في هذه السنة صالح نصر بن سيار الصغد وسبب ذلك أن خاقان لما قتل في ولاية أسد تفرقت الترك في غارة بعضها على بعض فطمع أهل الصغد في الرجعة إليها وانحاز قوم منهم إلى الشاش فلما ولي نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الرجوع إلى بلادهم وأعطاهم ما أرادوا وكانوا ينالون شروطا أنكرها أمراء خراسان منها أن لا يعاقب من كان مسلما فارتد عن الاسلام ولا يعدى عليهم في دين لاحد من الناس ولا يؤخذ أسراء المسلمين من أيديهم إلا بقضية قاض وشهادة عدول فعاب الناس ذلك على نصر بن سيار وقالوا له فيه فقال لو عاينتم شوكتهم في المسلمين مثل ما عانيت ما أنكرتم ذلك وأرسل رسولا إلى هشام بن عبد الملك في ذلك فأجابه إليه
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة
في هذه السنة توفي عقبة بن الحجاج السلولي أمير الاندلس فقيل بل ثار به أهل الاندلس فخلعوه وولوا بعده عبد الملك بن قطن وهي ولايته الثانية وكانت ولايته في صفر منه هذه السنة وكانت البربر قد فعلت بافريقية ما ذكرناه سنة سبع عشرة ومائة وقد حصروا بلج بن بشر العبسي حتى ضاق عليه وعلى من معه الامر واشتد الحصر وهم صابرون إلى هذه السنة فأرسل إلى عبد الملك بن قطن يطلب منه أن يرسل إليه مراكب يجوز فيها هو ومن معه إلى الأندلس وذكر ما أنزل عليه من الشدة وأنهم أكلوا دوابهم فامتنع عبد الملك من إدخالهم الأندلس ووعدهم بإرسال المدد إليهم فلم يفعل فاتفق ان البربر قويت بالأندلس فاضطر عبد الملك إلى ادخال بلج ومن معه
وقيل إن عبد الملك استشار أصحابه في جواز بلج فخوفوه من ذلك فقال أخاف أمير المؤمنين أن يقول أهلكت جندي فأجازهم وشرط عليهم أن يقيموا سنة ويرجعوا إلى افريقية فأجابوه إلى ذلك وأخذ رهائنهم وأجازهم فلما وصلوا إليه رأى هو والمسلمون ما بهم من سوء الحال والفقر والعرى لشدة الحصار عليهم فكسوهم وأحسنة ا إليهم وقصدوا جمعا من البربر بشدونة فقاتلوهم فظفروا بالبربر فأهلكوهم وغنموا ما لهم ودوابهم وسلاحهم فصلحت أحوال أصحاب بلج وصار لهم دواب يركبونها ورجع عبد الملك بن قطن إلى قرطبة وقال لبلج ومن معه ليخرجوا من الأندلس فأجابوه إلى ذلك فطلبوا منه مراكب يسيرون فيها من غير الجزيرة الخضراء لئلا يلقوا البربر الذين حصروهم فامتنع عبد الملك وقال ليس لي مراكب إلا في الجزيرة فقالوا إننا لا نرجع نتعرض إلى البربر ولا نقصد الجهة التي هم فيها لأننا نخاف أن يقتلونا في بلادهم فألح عليهم في العود فلما رأوا ذلك ثاروا به وقاتلوه فظفروا به وأخرجوه من القصر وذلك أوائل ذي القعدة من هذه السنة فلما ظفر بلج بعبد الملك أشار عليه أصحابه بقتل عبد الملك فأخرجه من داره وكأنه فرخ لكبر سنه فقتله وصلبه وولي الأندلس وكان عمر عبد الملك تسعين سنة وهرب ابناه قطن وأمية فلحق أحدهما بماردة والآخر بسرقسطة وكان هربهما قبل قتل أبيهما فلما قتل فعلا ما نذكره إن شاء الله تعالى
في هذه السنة أوفد يوسف بن عمر الحكم بن الصلت إلى هشام يطلب إليه أن يستعمله على خراسان ويذكر أنه خبير بها وأنه عمل بها الأعمال الكثيرة ويقع في نصر بن سيار فتوجه هشام إلى دار الضيافة فاحضر مقاتل بن علي السعدي وقد قدم من خراسان ومعه مائة وخمسون من الترك فسأله عن الحكم وما ولي بخراسان فقال ولي قرية يقال لها الفارياب سبعون ألفا خراجها فأسره الحرث بن سريج فعرك أذنه وأطلقه وقال أنت أهون من أن أقتلك فلم يعزل هشام نصر بن سيار عن خراسان
وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار فرغانة غزوته الشاتية فأوفد وفدا إلى العراق عليهم معن بن أحمر النميري ثم إلى هشام فاجتاز بيوسف بن عمر وقال له يا ابن أحمر أيغلبكم الأقطع على سلطانكم يا معشر قريش قال قد كان ذاك فأمره أن يعيبه عند هشام فقال كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومي فلم يزل به قال فبم أعيبه أعيب تجربته أم طاعته أم يمن نفيبته أو سياسته قال عبه بالكبر فلما دخل على هشام ذكر جند خراسان ونجدتهم وطاعتهم فقال إلا أنهم ليس لهم قائد قال ويحك فما فعل الكناني يعني نصرا قال له بأس ورأي إلا أنه لا يعرف الرجل ولا يسمع صوته حتى يدني منه وما يكاد يفهم منه من الضعف لأجل كبره فقال شبيل بن عبد الرحمن المازني كذب والله إنه ليس بالشيخ يخشى خرفه ولا الشاب يخشى سفهه بل هو المجرب وقد ولي عامة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته فعلم هشام أن قول معن بوضع يوسف فلم يلتفت إلى قوله فرجع معن إلى يوسف فسأله أن يحول ابنه من خراسان ففعل فأرسل أحضر أهله وكان نصر لما قدم خراسان قد آثر فغزا وأعلى منزلته وشفعه في حوائجه فلما فعل هذا أجفى القيسية فحضروا عنده واعتذروا إليه وحج بالناس هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك وكان العمال في الأمصار هم العمال في السنة التي قبلها وفيها مات محمد بن واسع الأزدي البصري وقيل سنة سبع وعشرين وفيها توفي جعفر بن إياس وفيها مات ثابت البناني وقيل سنة سبع وعشرين وله ست وثمانون سنة وفيها توفي سعيد بن أبي سعيد المقبري واسم أبي سعيد كيسان وقيل مات سنة خمس وعشرين وقيل ست وعشرين ومالك بن دينار الزاهد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
