ذكر ما جرى لأشرس مع أهل سمرقند وغيرها
ص 383
في هذه السنة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية وأرسل في ذلك أبا الصيداء صالح بن طريف مولى بني ضبة والربيع بن عمران التميمي فقال أبو الصيداء إنما أخرج على شريطة أن من أسلم لا تؤخذ منه الجزية إل إنما خراج خراسان على رؤوس الرجال فقال أشرس نعم فقال أبو الصيداء لاصحابه فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم قالوا فشخص إلى سمرقند وعليها الحس بن العمرطة الكندي على حربها وخراجها فدعا أبو الصيدا أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية فسارع الناس فكتب غوزك إلى أشرس أن الخراج قد انكسر فكتب أشرس إلى ابن العمرطة أن في الخراج قوة للمسلمين وقد بلغني أن أهل الصغد وأشباههم لم يسلموا رغبة إنما أسلموا تعوذا من الجزية فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسن اسلامه وقرأ سورة من القران فارفع خراجه ثم عزل أشرس بن العرمطة عن الخراج وصيره إلى هانئ بن هانئ فمنعهم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن أسلم فكتب هانئ إلى أشرس أن الناس قد اسلموا وبنوا المساجد فكتب أشرس إليه وإلى العمال خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه فأعادوا الجزية على من أسلم فامتنعوا واعتزلوا في سبعة آلاف على عدة فراسخ من سمرقند وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميمي والهيثم الشيباني وابو فاطمة الأزدي وعامر بن قشيراء وبحير الخجندي وبنان العنبري واسماعيل بن عقبة لينصرهم فعزل أشرس ابن العمرطة عن الحرب واستعمل مكانه المجشر بن مزاحم السلمي على الحرب وضم إليه عميرة بن سعد الشيباني فلما قدم المجشر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة فحبسهما فقال أبو الصيداء غدرتم ورجعتم عما قلتم فقال له هانئ ليس بغد ما كان فيه حقن الدماءثم سيروه إلى أشرس واجتمع أصحابه وولوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا فقال لهم كفوا حتى نكتب إلى أشرس فكتبوا إليه فكتب أشرس ضعوا عنهم الخراج فرجع أصحاب أبي الصيداء وضعف أمرهم فتبع الرؤساء فأخذوا وحملوا إلى مرو وبقي ثابت محبوسا فألح هانئ في الخراج واستخفوا بعظماء العجم والدهاقين وأقيموا وتخرقت ثيابهم وألقيت مناطقهم في أعناقهم وأخذوا الجزية ممن أسلم من الضعفاء فكفرت الصغد وبخارى واستجاشوا الترك ولم يزل ثابت قطنة في حبس المجشر حتى قدم نصر بن سيار إلى المجشر واليا فحمله إلى أشرس فحبسه وكان نصر قد أحصن إليه فقال ثابت يمدحه بأبيات يقول فيها
( ما هاج شوقك من نؤي وأحجار % ومن رسوم عفاها صوب أمطار )
( إن كان ظني بنصر صادقا أبدا % فيما أدبر من نقضي وإمراري )
( لا يصرف الجند حتى يستفيء بهم % نهبا عظيما ويحوي ملك جبار )
( إني وإن كنت من جذم الذي نظرت % منه الفروع وزندي الثاقب الواري )
( لذاكر منك أمرا قد سبقت به % من كان قبلك يا نصر بن سيار )
( ناضلت عني نضال الحر إذ قصرت % دوني العشيرة واستبطأت أنصاري )
( وصار كل صديق كنت آمله % ألبا على ورث الحبل من جاري )
( وما تلبست بالأمر الذي وقعوا % به علي ولادنست أطماري )
( ولا عصيت إماما كان طاعته % حقا علي ولا قارفت من عار )
وخرج أشرس غازيا فنزل آمل فأقام ثلاثة أشهر وقدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف فأقبل أهل الصغد وبخارى معهم خاقان والترك فحصروا قطنا في خندقه فأرسل خاقان من أغار على مسرح الناس فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو فوجهه مع عبد الله بن بسطام في خيل فقاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما بأيديهم ورجع الترك ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن وبعث أشرس سرية مع مسعود أحد بني حيان فلقيهم العدو فقاتلوهم فقتل رجال من المسلمين وهزم مسعود فرجع إلى أشرس وأقبل العدوا فلقيهم المسلمون فجالوا جولة فقتل في تلك الجولة رجال من المسلمين ثم رجع المسلمون وصبروا فانهزم المشركون
وسار أشرس بالناس حتى نزل بكيند فقطع العدو عنهم الماء وأقام المسلمون يوما وليلة وعطشوا فرحلوا إلى المدينة التي قطع العدو بها وعلى المقدمة قطن بن قتيبة فلقيهم العدو فقاتلوهم فجهدوا من العطش فمات منهم سبعمائة فعجز الناس عن القتال فحرض الحرث بن سريج الناس فقالوا القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجرا عند الله من الموت عطشا وتقدم الحرث وقطن في فوارس من تميم فقاتلوا حتى ازالوا الترك عن الماء فابتدره الناس فشربوا واستقوا ثم مر ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهلي فقال هل لك في الجهاد فقال أمهلني حتى أغتسل وأتحنط فوقف له حتى اغتسل ثم مضيا وقال ثابت لأصحابه أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم وحرضهم فحملوا واشتد القتال فقال ثابت قطنة اللهم إني كنت ضيف ابن بسطام البارحة فاجعلني ضيفك الليلة والله لا ينظر إلي بنو أمية مشدودا في الحديدة فحمل وحمل أصحابه فرجع أصحابه وثبت هو فرمى برذونه فشب وضربه فما قدم وضرب ثابت فرتث فقال وهو صريع اللهم إني أصبحت ضيفا لابن بسطام وأمسيت ضيفك فاجعل قراي منك الجنة فقتلوه وقتلوا معه عدة من المسلمين منهم صخر بن مسلم بن النعمان العبدي وعبد الملك بن دثار الباهلي وغيرهما وجمع قطن واسحاق بن محمد بن حيان خيلا من المسلمين تبايعوا على الموت فحملوا على العدوا فقاتلوهم فكشفوهم وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجزهم الليل وتفرق العدو وأتى أشرس بخارى فحصر أهلها الحرث بن سريج بالسين المهملة والجيم
ذكر وقعة كمرجة
ص 386
ثم أن خاقان حصر كمرجة وهي من أعظم بلدان خراسان وبها جمع من المسلمين ومع خاقان أهل فرغانة وأفشينة وطوائف من أهل بخارى فأغلق المسلمون الباب وقطعوا القنطرة التي على الخندق فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد فقال يا معشر العرب لم تقتلون أنفسكم أنا الذي جئت بخاقان ليرد علي مملكتي وأنا آخذ لكم الأمان فشتموه وأتاهم بازغرى في مائتين وكان داهية وكان خاقان لا يخالفه فدنا من المسلمين بأمان وقال لينزل إلي رجل منكم أكلمه بما أرسلني به خاقان فأحضروا يزيد بن سعيد الباهلي وكان يفهم بالتركية يسيرا فقال له إن خاقان أرسلني وهو يقول إني أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ألفا ومن عطاؤه ثلاثمائة ستمائة وهو يحسن إليكم فقال يزيد كيف تكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهو شياه لا يكون بيننا وبينهم صلح فغضب بازغرى وكان معه تركيان فقالا ألا تضرب عنقه فقال إنه نزل بأمان وفهم يزيد ما قالا فخاف فقال بلى إنما تجعلون نصفين فيكون نصفنا مع أثقالنا ويسير النصف معكم فإن ظفرتم فنحن معكم وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن الصغد فرضوا بذلك وقال أعرض على أصحابي هذا وصعد في الحبل فلما صار على السور نادى يا أهل كمرجة اجتمعوا فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان فما ترون قالوا لا نجيب ولا نرضى قال يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين قالوا نموت قبل ذلك فرد بازغرى ثم أمر خاقان بقطع الخندق فجعلوا يلقون الحطب الرطب ويلقي المسلمون الحطب اليابس حتى سوى الخندق ليقطعوا إليهم فأشعلوا فيه النيران وهاجت ريح شديدة صنعا من الله فاحترق الحطب وكانوا جمعوه في سبعة أيام في ساعة واحدة ثم فرق خاقان على الترك أغناما وأمرهم أن يأكلوا لحمها ويحشوا جلودها ترابا ويكبسوا خندقها ففعلوا ذلك فأرسل الله سحابة فمطرت مطرا شديدا فاحتمل السيل ما في الخندق وألقاه في النهر الأعظم ورماهم المسلمون بالسهام فأصابت بازغرى نشابة في سرته فمات من ليلته فدخل عليهم بموته أمر عظيم فلما امتد النهار جاؤوا بالأسرى الذين عندهم وهم مائة فيهم أبو العوجاء العتكي والحجاج بن حميد النضري فقتلوهم ورموا برأس الحجاج وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم واستماتوا واشتد القتال
ولم يزل أهل كمرجة كذلك حتى أقبلت جنود العرب فنزلت فرغانة فعير خاقان أهل الصغد وفرغانة والشاش والدهاقين وقال زعمتم أن في هذه خمسين حمارا وأنا نفتحها في خمسة أيام فصارت الخمسة شهرين وأمرهم بالرحيل وشتمهم فقالوا ما ندع جهدا فاحضرنا غدا وانظر ما نصنع فلما كان الغد وقف خاقان وتقدم ملك الطاربندة فقاتل المسلمين فقتل منهم ثمانية وجاء حتى وقف على ثلمة إلى جنب بيت فيه مريض من تميم فرماه التميمي بكلوب فتعلق بدرعه ثم نادى النساء والصبيان فجذبوه فسقط لوجهه ورماه رجل بحجر فأصاب اصل أذنه فصرع وطعنه آخر فقتله فاشتد قتله على الترك وأرسل خاقان إلى المسلمين أنه ليس من رأينا أن نرتحل عن مدينة نحاصرها دون افتتاحها فترحلوا أنتم عنها فقالوا له ليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نقتل فاصنعوا ما بدا لكم فأعطاهم الترك الأمان أن يرحل خاقان عنهم ويرحلوا هم عنها إلى سمرقند أو الدبوسية فرأى اهل كمرجة ما هم فيه من الحصار فأجابوا إلى ذلك فأخذوا من الترك رهائن أن لا يعرضوا لهم وطلبوا أن كورصول التركي يكون معهم في جماعة ليمنعهم إلى الدبوسية فسلموا اليهم الرهائن واخذوا أيضا من المسلمين رهائن وارتحل خاقان عنهم ثم رحلوا هم بعده
فقال الأتراك الذين مع كورصول إن بالدبوسية عشرة آلاف مقاتل ولا نأمن من أن يخرجوا علينا فقال لهم المسلمون ان قاتلوكم قاتلناهم معكم فساروا فلما صار بينهم وبين الدبوسية فرسخ نظر أهلها إلى الفرسان فظنوا ان كمرجة فتحت وان خاقان قد قصدهم فتأهبوا للحرب فأرسل المسلمون اليهم يخبرونهم خبرهم فلقوهم وحملوا من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحا فلما بلغ المسلمون الدبوسية أرسلوا إلى من عنده الرهائن يعلمونه بوصولهم ويأمرونه باطلاقهم فجعلت الاعرب تطلق رجلا من الرهن والترك رجلا حتى بقي سباع بن النعمان مع الترك ورجل من الترك عند العرب وجعل كل فريق يخاف من صاحبه الغدر فقال سباع خلوا رهينة الترك فخلوه وبقي سباع مع الترك فقال له كورصول ما حملك على هذا قال وثقت بك وقلت ترفع نفسك عن الغدر فوصله كورصول وأعطاه سلاحه وبرذونا وأطلقه وكان مدة حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوما فيقال إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين يوما
ذكر ردة أهل كردر
ص 388
في هذه السنة ارتد أهل كردر فأرسل إليهم أشرس جندا فظفروا بهم فقال عرفجة
( ونحن كفينا أهل مرو وغيرهم % ونحن نفينا الترك عن أهل كردر )
( فإن تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا % فقد يظلم المرء الكريم فيصبر )
ذكر عدة حوادث
ص 388
في هذه السنة جمع خالد القسري الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة لبلال بن أبي بكرة وعزل ثمامة عن القضاء
وفيها غزا مسلمة الترك من باب اللان فلقي خاقان في جموعه فاقتتلوا قريبا من شهر وأصابهم مطر شديد فانهزم خاقان وانصرف ورجع مسلمة فسلك على مسلك ذي القرنين وفيها غزا معاوية الروم ففتح صملة وفيها غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري وكان على جيش البحر عبد الرحمن بن معاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدال المهملتين
وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن اسماعيل فكان العمال على البلاد هذه السنة من تقدم ذكرهم في السنة التي قبلها
وفيها مات الحسن البصري وله سبع وثمانون سنة ومحمد بن سيرين وهو ابن إحدى وثمانين سنة وفيها أعني سنة عشر ومائة مات الفرزدق الشاعر وله إحدى وتسعون سنة وجرير بن الخطفي الشاعر