ذكر قتل الجراح الحكمي
ص 392
في هذه السنة قتل الجراح بن عبد الله الحكمي وسبب ذلك ما ذكرناه قبل من دخوله بلاد الخزر وانهزامهم فلما هزمهم اجتمع الخزر والترك من ناحية اللان فلقيهم الجراح بن عبد الله فيمن معه من أهل الشام فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس فصبر الفريقان وتكاثرت الخزر والترك على المسلمين فاستشهد الجراح ومن كان معه بمرج أردبيل فكان قد استخلف أخاه الحجاج بن عبد الله على أرمينية ولما قتل الجراح طمع الخزر وأوغلوا في البلاد حتى قاربوا الموصل وعظم الخطب على المسلمين وكان الجراح خيرا فاضلا من عمال عمر بن عبد العزيز ورثاه كثير من الشعراء وقيل كان قتله ببلنجر ولما بلغ هشاما خبره دعا سعيدا الحرشي فقال له بلغني أن الجراح قد انحاز عن المشركين قال كلا يا أمير المؤمنين الجراح أعرف بالله من أن ينهزم ولكنه قتل قال فما رأيك قال تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد ثم تبعث الي كل يوم أربعين رجلا ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافوني ففعل ذلك هشام
وسار الحرشي فكان لا يمر بمدينة إلا ويستنهض أهلها فيجيبه من يريد الجهاد ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن فلقيه جماعة من أصحاب الجراح وبكوا وبكى لبكائهم وفرق فيهم نفقة وردهم معه وجعل لا يلقاه أحد من أصحاب الجراح إلا رده معه ووصل إلى خلاط وهي ممتنعة عليه فحصرها أيضا وفتحها وقسم غنائمها في أصحابه ثم سار عن خلاط وفتح الحصون والقلاع شيئا بعد شيء إلى أن وصل إلى برذعة فنزلها وكان ابن خاقان بومئذ بأذربيجان يغير وينهب ويسبي ويقتل وهو محاصر مدينة ورثان فخاف الحرشي أن يملكها فأرسل بعض أصحابه إلى أهل ورثان سرا يعرفهم وصولهم ويأمرهم بالصبر فسار القاصد ولقيه بعض الخزر فأخذوه وسألوه عن حاله فأخبرهم وصدقهم فقالوا له إن فعلت ما نأمرك به أحسنا إليك وأطلقناك وإلا قتلناك قال فما الذي تريدون قالوا تقول لأهل ورثان إنكم ليس لكم مدد ولا من يكشف ما بكم وتأمرهم بتسليم البلد إلينا فأجابهم إلى ذلك فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه فقال لهم أتعرفونني قالوا نعم أنت فلان قال فإن الحرشي قد وصل إلى مكان كذا في عساكر كثيرة وهو يأمركم بحفظ البلد والصبر ففي هذين اليومين يصل إليكم فرفعوا أصواتهم بالتكبير والتهليل وقتلت الخزر ذلك الرجل ورحلوا عن مدينة ورثان فوصلها الحرشي في العساكر وليس عندها أحد فارتحل يطلب الخزر إلى أردبيل فسار الخزر عنها ونزل الحرشي باجروان فأتاه فارس على فرس أبيض فسلم عليه وقال له هل لك أيها الأمير في الجهاد والغنيمة قال كيف لي بذلك قال هذا عسكر الخزر في عشرة آلاف ومعهم خمسة آلاف من المسلمين أسارى وسبايا وقد نزلوا على أربعة فراسخ فسار الحرشي ليلا فوافاهم آخر الليل وهم نيام ففرق أصحابه في أربع جهات فكبسهم مع الفجر ووضع المسلمون فيهم السيف فما بزغت الشمس حتى قتلوا أجمعون غير رجل واحد وأطلق الحرشي من معهم من المسلمين وأخذهم إلى باجروان فلما دخلها أتاه ذلك الرجل صاحب الفرس الأبيض فسلم وقال هذا جيش للخزر ومعهم أموال للمسلمين وحرم الجراح وأولادهم بمكان كذا فسار الحرشي إليهم فما شعروا إلا والمسلمون معهم فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا ولم يفلت منهم الخزر إلا الشريد واستنقذوا من معهم من المسلمين والمسلمات وغنموا أموالهم وأخذ أولاد الجراح فأكرمهم وأحسن إليهم وحمل الجميع إلى باجروان
وبلغ خبر ما فعله الحرشي بعساكر الخزر بابن ملكهم فوبخ عساكره وذمهم ونسبهم إلى العجز والوهن فحرض بعضهم بعضا وأشاروا عليه بجمع أصحابه والعود إلى قتال الحرشي فجمع أصحابه من نواحي أذربيجان فاجتمع معه عساكر كثيرة وسار الحرشيإليه فالتقيا بأرض برزند واقتتل الناس أشد قتال وأعظمه فانحاز المسلمون يسيرا فحرضهم الحرشي فأمرهم بالصبر فعادوا إلى القتال وصدقوهم الحملة واستغاث من مع الخزر من الأسارى ونادوا بالتكبير والتهليل والدعاء فعندها حرض المسلمون بعضهم بعضا ولم يبق أحد إلا وبكى رحمة للأسرى واشتدت نكايتهم في العدو فولوا الأدبار منهزمين وتبعهم المسلمون حتى بلغوا بهم نهر أرس وعادوا عنهم وحووا ما في عساكرهم من الأموال والغنائم وأطلقوا الأسرى والسبايا وحملوا الجميع إلى باجروان ثم ان ابن ملك الخزر جمع من لحق به من عساكره وعاد بهم نحو الحرشي فنزل على نهر البيلقان وبلغ الخبر الحرشي فسار نحوه في عساكر المسلمين فوافاهم على نهر البيلقان فالتقوا هناك فصاح الحرشي بالناس فحملوا حملة صادقة ضعضعوا صفوف الخزر وتابع الحملات وصبر الخزر صبرا عظيما ثم كانت الهزيمة عليهم فولوا الأدبار منهزمين وكان من غرق منهم في النهر أكثر ممن قتل وجمع الحرشي الغنائم وعاد إلى باجروان فقسمها وأرسل الخمس إلى هشام بن عبد الملك وعرفه ما فتح الله على المسلمين فكتب إليه هشام يشكره وأقام بباجروان فأتاه كتاب هشام يأمره بالمسير إليه واستعمل أخاه مسلمة بن عبد الملك على أرمينية وأذربيجان فوصل إلى البلاد وسار إلى الترك في شتاء شديد حتى جاز البلاد في آثارهم
ذكر وقعة الجنيد بالشعب
ص 394
في هذه السنة خرج الجنيد غازيا يريد طخارستان فوجه عمارة بن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا ووجه إبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف إلى وجه آخر وجاشت الترك فأتوا سمرقند وعليها سورة بن الحر فكتب سورة إلى الجنيد أن خاقان جاش الترك فخرجت إليهم فلم أطق أن أمنع حائط سمرقند فالغوث الغوث فأمر الجنيد الناس بعبور النهر فقام اليه المجشر بن مزاحم السلمي وابن بسطام الأزدي وغيرهما وقالوا إن الترك ليسوا كغيرهم لا يلقونك صفا ولا زحفا وقد فرقت جندك فمسلم به عبد الرحمن بالبيروزكوه والبختري بهراة وعمارة بن حريم غائب بطخارستان وصاحب خراسان لا يعبر النهر في أقل من خمسين ألفا فاكتب إلى عمارة فليأتك وامهل ولا تعدل قال فكيف بسورة ومن معه من المسلمين لو لم أكن إلا في بني مرة أو من طلع معي من الشام لعبت وقال شعرا
( أليس أحق الناس أن يشهد الوغى % وأن يقتل الأبطال ضخما على ضخم ) وقال
( ما علتي ما علتي ما علتي % إن لم أقتلهم فجزوا لمتي )
وعبر الجنيد فنزل كش وتأهل للمسير بلغ الترك فغوروا الآبار التي في طريق كش فقال الجنيد أي طريق إلى سمرقند أصلح فقالوا طريق المحترقة فقال المجشر القتل بالسيف أصلح من القتل بالنار طريق المحترقة كثير الشجر والحشيش ولم يزرع منذ سنين فان لقينا خاقان أحرق ذلك كله فقتلنا بالنار والدخان ولكن خذ طريق العقبة فهو بيننا وبينهم سواء فأخذ الجنيد طريق العقبة فارتقى في الجبل فاخذ المجشر بعنان دابته وقال انه كان يقال ان رجلا مترفا من قيس يهلك على يديه جند من جنود خراسان وقد خفنا أن تكونه فقال ليفرخ روعك قال أما ما كان بيننا مثلك فلا فبات في أصل العقبة ثم سار بالناس حتى صار بينه وبين سمرقند أربع فراسخ ودخل الشعب فصبحه خاقان في جمع عظيم وزحف إليه أهل الصغد وفرغانة و الشاش وطائفة من الترك فحمل خاقان على المقدمة وعليها عثمان بن عبد الله بن الشخير فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم وجاؤوهم من كل وجه فجعل الجنيد تميما والأزد في الميمنة وربيعة في الميسرة مما يلي الجبل وعلى مجففة خيل بني تميم عبيد الله بن زهير بن حيان وعلى المجردة عمرو بن جرقاش المنقري وعلى جماعة بني تميم بن مالك الحماني وعلى الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو وعلى المجففة والمجردة فضيل بن هناد وعبد الله بن حوذان فالتقوا وقصد العدو الميمنة لضيق الميسرة فترجل حسان بن عبيد الله بن زهير بين يدي أبيه فأمره أبوه بالركوب فركب وأحاط العدو بالميمنة فأمدهم الجنيد بنصر بن سيار فشد هو ومن معه على العدو فكشفوهم ثم كروا عليهم وقتلوا عبيد الله بن زهير وابن جرقاش والفضيل ين هناد وجالت الميمنة والجنيد واقف في القلب فأقبل إلى الميمنة ووقف تحت راية الأزد وكان قد جفاهم فقال له صاحب الراية ما هلكنا فجئت لتكرمنا ولكنك علمت أنه لا يوصل إليك ومنا رجل حي فإن ظفرنا كان لك وإن هلكنا لم تبك علينا وتقدم فقتل وأخذ الراية ابن مجاعة فقتل وتداولها ثمانية عشر رجلا فقتلوا وقتل يومئذ من الأزد ثمانون رجلا وصبر الناس يقاتلون حتى أعيوا فكانت السيوف لا تقطع شيئا فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به حتى مل الفريقان فكانت المعانقة ثم تحاجزوا وقتل من الازد عبد الله بن بسطام ومحمد بن عبد الله بن حوذان والحسن بن شيخ والفضيل صاحب الخيل ويزيد بن الفضل الحداني وكان قد حج فأنفق في حجته ثمانين ومائة ألف وقال لأمه وحشية ادعي الله أن يرزقني الشهادة فدعت له وغشي عليها فاستشهد بعد مقدمه من الحج بثلاثة عشر يوما وقتل النضر ين راشد العبدي وكان قد دخل على امرأته والناس يقتتلون فقال لها كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرجا بالدم فشقت جيبها ودعت بالويل فقالت له حسبك لو أعولت على كل أنثى لعصيتها شوقا إلى الحور العين فرجع وقاتل حتى استشهد رحمه الله فبينا الناس كذلك إذ أقبل رهج وطلعت فرسان فنادى منادي الجنيد الأرض الأرض فترجل وترجل الناس ثم نادى ليخندق كل قائد على حياله فخندقوا وتحاجزوا وقد أصيب من الأزد مائة وتسعون رجلا وكان قتالهم يوم الجمعة فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر فم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل وعليهم زياد بن الحرث فقصدهم فلما قربوا حملت بكر عليهم فأفرجوا لهم فسجد الجنيد واشتد القتال بينهم
ذكر مقتل سورة بن الحر
ص 396
فلما اشتد القتال ورأى الجنيد شدة الامر استشار أصحابه فقال له عبيد الله بن حبيب اختر إما أن تهلك أنت أم سورة بن الحر قال هلاك سورة أهون علي قال فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجهوا إليه فقاتلوه فكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم وقال حليس بن غالب الشيباني إن الترك بينك وبين الجنيد فإن خرجت كروا عليك فاختطفوك فكتب إلى الجنيد إني لا أقدر على الخروج فكتب إليه الجنيد يا ابن اللخناء تخرج والا وجهت إليك شداد بن خليد الباهلي وكان عدوه فاخرج والزم الماء ولا تفارقه فاجمع على المسير وقال إذا سرت على النهر لا أصل في يومين وبيني وبينه في هذا الوجه ليلة فاذا سكت الرجل سرت فجاءت عيون الاتراك فأخبروهم بمقالة سورة ورحل سورة واستخلف على سمرقند موسى بن أسود الحنظلي وسار في اثني عشر ألفا فأصبح على رأس جبل فتلقاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ وبينه وبين الجنيد فرسخ فقاتلهم واشتد القتال وصبروا فقال غوزك لخاقان اليوم حار فلا نقاتلهم حتى يحمي عليهم السلاح فواقفهم وأشعل النار في الحشيش وحال بينهم وبين الماء فقال سورة لعبادة ما ترى يا أبا سليم فقال أرى أن الترك يريدون الغنيمة فاعقر الدواب وأحرق المتاع وجرد السيف فإنهم يخلون لنا الطريق وإن منعونا شرعنا الرماح ونزحف زحفا وإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر فقال لا أقوى على هذا ولا فلان وفلان وعد رجالا ولكن أرى أن أجمع الخيل فأصكهم بها سلمت أم عطبت وجمع الناس وحملوا فانكشفت الترك وثار الغبار فلم يبصروا ومن وراء الترك لهب فسقطوا فيه وسقط العدو والمسلمون وسقط سورة فاندقت فخذه وتفرق الناس فقتلهم الترك ولم ينج منهم غير ألفين ويقال ألف وكان ممن نجا منهم عاصم بن عمير السمرقندي واستشهد حليس بن غالب الشيباني
وانحاز المهلب بن زياد العجلي في سبعمائة إلى رستاق يسمى المرغاب فنزلوا قصرا هناك فأتاهم الاشكند صاحب نسف في خيل ومعه غوزك فأعطاهم غوزك الأمان فقال قريش بن عبد الله العبدي لا تثقوا بهم ولكن إذا جننا الليل خرجنا عليهم حتى نأتي سمرقند فعصوه فنزلوا بالأمان فساقهم إلى خاقان فقال لا أجيز أمان غوزك فقاتلهم الوجف بن خالد والمسلمون فأصيبوا غير سبعة عشر رجلا فقتلوا غير ثلاثة وقتل سورة في اللهب فلما قتل خرج الجنيد من الشعب يريد سمرقند مبادرا فقال له خالد بن عبيد الله سر وأسرع فقال له المجشر انزل وأخذ بلجام دابته فنزل ونزل الناس معه فلم يستتم نزولهم حتى طلع الترك فقال المجشر له لو لقونا ونحن نسير ألم يهلكونا فلما أصبحوا تناهضوا فجال الناس فقال الجنيد أيها الناس إنها النار فرجعوا ونادى الجنيد أي عبد قاتل فهو حر فقاتل العبيد قتالا عجب منه الناس فسروا بما رأوا من صبرهم وصبر الناس حتى انهزم العدو ومضوا فقال موسى بن التعراء للناس أتفرحون بما رأيتم من العبيد ان لكم منهم ليوما أروزبان ومضى الجنيد إلى سمرقند فحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو وأقام بالصغد أربعة أشهر وكان صاحب رأي خراسان في الحرب المجشر بن مزاحم وعبد الرحمن بن صبح الخرقي وعبيد الله بن حبيب الهجري وكان المجشر ينزل الناس على راياتهم ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه في ذلك وكان عبد الرحمن إذا نزل الأمر العظيم في الحرب لم يكن لأحدج مثل رأيه وكان عبيد الله على تعبية القتال وكان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرأي والمشورة والعلم بالحرب فمنهم الفضل بن بسام مولى بني ليث وعبد الله بن أبي عبد الله ولي بني سليم والبختري بن مجاهد مولى بني شيبان فلما انصرف الترك بعث الجنيد نهار بن توسعة أحد بني تيم اللات وزبل بن سويد المري إلى هشام وكتب إليه أن سورة عصاني أمرته بلزوم الماء فلم يفعل فتفرق عنه أصحابه فأتتني طائفة وطائفة إلى نسف وطائفة إلى سمرقند وأصيب سورة في بقية أصحابه فسأل هشام نهار بن توسعة عن الخبر فأخبره بما شهد وكتب هشام إلى الجنيد قد وجهت اليك عشرة آلاف من أهل البصرة وعشرة آلاف من أهل الكوفة ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ومثلها ترسة فافرض فلا غاية لك في الفريضة بخمسة عشر ألفا فلما سمع هشام مصاب سورة قال إنا لله وأنا إليه راجعون مصاب سورة بخراسان ومصاب الجراح بالباب وأبلى نصر بن سيار يومئذ بلاء حسنا وأرسل الجنيد ليلة بالشعب رجلا وقال له تسمع ما يقول الناس وكيف حالهم ففعل ثم رجع إليه فقال رأيتهم طيبة أنفسهم يتناشدون الأشعار ويقرأون القرآن فسره ذلك قال عبيد بن حاتم بن النعمان رأيب فساطيط بين السماء والأرض فقلت لمن هذا فقالوا لعبد الله بن يسطام وأصحابه فقتلوا في غد فقال رجل مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فشممت رائحة المسك وأقام الجنيد بسمرقند وتوجه خاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة بن مسلم فخاف الجنيد الترك على قطن بن قتيبة فشاور أصحابه فقال قوم نلزم سمرقند وقال قوم نسير منها فنأتي ربنجن ثم كشر ثم إلى نسف فنتصل منها إلى أرض زم ونقطع النهر وننزل آمل فنأخذ عليه بالطريق فاستشار عبد الله بن أبي عبيد الله مولى بني سليم وأخبره بما قالوا فاشترط عليه أن لا يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال أو نزول أو قتال فقال نعم قال فإني أطلب إليك خصالا قال وما هي قال تخندق حيثما نزلت ولا يفوتنك حمل الماء ولو كنت على شاطئ نهر وأن تطيعني في نزولك وارتحالك قال نعم قال أما ما أشاروا عليك في مقاملك بسمرقند حتى يأتيك الغياث فالغياث يبطئ عنك وأما ما أشاروا من طريق كش ونسف فإنك إن سرت بالناس في غير الطريق فتتت في أعضادهم وانكسروا عن عدوهم واجترأ عليك خاقان وهو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له فإن أخذت غير الطريق بلغ أهل بخارى ما فعلت فيستسلموا لعدوهم وإن أخذت الطريق الأعظم هابك العدو
والرأي عندي أن تأخذ عيال من قتل مع سورة فتقسمهم على عشائرهم وتحملهم معك فإني أرجوا بذلك أن ينصرك الله على عدوك وتعطي كل رجل تخلف بسمرقند ألف درهم وفرسا فأخذ برأيه وخلف بسمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في أربعمائة فارس وأربعمائة راجل فشتم الناس عبد الله بن أبي عبد الله وقالوا ما أراد إلا هلاكنا فخرج الجنيد وحمل العيال معه وسرح الأشحب بن عبيد الحنظلي ومعه عشرة من الطلائع وقال كلما مضيت مرحلة تسرح إلي رجلا يعلمني الخبر وسار الجنيد فأسرع السير فقال له عطاء الدبوسي انظر أضعف شيخ في العسكر فسلحه سلاحا تاما بسيفه ورمحه وترسه وجعبته ثم سر على قدر مشيه فإنا لا نقدر على سرعة المسير والقتال ونحن رجالة ففعل الجنيد ذلك ولم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة ودنا من الطواويس وأقبل إليه خاقان بكرمينية أول يوم من رمضان واقتتلوا فأتاه عبد الله بن أبي عبد الله وهو يضحك فقال الجنيد ليس هذا يوم ضحك قال الحمد لله إذا لم يلقك هؤلاء في جبال معطشة وعلى ظهر إنما أتوك وأنت مخندق آخر النهار كالين وأنت معك الزاد فقاتلوا قليلا ثم رجعوا ثم قال للجنيد ارتحل فإن خاقان ود أنك تقيم فينطوي عليك إذا شاء فسار وعبد الله على الساقة ثم أمره بالنزول فنزل واستقى الناس وباتوا فلما أصبحوا ارتحلوا فقال عبد الله إني أتوقع أن خاقان يصدم بالساقة اليوم فشدوها بالرجال فقواهم الجنيد وجاءت الترك فمالت على الساقة فاقتتلوا وأشتد القتال بينهم وقتل مسلم بن أحوز عظيما من عظماء
الترك فتطيروا من ذلك وانصرفوا من الطواويس وسار المسلمون فدخلوا بخارى يوم المهرجان فتلقوهم بالدراهم البخارية فأعطاهم عشرة عشرة
قال عبد المؤمن بن خالد رأيت عبد الله بن أبي عبد الله في المنام بعد موته فقال حدث الناس عني برأي يوم الشعب وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله فيقول زبدة من الزبد صنبور من صنبور قل من قل هيفة من الهيف والهيفة الضبع والقل الفرد والصنبور الذي لا أخ له وقيل الملصق وقدمت الجنود من الكوفة على الجنيد فسرح معهم حوثرة بن زيد العنبري فيمن انتدب معه وقيل إن وقعة الشعب كانت سنة ثلاث عشرة وقال نصر بن سيار يذكر يوم الشعب
( إني نشأت وحسادي ذوو عدد % يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا )
( ان تحسدوني على مثل البلاء لكم % يوما فمثل بلائي جر لي الحسدا )
( يأبى الإله الذي أعلى بقدرته % كعبي عليكم وأعطى فوقكم عددا )
( أرمي العداة بأفراس مكلمة % حتى اتخذت على حسادهن يدا )
( من ذا الذي منكم في الشعب اذ وردوا % لم يتخذ حومة الأثقال معتمدا )
( هلا شهدتم دفاعي عن جنيدكم % وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا )
وقال ابن عرس يمدح نصرا
( يا نصر أنت فتى نزار كلها % فلك المآثر والفعال والأرفع )
( فرجت عن القبائل كربة % بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا )
( يوم الجنيد اذ القنا متشاجر % والبحر دام والخوافق تلمع )
( ما زلت ترميهم بنفس حرة % حتى تفرج جمعهم وتصدعوا )
( فالناس كل يعدها عتقاؤكم % ولك المكارم والمعالي أجمع )
ذكر عدة حوادث
ص 401
في هذه السنة غزا معاوية ين هشام الصائفة فافتتح خرشنة
وحج بالناس هذه السنة ابرهيم بن هشام المخزومي وقيل سليمان بن هشام بن عبد الملك وفيها استعمل أهل الأندلس على أنفسهم بعد موت الهيثم أميرهم محمد بن عبد الملك الأشجعي فبقي شهرين وولى بعده عبد الرحمن بن عبدالله الغافقي وكان عمال الأمصار هذه السنة من ذكرناهم في السنة قبلها وفيها مات رجاء بن حيوة بقسين
حيوة بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الياء المثناة من تحت وفيها توفي مكحول أبو عبد الله الشامي الفقيه وعبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي ومات أبوه وأمه حامل به فكل ما يروونه عن أبيه فهو منقطع