الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
39

ثم دخلت سنة أربع ومائة

الجزء الرابع 7 عنصر صفحة 357
ذكر الوقعة بين الحرشي والصغد ص 357

قيل وفي هذه السنة غزا الحرشي فقطع النهر وسار فنزل في قصر الريح على فرسخين من الدبوسية ولم يجتمع إليه جنده فأمر بالرحيل فقال له هلال بن عليم الحنظلي يا هناه انك وزيرا خيرا منك أميرا لم يجتمع إليك جندك وقد أمرت بالرحيل فعاد وأمر بالنزول وأتاه ابن عمر ملك فرغانة فقال له أن أهل الصغد بخجندة وأخبره بخبرهم وقال عاجلهم قبل أن يصلوا إلى الشعب فليس لهم جوار علينا حتى يمضي الأجل فوجه معه عبد الرحمن القشيري وزياد بن عبد الرحمن في جماعة ثم ندم بعد ما فصلوا وقال جاءني علج لا أعلم أصدق أم كذب فغررت بجند من المسلمين فارتحل في أثرهم حتى نزل أشروسنة فصالحهم بشيء يسير فبينا هو يتعشى إذ قيل له هذا عطاء الدبوسي وكان مع عبد الرحمن فسقطت اللقمة من يده ودعا بعطاء فقال ويلك قاتلتم أحدا قال لله الحمد وتعشى وأخبره بما قدم له فسار مسرعا حتى لحق القشيري بعد ثلاثة وسار فلما انتهى إلى خجندة قال له بعض أصحابه ما ترى قال أرى العاجلة قال لا أرى ذلك إن جرح رجل فإلى أين يرجع أو قتل قتيل فإلى من يحمل ولكني أرى النزول والتأني والإستعداد للحرب فنزل فأخذ في التأهب فلم يخرج أحد من العدو فجبن الناس الحرشي وقالوا كان يذكر بشجاعة وديانة صار بالعراق ماق فحمل رجل من العرب فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب وكانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقا يغطوه بقصب

يقال أن ديوشتي دهقان سمرقل واسمه دواشتج فأعربوه وقيل كان على أقباض خجندة علباء بن أحمر اليشكري فاشترى رجل منهم جونة بدرهمين فوجد فيها سبائك ذهب فرجع وقد وضع يده على وجهه كأنه رمد فرد الجونه فأخذ الدرهمين فطلب فلم يعرف وسرح الحرشي سليمان بن أبي السري إلى حصن لا يطيف به وادي الصغد إلا عن وجه واحد ومعه خوارزمشاه وصاحب أجرون وشومان فسير سليمان على مقدمته المسيب بن بشر الرياحي فتلقوه على فرسخ فهزمهم حتى ردهم إلى حصنهم فحصرهم فطلب الديوشتي أن ينزل على حكم الحرشي فسيره إليه فاكرمه وطلب أهل القلعة الصلح على أن لا يتعرض لنسائهم وذراريهم ويسلموا القلعة فبعث سليمان إلى الحرشي ليبعث الأمناء لقبض ما في القلعة فبعث من قبضه وباعوه وقسموه وسار الحرشي إلى كش وصالحوه على عشرة آلاف رأس وقيل ستة آلاف رأس وسار إلى زرنج فوافاه كتاب ابن هبيرة بإطلاق ديوشنج فقتله وصلبه وولى نصر بن سيار قبض صلح كش واستعمل سليمان بن أبي السري على كشر ونسف حربها وخراجها وكانت خزائن منيعة فقال المجشر للحرشي ألا أدلك على من يفتحها لك بغير قتال قال بلى قال المسربل بن الخريت بن راشد الناجي فوجهه إليها وكان صديقا لمكها واسم الملك سبغري فأخبر الملك بما صنع الحرشي بأهل خجندة وخوفه قال فما ترى قال أن تنزل بأمان قال فما أصنع بمن لحق بي قال تجعلهم في أمانك فصالحهم فأمنوه وبلاده ورجع الحرشي إلى بلاده ومعه سبغري فقتل سبغري وصلب معه الأمان

ذكر ظفر الخزر بالمسلمين ص 358

في هذه السنة دخل جيش للمسلمين بلاد الخزر من أرمينية وعليهم ثبيت النهراني فاجتمعت الخزر في جمع كثير وأعانهم قفجاق وغيرهم من أنواع الترك فلقوا المسلمين في مكان يعرف بمرج الحجارة فاقتتلوا هنالك قتالا شديدة فقتل من المسلمين بشر كثير واحتوت الخزر على عسكرهم وغنموا جميع ما فيه وأقبل المنهزمون إلى الشام فقدموا على يزيد بن عبد الملك وفيهم ثبيت فوبخهم يزيد على الهزيمة فقال يا أمير المؤمنين ما جبنت ولا نكبت عن لقاء العدو ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل ولقد طاعنت حنى انقصف رمحي وضاربت حتى انقطع سيفي غير أن الله تبارك وتعالى يفعل ما يريد

ذكر ولاية الجراح أرمينية وفتح بلجر وغيرها ص 360

لما تمت الهزيمة المذكورة على المسلمين طمع الخزر في البلاد فجمعوا وحشدوا واستعمل يزيد بن عبد الملك الجراح بن عبد الله الحكمي حينئذ على أرمينية وأمده بجيش كثيف وأمره بغزو الخزر وغيرهم من الأعداء وبقصد بلادهم فسار الجراح وتسامع الخزر به فعاد حتى نزلوا بالباب والأبواب ووصل الجراح إلى برذعة فأقام حتى واستراح هو ومن معه وسار نحو الخزر فعبر نهر الكر فسمع بان بعض من معه من أهل تلك الجبال قد كاتب ملك الخزر يخبره بمسير الجراح إليه فحينئذ أمر الجراح مناديه فنادى في الناس إن الأمير مقيم ههنا عدة أيام فاستكثروا من الميرة فكتب ذلك الرجل إلى ملك الخزر يخبره أن الحجار مقيم ويشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع المسلمون فيه فلما كان الليل أمر الجراح بالرحيل فسار مجدا حتى انتهى إلى مدينة الباب والأبواب فلم ير الخزر فدخل البلد فبث سراياه في النهب والغارة على ما يجاوره فغنموا وعادوا من الغد وسار الخزر إليه وعليهم ابن ملكهم فالتقوا عند نهر الران واقتتلوا قتالا شديدا وحرض الجراح أصحابه واشتد القتال فظفروا بالخزر وهزموهم وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فقتل منهم خلق كثير وغنم المسلمون جميع ما معهم وساروا حتى نزلوا على حصن يعرف الحصين فنزل أهله بالأمان على مال يحملونه فأجابهم ونقلهم عنها ثم سار إلى مدينة يقال لها يرغوا فأقام عليها ستة أيام وهو مجد في قتالهم فطلبوا الأمان فأمنهم وتسلم حصنهم ونقلهم منه

ثم سار الجراح إلى بلنجر وهو حصن مشهور من حصونهم فنازله وكان أهل الحصي قد جمعوا ثلاثمائة عجلة فشدوا بعضها إلى بعض وجعلوها حول حصنهم ليحتموا بها وتمنع المسلمين من الوصول إلى الحصن وكانت تلك العجل أشد شيء على المسلمين في قتالهم فما رأوا الضرر الذي عليهم منها انتدب جماعة منهم نحو ثلاثين رجلا وتعاهدوا على الموت وكسروا جفون سيوفهم وحملوا حملة رجل واحد وتقدموا نحو العجل وجد الكفار في قتالهم ورموا من النشاب ما كان يحجب الشمس فلم يرجع أولئك حتى وصلوا العجل وتعلقوا بها وقطعوا الحبل الذي يمسكها وجذبوها فانحدرت وتبعها سائر العجل لأن بعضها كان مشدودا إلى بعض وانحدر الجميع إلى المسلمين والتحم القتال واشتد وعظم الأمر على الجميع حتى بلغت القلوب الحناجر ثم أن الخزر انهزموا واستولى المسلمون على الحصن عنوة وغنموا جميع ما فيه في ربيع الأول فاصاب الفارس ثلاثمائة دينار وكانوا بضعة وثلاثين ألفا

ثم أن الجراح أخذ أولاد صاحب بلنجر وأهله وأرسل إليه أحضره ورد إليه أمواله وأهله وحصنه وجعله عينا لهم يخبرهم بما يفعله الكفار ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن الوبندر وبه نحو أربعين ألف بيت من الترك فصالحوا الجراح على مال يؤدونه ثم عن أهل تلك البلاد تجمعوا وأخذوا الطرق على المسلمين فكتب صاحب بلنجر إلى الجراح يعلمه بذلك فعاد مجدا حتى وصل إلى رستاق ملى وأدركهم الشتاء فأقام المسلمون به وكتب الجراح إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح الله عليه وبما اجتمع من الكفار ويسأله المدد فوعده إنفاذ العساكر إليه فأدركه أجله قبل إنفاذ الجيش فأرسل هشام بن عبد الملك إلى الجراح أقره على عمله ووعده المدد

ذكر عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكة ص 361

وفي هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكة وكان عامله عليهما ثلاث سنين وولى عبد الواحد النضري وكان سبب ذلك أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علي فقالت مالك ما أريد النكاح ولقد قعدت على بني هؤلاء فألح عليها وقال لئن لم تفعلي لاجلدن أكبر بنيك في الخمر يعني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وكان على الديوان بالمدينة ابن هرمز رجل من أهل الشام وقد رفع حسابه ويريد أن يسير إلى يزيد فدخل على فاطمة يودعها فقال لها هل من حاجة فقالت تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحاك وما يتعرض مني وبعثت رسولا بكتاب إلى يزيد بذلك وقدم ابن هرمز على يزيد فاستخبره عن المدينة وقال هل من مغربة خير فلم يذكر شأن فاطمة فقال الحاجب ليزيد بالباب رسول من فاطمة بن الحسين فقال ابن هرمز إنها حملتني رسالة وأخبره بالخبر فنزل من فراشه وقال لا أم لك عندك هذا ولا تخبرنيه فاعتذر بالنسيان وأذن لرسولها فأدخله وأخذ الكتاب فقرأه وجعل يضرب بخيزران في يده ويقول لقد اجترأ ابن الضحاك هل من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي قيل له عبد الواحد بن عبد الله النضري فدعا بقرطاس فكتب بيده إلى عبد الواحد قد وليتك المدينة فاهبط إليها واعزل عنها ابن الضحاك وغرمه أربعين ألف دينار وعذبه حتى أسمع صوته وأنا على فراشي وسار البريد بالكتاب ولم يدخل على ابن الضحاك فاخبر ابن الضحاك فأحضر البريد وأعطاه الف دينار ليخبره خبره فأخبر فسار ابن الضحاك مجدا فنزل على مسلمة بن عبد الملك فاستجاره فحضر مسلمة عند يزيد فطلب إليه حاجة حالة فقال كل حاجة فهي لك إلا ابن الضحاك فقال هي والله ابن الضحاك فقال والله لا أعفيه أبدا ورده إلى المدينة إلى عبد الواحد فعذبه ولقي شرا ثم لبس جبة صوف يسأل الناس وكان قدوم النضري في شوال سنة أربع ومائة وكان ابن الضحاك قد آذى الأنصار طرا فهجاه الشعراء وذمه الصالحون ولما وليهم النضري احسن السيرة فأحبوه وكان خيرا يستشير فيما يريد فعله القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر

ذكر ولادة أبي العباس السفاح ص 362

قيل وفيها ولد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن علي في ربيع الآخر وهو السفاح ووصل إلى أبيه محمد بن علي أبو محمد الصادق من خراسان في عدة من أصحابه فأخرج إليهم أبا العباس في خرقة وله خمسة عشر يوما وقال له هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يده فقبلوا أطرافه وقال لهم والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم

ذكر عزل سعيد الحرشي ص 362

وفي هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيدا الحرشي عن خراسان وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي وكان السبب في ذلك ما كان كتبه هبيرة إلى الحرشي بإطلاق الديوشتي فقتله وكان يستخف بابن هبيرة ويذكره بأبي المثنى فيقول قال أبو المثنى وفعل أبو المثنى فبلغ ذلك ابن هبيرة فأرسل جميل بن عمران ليعلم حال الحرشي وأظهر أنه ينظر في الدواوين فلما قدم على الحرشي قال كيف أبو المثنى فقيل له أن جميلا لم يقدم إلا ليعلم عملك فسم بطيخة وبعث بها إليه فأكلها ومرض وسقط شعره ورجع إلى ابن هبيرة وقد عولج فصح فقال له الأمر أعظم مما بلغك ما يرى الحرشي إلا انك عامل له فغضب وعزله ونفخ في بطنه النمل وعذبه حتى أدى الأموال وسمر ليلة ابن هبيرة فقال من سيد قيس فقالوا الأمير قال دعوا هذا سيد قيس الكوثر بن زفر لوثور بليل لوافاه عشرون ألفا لا يقولون لم دعوتنا وفارسها هذا الحمار الذي في الحبس وقد أمرت بقتله يعني الحرشي فأما خير قيس لها فعسى أن أكونه فقال له أعرابي من بني فزارة لو كنت كما تقول ما أمرت بقتل فارسها فأرسل إلى معقل بن عروة أن كف عن قتله وكان قد سلمه إليه ليقتله وكان ابن هبيرة لما ولي مسلم بن سعيد خراسان أمره بأخذ الحرشي وتقييده وإنفاذه إليه فقدم مسلم دار الإمارة فرأى الباب مغلقا فقيل للحرشي قدم مسلم فأرسل إليه أقدمت أميرا أو وزيرا أو زائرا فقال مثلي لا يقدم زائرا ولا وزيرا فأتاه الحرشي فشتمه وقيده وأمر بحبسه ثم أمر صاحب الحبس أن يزيده قيدا فأخبر الحرشي بذلك فقال لكاتبه اكتب إليه أن صاحب سجنك ذكر انك أمرته أن يزيدني قيدا فإن كان أمرا من فوقك فسمعا وطاعة وإن كان رأيا رأيته فسيرك الحقحقة وهي أشد السير وتمثل

( فإما تثقفوني فاقتلوني % ومن يثقف فليس له خلود )

( هم الأعداء إن شهدوا وغابوا % أولو الأحقاد والاكباد سود )

فلما هرب ابن هبيرة عن العراق أرسل خالد القسري في طلب الحرشي فأدركه على الفرات فقال ما ظنك بي قال ظني بك انك لا تدفع رجلا من قومك إلى رجل من قيس فقال هو ذاك

ذكر عدة حوادث ص 364

وحج بالناس هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري وعلى العراق والمشرق عمر به هبيرة وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى وفيها مات أبو قلابة الجرمي وقيل سنة سبع ومائة وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري وفيها توفي يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة وفيها مات عامر بن سعد بن أبي وقاص وفيها توفي موسى بن طلحة بن عبد الله وعمير مولى ابن عباس يكنى أبا عبد الله وخالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي سكن الشام

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.