الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
31

ثم دخلت سنة ست وتسعين

الجزء الرابع 6 عنصر صفحة 288
ذكر فتح قتيبة مدينة كاشغر ص 288

وفي هذه السنة غزا قتيبة كاشغر فسار وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند فلما عبر النهر استعمل رجلا على معبر النهر ليمنع من يرجع إلا بجواز منه ومضى إلى فرغانة وأرسل إلى شعب عصام من يسهل الطريق إلى كاشغر وهي أدنى مدائن الصين وبعث جيشا مع كثير بن فلان إلى كاشغر فغنم وسبى سبيا فختم أعناقهم وأوغل حتى بلغ قريب الصين فكتب إليه ملك الصين أن ابعث إلي رجلا شريفا يخبرني عنكم وعن دينكم فانتخب قتيبة عشرة لهم جمال وألسن وبأس وعقل وصلاح فأمر لهم بعدة حسنة ومتاع حسن من الخز والوشي وغير ذلك وخيول حسنة وكان منهم هبيرة بن مشمرج الكلابي فقال لهم إذا دخلتم عليه فاعلموه أني قد حلفت أني لا أنصرف حتى أطأ بلادهم وأختم ملوكهم وأجبي خراجهم فساروا وعليهم هبيرة فلما قدموا عليهم دعاهم ملك الصين فلبسوا ثيابا بياضا تحتها الغلائل وتطيبوا ولبسوا النعال والأردية ودخلوا عليه وعنده عظماء قومه فجلسوا فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن عنده فنهضوا فقال الملك لمن حضره كيف رأيتم هؤلاء فقالوا رأينا قوما ما هم إلا نساء ما بقي منا أحد إلا انتشر ما عنده فلما كان الغد دعاهم فلبسوا الوشي والعمائم الخز والمطارف وغدوا عليه فلما دخلوا قيل لهم ارجعوا وقال لأصحابه كيف رأيتم هذه الهيئة قالوا هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك

فلما كان اليوم الثالث دعاهم فشدوا سلاحهم ولبسوا البيض والمغافر وأخذوا السيوف والرماح والقسي وركبوا فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة فلما دنوا ركزوا رماحهم وأقبلوا مشمرين فقيل لهم ارجعوا فركبوا خيولهم وأخذوا رماحهم ودفعوا خيلهم كأنهم يتطاردون فقال الملك لأصحابه كيف ترونهم قالوا ما رأينا مثل هؤلاء فلما أمسى بعث إليهم أن ابعثوا إلي زعيمكم فبعثوا إليه هبيرة بن مشمرج فقال له حين دخل عليه قد رأيتم عظم ملكي وأنه ليس أحد يمنعكم مني وأنتم في يدي بمنزلة البيضة في كفي وإني سائلكم عن أمر فإن لم تصدقوني قتلتكم قال سل قال لم صنعتم بزيكم الأول اليوم الأول والثاني والثالث ما صنعتم قال أما زينا اليوم الأول فلباسنا في أهلنا وأما اليوم الثاني فزينا إذا أممنا أمراءنا وأما الثالث فزينا لعدونا قال ما أحسن ما دبرتم دهركم فقولوا لصاحبكم ينصرف فإني قد عرفت قلة أصحابه وإلا بعث إليكم من يهلككم قالوا كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل ولسنا نكرهه ولا نخافه وقد حلف أن لا ينصرف حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم وتعطوا الجزية فقال فإنا نخرجه من يمينه ونبعث تراب أرضنا فيطؤه ونبعث إليه ببعض أبناءنا فيختمهم ونبعث إليه بجزية يرضاها فبعث إليه بهدية وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ثم أجازهم فأحسن فقدموا على قتيبة فقبل قتيبة الجزية وختم الغلمان وردهم ووطئ التراب فقال سوادة بن عبد الملك السلولي

( لاعيب في الوفد الذين بعثتهم % للصين إن سلكوا طريق المنهج )

( كسروا الجفون على القذى خوف الردى % حاشى الكريم هبيرة بن مشمرج )

( أدى رسالتك التي استدعيته % فأتاك من حنث اليمين بمخرج )

فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد فمات بقرية من فارس فرثاه سوادة فقال

( لله در هبيرة بن مشمرج % ماذا تضمن من ندى وجمال )

( وبديهة تعنى بها أبناؤها % عند احتفال مشاهد الأقوال )

( كان الربيع إذا السنون تتابعت % والليث عند تكعكع الأبطال )

( فسقى بقرية حيث أمسى قبره % غر يرحن بمسبل هطال )

( بكت الجياد الصافنات لفقده % وبكاه كل مثقف عسال )

( وبكته شعث لم يجدن مواسيا % في العام ذي السنوات والأمحال )

ووصل الخبر إلى قتيبة في هذه الغزاة بموت الوليد وكان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثني عشر فرسا من جياد الخيل واثني عشر هجينا فتحدر إلى وقت الغزو فإذا تأهب للغزو ضمرها وحمل عليها الطلائع وكان يجعل الطلائع فرسان الناس وأشرافهم ومعهم من العجم من يستنصحه وإذا بعث طليعة أمر بلوح فنقش ثم شقه بنصفين وجعل شقه عنده ويعطي نصفه الطليعة ويأمرهم أن يدفنوه في موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضة أو غيرهما ثم يبعث بعد الطليعة من يستخرجه ليعلم أصدق الطليعة أم لا

وفيها غزا بشر بن الوليد الشاتية ورجع وقد مات الوليد

ذكر موت الوليد بن عبد الملك ص 290

وفي النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة مات الوليد بن عبد الملك في قول جميعهم وكانت خلافته تسع سنين وسبعة أشهر وقيل تسع سنين وثمانية أشهر وقيل وأحد عشر شهرا وكانت وفاته بدير مران ودفن خارج الباب الصغير وصلى عليه عمر بن عبد العزيز وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وستة أشهر وقيل كان عمره خمسا وأربعين سنة وقيل ستا وأربعين سنة وأشهرا وقيل تسعا وأربعين وخلف تسعة عشر ابنا وكان دميما يتبختر في مشيته وكان سائل الأنف جدا فقيل فيه

( فقدت الوليد وانفا له % كمثل الفصيل بدا أن يبولا )

ولما دلي في جنازته جمعت ركبتاه إلى عنقه فقال ابنه أعاش أبي فقال له عمر بن عبد العزيز وكان فيمن دفنه عوجل والله أبوك واتعظ به عمر

ذكر بعض سيرة الوليد ص 291

كان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلفاءهم بنى المساجد مسجد دمشق ومسجد المدينة على ساكنها الصلاة والسلام والمسجد الأقصى ووضع المنابر وأعطى المجذمين ومنعهم من سؤال وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا وفتح في ولايته فتوحا عظاما منها الأندلس وكاشغر والهند وكان يمر بالبقال فيقف عليه ويأخذ منه حزمة بقل فيقول بكم هذه فيقول بفلس فيقول زد فيها

وكان صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن البناء وكان سليمان صاحب طعام ونكاح فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن النكاح والطعام وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن الخير ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن وكم تصوم من الشهر ومرض الوليد مرضه قبل وفاته وأغمي عليه فبقي يومه ذلك كأنه ميت فبكوا عليه وسارت البرد بموته فاسترجع الحجاج وشد في يده حبلا إلى اسطوانة وقال اللهم لا تسلط علي من لا رحمة له فقد طال ما سألتك أن تجعل منيتي قبله فبينما هو كذلك يدعو إذ قدم عليه البريد بإفاقته ولما أفاق الوليد قال ما أحد أشد سرورا بعافيتي من الحجاج ثم لم يمت حتى قفل الحجاج عليه وكان الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان ويبايع لولده عبد العزيز فأبى سليمان فكتب إلى عماله ودعا الناس إلى ذلك فلم يجبه إلا الحجاج وقتيبة وخواص من الناس فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه فأبطأ فعزم الوليد على المسير إليه ليخلعه وأخرج خيمه فمات قبل أن يسير إليه ولما أراد أن يبني مسجد دمشق كان فيه كنيسة فهدمها وبناها مسجدا فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكوا إليه ذلك فقال لهم عمر إن ما كان خارج المدينة فتح عنوة ونحن نرد عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما فإنها فتحت عنوة ونبنيها مسجدا فقالوا بل ندع لكم هذا ودعوا كنيسة توما وكان الوليد لحانا لا يحسن النحو دخل عليه إعرابي فمت إليه بصهر بينه وبين قرابته فقال له الوليد من ختنك بفتح النون وظن الأعرابي أنه يريد الختان فقال بعض الأطباء فقال له سليمان إنما يريد أمير المؤمنين من ختنك وضم النون فقال الأعرابي نعم فلان وذكر ختنه وعاتبه أبوه على ذلك وقال إنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم فجمع أهل النحو ودخل بيتا فلم يخرج منه ستة أشهر ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخل فقال عبد الملك قد أعذر قيل إنه لما ولي الخلافة كان يختم القرآن في كل ثلاث وكان يقرأ في رمضان كل يوم ختمة وخطب يوما فقال يا ليتها كانت القاضية وضم التاء فقال عمر بن عبد العزيز عليك وأراحتنا منك

ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك وبيعته ص 292

وفي هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي توفي فيه الوليد وهو بالرملة

وفيها عزل سليمان بن الملك عثمان بن حيان عن المدينة لسبع بقين من رمضان واستعمل عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وكان عثمان قد عزم على أن يجلد أبا بكر ويحلق لحيته من الغد فلما كان الليل جاء البريد إلى أبي بكر بتأميره وعزل عثمان وحده وأن يقيده وفيها عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق واستعمل يزيد بن المهلب وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج وأمره بقتل بني عقيل وبسط العذاب عليهم وهم أهل الحجاج فكان يعذبهم ويلي عذابهم عبد الملك بن المهلب وكان يزيد بن المهلب قد استعمل أخاه زيادا على حرب عثمان

ذكر مقتل قتيبة ص 292

قيل وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان وكان سبب قتله أن الوليد بن عبد الملك أراد أن ينزع أخاه سليمان من ولاية العهد ويجعل بدله ابنه عبد العزيز فأجابه إلى ذلك الحجاج وقتيبة على ما تقدم فلما مات الوليد وولي سليمان خافه قتيبة وخاف أن يولي سليمان يزيد بن المهلب خراسان فكتب قتيبة إلى سليمان كتابا يهنئه بالخلافة ويذكر بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد وانه له على مثل ذلك أن لم يعزله عن خراسان وكتب إليه كتابا آخر يعلمه فيه بفتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته في صدورهم وعظم صولته فيهم ويذم أهل المهلب ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه وكتب كتابا ثالثا فيه خلعه وبعث الكتب مع رجل من باهلة فقال له ادفع الكتاب الأول إليه فإن كان يزيد حاضرا فقرأه ثم ألقاه إلى يزيد فادفع إليه هذا الثاني فإن قرأه ودفعه إلى يزيد فادفع إليه هذا الثالث فإن قرأ الكتاب الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين الآخرين فقدم رسول قتيبة فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلب فدفع إليه الكتاب فقرأه وألقاه إلى يزيد فدفع إليه الكتاب الآخر فقرأه وألقاه إلى يزيد فأعطاه الكتاب الثالث فقرأه فتغير لونه وختمه وأمسك بيده

وقيل كان في الكتاب الثالث لئن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمنني لأخلعنك ولأملأنها عليك رجالا وخيلا ثم أمر سليمان برسول قتيبة فأنزل ثم أحضره ليلا فأعطاه دنانير جائزته وأعطاه عهد قتيبة على خراسان وسير معه رسولا بذلك فلما كانا بحلوان بلغهما خلع قتيبة فرجع رسول سليمان وكان قتيبة لما هم بخلع سليمان استشار اخوته فقال له أخوه عبد الرحمن أقطع بعثا فوجه فيه كل من تخافه ووجه قوما إلى مرو وسر حتى تنزل سمرقند وقل لمن معك من أحب المقام فله المراسلة ومن أراد الانصراف فغير مستكره فلا يقيم عندك إلا مناصح ولا يختلف عليك وقال له أخوه عبد الله اخلعه مكانك فلا يختلف عليك رجلان فخلع سليمان مكانه ودعا الناس إلى خلعه وذكر أثره فيهم وسوء أثر من تقدمه فلم يجبه أحد فغضب وقال لا أعز الله من نصرتم ثم والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها يا أهل السافلة ولا أقول يا أهل العالية أو باش صدقتي جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب يا معشر بكر بن وائل يا أهل النفخ والكذب والبخل بأي يوميكم تفخرون بيوم حربكم أو بيوم سلمكم يا أصحاب مسيلمة يا بني ذميم ولا أقول تميم يا أهل الجور والقصف كنتم تسمون الغدر في الجاهلية كيسان يا أصحاب سيجاح يا معشر عبد القيس الفساة تبدلتم بتأبير النخل أعنة الخيل يا معشر الأزد تبدلتم بقلوس السفن أعنة الخيل إن هذا بدعة في الإسلام الأعراب وما الأعراب لعنة الله عليهم يا كناسة المصرين جمعتكم من منابت الشيخ والقيصوم ومنابت الفلفل تركبون البقر والحمر فلما جمعتكم قلتم كيت وكيت أما والله إني لإبن أبيه وأخو أخيه والله لأعضبنكم عضب السلم إن حول الصليان لزمزمة يا أهل خراسان تغدرون من وليكم يزيد بن مروان كأني بأمير جاءكم فغلبكم على فيئكم وظلالكم ارموا غرضكم القصي حتى متى يتبطح أهل الشام بأفنيتكم يا أهل خراسان انسبوني تجدوني عراقي الأم والمولد والرأي والهوى والدين وقد أصبحتم فيما ترون من الأمن والعافية قد فتح الله لكم البلاد وأمن سبلكم فالظعينة تخرج من مرو إلى بلخ بغير جواز فاحمدوا الله على العافية واسألوه الشكر والمزيد ثم نزل فدخل بيته فأتاه أهله وقالوا ما رأيناك كاليوم قط ولاموه فقال لما تكلمت فلم يجبني أحد غضبت فلم أدري ما قلت وغضب الناس وكرهوا خلع سليمان فأجمعوا على خلع قتيبة وخلافه وكان أول من تكلم من الأزد فأتوا حضين بن المنذر بضاد معجمة فقالوا إن هذا قد دعا إلى خلع الخليفة وفيه فساد الدين والدنيا وقد شتمنا فما ترى فقال إن مضر بخراسان كثيرة وتميم أكثرها وهم فرسان خراسان ولا يرضون أن يسير الأمر في غير مضر فإن أخرجتموهم منه أعانوا قتيبة فأجابوه إلى ذلك وقالوا من ترى من تميم قال لا أرى غير وكيع فقال حيان النبطي مولى بني شيبان أن أحدا يتولى هذا غير وكيع ليصلى بحره ويبذل دمه ويتعرض للقتل فإن قدم أمير أخذه بما جنى فإنه لا ينظر في عاقبة وله عشيرة تطيعه وهو موتور يطلب قتيبة برياسته إذ صرفها عنه وصيرها لضرار بن حصين الضبي فمشى الناس بعضهم إلى بعض سرا وقيل لقتيبة ليس يفسد أمر الناس إلا حيان فأراد أن يغتاله وكان حيان يلاطف خدم الولاة فدعا قتيبة رجلا فأمره بقتل حيان وسمع بعض الخدم فأتى حيان فأخبره فلما جاء رسوله يدعوه تمارض وأتى الناس وكيعا وسألوه أن يلي أمرهم ففعل وبخراسان يومئذ من أهل البصرة والعالية من المقاتلة تسعة آلاف ومن بكر سبعة آلاف ورئيسهم حضين بن المنذر ومن تميم عشرة آلاف وعليهم ضرار بن حصين ومن عبد القيس أربعة آلاف وعليهم عبد الله بن علوان ومن الأزد عشرة آلاف وعليهم عبد الله بن حوذان ومن أهل الكوفة سبعة آلاف وعليهم جهم بن زحر والموالي سبعة آلاف عليهم حيان وهو من الديلم وقيل من خراسان وإنما قيل له نبطي للكنته فأرسل حيان إلى وكيع إن أنا كففت عنك وأعنتك أتجعل لي الجانب الشرقي من نهر بلخ خراجه ما دمت حيا وما دمت أميرا قال نعم فقال حيان للعجم هؤلاء يقاتلون على غير دين فدعوهم يقتلوا بعضهم بعضا ففعلوا فبايعوا وكيعا سرا

وقيل لقتيبة إن الناس يبايعون وكيعا فدس ضرار بن سنان الضبي إلى وكيع فبايعه سرا فظهر لقتيبة أمره فأرسل يدعوه فوجده قد طلى رجليه بمغرة وعلق على رأسه حرزا وعنده رجلان يرقيان رجله فقال للرسول قد ترى ما برجلي فرجع فأخبر قتيبة فأعاده إليه يقول له لتأتني محمولا قال لا أستطيع فقال قتيبة لصاحب شرطته انطلق إلى وكيع فأتني به فإن أبى فاضرب عنقه ووجه معه خيلا وقيل أرسل إليه شعبة بن ظهير التميمي فقال له وكيع يا ابن ظهير البث قليلا تلحق الكتائب ولبس سلاحه ونادى في الناس فأتوه وركب فرسه وخرج فتلقاه رجل فقال ممن أنت قال من بني أسد قال ما اسمك قال ضرغامة قال أين من قال ابن ليث فأعطاه رايته وقيل كانت مع عقبة بن شهاب المازني وأتاه الناس ارسالا من كل وجه فتقدم بهم وهو يقول

( قرم إذا حمل مكروهة % شد الشراسيف لها والحزيم )

واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواص أصحابه وثقاته منهم إياس بن بهيس بن عمرو وهو ابن عم قتيبة فأمر قتيبة رجلا فنادى أين بنو عامر فقال له محقر بن جزء العلائي وهو قيسي أيضا وكان قتيبة قد جفاهم نادهم حيث وضعتهم قال قتيبة ناد أذكركم الله والرحم قال محقر أنت قطعتها قال ناد لكم العقبى قال محقر لا أفاء لنا الله إذن فقال قتيبة عند ذلك

( يا نفس صبرا على ما كان من ألم % إذ لم أجد لفضول العيش أقرانا )

ودعا ببرذون له مدرب ليركبه فجعل يمنعه حتى أعيا فلما رأى ذلك عاد إلى سريره فجلس عليه وقال دعوه إن هذا أمر يراد

وجاء حيان النبطي في العجم وقتيبة واجد عليه فقال عبد الله أخو قتيبة لحيان احمل عليهم فقال حيان لم يإن بعد فقال عبد الله ناولني قوسي فقال حيان ليس هذا بيوم قوس وقال حيان لابنه إذا رأيتني قد حولت قلنسوتي ومضيت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلي فلما حول حيان قلنسوته مالت الأعاجم إلى عسكر وكيع وكبروا فبعث قتيبة أخاه صالحا إلى الناس فرماه رجل من بني ضبة وقيل من بلعم فأصاب رأسه فحمل إلى قتيبة ورأسه مائل فوضع في مصلاه وجلس قتيبة عنده ساعة وتهايج الناس وأقبل عبد الرحمن أخوا قتيبة نحوهم فرماه أهل السوق والغوغاء فقتلوه وأحرق الناس موضعا كانت فيه إبل لقتيبة ودوابه ودنوا منه فقاتل عنه رجل من باهلة فقال له قتيبة انج بنفسك فقال بئس ما جزيتك إذا وقد أطعمتني الجردق وألبستني النرمق وجاء الناس حتى بلغوا فسطاطة فقطعوا أطنابه وجرح قتيبة جراحات كثيرة فقال جهم بن زحر بن قيس لسعد انزل فحز رأسه فنزل سعد فشق الفسطاط واحتز رأسه وقتل معه من أهله إخوته عبد الرحمن وعبد الله وصالح وحصين وعبد الكريم بنو مسلم وقتل كثير ابنه وقيل قتل عبد الكريم بقزوين وكان عدة من قتل مع قتيبة من أهل بيته أحد عشر رجلا ونجى عمر بن مسلم أخو قتيبة نجاه أخواله وكانت أمه الغبراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة القيسية فلما قتل قتيبة صعد وكيع المنبر فقال مثلي ومثل قتيبة كما قال الأول ينك العير ينك نياكا أراد قتيبة قتلي وأنا قتال

( قد جربوني ثم جربوني % من غلوتين ومن المئتين )

( حتى إذا شبت وشيبوني % خلوا عناني وتنكبوني )

أنا أبو مطرف ثم قال

( أنا ابن خندف تنميني قبائلها % بالصالحات وعمي قيس عيلانا )

ثم أخذ بلحيته فقال

( شيخ إذا حمل مكروهة % شد الشراسيف لها والحزيم )

والله لأقتلن ثم لأقتلن ولأصلبن ثم لأصلبن إن مرزبانكم هذا ابن الزانية قد أعلى أسعاركم والله ليصيرن القفيز بأربعة دراهم أو لأصلبنه صلوا على نبيكم ثم نزل وطلب رأس قتيبة وخاتمه فقيل له إن الأزد أخذته فخرج وكيع مشهرا وقال والله الذي لا اله إلا هو لا أبرح حتى أوتى بالرأس أو يذهب رأسي معه فقال له حضين اسكن يا أبا مطرف فإنك تؤتى به وذهب حضين إلى الأزد وهو سيدهم فأمرهم بتسليم الرأس إلى وكيع فسلموه إليه فسيره إلى سليمان مع نفر ليس فيهم تميمي ووفى وكيع لحيان النبطي بما كان ضمن له فلما أوتي سليمان برأس قتيبة ورؤوس أهله كان عنده الهذيل بن زفر بن الحرث هل ساءك هذا يا هذيل فقال لو ساءني لساء قوما كثيرا فقال سليمان ما أردت هذا كله وإنما قال سليمان هذا للهذيل لأنه هو وقتيبة من قيس عيلان ثم أمر بالرؤوس فدفنت ولما قتل قتيبة قال رجل من أهل خراسان يا معشر العرب قتلتم قتيبة والله لو كان منا فمات لجعلناه في تابوت فكنا نستسقي به ونستفتح به إذا غزونا وما صنع أحد بخراسان قط ما صنع قتيبة إلا أنه غدر وذلك أن الحجاج أن اختلهم واقتلهم في الله وقال الأصبهبذ قتلتم قتيبة ويزيد بن المهلب وهما سيدا العرب فقيل له أيهما كان أعظم عندكم وأهيب فقال لو كان قتيبة بأقصى جحر في الغرب مكبلا ويزيد معنا في بلادنا وال علينا لكان قتيبة أهيب في صدورنا وأعظم من يزيد وقال الفرزدق في ذلك

( أتاني ورحلي في المدينة وقعة % لآل تميم أقعدت كل قائم )

وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلي يرثي قتيبة

( كأن أبا حفص قتيبة لم يسر % بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا )

( ولم تخفق الرايات والجيش حوله % وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا )

( دعته المنايا فاستجاب لربه % وراح إلى الجنات عفوا مطهرا )

( فما رزئ الإسلام بعد محمد % بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا )

وعبهرة أم ولد له قيل وقال شيوخ من غسان كنا بثنية العقاب إذا نحن برجل معه عصا وجراب فقلنا من أين أقبلت قال من خراسان هل كان بها من خبر قال نعم قتل بها قتيبة بن مسلم أمس فعجبنا لقوله فلما رأى إنكارنا قال أين ترون الليلة من افريقية وتركنا فمضى فاتبعناه على خيولنا فإذا هو يسبق الطرف

ذكر عدة حوادث ص 298

قيل وفي هذه السنة مات قرة بن شريك العبسي أمير مصر في صفر وقيل مات سنة خمس وتسعين في الشهر الذي مات فيه الحجاج وحج بالناس هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو أمير المدينة وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندي من قبل يزيد بن المهلب وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي سود

وفيها مات شريح القاضي وقيل سنة سبع وتسعين وله مائة وعشرون سنة وفيها مات عبد الرحمن بن أبي بكرة ومحمود بن لبيد الأنصاري وله صحبة وفي ولاية الوليد مات عبد الله من محيريز قيل له صحبة وأبو سعيد المقبري كان يسكن المقابر فنسب إليها وفيها توفي إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وله خمس وسبعون سنة وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان في أيام الوليد بن عبد الملك وفيها توفي محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة وعباس بن سهل بن سعد الساعدي

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.