الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
34

ثم دخلت سنة تسع وتسعين

الجزء الرابع 4 عنصر صفحة 310
ذكر موت سليمان بن عبد الملك ص 310

في هذه السنة توفي سليمان بن عبد الملك بن مروان بيوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام وقيل توفي فيها لعشر مضين من صفر فتكون ولايته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام وصلى عليه عمر بن عبد العزيز وكان الناس يقولون سليمان مفتاح الخير ذهب عنهم الحجاج وولي سليمان فأطلق الأسرى وأخلى السجون وأحسن إلى الناس واستخلف عمر بن عبد العزيز وكان موته بدابق من أرض قنسرين لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآه فقال أنا الملك الفتى فما عاش جمعة ونظرت إليه جارية فقال ما تنظرين فقالت

( أنت نعم المتاع لو كنت تبقى % غير أن لا بقاء للانسان )

( ليس فيما علمته فيك عيب % كان في الناس غير أنك فإن )

قيل وشهد سليمان جنازة بدابق فدفنت في حقل فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة ويقول ما أحسن هذه التربة وأطيبها فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جنب ذلك القبر قيل حج سليمان وحج الشعراء فلما كان بالمدينة قافلا تلقوه بنحو أربعمائة أسير من الروم فقعد سليمان وأقربهم منه مجلسا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فقدم بطريقهم فقال يا عبد الله اضرب عنقه فأخذ سيفا من حرسي فضربه فأبان الرأس وأطن الساعد وبعض الغل ودفع البقية إلى الوجوه يقتلونهم ودفع إلى جرير رجلا منهم فأعطاه بنو عبس سيفا جيد أصحابه فضربه فأبان رأسه ودفع إلى الفرزدق أسيرا فأعطوه سيفا رديئا لا يقطع فضرب به الأسير ضربات فلم يصنع شيئا فضحك سليمان والقوم وشمتت به بنو عبس أخوال سليمان فألقى السيف وأنشأ يقول

( وإن يك سيف خان أو قدر أتى % بتأخير نفس حتفها غير شاهد )

( فسيف بني عبس وقد ضربوا به % نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد )

( كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها % وتقطع أحيانا مناط القلائد )

ورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي ضرب خالد بن جعفر بن كلاب وخالد قد أكب على زهير وضربه بالسيف فصرعه فأقبل ورقاء فضرب خالدا ضربات فلم يصنع شيئا فقال ورقاء بن زهير

( رأيت زهيرا تحت كلكل خالد % فأقبلت أسعى كالعجول أبادر )

( فشلت يميني يوم أضرب خالدا % ويمنعه مني الحديد المظاهر )

ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز ص 311

في هذه السنة استخلف عمر بن عبد العزيز وسبب ذلك أن سليمان بن عبد الملك كان بدابق ومرض على ما وصفنا فلما ثقل عهد في كتاب كتبه لبعض بينه وهو غلام لم يبلغ فقال له رجاء بن حيوة ما تصنع يا أمير المؤمنين ان مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على الناس الرجل الصالح فقال سليمان أنا أستخير الله وأنظر ولم أعزم فمكث سليمان يوما أو يومين ثم خرقه ودعا رجاء فقال ما ترى في ولدي داود فقال رجاء هو غائب عن القسطنطينية ولا تدري أحي أم لا قال فمن ترى قال يا أمير المؤمنين رأيك يا أمير المؤمنين قال فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز فقال رجاء فقلت أعلمه والله خيرا فاضلا سليما قال سليمان هو والله على ذلك ولئن وليته ولم أول أحدا سواه لتكونن فتنة ولا يتركونه أبدا يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعده

وكان عبد الملك قد عهد إلى الوليد وسليمان أن يجعلا أخاهما يزيد ولي عهد فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعد عمر وكان يزيد غائبا في الموسم قال رجاء قلت رأيك فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز إني قد وليتك الخلافة بعدي ومن بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم وختم الكتاب ثم أرسل إلى كعب بن جابر العبسي صاحب شرطته فقال ادع أهل بيتي فجمعهم كعب ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم اذهب بكتابي إليهم وأخبرهم بكتابي ومرهم فليبايعوا من وليت فيه ففعل رجاء فقالوا ندخل ونسلم على أمير المؤمنين قال نعم فدخلوا فقال لهم سليمان في هذا الكتاب الذي في يد رجاء بن حيوة عهدي فاسمعوا وأطيعوا لمن سميت فيه فبايعوه رجلا رجلا وتفرقوا قال رجاء فأتاني عمر بن عبد العزيز فقال أخشى أن يكون هذا أسند إلي شيئا من هذا الأمر فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ذلك قال رجاء ما أنا بمخبرك حرفا قال فذهب عني عمر غضبان

قال رجاء ولقيني هشام بن عبد الملك فقال إن لي بك حرمة ومودة قديمة وعندي شكر فأعلمني بهذا الأمر فإن كان إلى غيري تكلمت ولله علي أن لا أذكر شيئا من ذلك أبدا فأبيت أن أخبره حرفا فانصرف هشام وهو يضرب بإحدى يديه على الأخرى ويقول فإلى من إذا نحيت عني أتخرج من بني عبد الملك قال رجاء ودخلت على سليمان فإذا هو يموت فجعلت إذا أخذته سكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة فيقول حين يفيق لم يأن بعد ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا فلما كانت الثالثة قال من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئا اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فحرفته فمات فلما غمضته وسجيته وأغلقت الباب أرسلت إلى زوجته فقالت كيف أصبح فقلت هو نائم قد تغطى ونظر إليه الرسول متغطيا فرجع فأخبرها فظنت أنه نائم قال فأجلست على الباب من أثق به وأوصيته أن لا يبرح ولا يترك أحدا يدخل على الخليفة قال فخرجت فأرسلت إلى عقب بن جابر فجمع أهل بيت سليمان فاجتمعوا في مسجد دابق فقلت بايعوا فقالوا قد بايعنا مرة قلت وأخرى هذا عهد أمير المؤمنين فبايعوا الثانية فلما بايعوا بعد موته رأيت إني قد أحكمت الأمر فقلت قوموا إلى صاحبكم فقد مات قالوا إنا لله وإنا ليه راجعون وقرأت الكتاب عليهم فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام لا نبايعه والله أبدا قلت أضرب والله عنقك قم فبايع فقام يجر رجليه قال رجاء فأخذت بضبعي عمر بن عبد العزيز فأجلسته على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه وهشام يسترجع لما أخطأه فبايعوه وغسل سليمان وكفن وصلى عليه عمر بن عبد العزيز ودفن فلما دفن أتي عمر بمراكب الخلافة ولكل دابة سائس فقال ما هذا فقيل مراكب الخلافة قال دابتي أوفق لي وركب دابته وصرفت تلك الدواب ثم أقبل سائرا فقيل له أمنزل الخلافة فقال فيه عيال أبي أيوب يعني سليمان وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا فأقام في منزله حتى فرغوه

قال رجاء فأعجبني ما صنع في الدواب ومنزل سليمان ثم دعا كاتبا فأملى عليه كتابا واحدا وأمره أن ينسخه ويسيره إلى كل بلد وبلغ عبد العزيز بن الوليد وكان غائبا موت سليمان ولم يعلم ببيعة عمر فعقد لواء ودعا إلى نفسه فبلغه بيعة عمر بعهد سليمان فأقبل حتى دخل عليه فقال له عمر بلغني أنك بايعت من قبلك وأردت دخول دمشق فقال قد كان ذاك وذلك أنه بلغني أن سليمان لم يكن عهد لأحد فخفت على الأموال أن تنهب فقال عمر لو بايعت وقمت بالأمر لم أنازعك فيه ولقعدت في بيتي فقال عبد العزيز ما أحب أنه ولي هذا الأمر غيرك وبايعه وكان يرجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز وترك ولده فلما استقرت البيعة لعمر بن عبد العزيز قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك إن أردت صحبتي فردي ما معك من مال وجلي وجوهر إلى بيت المسلمين فإنه لهم وإني لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد فردته جميعه فلما توفي عمر وولي أخوها يزيد رده عليها وقال أنا أعلم أن عمر قد ظلمك قالت كلا والله وامتنعت من أخذه وقالت ما كنت أطيعه حيا وأعصيه ميتا فأخذه يزيد وفرقه على أهله

ذكر ترك سب أمير المؤمنين علي عليه السلام ص 313

كان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز فترك ذلك وكتب إلى العمال في الآفاق بتركه وكان سبب محبته عليا أنه قال كنت بالمدينة أتعلم العلم وكنت ألزم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فبلغه عني شيء من ذلك فأتيته يوما وهو يصلي فأطال الصلاة فقعدت أنتظر فراغه فلما فرغ من صلاته التفت إلي فقال لي متى علمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم قلت لم أسمع ذلك قال فما الذي بلغني عنك في علي فقلت معذرة إلى الله وإليك وتركت ما كنت عليه

وكان أبي إذا خطب فنال من علي رضي الله عنه تلجلج فقلت يا أبت إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا قا أو فطنت لذلك قلت نعم فقال يا بني إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده فلما ولي الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا يا يرتكب هذا الأمر العظيم لأجله فترك ذلك وكتب بتركه وقرأ عوضه إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى فحل هذا الفعل عند الناس محلا حسنا وأكثروا مدحه بسببه فمن ذلك قول كثير عزة

( وليت فلم تشتم عليا ولم تخف % بريا ولم تتبع مقالة مجرم )

( تكلمت بالحق المبين وإنما % تبين آيات الهدى بالتكلم )

( وصدقت معروف الذي قلت بالذي % فعلت فأضحى راضيا كل مسلم )

( ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه % من الأود البادي ثقاف المقوم )

فقال عمر حين أنشده هذا الشعر أفلحنا إذا

ذكر عدة حوادث ص 314

وفي هذه السنة وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين ووجه له خيلا عتاقا وطعاما كثيرا وحث الناس على معونتهم وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة فوجه عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الترك ولم يفلت منهم إلا اليسير وقدم على عمر منهم بخمسين أسيرا وفيها عزل يزيد بن المهلب عن العراق ووجه إلى البصرة عدي بن أرطأة الفزاري وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي القرشي وضم إليه أبا الزناد وكان كاتبه وبعث عدي في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميري

وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وكان عامل عمر على المدينة وكان العامل على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد وعلى الكوفة عبد الحميد وعلى القضاء بها عامر الشعبي وكان على البصرة عدي بن أرطأة وعلى القضاء الحسن بن أبي الحسن البصري ثم استعفى عديا فأعفاه واستقضى اياس بن معاوية وقيل بل شكا الحسن فعزله عدي واستقضى إياسا

واستعمل عمر بن عبد العزيز على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي

وفي هذه السنة مات نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بالمدينة ومحمود بن الربيع ولد على عهد رسول الله وأبو ظبيان بن حصين بن جندب الجنبي والد قابوس ظبيان بالظاء المعجمة

وفيها توفي أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب من سم سقيه عند عوده من الشام وضع عليه سليمان بن عبد الملك من سقاه فلما أحس بذلك عاد إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو بالحميمة فعرفه حاله وأعلمه أن الخلافة صائرة إلى ولده وأعلمه كيف يصنع ثم مات عنده وفي أيام سليمان توفي عبيد الله بن سريج المغني المشهور وعبد الرحمن بن كعب من مالك بن أبو الخطاب

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.