في أيام يزيد بن عبد الملك خرج حروري اسمه عقفان في ثمانين رجلا فأراد يزيد أن يرسل إليه جندا يقاتلونه فقيل له إن قتل بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة والرأي أن تبعث إلى كل رجل من أصحابه رجلا من قومه يكلمه ويرده ففعل ذلك فقال لهم أهلوهم إنا نخاف أن نؤخذ بكم وأمنوا وبقي عقفان وحده فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه فرده فلما ولي هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فقدم ابنه من خراسان عاصيا فشده وثاقا وبعث به إلى هشام فأطلقة لأبيه وقال لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه واستعمل عقفان على الصدقة فبقي عليها إلى أن توفي هشام
ثم دخلت سنة خمس ومائة
وخرج مسعود بن أبي زينب العبدي بالبحرين على الأشعث بن عبد الله بن الجارود ففارق الأشعث البحرين وسار مسعود إلى اليمامة وعليها سفيان بن عمرو العقيلي ولاه إياها عمر بن هبيرة فخرج إليه سفيان فاقتتلوا بالخضرمة قتالا شديدا فقتل مسعود وأقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج فقاتلهم يومه كله فقتل ناس من الخوارج وقتلت زينب أخت مسعود فلما أمسى هلال تفرق عنه أصحابه وبقي في نفر يسير فدخل قصرا فتحصن به فنصبوا عليه السلاليم وصعدوا إليه فقتلوه واستأمن أصحابه فأمنهم وقال الفرزدق في هذا اليوم
( لعمري لقد سلت حنيفة سلة % سيوفا أبت يوم الوغى أن تغيرا )
( تركن لمسعود وزينب أخته % رداء وسربالا من الموت أحمرا )
( أرين الحروريين يوم لقائهم % ببرقان يوما يجعل الموت أشقرا )
وقيل أن مسعودا غلب على البحرين واليمامة تسع عشر سنة حتى قتله سفيان بن عمرو العقيلي الخضرمة بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين وكسر الراء
كان مصعب من رؤساء الخوارج وطلبه عمر بن هبيرة وطلب معه مالك بن الصعب وجابر بن سعد فخرجوا واجتمعوا بالخورنق وأمروا عليهم مصعبا ومعه أخته آمنة وساروا عنه فلما ولي هشام بن عبد الملك واستعمل على العراق خالدا القسري سير إليهم جيشا وكانوا قد صاروا بحزة من أعمال الموصل فالتقوا واقتتلوا فقتل الخوارج وقيل كان قتلهم آخر أيام يزيد بن عبد الملك فقال فيهم بعض الشعراء
( فتية تعرف التخشع فيهم % كلهم أحكم القرآن إماما )
( قد برى لحمه التهجد حتى % عاد جلدا مصفرا وعظاما )
( غادروهم بقاع حزة صرعى % فسقى الغيث أرضهم يا إماما )
في هذه السنة توفي يزيد بن عبد الملك لخمس بقين من شعبان وله أربعون سنة وقيل خمس وثلاثون سنة وقيل غير ذلك وكانت ولايته أربع سنين وشهرا وأياما وكنيته أبو خالد وكان مرضه السل وقيل كان سبب موته أن حبابة لما ماتت وجد عليها وجدا شديدا على ما نذكره إن شاء الله تعالى فخرج مشيعا لجنازتها ومعه أخوه مسلمة بن عبد الملك ليسليه ويعزيه فلم يجبه بكلمة وقيل إن يزيد لم يطق الركوب من الجزع وعجز عن المشي فأمر مسلمة فصلى عليها وقيل منعه مسلمة عن ذلك لئلا يرى الناس منه ما يعيبونه به فلما دفنت بقي بعدها خمسة عشر يوما ومات ودفن إلى جانبها وقيل بقي بعدها أربعين يوما لم يدخل عليه أحد إلا مرة واحدة ولما مات صلى عليه أخوه مسلمة وقيل ابنه الوليد وكان هشام بن عبد الملك بحمص
كان يزيد من فتيانهم فقال يوما وقد طرب وعنده حبابة وسلامة القس دعوني أطير فقالت حبابة على من تدع الامة قال عليك قيل وغنته يوما
( وبين التراقي واللهاة حرارة % وما ظمئت ماء يسوغ فتبردا )
فاهوى ليطير فقالت يا أمير المؤمنين أن لنا فيك حاجة فقال والله لأطيرن فقالت على من تخلف الأمة والملك قال عليك والله وقبل يدها فخرج بعض خدمه وهو يقول سخنت عينك فما أسخفك وخرجت معه إلى ناحية الأردن يتنزهان فرماها بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت فتركها ثلاثة أيام لم يدفنها حتى أنتنت وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي فكلم في أمرها حتى أذن في دفنها وعاد إلى قصره كئيبا حزينا وسمع جاريه له تتمثل بعدها
( كفى حزنا بالهائم الصب أن يرى % منازل من يهوى معطلة قفرا )
فبكى وبقي يزيد بعد موتها سبعة أيام لا يظهر للناس أشار عليه مسلمة بذلك خاف أنه يظهر منه ما يسفهه عندهم وكان يزيد قد حج أيام أخيه سليمان فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار وكان اسمها العالية وقال سليمان لقد هممت أن احجر على يزيد فردها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت امرأته سعدة هل بقي من الدنيا شيء تتمناه قال نعم حبابة فأرسلت فاشترتها ثم صيغتها وأتت بها يزيدا فأجلستها من وراء الستر وقالت يا أمير المؤمنين هل بقي من الدنيا شيء تتمناه قال قد علمت فرفعت الستر وقالت هذه حبابة وقامت وتركتها عنده فحظيت سعدة عنده وأكرمها وسعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان ولما مات يزيد لم يعلم بموته حتى ناحت سلامة فقالت
( لا تلمنا إن خشعنا % أو هممنا بخشوع ) وتراب مكيدة وأرادوا إذا التقوا إذا انهزموا كانوا قد عرفوا الطريق ويشكل على المسلمين ويسقطون في الخندق فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا وأخطأهم الطريق فسقطوا في الخندق وأخرج منهم المسلمين أربعين رجلا وحصرهم الحرشي ونصب عليهم المجانيق فأرسلوا إلى ملك فرغانة أنك غدرت بنا وسألوه أن ينصرهم فقال قد أتوكم قبل انقضاء الأجل ولستم في جواري فطلبوا الصلح وسألوا الأمان وأن يردهم إلى الصغد واشترط عليهم أن يردوا ما في أيديهم من نساء العرب وذراريهم وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج ولا يغتالوا أحدا ولا يتخلف منهم بخجندة أحد فإن أحدثوا حدثا حلت دماؤهم فخرج إليهم الملوك والتجار من الصغد وترك أهل خجندة على حالهم ونزل عظماء الصغد على الجند الذين يعرفونهم ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان وبلغ الحرشي انهم قتلوا امرأة ممن كان في أيدهم فقال لهم بلغني أن ثابتا قتل امرأة ودفنها فجحدوا فسأل فإذا الخبر صحيح فدعا بثابت إلى خيمته فقتله فلما سمع كارزنج بقتله خاف أن يقتل وأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل وكان قد قال لابن أخيه إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل فبعث به إليهم وخرج واعترض الناس فقتل ناسا وتضعضع العسكر ولقوا منه شرا وانتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت وقتل الصغد اسرى عندهم من المسلمين مائة وخمسين رجلا فأخبر الحرشي بذلك فسأل فرأى الخبر صحيحا فأمر بقتلهم وعزل التجار عنهم فقاتلهم الصغد بالخشب ولم يكن لهم سلاح فقتلوا عن آخرهم وكانوا ثلاثة آلاف وقيل سبعة آلاف واصطفى أموال الصغد وذراريهم وأخذ منه ما أعجبه ثم دعا مسلم بن بديل العدوي عدي الرباب وقال وليتك المقسم فقال بعدما عمل فيه عمالك ليلة وله غيري فولاه غيره وكتب الحرشي إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة فكان هذا مما أوغر صدره عليه وقال ثابت قطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم
( أقر العين مصرع كارزنج % وكشكير وما لاقى يوباد )
( وديوشتي وما لاقى خلنج % بحصن خجنداذ دمروا فبادوا )
( قد لعمري بت ليلي % كأخي الداء الوجيع )
( ثم بات الهم مني % دون من لي بضجيع )
( للذي حل بنا اليو % م من الأمر الفظيع )
( كلما أبصرت ربعا % خاليا فاضت دموعي )
( قد خلا من سيد كا % ن لنا غير مضيع )
ثم نادت واأمير المومنيناه فعلموا بموته والشعر لبعض الأنصار وأخبار يزيد مع سلامة وحبابة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها وإنما قيل لسلامة القس لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار أحد بني جشم بن معاوية بن بكير كان فقيها عابدا مجتهدا في العبادة وكان يسمى القس لعبادته مر يوما بمنزل مولاها فسمع غناءها فوقف يسمعه فرآه مولاها فقال له هل لك أن تنظر وتسمع فأبى وقال أنا أقعدها بمكان لا تراها وتسمع غناءها فدخل معه فغنته فاعجبه غناءها ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها وأحبته هي أيضا وكان شابا جميلا فقالت له يوما على خلوة أنا والله أحبك قال وأنا والله أحبك فقالت وأحب أن أقبلك قال وأنا والله قالت وأحب أن أضع بطني على بطنك قال وأنا والله قالت فما يمنعك قال قول الله تعالى الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وأنا أكره أن تؤل خلتنا إلى عداوة ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته وله فيها أشعار منها
( ألم ترها لا يبعد الله دارها % إذا طربت في صوتها كيف تصنع )
( تمد نظام القول ثم ترده % إلى صلصل من صوتها يترجع ) وله فيها
( ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر % وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر )
( ألا ليت أني حيث صارت بها النوى % جليس لسلمى كلما عج مزهر )
( إذا أخذت في الصوت كاد جليسها % يطير إليها قلبه حين ينظر )
فقيل لها سلامة القس لذلك سلامة بتشديد اللام وحبابة بتخفيف الباء الموحده
في هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليال بقين من شعبان وكان عمره يوم استخلف أربعا وثلاثين سنة وأشهرا وكانت ولادته عام قتل مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين فسماه عبد الملك منصورا وسمته أمه باسم أبيها هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي فلم ينكر عبد الملك ذلك وكانت أمه عائشة بنت هشام حمقاء فطلقها عبد الملك وكانت كنية هشام أبا الوليد واتته الخلافة وهو بالرصافة أتاه البريد بالخاتم والقضيب وسلم عليه بالخلافة فركب منها حتى أتى دمشق
فيها عزل هشام عمر بن هبيرة عن العراق واستعمل خالد بن عبد لله القسري في شوال قال عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي دخلت على هشام وخالد عنده وهو يذكر طاعة أهل اليمن فقلت والله ما رأيت هكذا خطأ وخطلا والله ما فتحت فتنة في الاسلام إلا بأهل اليمن هم قتلوا عثمان وهم خلعوا عبد الملك وان سيوفنا لتقطر من دماء أهل المهلب قال فلما قمت تبعني رجل من آل مروان فقال يا أخا بني تميم ورت بك زنادي قد سمعت مقالتك وأمير المؤمنين قد ولى خالدا العراق وليست لك بدار فسار خالد إلى العراق من يومه الأسيدي بضم الهمزة وتشديد الياء هكذا يقوله المحدثون وأما النحاة فانهم يخففون الياء وهي عند الجميع نسبة إلى عمرو بن أسيد بن عمروا بن تميم بضم الهمزة وتشديد الياء
قيل وفي هذه السنة قدم بكير بن ماهان من السند كان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ترجمانا له فلما عزل الجنيد قدم بكير الكوفة ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب فلقي أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالما الأعين وأبا يحيى مولى بني سلمة فذكروا له أمر دعوة بني هاشم فقبل ذلك ورضيه وأنفق ما معه عليهم ودخل إلى محمد بن علي ومات ميسرة فأقامه مقامه
في هذه السنة غزا الجراح الحكمي اللان حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء بلنجر ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرض الروم فبعث سرية في نحو ألف مقاتل فاصيبوا جميعا وفيها غزا مسلم بن سعيد الكلابي أمير خراسان الترك بما وراء النهر فلم يفتح شيئا وقفل فتبعه الترك فلحقوه والناس يعبرون جيحون وعلى الساقة عبيد الله بن زهير بن حيان على خيل تميم فحاموا حتى عبر الناس وغزا مسلم افشين فصالح أهلها عى ستة آلاف رأس ودفع إليها القلعة وذلك لتمام خمس ومائة بعد موت يزيد بن عبد الملك وفيها غزا مروان بن محمد الصائفة اليمني فافتتح قونية من أرض الروم وكمخ وحج بالناس هذه السنة إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك فأرسل إلى عطاء متى أخطب قال بعد الظهر قبل التروية بيوم فخطب قبل الظهر وقال أخبرني رسولي عن عطاء فقال عطاء ما أمرته إلا بعد الظهر فاستحيا وكان هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد النضري وكان على العراق وخراسان عمر بن هبيرة وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس وفي هذه السنة مات كثير عزة وعكرمة مولى ابن عباس وكان عكرمة زوج أم سعيد بن جبير وفيها مات حميد بن عبد الرحمن بن عوف وقيل سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة وفيها توفي الضحاك بن مزاحم وفيها توفي عبيد بن حسين وهو ابن خمس وسبعين سنة وأبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن السلمي وله تسعون سنة واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة وفيها توفي أخوه عبيد الله بن عمر بن الخطاب أمه صفية أخت المختار وأوصى إليه أبوه وفيها توفي أخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر وهو أخو سالم لأمه أمهما أم ولد وفي أيام يزيد بن عبد الملك توفي أبان بن عثمان بن عفان وكان قد فلج وفيها توفي عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري وله خمس وسبعون سنة وفي أيام يزيد بن عبد الملك مات المغيرة بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي وعطاء بن يزيد الجندعي الليثي ومولده سنة خمس وعشرين سكن الشام الجندعي بضم الجيم والدال المهملة المفتوحة والنون وعراك بن مالك الغفاري والدخيثم بن عراك ومورق العجلي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
