وفي هذه السنة صالح قتيبة خوارزمشاه وكان سبب ذلك أن ملك خوارزم كان ضعيفا فغلبه أخوه خرزاد على أمره وكان أصغر منه وكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو مالا أو دابة أو بنتا أو اختا أو امرأة جميلة أرسل إليه وأخذه منه وكان لا يمتنع عليه أحد ولا الملك فإذا قيل للملك لا أقوى به وهو مغتاظ عليه فلما طال ذلك عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من يضاده ليحكم فيهم بما يرى ولم يطلع أحد من مرازبته على ذلك فأجابه قتيبة إلى ما طلب وتجهز للغزو وأظهر قتيبة أنه يريد الصغد وسار من مرو وجمع خوارزمشاه أجناده ودهاقنته وقال أن قتيبة يريد الصغد وليس يغازيكم فهلموا نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب والتنعم فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هازارسب فقال خوارزمشاه لأصحابه ما ترون قالوا نرى أن نقاتله قال لكني لا أرى ذلك لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة ولكن اصرفه بشيء أؤديه إليه فأجابوه إلى ذلك فسار خوارزمشاه فنزل بمدينة الفيل من وراء النهر وهي أحصن بلاه وقتيبة لم يعبر النهر فأرسل إليه خاورزمشاه فصالحه على عشرة الآف رأس وعين ومتاع على أن يعينه على خام جرد فقبل قتيبة ذلك وقيل صالحه على مائة ألف رأس ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى خام جرد وكان يغازي خوارزمشاه فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه وقدم منها بأبعة آلاف أسير فقتلهم قتيبة وسلم قتيبة إلى خوارزمشاه أخاه ومن كان يخالفه فقتلهم ودفع أموالهم إلى قتيبة
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين
فلما قبض قتيبة صلح خوارزمشاه قال إليه المجشر بن مزاحم السلمي فقال له سرا إن أردت الصغد يوما من الدهر فالآن فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا وإنما بينك وبينهم عشرة أيام فقال أشار عليك بهاذا أحد قلا لا قال فسمعه منك أحد قال لا قال والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك فلما كان الغد أمر أخاه عبد الرحمن فسار في الفرسان والرماة وقدم الأثقال إلى مرو فسار يومه فلما أمسى كتب إليه قتيبة إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر بالفرسان والرماه نحو الصغد وأكتم الأخبار فإني في الأثر ففعل عبد الرحمن وأمره وخطب قتيبة الناس وقال لهم إن الصغد شاغرة برجلها وقد نقضوا العهد الذي بيننا وصنعوا ما بلغكم وإني أرجو أن يكون خوارزم والصغد كقريظة والنضير ثم سار فأتى الصغد فبلغها بعد واحد عبد الرحمن بثلاث أو أربع وقدم معه أهل خوارزم وبخارى فقاتلوه شهرا من وجه واحد وهم محصورون وخاف أهل الصغد طول الحصار فكتبوا إلى ملك الشاش وخاقان واخشاد فرغانة أن العرب إن ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا به فانظروا لأنفسكم ومهما كان عندكم من قوة فابذلوها فنظروا وقالو إنما نؤتى من سفلتنا فإنهم لا يجدون كوجدنا فانتخبوا من أولاد الملوك وأهل النجدة من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال وأمرهم أن يأتوا عسكر قتيبة فيبيتوه فإنه مشغول عنه بحصار سمرقند وولوا عليهم ابنا لخاقان فساروا وبلغ قتيبة الخبر فانتخب من عسكره أربعمائة وقيل ستمائة من أهل النجدة والشجاعة وأعلمهم الخبر وأمرهم بالمسير إلى عدوهم فساروا وعليهم صالح بن مسلم فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم فجعل صالح له كمينين فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوهم فلما رأوا صالحا حملوا عليه فلما اقتتلوا شد الكمينان عن يمين وشمال فلم ير قوم كانوا أشد من أولئك قال بعضهم إنا لنقاتلهم إذا رأيت تحت الليل قتيبة وقد سار سرا فضربت ضربة أعجبتني فقلت كيف ترى بامي وأبي قال اسكت فض الله فاك قال فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد وحوينا أسلابهم وسلاحهم واحتززنا رؤوسهم وأسرنا منهم أسرى فسألناهم عمن قتلنا فقالوا ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيما أو بطلا كان الرجل يعد بمائة رجل وكتبنا أسماءهم على آذانهم ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا فلم يأت أحد بمثل ما جئنا به من القتلى والأسرى والخيل ومناطق الذهب والسلاح قال أكرمني قتيبة وأكرم معي جماعة وظننت أنه رأى منهم مثل الذي رأى مني ولما رأى الصغد ذلك انكسروا ونصب قتيبة عليهم المجانيق فرماهم وسمع بعض المسلمين قتيبة وهو يقول كأنما يناجي نفسه حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصي غاية فانصرف ذلك الرجل فقال لأصحابه كم من نفس تموت غدا وأخبر الخبر فلما أصبح قتيبة أمر الناس بالجد في القتال فقاتلوهم واشتد القتال وأمرهم قتيبة أن يبلغوا ثلمة المدينة فجعلوا الترسة على وجوههم وحملوا فبلغوها ووقفوا عليها ورماهم الصغد بالنشاب فلم يبرحوا فأرسل الصغد إلى قتيبة فقالوا له انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غدا فقال قتيبة لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة وقيل بل قال قتيبة جزع العبيد انصرفوا على ظفركم فانصرفوا فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف مثقال في كل عام وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف فارس وأن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون لهم مقاتل فيبني فيها مسجدا ويدخل ويصلي ويخطب ويتغدى ويخرج فلما تم الصلح وأخلوا المدينة وبنوا المسجد دخلها قتيبة في أربعة آلاف انتخبهم فدخل المسجد فصلى فيه وخطب وأكل طعاما ثم أرسل إلى الصغد من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ فإني لست خارجا منها ولست آخذ منكم إلا ما صالحتكم عليه غير أن الجند يقيمون فيها
وقيل إنه شرط عليهم في الصلح مائة ألف فارس وبيوت النيران وحلية الأصنام فقبض ذلك وأتي بالأصنام فكانت كالقصر العظيم وأخذ ما عليها وأمر بها فأحرقت فجاءه غوزك فقال إن شكرك على واجب لا تتعرض لهذه الأصنام فإن منها أصناما من أحرقها هلك فقال قتيبة أنا أحرقها بيدي فدعا بالنار فكبر ثم أشعلها فاحترقت فوجدوا من بقايا مسامير الذهب خمسين ألف مثقال وأصاب بالصغد جارية من ولد يزجرد فأرسلها إلى الحجاج فأرسلها الحجاج إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد وأمر غوزك بالإنتقال عنها فانتقل
وقيل إن أهل سمرقند خرجوا على المسلمين وهم يقاتلونهم يوم فتحها وقد أمر قتيبة يومئذ بسرير فابرز وقعد عليه فطاعنوهم حتى جازوا قتيبة وانه لمحتب بسيفه ما حل حبوته وانطوت مجنبتا المسلمين على الذين هزموا القلب فهزموهم حتى ردوهم إلى عسكرهم وقتل من المشركين عدد كثير ودخلوا المدينة فصالحوهم وصنع غوزك طعاما ودعا قتيبة فأتاه في عدة من أصحابه فلما بعد استوهب منه سمرقند وقال للملك انتقل عنها فلم نجد بدا من طاعته وتلا قتيبة قوله تعالى وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وحكى عن الذي أرسله قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند قال فأرسلني الحجاج إلى الوليد فقدمت دمشق قبل طلوع الفجر فدخلت المسجد فإذا إلى جنبي رجل ضرير فسألني من أين أنت فقلت من خراسان وأخبرته خبر سمرقند فقال والذي بعث محمدا بالحق ما افتتحتموها إلا غدرا وإنكم يا أهل خراسان للذين تسلبون بني أمية ملكهم ثم تنقضون دمشق حجرا حجرا فلما فتح قتيبة سمرقند قيل أن هذا لأعدى العيرين لأنه فتح سمرقند وخوارزم في عام واحد وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل عادي عيرين فلما فتحها قتيبة دعا نهار بن توسعة فقال يا نهار أين قولك
( ألا ذهب الغزو المقرب للغنى % ومات الندى والجود )
( أقاما بمرو الروذ رهن ضريحه % فقد غيبا عن كل شرق ومغرب )
أفغزو هذا يا نهار قال لا هذا أحسن وأنا الذي أقول
( وما كان مذ كنا ولا كان قبله % ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم )
( أعم لأهل الشرك قتلا بسيفه % وأكثر فينا مقسما بعد مقسم )
قال وقال الشعراء في ذلك فقال الكميت من قصده
( كانت سمرقند أحقابا يمانية % فاليوم تنسبها قيسية مضر )
وقال كعب الأشقري وقيل رجل من جعفى
( كل يوم يحوي قتيبة نهبا % ويزيد الأموال مالا جديدا )
( باهلي قد ألبس التاج حتى % شاب منه مفارق كن سودا )
( دوخ الصغد بالكتائب حتى % ترك الصغد بالعراء قعودا )
( فوليد يبكي لفقد أبيه % وأب موجع يبكي الوليدا )
ثم رجع قتيبة إلى مرووكان أهل خراسان يقولون إن قتيبة غدر بأهل سمرقند فملكها غدرا وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله على حربها وكان ضعيفا وكان على خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى مسلم فاستضعف أهل خوارزم إياسا فجمعوا له فكتب عبيد الله إلى قتيبة فبعث قتيبة أخاه عبد الله عاملا وأمره أن يضرب إياسا وحيان النبطي مائة مائة ويحلقهما فلما قرب عبد الله من خوارزم أرسل إلى إياس فأنذره فتنحى وقدم عبد الله وأخذ حيان فضربه وحلقه ثم وجه قتيبة الجنود إلى خوارزم مع المغيرة بن عبد الله فبلغهم ذلك فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزمشاه وقالوا لا يغنيك فهرب إلى بلاد الترك وقدم المغيرة فقتل وسبى فصالحه الباقون على الجزية وقدم على قتيبة فاستعمله على نيسابور
قال أبو جعفر وفي هذه السنة غضب موسى بن نصير على مولاه طارق فسار إليه في رجب منها واستخلف على افريقية ابنه عبد الله بن موسى وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف فتلقاه وترضاه فرضي عنه وقبل عذره وسيره إلى طليطلة وهي من عظام بلاد الأندلس وهي من قرطبة على عشرين يوما ففتحها وأصاب فيها مائدة سليمان بن داود عليه السلام وفيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به قلت لم يزد على هذا وقد ذكرت في سنة اثنتين وتسعين من فتح الأندلس ودخول موسى بن نصير إلى طارق ما فيه كفاية فلا حاجة إلى إعادته إلا أن أبا جعفر قد ذكر أن موسى هو الذي سير طارقا وهو بالأندلس ففتح مدينة طليطلة والذي ذكره أهل الأندلس في تواريخهم ما تقدم ذكره
قيل وفي هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز والمدينة وكان سبب ذلك أن عمرا كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل العراق واعتدائه عليهم وظلمه لهم بغير حق فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى الوليد إن من عندي من المراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة وإن ذلك وهن فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يوليه المدينة ومكة فأشار عليه بخالد بن عبد الله وعثمان بن حيان فولى خالد مكة وعثمان المدينة وعزل عمر عنهما فلما خرج عمر من المدينة قال إني أخاف أن أكون ممن نفته المدينة يعني بذلك قول رسول الله تنفي خبثها وكان عزله عنها في شعبان ولما قدم خالد مكة أخرج من بها من أهل العراق كرها وتهدد من أنزل عراقيا أو أجره دارا واشتد على أهل المدينة وعسفهم وجار فيهم ومنعهم من إنزال عراقي وكانوا أيام عمر بن عبد العزيز كل من خاف الحجاج لجأ إلى مكة والمدينة وقيل إنما استعمل على المدينة عثمان بن حيان وقد تقدم سنه إحدى وتسعين ولاية خالد مكة في قول بعضهم
في هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح سبسطية والمرزبانين وطرسوس وفيها غزا مروان بن الوليد فبلغ خنجرة وفيها غزا مسلمة الروم أيضا ففتح ماسيسة وحصن الحديد وغزالة من ناحية ملطية وفيها أجدب أهل افريقية فاستسقى موسى بن نصير فسقوا
وفيها كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز قبل أن يعزله يأمره بضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير ويصب على رأسه ماء باردا فضربه خمسين سوطا وصب عليه ماء باردا في يوم شات ووقفه غلى باب المسجد فمات من يومه
خبيب بضم الخاء المعجمة وباءين موحدتين بينهما ياء تحتهما نقطتان
وحج بالناس هذه السنة عبد العزيز بن الوليد وكان على الأمصار من تقدم ذكرهم إلا المدينة فإن عاملها عثمان بن حيان قدمها في شوال لليلتين بقيتا منه وقد تقدم ذكر ولاية خالد بن عبد الله في سنة تسع وثمانين وفي سنة إحدى وتسعين قد ذكرنا أنه وليها هذه السنة
وفيها مات أبو الشعثاء جابر بن زيد وأبو العالية البراء واسمه زياد بن فيروز وكان مولى لأعرابية من بني رياح وليس بأبي العالية الرياحي ذاك كان موته سنة تسعين وفيها مات بلال بن أبي الدرداء الأنصاري قاضي دمشق
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
