ذكر غزوة الشاش
ص 282
قيل وفي هذه السنة بعث الحجاج جيشا من العراق إلى قتيبة فغزا بهم فلما كان بالشاش أو بكشماهان أتاه موت الحجاج في شوال منها فغمه ذلك وتمثل يقول
( لعمري لنعم المرء من آل جعفر % بحوران أمسى أعلقته الحبائل )
( فإن تحيى لي أملك حياتي وان تمت % فما في حياة بعد موتك طائل )
ورجع إلى مرو وتفرق الناس فأتاه كتاب الوليد قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك واجتهادك في جهاد أعداء المسلمين وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك الذي يجب لك فأتم مغازيك وانتظر ثواب ربك ولا تغيب عن أمير المؤمنين كتبك حتى كأني أنظر إلى بلائك والثغر الذي أنت فيه
ذكر وفاة الحجاج بن يوسف
ص 282
قيل إن عمر بن عبد العزيز ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار أيام الوليد بن عبد الملك فقال الحجاج بالعراق والوليد بالشام وقرة بمصر وعثمان بالمدينة وخالد بمكة اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا فأرح الناس فلم يمض غير قليل حتى توفي الحجاج وقرة بن شريك في شهر واحد ثم تبعهم الوليد وعزل عثمان وخالد واستجاب الله لعمر وما أشبه هذه القصة بقصة ابن عمر مع زياد ابن أبيه حيث كتب إلى معاوية يقول له قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة يعرض بامارة الحجاز فقال ابن عمر لما بلغه ذلك اللهم أرحنا من يمين زياد وأرح أهل العراق من شماله فكان أول خبر جاءه موت زياد وكانت وفاة الحجاج في شوال سنة خمس وتسعين وقيل كانت وفاته لخمس بقين من شهر رمضان وله من العمر أربع وخمسون سنة وقيل ثلاث وخمسون سنة وكانت ولايته العراق عشرين سنة ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه عبد الله بن الحجاج واستخلف حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة وعلى خراجهما يزيد بن مسلم فأقرهما الوليد بعد موته ولم يغير أحدا من عمال الحجاج
ذكر نسبه وشيء من سيرته
ص 283
هو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف أبو محمد الثقفي قال قتيبة بن مسلم خطبنا الحجاج فذكر القبر فما زال يقول أنه بيت الوحدة إنه بيت الغربة وبيت كذا وكذا حتى بكى وأبكى من حوله ثم قال سمعت أمير المؤمنين عبد الملك يقول سمعت مروان يقول في خطبته خطبنا عثمان فقال في خطبته ما نظر رسول الله إلى قبر أو ذكره إلا بكى وقد روى أحاديث غير هذا عن ابن عباس وأنس وقال ابن عوف كنت إذا سمعت الحجاج يقرأ عرفت انه طالما درس القرآن وقال أبو عمرو بن العلاء ما رأيت أفصح من الحجاج ومن الحسن وكان الحسن أفصح وقال عبد الملك بن عمير قال الحجاج يوما من كان له بلاء فليقم فلنعطه على بلائه فقام رجل فقال أعطني على بلائي قال وما بلاؤك قال قتلت الحسين قال فكيف قتلته قال دسرته بالرمح دسرا بالرمح دسرا وهبرته بالسيف هبرا وما أشركت معي في قتله أحدا قال فإنك لا تجتمع أنت وهو في مكان واحد ثم قال اخرج ولم يعطه شيئا
قيل وكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بقتل أسلم بن عبد البكري بشيء بلغه عنه فأحضره الحجاج فقال أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر والله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا والذي بلغه عني باطل فاكتب إلى أمير المؤمنين إني أعول أربعا وعشرين امرأة وهن بالباب فاحضرهن فهذه أمه وهذه عمته وزوجته وابنته وكان في آخرهن جارية قاربت عشر سنين فقال لها من منه قالت ابنته أصلح الله الأمير ثم أنشأت تقول
( أحجاج لم تشهد مقام بناته % وعماته يندبنه الليل أجمعا )
( أحجاج لم تقتل به إن قتلته % ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا )
( أحجاج من هذا يقوم مقامه % علينا فمهلا أن تزدنا نضعضعا )
( أحجاج إما أن تجود بنعمة % علينا وإما أن تقتلنا معا )
فبكى الحجاج وقال والله لا أعنت الدهر عليكن ولازدتكن تضعضعا وكتب إلى عبد الملك بخبر الرجل والجارية فكتب إليه عبد الملك إن كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته وتفقد الجارية ففعل
وقال عاصم بن بهدلة سمعت الحجاج يقول اتقوا الله ما استطعتم هذا والله مثنوية واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ليس فيه مثنوية والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا حلت لي دماؤكم ولا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أم عبد يعني ابن مسعود إلا ضربت عنقه ولا حكنها من المصحف ولو بضلع خنزير وقد ذكر ذلك عند الأعمش فقال وأنا سمعته يقول فقلت في نفسي لأقرأنها على رغم أنفك قال الأوزاعي قال عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم قال منصور سألنا إبراهيم الشجاعي عن الحجاج فقال ألم يقل الله ألا لعنة الله على الظالمين
قال الشافعي بلغني أن عبد الملك بن مروان قال للحجاج ما من أحد إلا وهو عارف بعيوب نفسه فعب نفسك ولا تخبأ منها شيئا قال يا أمير المؤمنين أنا لجوج حقود فقال له عبد الملك إذا بينك وبين إبليس نسب فقال الشيطان إن إذا رآني سالمني قال الحسن سمعت عليا على المنبر يقول اللهم ائتمنتهم فخانوني ونصحتهم فغشوني اللهم فسلط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية فوصفه وهو يقول الزبال مفجر الأنهار يأكل خضرتها ويلبس فروتها قال الحسن هذه والله صفة الحجاج قال حبيب بن أبي ثابت قال علي لرجل لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف قيل له يا أمير المؤمنين ما فتى ثقيف قال ليقالن له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنم رجل يملك عشرين أو بضعا وعشرين سنة لا يدع لله معصية إلا ارتكبها حتى لو لم تبق إلا معصية واحدة وبينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها يقتل بمن أطاعه من عصاه وقيل أحصي وقيل من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا وقيل إن الحجاج مر بخالد بن يزيد بن معاوية وهو يخطر في مشيته فقال رجل لخالد من هذا قال خالد بخ بخ هذا عمرو بن العاص فسمعها الحجاج فرجع وقال والله ما يسرني أن العاص ولدني ولكني ابن الأشياخ من ثقيف والعقائل من قريش وأنا الذي ضربت بسيفي هذا مائة ألف كلهم يشهد أن أباك كان يشرب الخمر ويضمر الكفر ثم ولى وهو يقول بخ بخ عمرو بن العاص فهو قد اعترف في بعض أيامه بمائة ألف قتيل على ذنب واحد
ذكر ما فعله محمد بن القاسم بعد موت الحجاج وقتله
ص 285
لما مات الحجاج بن يوسف كان محمد بن القاسم بالملتان فأتاه خبر وفاته فرجع إلى الرور والبغرور وكان قد فتحها فأعطى الناس ووجه إلى البيلمان جيشا فلم يقاتلوا وأعطوا الطاعة وسأله أهل سرشت وهي مغزى أهل البصرة وأهلها يقطعون في البحر ثم أتى محمد الكيرج فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم دوهر وهرب وقيل بل قتل أهل المدينة على حكم محمد فقتل وسبى قال الشاعر
( نحن قتلنا ذاهرا ودوهرا % والخيل تردى منسرا فمنسرا )
ومات الوليد بن عبد الملك وولي سليمان بن عبد الملك فولى يزيد بن أبي كبشة السكسكي السند فأخذ محمدا وقيده وحمله إلى العراق فقال محمد متمثلا
( أضاعوني وأي فتى أضاعوا % ليوم كريهة وسداد ثغر )
فبكى أهل السند على محمد فلما وصل إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط فقال
( فلئن ثويت بواسط وبأرضها % رهن الحديد مكبلا مغلولا )
( فلرب قينة فارس قد رعتها % ولرب قرن قد تركت قتيلا )
وقال
( ولو كنت أجمعت الفرار لوطئت % إناث أعدت للوغى وذكور )
( وما دخلت خيل السكاسك أرضنا % ولا كان من عك علي أمير )
( وما كنت للعبد المشبول تابعا % فيا لك دهر بالكرام عثور )
فعذبه صالح في رجال من آل أبي عقيل حتى قتلهم وكان الحجاج قتل آدم أخا صالح وكان يرى رأي الخوارج وقال حمزة بن بيض الحنفي يرثي محمدا
( ان المروءة والسماحة والندى % لمحمد بن القاسم بن محمد )
( ساس الجيوش لسبع عشرة حجة % يا قرب ذلك سوددا من مولد ) وقال آخر
( ساس الرجال لسبع عشر حجة % ولداته إذ ذاك في أشغال )
ومات يزيد بن أبي كبشة بعد قدومه أرض السند بثمانية عشر يوما واستعمل سليمان بن عبد الملك على السند حبيب بن المهلب فقدمها وقد رجع ملوك السند إلى ممالكهم ورجع جيشبة بن ذاهر إلى برهمناباذ فنزل حبيب على شاطئ مهران فأعطاه أهل الرور الطاعة وحارب قوما فظفر بهم ثم مات سليمان واستخلف عمر بن عبد العزيز فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم فأسلم جيشبة والملوك وتسموا بأسماء العرب وكان عمرو بن مسلم الباهلي عامل عمر على ذلك الثغر فغزا بعض الهند فظفر ثم إن الجنيد بن عبد الرحمن ولي السند أيام هشام بن عبد الملك فأتى الجنيد شط مهران فمنعه جيشبة بن ذاهر العبور وأرسل إليه أني قد أسلمت وولاني الرجل الصالح بلادي ولست آمنك فأعطاه رهنا وأخذ منه رهنا على خراج بلاده ثم ترادا وكفر جيشبة وحارب وقيل أنه لم يحارب ولكن الجنيد تجنى عليه فأتى الهند فجمع جموعا وأعد السفن واستعد للحرب فسار إليه الجنيد بالسفن فالتقوا في بطيخة فأخذ جيشبة أسيرا وقد جنحت سفينته فقتله الجنيد وهرب صصة من ذاهر وهو يريد أن يمضي إلى العراق فيشكو غدر الجنيد فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده في يده فقتله وغزا الجنيد الكيرج وكانوا قد نقضوا فاتخذ كشبا وصك بها سور المدينة فثلمه ودخلها فقتل وسبى ووجه العمال إلى المرمذ والمندل ودهنج ويرونج وكان الجنيد يقول القتل في الجزع اكبر منه في الصبر
ووجه جيشا إلى أزين فأغاروا عليها وحرقوا ربضها وفتح البيلمان وحصل عنده سوى ما حمل أربعين ألف ألف وحمل مثلها وولى الجنيد تميم بن زيد القيني فضعف ووهن ومات قريبا من الديبل وفي أيامه خرج المسلمون عن بلاد الهند ورفضوا مراكزهم ثم ولى الحكم بن عوام الكلبي وقد كفر أهل الهند إلا أهل قصة فبنى مدينة سماها المحفوظة وجعلها مأوى للمسلمين وكان معه عمرو بن محمد بن القاسم وكان يفوض إليه عظيم الأمور فأغزاه من المحفوظة فلما قدم عليه وقد ظفر أمره فبنى مدينة وسماها المنصورة فهي التي ينزلها الأمراء واستخلص ما كان قد غلب عليه العدو ورضي الناس بولايته وكان خالد القسري يقول واعجبا وليت فتى العرب يعني تميما فرفض وترك ووليت أبخل العرب فرضي به ثم قتل الحكم وكان العمال يقاتلون العدو فكانوا يفتتحون ناحية ويأخذون ما تيسر لهم لضعف الدولة الأموية بعد ذلك إلى أن جاءت الدولة المباركة العباسية ونحن نذكر إن شاء الله أيام المأمون بقية أخبار السند
ذكر عدة حوادث
ص 287
في هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح هرقلة وغيرها
وفيها فتح آخر الهند إلا الكيرج والمندل
وفي هذه السنة افتتح العباس بن الوليد قنسرين
وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ونحو ألف رجل معه وفيها ولد المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وحج بالناس هذه السنة بشير بن الوليد بن عبد الملك وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم وفيها مات أبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل وكان عمره مائة وثلاثين سنة وقيل في موته غير ذلك وفيها مات سعد بن أياس أبو عمرو الشيباني وله مائة وعشرون سنة
وفي إمارة الحجاج مات سفينة مولى رسول الله وفي هذه السنة مات سالم بن أبي الجعد وفيها مات جعفر بن عمرو بن أمية الضمري وهو أخو عبد الله بن مروان من الرضاعة وفي إمارة الحجاج قتل أبو الأحوص عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي قتله الخوارج
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.