في جمادى الأولى سنة ست وعشرين وقد ولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك الخلافة بالشام فدعا الناس إلى نفسه فأجابوه فسار بهم إلى القيروان فأراد من بها قتاله فمنعهم حنظلة وكان لا يرى القتال إلا لكافر أو خارجي وأرسل إليه حنظلة رسالة مع جماعة من أعيان القيروان رؤساء القبائل يدعوه إلى مراجعة الطاعة فقبضهم وأخذهم معه إلى القيروان وقال إن رمى أحد من أهل القيروان بحجر قتلت من عندي أجمعين فلم يقاتله أحد فخرج حنظلة إلى الشام واستولى عبد الرحمن على القيروان سنة سبع وعشرين ومائة وسائر افريقية ولما خرج حنظلة إلى الشام دعا على أهل افريقية وعبد الرحمن فاستجيب له فيهم فوقع الوباء والطاعون سبع سنين لم يفارقهم إلا في أوقات متفرقة وثار بعبد الرحمن جماعة من العرب والبربر ثم قتل بعد ذلك
فممن خرج عليه عروة بن الوليد الصدفي واستولى على تونس وقام أبو عطاف عمران بن عطاف الأزدي فنزل بطيفاس وثارت البربر بالجبال وخرج عليه ثابت الصنهاجي بباجة فأخذها فأحضر عبد الرحمن أخاه الياس وجعل معه ستمائة فارس وقال له سر حتى تجتاز بعسكر أبي عطاف الأزدي فاذا رآك عسكره فارقهم وسر عنهم كأنك تريد تونس إلى قتال عروة بن الوليد بها فاذا أتيت موضع كذا فقف فيه حتى يأتيك فلان بكتابي فافعل بما فيه فسار الياس ودعا عبد الرحمن إنسانا وهو الرجل الذي قال لأخيه الياس عنه وأطاه كتابا وقال له امض حتى تدخل عسكر أبي عطاف فاذا أشرف عليهم الياس ورأيتهم يدعون السلاح والخيل فاذا فارفهم الياس ووضعوا السلاح عنهم وأمنوا فسر اليه وأوصل كتابي اليه فمضى الرجل ودخل عسكر أبي عطاف وقاربهم الياس فتحركوا للركوب ثم فارقهم الياس نحو تونس فسكنوا وقالوا قد دخل بين فكي أسد نحن من ههنا وأهل تونس من هناك وأمنوا وصمموا العزم على المسير خلفه فلما أمنوا سار ذلك الرجل إلى الياس فأوصل إليه كتاب أخيه عبد الرحمن فاذا فيه ان القوم قد أمنوك فسر إليهم وهم في غفلتهم فعاد الياس إليهم وهم غارون فلم يلحقوا يلبسون سلاحهم حتى دهمهم فقتلهم وقتل أبا عطاف أميرهم سنة ثلاثين ومائة وأرسل إلى أخيه عبد الرحمن يبشره بذلك فكتب إليه عبد الرحمن يأمره بالمسير إلى أهل تونس ويقول إنهم إذا رأوك ظنوك أبا عطاف فأمنوك فظفرت بهم فسار إليهم فكان كما قال عبد الرحمن ووصل إليها وصاحبها عروة بن الوليد في الحمام فلم يلحق يلبس ثيابه حتى غشيه الياس فالتحف بمنشفة ينشف بها بدنه وركب فرسه عريانا وهرب فصاح به الياس يا فارس العرب فعاد إليه فضربه الياس واحتضنه عروة فسقطا إلى الأرض وكاد عروة يظهر على الياس فأتاه مولى لالياس فقتله واحتز رأسه وسيره إلى عبد الرحمن
وأقام الياس بتونس وخرج عليه رجلان بطرابلس اسمهما عبد الجبار والحرث وقتلا من أهل البلد جماعة كثيرة فسار عليهم عبد الرحمن سنة إحدى وثلاثين ومائة وقاتلهما فقتلا وكانا يدينان بمذهب الأباضية من الخوارج وجند عبد الرحمن في قتال البربر وعمر عبد الرحمن سور طرابلس سنة اثنتين وثلاثين ومائة ثم انه عاد إلى القيروان وغزا تلمسان وبها جمع كثير من البربر فظفر بهم وذلك سنة خمس وثلاثين وسير جيشا إلى صقلية فظفروا وغنموا غنيمة كثيرة وبعث جيشا آخر إلى سردانية فغنموا وقتلوا في الروم ودوخ المغرب جميعه ولم ينهزم له عسكر وقتل مروان بن محمد وزالت دولة بني أمية وعبد الرحمن بافريقية فخطب للخلفاء العباسيين وأطاع السفاح ثم قدم عليه جماعة من بني أمية فتزوج هو وإخوته منهم وكان فيمن قدم عليه منهم العاص وعبد المؤمن ابنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك وكانت ابنة عمهما تحت الياس أخي عبد الرحمن فبلغ عبد الرحمن عنهما السعي في الفساد عليه فقتلهما فقالت ابنة عمهما لزوجها الياس إن أخاك قد قتل اختانك ولم يراقبك فيهم وتهاون بك وأنت سيفه الذي يضرب به وكلما فتحت له فتحا كتب إلى الخلفاء أن ابني حبيبا فتحه وقد جعل له العهد بعده وعزلك عنه ولم تزل تغريه به فتحرك لقولها وأعمل الحيلة على أخيه ثم ان السفاح توفي وولي الخلافة بعده المنصور فأقر عبد الرحمن على افريقية وأرسل إليه خلعة سوداء أول خلافته فلبسها وهي أول سواد دخل افريقية فأرسل إليه عبد الرحمن هدية وكتب يقول ان افريقية اليوم اسلامية وقد انقطع السبي منها والمال فلا تطلب مني مالا فغضب المنصور وأرسل إليه يتهدده فخلع المنصور بإفريقية ومزق خلعته وهو على المنبر وكان خلع المنصور مما أعان أخاه الياس عليه فاتفق جماعة من وجوه القيروان معه على أن يقتلوا عبد الرحمن ويولوه ويعيدوا الدعاء للمنصور فبلغ عبد الرحمن فأمر أخاه الياس بالمسير إلى تونس فتجهز ودخل إليه يودعه ومعه أخوه عبد الوارث فلما دخلا على عبد الرحمن قتلاه وكان قتله في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين ومائة وكانت إمارته على افريقية عشر سنين وسبعة أشهر ولما قتل ضبط الياس أبواب الدار ليأخذ ابنه حبيبا فلم يظفر به وهرب حبيب إلى تونس واجتمع بعمه عمران بن حبيب وأخبره بقتل أبيه وسار الياس إليهما واقتتلوا قتالا يسيرا ثم اصطلحوا على أن يكون لحبيب فقصة وقسطيلة ونفزة ويكون لعمران تونس وصطفورة والجزيرة ويكون سائر افريقية لالياس وكان هذا الصلح سنة ثمان وثلاثين ومائة فلما اصطلحوا سار حبيب بن عبد الرحمن إلى عمله ومضى الياس مع أخيه عمران إلى تونس فغدر بعمران أخيه وقتله وأخذ تونس وقتل بها جماعة من أشراف العرب وعاد إلى القيروان فلما استقر بها بعث بطاعته إلى المنصور مع وفد منهم عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضي افريقية
ثم سار حبيب إلى تونس فملكها فسار إليه إلياس واقتتلوا قتالا ضعيفا فلما جنهم الليل ترك حبيب خيامه وسار جريدة إلى القيروان فدخلها وأخرج من في السجن وكثر جمعه ورجع الياس في طلبه ففارقه أكثر أصحابه وقصدوا حبيبا فعظم جيشه وخرج إليه فالتقيا فغدر أصحاب الياس وبرز حبيب بين الصفين فقال له لم نقتل صنائعنا وموالينا ولكن ابرز أنت إلي فأينا قتل صاحبه استراح منه فتوقف الياس ثم برز إليه فاقتتلا قتالا شديدا فكسر فيه رمحاهما ثم سيفاهما ثم ان حبيبا عطف عليه فقتله ودخل القيروان وكان ذلك سنة ثمان وثلاثين ومائة وهرب إخوة الياس إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة فاعتصموا بهم فسار إليهم حبيب فقاتلهم فهزموه فسار إلى قابس وقوي أمر ورفجومة حينئذ وأقبلت البربر إليهم والخوارج وكان مقدم ورفجومة رجلا اسمه عاصم بن جميل وكان قد ادعى النبوة والكهانة فبدل الدين وزاد الصلاة وأسقط ذكر النبي من الأذان فجهز عاصم من عنده من العرب على قصد القيروان وأتاه رسل جماعة من أهل القيروان يدعونه إليهم وأخذوا عليه العهود والمواثيق بالحماية والصيانة والدعاء للمنصور فسار إليهم عاصم في البربر والعرب فلما قاربوا القيروان خرج من بها لقتالهم فاقتتلوا وانهزم أهل القيروان ودخل عاصم ومن معه القيروان فاستحلت ورفجومة المحرمات وسبوا النساء والصبيان وربطوا دوابهم في الجامع وأفسدوا فيه ثم سار عاصم يطلب حبيبا وهو بقابس فادركه واقتتلوا وانهزم حبيب إلى جبل اوراس فاحتمى به وقام بنصره من به ولحق به عاصم فالقوا واقتتلوا فانهزم عاصم وقتل هو واكثر أصحابه وسار حبيب إلى القيروان فخرج إليه عبد الملك بن أبي الجعد وقد قام بأمر ورفجومة بعد قتل عاصم فاقتتل هو وحبيب فانهزم حبيب وقتل هو وجماعة من أصحابه في المحرم سنة أربعين ومائة وكانت امارة عبد الرحمن بن حبيب على افريقية عشر سنين وأشهرا وإمارة اخيه الياس سنة وستة أشهر وأمارة ابنه حبيب ثلاث سنين
ذكر اخراج ورفجومة من القيروان
ص 502
ولما قتل حبيب بن عبد الرحمن عاد عبد الملك بن أبي الجعد إلى القيروان وفعل ما كان يفعله عاصم من الفساد والظلم وقلة الدين وغير ذلك ففارق القيروان أهلها فاتفق أن رجلا من الاباضية دخل القيروان لحاجة له فرأى ناسا من الورفجوميين قد أخذوا امرأة قهرا والناس ينظرون فادخلوها الجامع فترك الاباضي حاجته وقصد أبا الخطاب عبد الاعلى بن السمح المعافري فاعلمه ذلك فخرج أبو الخطاب وهو يقول بيتك اللهم بيتك فاجتمع إليه أصحابه من كل مكان وقصدوا طرابلس الغرب واجتمع اليه الناس من الاباضية والخوارج وغيرهم وسير اليهم عبد الملك مقدم ورفجومة جيشا فهزموه وساروا إلى القيروان فخرجت إليهم ورفجومة واقتتلوا واشتد القتال فانهزم أهل القيروان الذين مع ورفجومة وخذلوهم فتبعهم ورفجومة في الهزيمة وكثر القتل فيهم وقتل عبد الملك الورفجومي وتبعهم أبو الخطاب يقتلهم حتى أسرف فيهم وعاد إلى طرابلس واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم الفارسي وكان قتل ورفجومة في صفر سنة إحدى وأربعين ثم ان جماعة كثيرة من المسودة سيرهم محمد بن الاشعث الخزاعي أمير مصر للمنصور إلى طرابلس لقتال أبي الخطاب وعليهم أبو الأحوص عمر بن الاحوص العجلي فخرج إليهم أبو الخطاب وقاتلهم وهزمهم سنة اثنتين وأربعين فعادوا إلى مصر واستولى أبو الخطاب على سائر افريقية فسير إليه المنصور محمد بن الاشعث الخزاعي أميرا على افريقية فسار من مصر سنة ثلاث وأربعين فوصل إليها في خمسين ألفا ووجه معه الاغلب بن سالم التميمي وبلغ أبا الخطاب مسيره فجمع أصحابه من كل ناحية فكثر جمعه وخافه ابن الاشعث لكثرة جموعه فتنازعت زنانة وهوارة بسبب قتيل من زنانة فاتهمت زنانة أبا الخطاب بالميل إليهم ففارقه جماعة منهم فقوي جنان ابن الاشعث وسار سيرا رويدا ثم أظهر أن المنصور قد أمره بالعود وعاد إلى ورائه ثلاثة أيام سيرا بطيئا فوصلت عيون أبي الخطاب وأخبرته بعوده فتفرق عنه كثير من أصحابه وأمن الباقون فقاد ابن الاشعث وشجعان عسكره مجدا فصبح أبا الخطاب وهو غير متأهب للحرب فوضعوا السيوف في الخوارج واشتد القتال فقتل أبو الخطاب وعامة أصحابه في صفر سنة أربع وأربعين ومائة
وظن ابن الاشعث أن مادة الخوارج قد انقطعت واذا هم قد أظل عليهم أبو هريرة الزناتي في ستة عشر ألفا فلقيهم اين الأشعث وقتلهم جميعا سنة أربع وأربعين وكتب إلى المنصور بظفره ورتب الولاة في الأعمال كلها وبنى سور القيروان فيها وتم سنة ست وأربعين وضبط افريقية وأمعن في طلب كل من خالفه من البربر وغيرهم فسير جيشا إلى زويلة ووران فافتتح وران وقتل من بها من الاباضية وافتتح زويلة وقتل مقدمهم عبد الله بن سان الاباضي واجلى الباقين فلما رأى البربر وغيرهم من أهل العبث والخلاف على الأمراء ذلك خافوه خوفا شديدا واذعنوا له بالطاعة فثار عليه رجل من جنده يقال له هاشم بن الشاحج بقمونية وتبعه كثير من الجند فسير إليه ابن الأشعث قائدا في عسكر فقتله هاشم وانهزم أصحابه وجعل المصرية من قواد ابن الأشعث يأمرون اصحابهم باللحاق بهاشم كراهية لابن الأشعث لأنه تعصب عليهم فبعث إليه ابن الأشعث جيشا آخر فاقتتلوا وانهزم هاشم ولحق بتاهرت وجمع طغام البربر فبلغت عدة عسكره عشرين ألفا فسار بهم إلى تهوذة فسير إليه ابن الأشعث جيشا فانهزم هاشم وقتلوا كثيرا من أصحابه البربر وغيرهم فسار إلى ناحية طرابلس وقدم رسول من المنصور إلى هاشم يلومه على مفارقة الطاعة فقال ما خالفت ولكني دعوت للمهدي بعد أمير المؤمنين وأنكر ابن الأشعث ذلك وأراد قتلي فقال له الرسول فإن كنت على الطاعة فمد عنقك فضربه بالسيف فقتله سنة سبع وأربعين في صفر وبذل الأمان لأصحاب هاشم جميعهم فعادوا وتبعهم ابن الأشعث بعد ذلك فقتلهم فغضب المضرية واجتمعت على عداوته وخلافه واجتمع رأيهم على إخراجه فلما رأى ذلك سار عنهم ولقيته رسل المنصور بالبر والإكرام فقدم عليه واستعمل المصرية على افريقية بعده عيسى بن موسى الخراساني وكان بعد مسير ابن الأشعث تأمير الخراساني ثلاثة أشهر واستعمل المنصور الأغلب التميمي على ما نذكره في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة وإنما أوردنا هذه الحوادث متتابعة لتعلق بعضها ببعض على ما شرطناه وقد ذكرنا كل حادثة في أي سنة كانت فحصل الغرضان
ذكر عدة حوادث
ص 504
في هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان فقدمها في ذي القعدة من السنة وحج بالناس عبد العزيز بن عبد بن عبد العزيز وقيل عمر بن عبد الله بن عبد الملك وكان العامل على العراق عبد الله بن عمربن عبد العزيز وعلى قضاء الكوفة ابن أبي ليلى وعلى البصرة المسور ابن عمل بن عباد وعلى قضائها عامر بن عبيدة وعلى خراسان نصر بن سيار الكناني
وفيها كاتب مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أمير الجزيرة العمر بن يزيد بن عبد الملك يحثه على الطلب بدم اخيه الوليد ويعده المساعدة له وإنجاده على ذلك
وفيها مات سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وقيل سنة سبع وعشرين وسعيد بن أبي سعيد المقبري ومالك بن دينار الزاهد وقيل مات سنة سبع وعشرين وقيل سنة ثلاثين
وفيها توفي الكميت بن زيد الشاعر الاسدي وكان مولده سنة ستين
وفيها توفي عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وقيل سنة احدى وثلاثين وفي إمارة يوسف بن عمر على العراق توفي أبو جمرة الضبعي صاحب ابن عباس جمرة بالجيم والراء المهملة ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة
ذكر قطع خطبة المأمون $
ص 505
في هذه السنة أمر الأمين باسقاط ما كان ضرب لأخيه المأمون من الدراهم والدنانير بخراسان في سنة أربع وتسعين ومائة لأنها لم يكن عليها اسم الأمين وأمر فدعي لموسى بن الأمين على المنابر ولقبه الناطق بالحق وقطع ذكر المأمون لقول بعضهم وكان موسى طفلا صغيرا ولابنه الآخر عبد الله ولقبه القائم بالحق
ذكر محاربة علي بن عيسى وطاهر
ص 505
ثم إن الأمين أمر علي بن عيسى بن ماهان بالمسير لحرب المأمون وكان سبب مسيره دون غيره أن ذا الرياستين كان له عين عند الفضل بن الربيع يرجع إلى قوله ورأيه فكتب ذو الرياستين إلى ذلك الرجل يأمره أن يشير بانفاذ ابن ماهان لحربهم وكان مقصوده أن ابن ماهان لما ولي خراسان أيام الرشيد أساء السيرة في أهلها فظلمهم فعزله الرشيد لذلك ونفر أهل خراسان عنه وأبغضوه فأراد ذو الرياستين أن يزداد أهل خراسان جدا في محاربة الأمين وأصحابه ففعل ذلك الرجل ما أمر ذو الرياستين فأمر الأمين بن ماهان بالمسير وقيل كان سببه أن عليا قال للأمين إن أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه إن قصدهم هو أطاعوه وانقادوا له وإن كان غيره فلا فأمره بالمسير وأقطعه كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقم واصبهان وغير ذلك وولاه حربها وخراجها وأعطاه الأموال وحكمه في الخزائن وجهز معه خمسين ألف دارس وكتب إلى أبي دلف القاسم بن إدريس بن عيسى العجلي وهلال بن عبد الله الحضرمي بالانضمام إليه وأمده بالأموال والرجال شيئا بعد شيء
فلما عزم على المسير من بغداد ركب إلى باب زبيدة أم الأمين ليودعها فقالت
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.