الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
28

ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين

الجزء الرابع 5 عنصر صفحة 271
ذكر صلح خوارزمشاه وفتح خامجرد ص 271

وفي هذه السنة صالح قتيبة خوارزمشاه وكان سبب ذلك أن ملك خوارزم كان ضعيفا فغلبه أخوه خرزاد على أمره وكان أصغر منه وكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو مالا أو دابة أو بنتا أو اختا أو امرأة جميلة أرسل إليه وأخذه منه وكان لا يمتنع عليه أحد ولا الملك فإذا قيل للملك لا أقوى به وهو مغتاظ عليه فلما طال ذلك عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من يضاده ليحكم فيهم بما يرى ولم يطلع أحد من مرازبته على ذلك فأجابه قتيبة إلى ما طلب وتجهز للغزو وأظهر قتيبة أنه يريد الصغد وسار من مرو وجمع خوارزمشاه أجناده ودهاقنته وقال أن قتيبة يريد الصغد وليس يغازيكم فهلموا نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب والتنعم فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هازارسب فقال خوارزمشاه لأصحابه ما ترون قالوا نرى أن نقاتله قال لكني لا أرى ذلك لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة ولكن اصرفه بشيء أؤديه إليه فأجابوه إلى ذلك فسار خوارزمشاه فنزل بمدينة الفيل من وراء النهر وهي أحصن بلاه وقتيبة لم يعبر النهر فأرسل إليه خاورزمشاه فصالحه على عشرة الآف رأس وعين ومتاع على أن يعينه على خام جرد فقبل قتيبة ذلك وقيل صالحه على مائة ألف رأس ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى خام جرد وكان يغازي خوارزمشاه فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه وقدم منها بأبعة آلاف أسير فقتلهم قتيبة وسلم قتيبة إلى خوارزمشاه أخاه ومن كان يخالفه فقتلهم ودفع أموالهم إلى قتيبة

ذكر فتح سمرقند ص 272

فلما قبض قتيبة صلح خوارزمشاه قال إليه المجشر بن مزاحم السلمي فقال له سرا إن أردت الصغد يوما من الدهر فالآن فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا وإنما بينك وبينهم عشرة أيام فقال أشار عليك بهاذا أحد قلا لا قال فسمعه منك أحد قال لا قال والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك فلما كان الغد أمر أخاه عبد الرحمن فسار في الفرسان والرماة وقدم الأثقال إلى مرو فسار يومه فلما أمسى كتب إليه قتيبة إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر بالفرسان والرماه نحو الصغد وأكتم الأخبار فإني في الأثر ففعل عبد الرحمن وأمره وخطب قتيبة الناس وقال لهم إن الصغد شاغرة برجلها وقد نقضوا العهد الذي بيننا وصنعوا ما بلغكم وإني أرجو أن يكون خوارزم والصغد كقريظة والنضير ثم سار فأتى الصغد فبلغها بعد واحد عبد الرحمن بثلاث أو أربع وقدم معه أهل خوارزم وبخارى فقاتلوه شهرا من وجه واحد وهم محصورون وخاف أهل الصغد طول الحصار فكتبوا إلى ملك الشاش وخاقان واخشاد فرغانة أن العرب إن ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا به فانظروا لأنفسكم ومهما كان عندكم من قوة فابذلوها فنظروا وقالو إنما نؤتى من سفلتنا فإنهم لا يجدون كوجدنا فانتخبوا من أولاد الملوك وأهل النجدة من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال وأمرهم أن يأتوا عسكر قتيبة فيبيتوه فإنه مشغول عنه بحصار سمرقند وولوا عليهم ابنا لخاقان فساروا وبلغ قتيبة الخبر فانتخب من عسكره أربعمائة وقيل ستمائة من أهل النجدة والشجاعة وأعلمهم الخبر وأمرهم بالمسير إلى عدوهم فساروا وعليهم صالح بن مسلم فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم فجعل صالح له كمينين فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوهم فلما رأوا صالحا حملوا عليه فلما اقتتلوا شد الكمينان عن يمين وشمال فلم ير قوم كانوا أشد من أولئك قال بعضهم إنا لنقاتلهم إذا رأيت تحت الليل قتيبة وقد سار سرا فضربت ضربة أعجبتني فقلت كيف ترى بامي وأبي قال اسكت فض الله فاك قال فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد وحوينا أسلابهم وسلاحهم واحتززنا رؤوسهم وأسرنا منهم أسرى فسألناهم عمن قتلنا فقالوا ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما أو بطلا كان الرجل يعد بمائة رجل وكتبنا أسماءهم على آذانهم ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا فلم يأت أحد بمثل ما جئنا به من القتلى والأسرى والخيل ومناطق الذهب والسلاح قال أكرمني قتيبة وأكرم معي جماعة وظننت أنه رأى منهم مثل الذي رأى مني ولما رأى الصغد ذلك انكسروا ونصب قتيبة عليهم المجانيق فرماهم وسمع بعض المسلمين قتيبة وهو يقول كأنما يناجي نفسه حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصي غاية فانصرف ذلك الرجل فقال لأصحابه كم من نفس تموت غدا وأخبر الخبر فلما أصبح قتيبة أمر الناس بالجد في القتال فقاتلوهم واشتد القتال وأمرهم قتيبة أن يبلغوا ثلمة المدينة فجعلوا الترسة على وجوههم وحملوا فبلغوها ووقفوا عليها ورماهم الصغد بالنشاب فلم يبرحوا فأرسل الصغد إلى قتيبة فقالوا له انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غدا فقال قتيبة لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة وقيل بل قال قتيبة جزع العبيد انصرفوا على ظفركم فانصرفوا فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف مثقال في كل عام وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف فارس وأن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون لهم مقاتل فيبني فيها مسجدا ويدخل ويصلي ويخطب ويتغدى ويخرج فلما تم الصلح وأخلوا المدينة وبنوا المسجد دخلها قتيبة في أربعة آلاف انتخبهم فدخل المسجد فصلى فيه وخطب وأكل طعاما ثم أرسل إلى الصغد من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ فإني لست خارجا منها ولست آخذ منكم إلا ما صالحتكم عليه غير أن الجند يقيمون فيها

وقيل إنه شرط عليهم في الصلح مائة ألف فارس وبيوت النيران وحلية الأصنام فقبض ذلك وأتي بالأصنام فكانت كالقصر العظيم وأخذ ما عليها وأمر بها فأحرقت فجاءه غوزك فقال إن شكرك على واجب لا تتعرض لهذه الأصنام فإن منها أصناما من أحرقها هلك فقال قتيبة أنا أحرقها بيدي فدعا بالنار فكبر ثم أشعلها فاحترقت فوجدوا من بقايا مسامير الذهب خمسين ألف مثقال وأصاب بالصغد جارية من ولد يزجرد فأرسلها إلى الحجاج فأرسلها الحجاج إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد وأمر غوزك بالإنتقال عنها فانتقل

وقيل إن أهل سمرقند خرجوا على المسلمين وهم يقاتلونهم يوم فتحها وقد أمر قتيبة يومئذ بسرير فابرز وقعد عليه فطاعنوهم حتى جازوا قتيبة وانه لمحتب بسيفه ما حل حبوته وانطوت مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم وقتل من المشركين عدد كثير ودخلوا المدينة فصالحوهم وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة فأتاه في عدة من أصحابه فلما بعد استوهب منه سمرقند وقال للملك انتقل عنها فلم نجد بدا من طاعته وتلا قتيبة قوله تعالى وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وحكى عن الذي أرسله قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند قال فأرسلني الحجاج إلى الوليد فقدمت دمشق قبل طلوع الفجر فدخلت المسجد فإذا إلى جنبي رجل ضرير فسألني من أين أنت فقلت من خراسان وأخبرته خبر سمرقند فقال والذي بعث محمدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا وإنكم يا أهل خراسان للذين تسلبون بني أمية ملكهم ثم تنقضون دمشق حجرا حجرا فلما فتح قتيبة سمرقند قيل أن هذا لأعدى العيرين لأنه فتح سمرقند وخوارزم في عام واحد وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل عادي عيرين فلما فتحها قتيبة دعا نهار بن توسعة فقال يا نهار أين قولك

( ألا ذهب الغزو المقرب للغنى % ومات الندى والجود )

( أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه % فقد غيبا عن كل شرق ومغرب )

أفغزو هذا يا نهار قال لا هذا أحسن وأنا الذي أقول

( وما كان مذ كنا ولا كان قبله % ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم )

( أعم لأهل الشرك قتلا بسيفه % وأكثر فينا مقسما بعد مقسم )

قال وقال الشعراء في ذلك فقال الكميت من قصده

( كانت سمرقند أحقابا يمانية % فاليوم تنسبها قيسية مضر )

وقال كعب الأشقري وقيل رجل من جعفى

( كل يوم يحوي قتيبة نهبا % ويزيد الأموال مالا جديدا )

( باهلي قد ألبس التاج حتى % شاب منه مفارق كن سودا )

( دوخ الصغد بالكتائب حتى % ترك الصغد بالعراء قعودا )

( فوليد يبكي لفقد أبيه % وأب موجع يبكي الوليدا )

ثم رجع قتيبة إلى مرووكان أهل خراسان يقولون إن قتيبة غدر بأهل سمرقند فملكها غدرا وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله على حربها وكان ضعيفا وكان على خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى مسلم فاستضعف أهل خوارزم إياسا فجمعوا له فكتب عبيد الله إلى قتيبة فبعث قتيبة أخاه عبد الله عاملا وأمره أن يضرب إياسا وحيان النبطي مائة مائة ويحلقهما فلما قرب عبد الله من خوارزم أرسل إلى إياس فأنذره فتنحى وقدم عبد الله وأخذ حيان فضربه وحلقه ثم وجه قتيبة الجنود إلى خوارزم مع المغيرة بن عبد الله فبلغهم ذلك فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزمشاه وقالوا لا يغنيك فهرب إلى بلاد الترك وقدم المغيرة فقتل وسبى فصالحه الباقون على الجزية وقدم على قتيبة فاستعمله على نيسابور

ذكر فتح طليطلة من الأندلس ص 276

قال أبو جعفر وفي هذه السنة غضب موسى بن نصير على مولاه طارق فسار إليه في رجب منها واستخلف على افريقية ابنه عبد الله بن موسى وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف فتلقاه وترضاه فرضي عنه وقبل عذره وسيره إلى طليطلة وهي من عظام بلاد الأندلس وهي من قرطبة على عشرين يوما ففتحها وأصاب فيها مائدة سليمان بن داود عليه السلام وفيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به قلت لم يزد على هذا وقد ذكرت في سنة اثنتين وتسعين من فتح الأندلس ودخول موسى بن نصير إلى طارق ما فيه كفاية فلا حاجة إلى إعادته إلا أن أبا جعفر قد ذكر أن موسى هو الذي سير طارقا وهو بالأندلس ففتح مدينة طليطلة والذي ذكره أهل الأندلس في تواريخهم ما تقدم ذكره

ذكر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز ص 277

قيل وفي هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز والمدينة وكان سبب ذلك أن عمرا كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل العراق واعتدائه عليهم وظلمه لهم بغير حق فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى الوليد إن من عندي من المراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة وإن ذلك وهن فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يوليه المدينة ومكة فأشار عليه بخالد بن عبد الله وعثمان بن حيان فولى خالد مكة وعثمان المدينة وعزل عمر عنهما فلما خرج عمر من المدينة قال إني أخاف أن أكون ممن نفته المدينة يعني بذلك قول رسول الله تنفي خبثها وكان عزله عنها في شعبان ولما قدم خالد مكة أخرج من بها من أهل العراق كرها وتهدد من أنزل عراقيا أو أجره دارا واشتد على أهل المدينة وعسفهم وجار فيهم ومنعهم من إنزال عراقي وكانوا أيام عمر بن عبد العزيز كل من خاف الحجاج لجأ إلى مكة والمدينة وقيل إنما استعمل على المدينة عثمان بن حيان وقد تقدم سنه إحدى وتسعين ولاية خالد مكة في قول بعضهم

ذكر عدة حوادث ص 277

في هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح سبسطية والمرزبانين وطرسوس وفيها غزا مروان بن الوليد فبلغ خنجرة وفيها غزا مسلمة الروم أيضا ففتح ماسيسة وحصن الحديد وغزالة من ناحية ملطية وفيها أجدب أهل افريقية فاستسقى موسى بن نصير فسقوا

وفيها كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز قبل أن يعزله يأمره بضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير ويصب على رأسه ماء باردا فضربه خمسين سوطا وصب عليه ماء باردا في يوم شات ووقفه غلى باب المسجد فمات من يومه

خبيب بضم الخاء المعجمة وباءين موحدتين بينهما ياء تحتهما نقطتان

وحج بالناس هذه السنة عبد العزيز بن الوليد وكان على الأمصار من تقدم ذكرهم إلا المدينة فإن عاملها عثمان بن حيان قدمها في شوال لليلتين بقيتا منه وقد تقدم ذكر ولاية خالد بن عبد الله في سنة تسع وثمانين وفي سنة إحدى وتسعين قد ذكرنا أنه وليها هذه السنة

وفيها مات أبو الشعثاء جابر بن زيد وأبو العالية البراء واسمه زياد بن فيروز وكان مولى لأعرابية من بني رياح وليس بأبي العالية الرياحي ذاك كان موته سنة تسعين وفيها مات بلال بن أبي الدرداء الأنصاري قاضي دمشق

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.