الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
54

ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة

الجزء الرابع 6 عنصر صفحة 422
ذكر قتل خاقان ص 422

لما دخل أسد الختل كتب ابن السايجي إلى خاقان وهو بنواكث يعلمه دخول أسد الختل وتفرق جنوده فيها وأنه يحتال مضيعة فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز وسار فلما أحس ابن السايجي بمجيء خاقان بعث إلى اسد اخرج عن الختل فإن خاقان قد أظلك فشتم الرسول ولم يصدقه فبعث ابن السايجي إني لم أكذبك وأنا الذي أعلمته دخولك وتفرق عسكرك وانها فرصة له وسألته المدد فإن لقيك على هذه الحال ظفر بك وعادتني العرب أبدا ما بقيت واستطال علي خالقان واشتدت مؤنته وقال أخرجت العرب من بلادك ورددت عليك ملكك فعرف أسد أنه قد صدقه فأمر بالأثقال أن تقدم وجعل عليها إبراهيم بن عاصم العقيلي وأخرج معه المشيخة

فسارت الأثقال ومعها أهل الصغانيان وصغان خذاه وأقبل أسد من الختل نحو جبل الملح يريد ان يخوض نهر بلخ وقد قطع إبراهيم بن عاصم بالسبي وما أصابوا وأشرف أسد على النهر فأقام يومه فلما كان الغد عبر النهر في مخاضة وجعل اناس يعبرون فأدركهم خاقان فقتل من لم يقطع النهر وكانت المسلحة على الازد وتميم فقاتلوا خاقان وانكشفوا وأقبل خاقان وظن المسلمون أنه لا يعبر إليهم النهر فلما نظر خاقان إلى النهر أمر الترك بعبوره فعبروه ودخل المسلمون عسكرهم وأخذ الترك ما رأوه خارجا وخرج الغلمان فضاربوهم بالعمد فعادوا وبات أسد والمسلمون وعبى أصحابه من الليل فلما أصبح لم ير خاقان فاستشار أصحابه فقالوا له اقبل العافية قال ما هذه عافية هذه بلية إن خاقان أصاب أمس من الجند والسلاح ما منعه اليوم منا إلا أنه قد أخبره بعض من أخذه من الأسرى بموضع الأثقال أمامنا فسار طمعا فيها فارتحل وبعث الطلائع فلما أمسى استشار الناس في النزول أو المسير فقال الناس اقبل العافية وما عسى أن يكون ذهاب الأموال بعافيتنا وعافية أهل خراسان ونصر بن سيار مطرق فقال له أسد مالك لا تتكلم قال أيها الأمير خلتان كلتاهما لك ان تسر تغث وتنجد من مع الأثقال وتخلصهم فإن انتهيت إليهم وقد هلكوا فقد قطعت مشقة لا بد من قطعها فقبل رأيه وسار بقية يومه

ودعا أسد سعيدا الصغير مولى باهلة وكان فارسا بأرض الختل وكتب معه كتابا إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد ويخبره بمسير خاقان إليه وقال له لتجد السير فطلب منه فرسه الذبوب فقال أسد لعمري لئن جدت بنفسك وبخلت عليك بالفرس إني إذا للئيم فدفعه إليه فأخذ معه جنيبا وسار فلما حاذى الترك وقد ساروا نحو الأثقال طلبته طلائعهم فركب الذبوب فلم يلحقوه فأتى إبراهيم بالكتاب وسار خاقان إلى الأثقال وقد خندق إبراهيم خندقا فأتاهم وهم قيام عليه فأمر أهل الصغد بقتالهم فهزمهم المسلمون وصعد خاقان تلا فجعل ينظر ليرى عورة يأتي منها وهكذا كان يفعل فلما صعد التل رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة فدعا بعض قواد الترك فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر حتى يصيروا إلى الجزيرة ثم ينحدروا حتى يأتوا عسكر المسلمين من خلفهم وأن يبدأوا بالأعاجم وأهل الصغانيان وقال لهم إن رجعوا إليكم دخلنا نحن ففعلوا ودخلوا من ناحية الأعاجم فقتلوا صغان خذاه وعامة أصحابه وأخذوا أموالهم ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا جميع ما فيه وترك المسلمون التعبية واجتمعوا في موضع وأحسوا بالهلاك وإذا رهج قد ارتفع وإذا أسد في جنده قد أتاهم فارتفعت الترك عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان وابراهيم يعجب من كفهم وقد ظفروا وقتلوا من قتلوا وهو لا يطمع في أسد وكان أسد قد أغذ المسير وأقبل حتى وقف على التل الذي كان عليه خاقان وتنحى خاقان إلى ناحية الجبل فخرج إلى أسد من كان بقي مع الأثقال وقد قتل منهم بشرا كثيرا ومضى خاقان بالأسرى والجمال الموقرة والجواري وأمر خاقان رجلا كان معه منه أصحاب الحرث بن سريج فنادى أسدا قد كان لك فيما وراء النهر مغزى إنك لشديد الحرص وقد كان عن الخبل مندوحة وهي أرض آبائي وأجدادي فقال أسد لعل الله أن ينتقم منك وسار أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى أتى الشتاء ثم فرق الناس في الدور ودخل المدينة وكان الحرث بن سريج بناحية طخارستان فانضم إلى خاقان فلما كان وسط الشتاء أقبل خاقان وكان لما فارق أسد أتى طخارستان فأقام عنه جبوية فأقبل فأتى الجوزجان وبث الغارات وسبب مجيئه أن الحرث أخبره أنه لا نهوض بأسد فلم يبق معه كثير جهد ونزل جزة فأتى الخبر إلى أسد بنزول خاقان بجزة فأمر بالنيران فرفعت بالمدينة فجاء الناس من الرساتيق إليها فأصبح أسد وصلى صلاة العيد عيد الأضحى وخطب الناس وقال إن عدو الله الحرث استجلب الطاغية ليطفئ نور الله ويبدل دينه والله مذله إن شاء الله وإن عدوكم قد أصاب من إخوانكم من أصاب وإن يرد الله نصركم لن يضركم قلتكم وكثرتهم فاستنصروا الله وإن أقرب ما يكون العبد من ربه إذا وضع جبهته له وإني نازل وواضع جبهتي فاسجدوا له وادعوه مخلصين ففعلوا ورفعوا رؤوسهم ولا يشكون في الفتح ثم نزل وضحى وشاور الناس في المسير إلى خاقان فقال قوم تحفظ مدينة بلخ وتكتب إلى خالد والخليفة تستمده وقال قوم نأخذ في طريق زم فتسبق خاقان إلى لا مرو وقال قوم بل تخرج إليهم فوافق خراسان والشام واستخلف على بلخ الكرماني بن علي وأمره أن لا يدع أحدا يخرج من مدينتها وإن ضرب الترك بابها ونزل بابا من أبواب بلخ وصلى بالناس ركعتين طولهما ثم استقبل القبلة ونادى في الناس ادعوا الله تعالى وأطال الدعاء فلما فرغ قال نصرتم ورب الكعبة ان شاء الله تعالى ثم سار فلما جاز قنطرة عطاء نزل وأراد المقام حتى يتلاحق به الناس ثم امر بالرحيل وقال لا حاجة لنا إلى المتخلفين ثم ارتحل وعلى مقدمته سالم بن منصور البجلي في ثلاثمائة فلقي ثلاثمائة من الترك طليعة لخاقان فأسر قائدهم وسبعة معه وهرب بقيتهم فأتى به أسد فبكى التركي فقال ما يبكيك قال لست ابكي لنفسي ولكني أبكي لهلاك خاقان انه قد فرق جنوده بينه وبين مرو فسار أسد حتى شارف مدينة الجوزجان فنزل عليها على فرسخين من خاقان وكان قد استباحها خاقان فلما اصبحوا تراءى العسكران فقال خاقان للحرث بن سريج ألم تكن أخبرتني أنه أسدا لا حراك به وهذه العساكر قد أقبلت من هذا قال هذا محمد بن المثنى ورايته فبعث خاقان طليعة وقال انظروا هل ترون على الإبل سريرا وكراسي فعادوا إليه فأخبروه أنهم رأوها فقال خاقان هذا أسد وسار أسد قدر غلوة فلقيه سالم بن جناح فقال أبشر أيها الأمير قد حزرتم ولا يبلغون أربعة آلاف وأرجو أن يكون خاقان عقيرة الله فصف أسد أصحابه وعبئ خاقان أصحابه فلما التقوا حمل الحرث ومن معه من الصغد وغيرهم وكانوا ميمنة خاقان على ميسرة أسد فهزمهم فلم يردهم شيء دون رواق أسد وحملت ميمنة أسد وهم الجوزجان والازد وتميم عليهم فانهزم الحرث من معه وانهزمت الترك جميعها وحمل الناس جميعا فتفرق الترك في الأرض لا يلوون على أحد فتبعهم الناس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون عليه حتى انتهوا إلى أغنامهم وأخذوا منها أكثر من مائة ألف وخمسين ألف رأس ودواب كثيرة وأخذ خاقان طريقا في الجبل والحرث يحميه وسار منهزما فقال الجوزجاني لعثمان بن عبد الله بن الشخير إني لأعلم ببلادي وبطرقها فهل تتبعني لعلنا نهلك خاقان قال نعم فأخذا طريقا وسارا ومن معهما حتى أشرفوا على خاقان فأوقعوا به فولى منهزما فحوى المسلمون عسكر الترك وما فيه من الأموال ووجدوا فيه من نساء العرب والموليات من نساء الترك من كل شيء ووحل بخاقان برذونه فحماه الحرث بن سريج ولم يعلم الناس أنه خاقان وأراد الخصي الذي لخاقان ان يحمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها واستنقذوا من كان مع خاقان من المسلمين وتتبع أسد خيل الترك التي فرقها في الغارة إلى مرو الروذ وغيرها فقتل من قدر عليه منهم ولم ينج منهم غير القليل ورجع إلى بلخ وكان بشر الكرماني في السرايا فيصيبون من الترك الرجل والرجلين وأكثر ومضى خاقان إلى طخارستان وأقام عند جبوية الخزلجي ثم ارتحل إلى بلاده فلما ورد أشروسنة تلقاه خرا بغره أبو خاناجزه جد كاوس أبي أفشين بكل ما قدر عليه وكان ما بينهما متباعدا إلا أنه أحب أن يتخذ عنده يدا ثم أتى خاقان بلاده واستعد للحرب ومحاصرة سمرقند وحمل الحرث وأصحابه على خمسة آلاف برذون فلاعب خاقان يوما كروصول بالنرد على خطر فتنازعا فضرب كورصول يد خاقان فكسرها وتنحى وجمع جمعا وبلغه أن خاقان قد حلف ليكسرن يده فبيت خاقان فقتله وتفرقت الترك وتركوه مجردا فأتاه نفر من الترك فدفنوه واشتغلت الترك يغير بعضها على بعض فعند ذلك طمع أهل الصغد في الرجعة إليها

وأرسل أسد مبشرا إلى هشام بن عبد الملك بما فتح الله عليهم وبقتل خاقان فلم يصدقه وقال للربيع حاجبه لا أظن هذا صادقا اذهب فعده ثم سله عما يقول ففعل ما أمره به فأخبره به هشام ثم أرسل أسد مبشرا آخر فوقف على باب هشام وكبر فأجابه هشام بالتكبير فلما انتهى إليه أخبره بالفتح فسجد شكرا لله تعالى فحسدت القيسية أسدا وقالوا لهشام اكتب بطلب مقاتل بن حيان النبطي ففعل فسيره أسد إلى هشام فلما دخل عليه أخبره لما كان فقال له هشام حاجتك قال إن يزيد بن المهلب اخذ من ابني مائة ألف درهم بغير حق فاستحلفه على ذلك فكبت إلى أسد فردها عليه من بيت مال خراسان وقسمها مقاتل بين ورثة حيان على كتاب الله تعالى وفرائضه وقال أبو الهندي يذكر هذه الوقعة

( أبا منذر رمت الأمور وقستها % وساءلت عنها كالحريص المساوم )

( فما كان ذو رأي من الناس قسته % برأيك الأمثل رأي البهائم )

( أبا منذر لولا مسيرك لم يكن % عراق ولا انقادت ملوك الأعاجم )

( ولا حج بيت الله من حج راكبا % ولا عمر البطحاء بعد المواسم )

( وكم من قتيل بين سان وجزة % كثير الأيادي من ملوك قماقم )

( تركت بأرض الجوزجان تزوره % سباع وعقبان لحز الغلاصم )

( وذي سوقة فيه من السيف خبطة % به رمق ملقى لحوم الحوائم )

( فمن هارب منا ومن دائن لنا % أسيرا يقاسي مهمهات الاداهم )

( فدتك نفوس من تميم وعامر % ومن مضر الحمراء عند المآزم )

( هم أطمعوا خاقان فينا فأصبحت % حلائبه ترجو خلو المغانم )

وكان ابن السايجي الذي أخبر أسدا بمجيء خاقان قد استخلفه السبل على مملكته عند موته وأوصاه بثلاث خصال قال لا تستطل على أهل الختل استطالتي عليهم فإني ملك وأنت لست بملك إنما أنت رجل منهم وقال له اطلب الحنيش حتى ترده إلى بلادكم فإنه الملك بعدي وكان الحنيش قد هرب إلى الصين وقال له لا تحاربوا العرب وادفعوها عنكم بكل حيلة فقال له ابن السايجي أما تركي استطالتي عليهم وردي الحنيش فهو الرأي وأما قولك لا تحاربوا العرب فكيف وقد كنت أكثر الملوك محاربة لهم قال السبل قد جربت قوتكم بقوتي فما رأيتكم تقعون مني موقعا وكنت إذا حاربتهم لم أفلت إلا حرضا وإنكم إذا حاربتموهم هلكتم فهذا الذي أكره إلى ابن السايجي و محاربة العرب

ذكر قتل المغيرة بن سعيد وبيان ص 427

في هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في ستة نفر وكانوا يسمون الوصفاء وكان المغيرة ساحرا وكان يقول لو أردت أن أحيي عادا وثمودأ وقرونا بين ذلك كثيرا لفعلت وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم بظهر الكوفة وهو يخطب فقال أطعموني ماء فقال يحيى بن نوفل في ذلك

( أخالد لا جزاك الله خيرا % وأير في حر أمك من أمير )

( وكنت لدى المغيرة عبد سوء % تبول من المخافة للزئير )

( وقلت لما أصابك أطعموني % شرابا ثم بلت على السرير )

( لأعلاج ثمانية وشيخ % كبير السن ليس بذي نصير )

فأرسل خالد فأخذهم وأمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع وأمر بالقصب والنفط فأحضر فأحرقهم وأرسل إلى مالك بن أعين الجرمي فسأله فصدقه فتركه وكان رأي المغيرة التجسيم يقول إن الله على صورة رجل على رأسه تاج وأن أعضاءه على عدد حروف الهجاء ويقول مالا ينطق به لسان تعالى الله عن ذلك ويقول إن الله تعالى لما أراد أن يخلق تكلم باسمه الأعظم فطار فوقع على تاجه ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات فلما رأى المعاصي ارفض عرقا فاجتمع من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والآخر عذب نير ثم اطلع في البحر فرأى ظله فذهب ليأخذه فطار فأدركه فقلع عيني ذلك الظل ومحقه فخلق من عينية الشمس وسماء أخرى وخلق من البحر الملح الكفار ومن البحر العذب المؤمنين وكان يقول بإلهية علي وتكفير أبي بكر وعمر وسائر الصحابة إلا من ثبت مع علي وكان يقول إن الأنبياء لم يختلفوا في شيء من الشرائع وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة وكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد على القبور وجاء المغيرة إلى محمد الباقر فقال له أقرر أنك تعلم الغيب حتى أجبي لك العراق فنهره وطرده وجاء إلى ابنه جعفر بن محمد الصادق فقال له مثل ذلك فقال أعوذ بالله وكان الشعبي يقول للمغيرة ما فعل الإمام فيقول أتهزأ به فيقول لا إنما أهزأ بك وأما بيان فإنه كان يقول بإلهية علي وأن الحسن والحسين إلهان ومحمد بن الحنفية بعدهم ثم بعده ابنه أبو هاشم بن محمد بنوع من التناسخ وكان يقول إن الله تعالى يفنى جميعه إلا وجهه ويحتج بقوله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا وادعى النبوة وزعم أنه المراد بقوله تعالى هذا بيان للناس

ذكر خبر الخوارج هذه السنة ص 428

في هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقب كثارة وهو من الموصل من شيبان فقتل وكان سبب خروجه أنه خرج يريد الحج فأمر غلامه يبتاع له خلا بدرهم فأتاه بخمر فأمره برده وأخذ الدرهم فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك فجاء بهلول إلى عامل القرية وهي من السواد فكلمه فقال العامل الخمر خير منك ومن قولك فمضى في حجه وقد عزم على الخروج فلقي بمكة من كان على مثل رأيه فاتعدوا قرية من قرى الموصل فاجتمعوا بها وهم أربعون رجلا وأمروا عليهم بهلولا وكتموا أمرهم وجعلوا لا يمرون بعامل إلا أخبروه أنهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال وأخذوا دواب البريد فلما انتهوا إلى القرية التي ابتاع الغلام بها الخمر قال بهلول نبدأ بهذا العامل فنقتله فقال أصحابه نحن نريد قتل خالد فإن بدأنا بهذا شهر أمرنا وحذرنا خالد وغيره فنشدناك الله أن لا تقتل هذا فيفلت منا خالد الذي يهدم المساجد ويبني البيع والكنائس ويولي المجوس على المسلمين وينكح أهل الذمة المسلمات فاذهب بنا إليه لعلنا نقتله فيريح الله منه فقال والله لا أدع ما يلزمني لما بعده وأرجو أن أقتل هذا وخالدا فقتله فعلم بهم الناس أنهم خوارج فهربوا وخرجت البرد إلى خالد فاعلموه بهم ولا يدرون من رئيسهم فخرج خالد من واسط وأتى الحيرة وكان بها جند قد قدموا من الشام مددا لعامل الهند فأمرهم خالد بقتاله وقال من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ما أخد في الشام وأعفيته من الخروج إلى أرض الهند فسارعوا إلى ذلك فتوجه مقدمهم وهو من بني القين ومعه ستمائة منهم فضم إليه خالد مائتين من الشرط فالتقوا على الفرات فقال القيني لمن معه من الشرط لا تكونوا معنا ليكون الظفر له ولأصحابه وخرج إليهم بهلول فحمل على القيني فطعنه فأنفذه وانهزم أهل الشام والشرط وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم حتى بلغوا الكوفة فأما أهل الشام فكانوا على خيل جياد ففاتوهم وأما شرط الكوفة فأدركهم فقالوا اتق الله فينا فإنا مكرهون مظهرون فجعل يقرع رؤوسهم بالرمح ويقول النجاء النجاء ووجد بهلول مع القيني بدرة فأخذها

وكان في الكوفة ستة يرون رأي بهلول فخرجوا إليه فقتلوا بصريفين فخرج بهلول ومعه البدرة فقال من قتل هؤلاء حتى أعطيه هذه البدرة فجاء قوم فقالوا نحن قتلناهم وهم يظنونه من عند خالد فقال بهلول لأهل القرية أصدق هؤلاء قالوا نعم فقتلهم وترك أهل القرية وبلغت الهزيمة خالدا وما فعل بصريفين فوجه إليه قائدا من شيبان أحد بني حوشب بن يزيد بن رويم فلقيه فيما بين الموصل والكوفة فانهزم أهل الكوفة فأتوا خالدا فارتحل بهلول من يومه يريد الموصل فكتب عامل الموصل إلى هشام بن عبد الملك يخبره بهم ويسأله جندا فكتب إليه هشام وجه إليه كثارة بن بشر وكان هشام لا يعرف بهلولا إلا بلقبه فكتب إليه العامل أن الخارج هو كثارة ثم قال بهلول لأصحابه إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئا يعني خالدا فلم لا نطلب الرأس الذي سلط خالدا فسار يريد هشاما بالشام فخاف عمال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم فسير خالد جندا من العراق وسير عامل الجزيرة جندا من الجزيرة ووجه هشام جندا من الشام واجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل وأقبل بهلول إليهم وقيل التقوا بكحيل دون الموصل فنزل بهلول على باب الدير وهو في سبعين وحمل عليهم فقتل منهم نفرا وقاتلهم عامة نهاره وكانوا عشرين ألفا فأكثر فيهم القتل والجراح ثم ان بهلولا وأصحابه عقروا دوابهم وترجلوا فقاتلوا قتالا شديدا فقتل كثير من أصحاب بهلول فطعن بهلول فصرع فقال له أصحابه ول أمرنا من بعدك من يقدم له فقال إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيباني وإن هلك فأمروا اليشكري ومات بهلول من ليلته فلما أصبحوا هرب دعامة وخلاهم فقال الضحاك بن قيس يرثي بهلولا

( بدلت بعد أبي بشر وصحبته % قوما علي مع الأحزاب أعوانا )

( كأنهم لم يكونوا من صحابتنا % ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا )

( بأعين أذري دموعا منك تهتانا % وابكي لنا صحبة بانوا وإخوانا )

( خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها % وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا )

فلما قتل بهلول خرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل وخرج البختري صاحب الأشهب وبهذا كان يعرف على خالد في ستين فوجه إليه خالد الشمط بن مسلم البجلي في أربعة آلاف فالتقوا بناحية الفرات فانهزمت الخوارج فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم ثم خرج وزير السختياني على خالد بالحيرة في نفر فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها ولا يلقى أحدا إلا قتله وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال فوجه إليه خالد جندا فقاتلوا عامة أصحابه وأثخن بالجراح وأتى به خالد وأقبل على خالد فوعظه فأعجب خالدا ما سمع منه فلم يقتله وحبسه عنده وكان يؤتى به في الليل فيحادثه فسعى بخالد إلى هشام وقيل أخذ حروريا قد قتل وحرق وأباح الأموال فجعله سميرا فغضب هشام وكتب إليه يأمره بقتله وكان خالد يقول إني أنفس به عن الموت فأخر قتله فكتب إليه هشام ثانيا يذمه ويأمره بقتله واحراقه فقتله وأحرقه ونفرا معه ولم يزل يتلوا القرآن حتى مات وهو يقرأ قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون

ذكر خروج الصحارى بن شبيب ص 431

وفي هذه السنة خرج الصحارى بن شبيب بن يزيد بناحية جبل وكان قد أتى خالدا يسأله الفريضة فقال خالد وما يصنع ابن شبيب بالفريضة فمضى وندم خالد وخاف أن يفتق عليه فطلبه فلم يرجع إليه وسار حتى أتى جبل وبها نفر من بني تيم اللات بن ثعلبة فأخبرهم فقالوا وما ترجو من ابن النصرانية كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به فقال والله ما أردت الفريضة وما أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني ثم أقتله بفلان يعني بفلان رجلا من قعدة الصفرية وكان خالد قتله صبرا ثم دعاهم إلى الخروج معه فتبعه منهم ثلاثون رجلا وخرج بهم فبلغ خبره خالدا فقال قد كنت خفتها منه ثم وجه إليه خالد جندا فلقوه بناحية المناذر فقاتلهم قتالا شديدا فقتلوه وجميع أصحابه

ذكر غزوة أسد الختل ص 431

وفيها غزا أسد الختل فوجه مصعب بن عمرو الخزاعي إليها فسار حتى نزل بقرب بدر طرخان فطلب الأمان ليخرج إلى أسد فآمنه مصعب وسيره إلى أسد فسأله أن يقبل منه ألف ألف درهم فأبى أسد وقال إنك دخلتها وأنت غريب من أهل الباميان اخرج من الختل كما دخلت فقال بدرطرخان فأنت دخلت إلى خراسان على عشرة من الدواب ولو خرجت منها لم تحتمل على خمسمائة بعير وغير ذلك إني دخلت الختل شابا فاردد علي شبابي وخذ ما كسبت منها فغضب أسد ورده إلى مصعب ليمكنه من العود إلى حصنه فوصل بدر طرخان مع مولى لأسد إلى مصعب فأخذه سلمة بن عبيد الله وهو من الموالي وقال إن الأمير يندم على تركه وحبسه عنده وأقبل أسد بالناس فقال لمجشر بن مزاحم كيف أنت قال مجشر كنت أمس أحسن حالا مني اليوم كان بدر طرخان في أيدينا وعرض ما عرض فلا الأمير قبل منه ما عرض عليه ولا هو شد يده عليه ولكنه خلى سبيله وأمر بإدخاله حصنه فندم أسد عند ذلك وأرسل إلى مصعب يسأله هل دخل بدر طرخان حصنه أم لا فجاء الرسول فوجده عند سلمة بن عبيد الله فحوله أسد إليه وأمر به فقطعت يده وقال من ههنا من أولياء أبي فديك رجل من الأزد كان بدرطرخان قد قتله فقام رجل من الأزد فقال أنا فقال اضرب عنقه ففعل وغلب أسد على القلعة العظمى وبقيت قلعة فوقها صغيرة وفيها ولده وأمواله فلم يصل إليها وفرق أسد العسكر في أودية الختل فملأ أيديهم من الغنائم والسبي وهرب أهله إلى الصين

ذكر عدة حوادث ص 432

في هذه السنة غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم وحج بالناس هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحج معه ابن شهاب الزهري وكان العامل على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام المخزومي وعلى العراق والمشرق كله خالد القسري وعلى خراسان أخوه أسد وقيل كان أسد قد هلك في هذه السنة واستخلف عليها جعفر بن حنظلة البهراني وقيل إنما هلك أسد سنة عشرين ومائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى وفيها غزا مروان بن محمد أرمينية فدخل بلاد اللان وسار فيها حتى خرج منها إلى بلاد الخزر فمر ببلنجر وسمندر وانتهى إلى البيضاء التي يكون فيها خاقان فهرب خاقان منه وفيها توفي حبيب بن أبي ثابت وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي وقيس بن سعد المكي وسليمان بن موسى الاشدق وأياس بن سلمة بن الأكوع

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.