الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
40

ثم دخلت سنة خمس ومائة

الجزء الرابع 9 عنصر صفحة 365
ذكر خروج عقفان ص 365

في أيام يزيد بن عبد الملك خرج حروري اسمه عقفان في ثمانين رجلا فأراد يزيد أن يرسل إليه جندا يقاتلونه فقيل له إن قتل بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة والرأي أن تبعث إلى كل رجل من أصحابه رجلا من قومه يكلمه ويرده ففعل ذلك فقال لهم أهلوهم إنا نخاف أن نؤخذ بكم وأمنوا وبقي عقفان وحده فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه فرده فلما ولي هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فقدم ابنه من خراسان عاصيا فشده وثاقا وبعث به إلى هشام فأطلقة لأبيه وقال لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه واستعمل عقفان على الصدقة فبقي عليها إلى أن توفي هشام

ذكر خروج مسعود العبدي ص 365

وخرج مسعود بن أبي زينب العبدي بالبحرين على الأشعث بن عبد الله بن الجارود ففارق الأشعث البحرين وسار مسعود إلى اليمامة وعليها سفيان بن عمرو العقيلي ولاه إياها عمر بن هبيرة فخرج إليه سفيان فاقتتلوا بالخضرمة قتالا شديدا فقتل مسعود وأقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج فقاتلهم يومه كله فقتل ناس من الخوارج وقتلت زينب أخت مسعود فلما أمسى هلال تفرق عنه أصحابه وبقي في نفر يسير فدخل قصرا فتحصن به فنصبوا عليه السلاليم وصعدوا إليه فقتلوه واستأمن أصحابه فأمنهم وقال الفرزدق في هذا اليوم

( لعمري لقد سلت حنيفة سلة % سيوفا أبت يوم الوغى أن تغيرا )

( تركن لمسعود وزينب أخته % رداء وسربالا من الموت أحمرا )

( أرين الحروريين يوم لقائهم % ببرقان يوما يجعل الموت أشقرا )

وقيل أن مسعودا غلب على البحرين واليمامة تسع عشر سنة حتى قتله سفيان بن عمرو العقيلي الخضرمة بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين وكسر الراء

ذكر مصعب بن محمد الوالبي ص 366

كان مصعب من رؤساء الخوارج وطلبه عمر بن هبيرة وطلب معه مالك بن الصعب وجابر بن سعد فخرجوا واجتمعوا بالخورنق وأمروا عليهم مصعبا ومعه أخته آمنة وساروا عنه فلما ولي هشام بن عبد الملك واستعمل على العراق خالدا القسري سير إليهم جيشا وكانوا قد صاروا بحزة من أعمال الموصل فالتقوا واقتتلوا فقتل الخوارج وقيل كان قتلهم آخر أيام يزيد بن عبد الملك فقال فيهم بعض الشعراء

( فتية تعرف التخشع فيهم % كلهم أحكم القرآن إماما )

( قد برى لحمه التهجد حتى % عاد جلدا مصفرا وعظاما )

( غادروهم بقاع حزة صرعى % فسقى الغيث أرضهم يا إماما )

ذكر موت يزيد بن عبد الملك ص 366

في هذه السنة توفي يزيد بن عبد الملك لخمس بقين من شعبان وله أربعون سنة وقيل خمس وثلاثون سنة وقيل غير ذلك وكانت ولايته أربع سنين وشهرا وأياما وكنيته أبو خالد وكان مرضه السل وقيل كان سبب موته أن حبابة لما ماتت وجد عليها وجدا شديدا على ما نذكره إن شاء الله تعالى فخرج مشيعا لجنازتها ومعه أخوه مسلمة بن عبد الملك ليسليه ويعزيه فلم يجبه بكلمة وقيل إن يزيد لم يطق الركوب من الجزع وعجز عن المشي فأمر مسلمة فصلى عليها وقيل منعه مسلمة عن ذلك لئلا يرى الناس منه ما يعيبونه به فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوما ومات ودفن إلى جانبها وقيل بقي بعدها أربعين يوما لم يدخل عليه أحد إلا مرة واحدة ولما مات صلى عليه أخوه مسلمة وقيل ابنه الوليد وكان هشام بن عبد الملك بحمص

ذكر بعض سيرته ص 367

كان يزيد من فتيانهم فقال يوما وقد طرب وعنده حبابة وسلامة القس دعوني أطير فقالت حبابة على من تدع الامة قال عليك قيل وغنته يوما

( وبين التراقي واللهاة حرارة % وما ظمئت ماء يسوغ فتبردا )

فاهوى ليطير فقالت يا أمير المؤمنين أن لنا فيك حاجة فقال والله لأطيرن فقالت على من تخلف الأمة والملك قال عليك والله وقبل يدها فخرج بعض خدمه وهو يقول سخنت عينك فما أسخفك وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان فرماها بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت فتركها ثلاثة أيام لم يدفنها حتى أنتنت وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي فكلم في أمرها حتى أذن في دفنها وعاد إلى قصره كئيبا حزينا وسمع جاريه له تتمثل بعدها

( كفى حزنا بالهائم الصب أن يرى % منازل من يهوى معطلة قفرا )

فبكى وبقي يزيد بعد موتها سبعة أيام لا يظهر للناس أشار عليه مسلمة بذلك خاف أنه يظهر منه ما يسفهه عندهم وكان يزيد قد حج أيام أخيه سليمان فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار وكان اسمها العالية وقال سليمان لقد هممت أن احجر على يزيد فردها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت امرأته سعدة هل بقي من الدنيا شيء تتمناه قال نعم حبابة فأرسلت فاشترتها ثم صيغتها وأتت بها يزيدا فأجلستها من وراء الستر وقالت يا أمير المؤمنين هل بقي من الدنيا شيء تتمناه قال قد علمت فرفعت الستر وقالت هذه حبابة وقامت وتركتها عنده فحظيت سعدة عنده وأكرمها وسعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان ولما مات يزيد لم يعلم بموته حتى ناحت سلامة فقالت

( لا تلمنا إن خشعنا % أو هممنا بخشوع ) وتراب مكيدة وأرادوا إذا التقوا إذا انهزموا كانوا قد عرفوا الطريق ويشكل على المسلمين ويسقطون في الخندق فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا وأخطأهم الطريق فسقطوا في الخندق وأخرج منهم المسلمين أربعين رجلا وحصرهم الحرشي ونصب عليهم المجانيق فأرسلوا إلى ملك فرغانة أنك غدرت بنا وسألوه أن ينصرهم فقال قد أتوكم قبل انقضاء الأجل ولستم في جواري فطلبوا الصلح وسألوا الأمان وأن يردهم إلى الصغد واشترط عليهم أن يردوا ما في أيديهم من نساء العرب وذراريهم وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج ولا يغتالوا أحدا ولا يتخلف منهم بخجندة أحد فإن أحدثوا حدثا حلت دماؤهم فخرج إليهم الملوك والتجار من الصغد وترك أهل خجندة على حالهم ونزل عظماء الصغد على الجند الذين يعرفونهم ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان وبلغ الحرشي انهم قتلوا امرأة ممن كان في أيدهم فقال لهم بلغني أن ثابتا قتل امرأة ودفنها فجحدوا فسأل فإذا الخبر صحيح فدعا بثابت إلى خيمته فقتله فلما سمع كارزنج بقتله خاف أن يقتل وأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل وكان قد قال لابن أخيه إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل فبعث به إليهم وخرج واعترض الناس فقتل ناسا وتضعضع العسكر ولقوا منه شرا وانتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت وقتل الصغد اسرى عندهم من المسلمين مائة وخمسين رجلا فأخبر الحرشي بذلك فسأل فرأى الخبر صحيحا فأمر بقتلهم وعزل التجار عنهم فقاتلهم الصغد بالخشب ولم يكن لهم سلاح فقتلوا عن آخرهم وكانوا ثلاثة آلاف وقيل سبعة آلاف واصطفى أموال الصغد وذراريهم وأخذ منه ما أعجبه ثم دعا مسلم بن بديل العدوي عدي الرباب وقال وليتك المقسم فقال بعدما عمل فيه عمالك ليلة وله غيري فولاه غيره وكتب الحرشي إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة فكان هذا مما أوغر صدره عليه وقال ثابت قطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم

( أقر العين مصرع كارزنج % وكشكير وما لاقى يوباد )

( وديوشتي وما لاقى خلنج % بحصن خجنداذ دمروا فبادوا )

( قد لعمري بت ليلي % كأخي الداء الوجيع )

( ثم بات الهم مني % دون من لي بضجيع )

( للذي حل بنا اليو % م من الأمر الفظيع )

( كلما أبصرت ربعا % خاليا فاضت دموعي )

( قد خلا من سيد كا % ن لنا غير مضيع )

ثم نادت واأمير المومنيناه فعلموا بموته والشعر لبعض الأنصار وأخبار يزيد مع سلامة وحبابة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها وإنما قيل لسلامة القس لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار أحد بني جشم بن معاوية بن بكير كان فقيها عابدا مجتهدا في العبادة وكان يسمى القس لعبادته مر يوما بمنزل مولاها فسمع غناءها فوقف يسمعه فرآه مولاها فقال له هل لك أن تنظر وتسمع فأبى وقال أنا أقعدها بمكان لا تراها وتسمع غناءها فدخل معه فغنته فاعجبه غناءها ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها وأحبته هي أيضا وكان شابا جميلا فقالت له يوما على خلوة أنا والله أحبك قال وأنا والله أحبك فقالت وأحب أن أقبلك قال وأنا والله قالت وأحب أن أضع بطني على بطنك قال وأنا والله قالت فما يمنعك قال قول الله تعالى الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وأنا أكره أن تؤل خلتنا إلى عداوة ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته وله فيها أشعار منها

( ألم ترها لا يبعد الله دارها % إذا طربت في صوتها كيف تصنع )

( تمد نظام القول ثم ترده % إلى صلصل من صوتها يترجع ) وله فيها

( ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر % وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر )

( ألا ليت أني حيث صارت بها النوى % جليس لسلمى كلما عج مزهر )

( إذا أخذت في الصوت كاد جليسها % يطير إليها قلبه حين ينظر )

فقيل لها سلامة القس لذلك سلامة بتشديد اللام وحبابة بتخفيف الباء الموحده

ذكر خلافة هشام بن عبد الملك ص 369

في هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان وكان عمره يوم استخلف أربعا وثلاثين سنة وأشهرا وكانت ولادته عام قتل مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين فسماه عبد الملك منصورا وسمته أمه باسم أبيها هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي فلم ينكر عبد الملك ذلك وكانت أمه عائشة بنت هشام حمقاء فطلقها عبد الملك وكانت كنية هشام أبا الوليد واتته الخلافة وهو بالرصافة أتاه البريد بالخاتم والقضيب وسلم عليه بالخلافة فركب منها حتى أتى دمشق

ذكر ولاية خالد القسري العراق ص 369

فيها عزل هشام عمر بن هبيرة عن العراق واستعمل خالد بن عبد لله القسري في شوال قال عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي دخلت على هشام وخالد عنده وهو يذكر طاعة أهل اليمن فقلت والله ما رأيت هكذا خطأ وخطلا والله ما فتحت فتنة في الاسلام إلا بأهل اليمن هم قتلوا عثمان وهم خلعوا عبد الملك وان سيوفنا لتقطر من دماء أهل المهلب قال فلما قمت تبعني رجل من آل مروان فقال يا أخا بني تميم ورت بك زنادي قد سمعت مقالتك وأمير المؤمنين قد ولى خالدا العراق وليست لك بدار فسار خالد إلى العراق من يومه الأسيدي بضم الهمزة وتشديد الياء هكذا يقوله المحدثون وأما النحاة فانهم يخففون الياء وهي عند الجميع نسبة إلى عمرو بن أسيد بن عمروا بن تميم بضم الهمزة وتشديد الياء

ذكر دعاة بني العباس ص 369

قيل وفي هذه السنة قدم بكير بن ماهان من السند كان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ترجمانا له فلما عزل الجنيد قدم بكير الكوفة ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب فلقي أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالما الأعين وأبا يحيى مولى بني سلمة فذكروا له أمر دعوة بني هاشم فقبل ذلك ورضيه وأنفق ما معه عليهم ودخل إلى محمد بن علي ومات ميسرة فأقامه مقامه

ذكر عدة حوادث ص 370

في هذه السنة غزا الجراح الحكمي اللان حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء بلنجر ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرض الروم فبعث سرية في نحو ألف مقاتل فاصيبوا جميعا وفيها غزا مسلم بن سعيد الكلابي أمير خراسان الترك بما وراء النهر فلم يفتح شيئا وقفل فتبعه الترك فلحقوه والناس يعبرون جيحون وعلى الساقة عبيد الله بن زهير بن حيان على خيل تميم فحاموا حتى عبر الناس وغزا مسلم افشين فصالح أهلها عى ستة آلاف رأس ودفع إليها القلعة وذلك لتمام خمس ومائة بعد موت يزيد بن عبد الملك وفيها غزا مروان بن محمد الصائفة اليمني فافتتح قونية من أرض الروم وكمخ وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك فأرسل إلى عطاء متى أخطب قال بعد الظهر قبل التروية بيوم فخطب قبل الظهر وقال أخبرني رسولي عن عطاء فقال عطاء ما أمرته إلا بعد الظهر فاستحيا وكان هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد النضري وكان على العراق وخراسان عمر بن هبيرة وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس وفي هذه السنة مات كثير عزة وعكرمة مولى ابن عباس وكان عكرمة زوج أم سعيد بن جبير وفيها مات حميد بن عبد الرحمن بن عوف وقيل سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة وفيها توفي الضحاك بن مزاحم وفيها توفي عبيد بن حسين وهو ابن خمس وسبعين سنة وأبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن السلمي وله تسعون سنة واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة وفيها توفي أخوه عبيد الله بن عمر بن الخطاب أمه صفية أخت المختار وأوصى إليه أبوه وفيها توفي أخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر وهو أخو سالم لأمه أمهما أم ولد وفي أيام يزيد بن عبد الملك توفي أبان بن عثمان بن عفان وكان قد فلج وفيها توفي عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري وله خمس وسبعون سنة وفي أيام يزيد بن عبد الملك مات المغيرة بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي وعطاء بن يزيد الجندعي الليثي ومولده سنة خمس وعشرين سكن الشام الجندعي بضم الجيم والدال المهملة المفتوحة والنون وعراك بن مالك الغفاري والدخيثم بن عراك ومورق العجلي

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.