الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
27

ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين

الجزء الرابع 4 عنصر صفحة 263
ص 263

في هذه السنة غزا مسامة بن عبد الملك أرض الروم ففتح حصونا ثلاثة وجلا أهل سوسنة إلى بلاد الروم

ذكر فتح الأندلس ص 263

وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الأندلس في اثني عشر ألفا فلقي ملك الأندلس واسمه أذرينوق وكان من أهل أصبهان وهم ملوك عجم الأندلس فزحف له طارق بجميع من معه وزحف الأذرينوق في سرير الملك وعليه تاجه وجميع الحلية التي كان يلبسها الملوك فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الأذرينوق وفتح الأندلس سنة اثنتين وتسعين هذا جميعه ذكره أبو جعفر في فتح الأندلس وبمثل ذلك الإقليم العظيم والفتح المبين لا يقتصر فيه على هذا القدر وأنا أذكر فتحها على وجه أتم من هذا إن شاء الله تعالى من تصانيف أهلها إذ هم أعلم ببلادهم قالوا أول من سكنها قوم يعرفون بالأندلش بشين معجمة فسمي البلد بهم ثم عرب بعد ذلك بسين مهملة والنصارى يسمون الأندلس إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له إشبانس وقيل باسم ملك كان بها في الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطس وهذا هو اسمها عند بطليموس وقيل سميت بأندلس بن يافث بن نوح وهو أول من عمرها

قيل أول من سكن الأندلس بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها وتداولوا ملكها دهرا طويلا وكانوا مجوسا ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى عليهم القحط فهلك أكثرهم وفر منها من أطاق الفرار فخلت الأندلس مائة سنة ثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك افريقية تخففا منهم لقحط توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهله فحملهم في السفن مع أمير من عنده فأرسوا بجريرة قادس ورأوا الأندلس قد ورأوا الأندلس قد أخصبت بلادها وجرت أنهارها فسكنوها وعمروها ونصبوا لهم ملوكا يضبطون أمرهم وهم على دين من قبلهم وكانت دار مملكتهم طالقة الخراب من أرض إشبيلية بنوها وسكنوها وأقاموا مدة تزيد على مائة وخمسين سنة ملك منهم فيها أحد عشر ملكا ثم أرسل الله عليهم عجم رومة وملكهم اشبان بن طيطس فغراهم ومزقهم وقتل فيهم وحاصرهم بطالقة وقد تحصنوا فيها فابتنى عليهم إشبانية وهي إشبيلية واتخذها دار مملكته وكثرت جموعه وعتا وتجبر وغزا بيت المقدس فغنم ما فيه وقتل فيه مائة ألف ونقل المرمر منه إلى اشبيلية وغيرها وغنم أيضا مائدة سليمان بن داود عليه السلام وهي التي غنمها طارق من طليطلة لما افتتحها وغنم أيضا قليلة الذهب والحجر الذي لقي بماردة وكان هذا اشبان قد وقف عليه الخضر وهو يحرث الأرض فقال له يا أشبان سوف تحظى وتملك وتعلو فإذا ملكت إيلياء فارفق بذرية الأنبياء فقال أتسخر مني كيف ينال مثلي الملك فقال قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى فنظر إليها فإذا هي قد أورقت فارتاع وذهب عنه الخضر وقد وثق اشبان بقوله فداخل الناس فارتقى حتى ملك ملكا عظيما وكان ملكه عشرين سنة

ودام ملك الإشبانينين بعدة إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكا ثم دخل عليهم عجم رومة أمة يدعون البشنوليات وملكهم طويش بن نيطة وذلك حين بعث الله المسيح فغلبوا عليهم واستولوا على ملكها وكانت مدينة ماردة دار مملكتهم وملك منهم سبعة وعشرون ملكا ثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم فغلبوا على الأندلس فاقتطعوها من يومئذ عن صاحب رومة وكان ابتداء ظهورهم من ناحية إيطالية شرق الأندلس فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية وذلك في أيام قليوذيوس قيصر ثالث القياصرة فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر وأعادوا فسير إليهم جيشا فلم يثبتوا له وانقطع خبرهم إلى دولة ثالث قيصر فإنهم قدموا على أنفسهم أميرا اسمه لذريق وكان يعبد الأوثان فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه فظهر منه سوء سيرته فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه فاستعان بصاحب رومة فبعث إليه جيشا فهزم أخاه ودان بدين النصارى وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة ثم ولي بعده أقريط وبعده أماريق وبعده وغديش وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان فجمع من أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة فيسر إليه ملك الروم جيشا فهزموه وقتلوه ثم بعده الريق وكان زنديقا شجاعا فسار ليأخذ بثأر وغديش ومن قتل معه ونازل رومية وحاصرها وضيق على أهلها ودخلها عنوة وغنم أموالهم ثم جمع أسطول البحر وسار إلى صقلية ليفتحها ويغنم ما فيها فغرق أكثر أصحابه في البحر وهو فيمن غرق ثم ملك بعده أطلوف ست سنين وخرج عن بلد أيطالية وقام ببلد غاليس مجاورا الأندلس ثم انتقل منها إلى برشلونه ثم بعده أخوه ثلاث سنين ثم بعده واليا ثم بوردزاريش ثلاثا وثلاثين سنة ثم ابنه طرشمند ثم بعده أخوه لذريق ثلاث عشرة سنة ثم بعده أوريق سبع عشرة سنة ثم بعده الريق بطلوشة ثلاثا وعشرين سنة ثم عشليق ثم أمليق سنتين ثم توذيوش سبع عشرة سنة وخمسة أشهر ثم بعده طود تقليس سنة وثلاثة أشهر ثم بعده أثله خمس سنين ثم بعده أطلنجة خمس عشرة سنة ثم بعده ليوبا ثلاث سنين

ثم بعده أخوه لويلد وهو أول من اتخذ طليطلة دار ملك ونزلها ليكون متوسطا لملكه ليحارب من خرج عن طاعته عن قريب فلم يزل يحارب من خرج عن طاعته حتى احتوى على جميع الأندلس وبنى مدينة رقويل وأتقنها وأكثر بساتينها وهو على القرب من طليطلة وسماها باسم ولده وعزا بلد البشقنس حتى أذلهم وخطب إلى ملك الفرنج ابنته لولده أرمنجلد فزوجه وأسكنه اشبيلية فحسنت له عصيان والده ففعل فسار إليه أبوه وحصرهما وضيق عليه وطال مقامه إلى أن أخذه عنوة وسجنه إلى أن مات ثم ملك بعد لويلد ابنه ركرد وكان حسن السيرة فجمع الأساقفة وغير سيرة أبيه وسلم البلاد إليهم وكانوا نحو ثمانين أسقفا وكان نقيا عفيفا قد لبس ثياب الرهبان وهو الذي بنى الكنيسة المعروفة بالوزقة بازاء مدينة وادي اش ثم بعده ابن ليوبا فسار كسيرة أبيه فاغتاله رجل من القوط يقال له بتريق فقتله وملك بعده بتريق هذا بغير رضا أهل الأندلس وكان مجرما طاغيا فاسقا فثار عليه رجل من خاصته فقتله ثم ملك من بعده غندمار سنتين ثم ملك بعده سيسيفوط وكانت ولايته تسع سنين وكان حسن السيرة ثم بعده ابنه ركريد وكان صفيرا عمر ثلاثة أشهر ومات ثم ملك شنتله وكان ملكه عند البعث وكان مشكورا ثم بعده شنند خمس سنين ثم بعده خنتله ستة أعوام ثم بعده خندس أربعة أعوام ثم بعده بنبان ثمانية أعوام ثم بعده أروى سبع سنين وكان في دولته قحط شديد حتى كانت الأندلس تخرب لشدة الجوع ثم بعده ابقه خمس عشرة سنة وكان جائرا مذموما ثم ملك بعده ابنه غيطشة وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة وكان حسن السيرة لين العريكة وأطلق كل محبوس كان في سجن أبيه وأدى الأموال إلى أربابها ثم توفي وخلف ولدين فلم يرض بهما أهل الأندلس وتراضوا برجل يقال له رذريق وكان شجاعا وليس من بيت الملك

وكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون في خدمة الملك لا يخدمه غيرهم يتأدبون بذلك فإذا بلغوا الحكم أنكح بعضهم بعضا وتولى تجيهزهم فلما ولي رذريق أرسل إليه يوليان وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما ابنة له فاستحسنها رذريق وافتضها فكتبت إلى أبيها فأغضبه ذلك فكتب إلى موسى بن نصير عامل الوليد بن عبد الملك على افريقية بالطاعة واستدعاه إليه فسار إليه فأدخله يوليان مدائنة وأخذ عليه العهود له وأصحابه بما يرضى به ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها وذلك آخر سنة تسعين فكتب موسى إلى الوليد بما فتح الله عليه وما دعاه إليه يوليان فكتب إليه الوليد خضها بالسرايا ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال فكتب إليه موسى أنه ليس ببحر متسع وإنما هو خليج يبين ما وراءه فكتب إليه الوليد أن اختبرها بالسرايا وأن كان الأمر على ما حكيت فبعث رجلا من مواليه يقال له طريف في أربعمائة رجل ومعهم مائة فرس فسار في أربع سفائن فخرج في جزيرة بالأندلس فسميت جزيرة طريف لنزوله فيها ثم أغار على الجزيرة الحضراء فأصاب غنيمة كثيرة ورجع سالما في رمضان سنة إحدى وتسعين فلما رأى الناس تسرعوا إلى الغزو ثم ان موسى دعا مولى له كان على مقدمات جيوشه يقال له طارق بن زياد فبعثه في سبعة آلاف من المسلمين أكثرهم البربر والموالي وأقلهم العرب فساروا في البحر وقصد إلى جبل منيف وهو متصل بالبر فنزله فسمي الجبل جبل طارق إلى اليوم ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح فلم يلبث له هذا الاسم وجرت الألسنة على الأول وكان حلول طارق فيه في رجب سنة اثنتين وتسعين من الهجرة ولما ركب طارق البحر غلبته عينه فرأى النبي ومعه المهاجرين والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسي فقال له النبي يا طارق تقدم لشأنك وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد فنظر طارق فرأى النبي وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه فاستيقظ من نومه مستبشرا وبشر أصحابه وقويت نفسه ولم يشك في الظفر فلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء وفتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزا فقالت له إني كان لي زوج وكان عالما بالحوادث وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم فيغلب عليه ووصف من نعته أنه ضخم الهامة وأن في كتفه الأيسر شامة عليها شعر فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت فاستبشر طارق أيضا هو ومن معه ونزل من الجبل إلى الصحراء وافتتح الجزيرة الخضراء وغيرها وفارق الحصن الذي في الجبل ولما بلغ رذريق غزو طارق بلاده عظم ذلك عليه وكان غائبا في غزاته فرجع منها وطارق قد دخل بلاده فجمع له جمعا يقال بلغ مائة ألف

فلما بلغ طارق الخبر كتب إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح وأنه زحف إليه ملك الأندلس بما لا طاقة له به فبعث إليه بخمسة آلاف فتكامل المسلمون اثني عشر ألفا ومعهم يوليان يدلهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار فأتاهم رذريق في جنده فالتقوا على نهر لكة من أعمال شذونه لليلتين بقيتا من رمضان سنة اثنتين وتسعين واتصلت الحرب ثمانية أيام وكان على ميمنته وميسرته ولدا الملك الذي كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك واتفقوا على الهزيمة بغضا لرذريق وقالوا إن المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقي الملك لنا فانهزموا وهزم الله رذريق ومن معه وغرق رذريق في النهر وسار طارق إلى مدينة استجة متبعا لهم فلقيه أهلها ومعهم من المنهزمين خلق كثير فقاتلوه قتالا شديدا ثم انهزم أهل الأندلس ولم يلق المسلمون بعدها حربا مثلها ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة استجة أربعة أميال فسميت عين طارق إلى الآن ولما سمعت القوط بهاتين الهزيمتين قذف الله في قلوبهم الرعب وكانوا يظنون أنه يفعل فعل طريف فهربوا إلى طليطلة وكان طريف قد أوهمهم أنه يأكلهم هو ومن معه فلما دخلوا طليطلة وأخلوا مدائن الأندلس قال له يوليان قد عرفت من الأندلس ففرق جيوشك وسر أنت إلى طليطلة ففرق جيوشه من مدينة استجة وبعث جيشا إلى قرطبة وجيشا إلى غرناطة وجيشا إلى مالقة وجيشا إلى تدمير وسار هو ومعظم الجيش إلى جيان يريد طليطلة فلما بلغ طليطلة وجدها خالية وقد لحق من كان بها بمدينة خلف الجبل يقال لها مائة فأما الجيش الذي سار إلى قرطبة فإنهم دلهم راع على ثغرة في سورها فدخلوا منها البلد وملكوه وأما الذين قصدوا تدمير فلقيهم صاحبها واسمه تدمير وبه سميت وكان اسمها أرويولة وكان معه جيش كثيف فقاتلهم قتالا شديدا ثم انهزم فقتل من أصحابه خلق كثير فأمر تدمير النساء فلبسن السلاح ثم صالح المسلمين عليها وفتح سائر الجيوش ما قصدوا إليه من البلاد

وأما طارق فلما رأى طليطلة فارغة ضم إليها اليهود وترك معهم رجالا من أصحابه وسار هو إلى وادي الحجارة فقطع الجبل من فج فيه فسمي بفج طارق إلى اليوم وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة وفيها وجد مائدة سليمان بن داود عليه السلام وهي من زبرجد أخضر حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ والمرجان والياقوت وغير ذلك وكان لها ثلاثمائة وستون رجلا ثم مضى إلى مدينة ماية فغنم منها ورجع إلى طليطلة في سنة ثلاث وتسعين وقيل اقتحم أرض جليقية فخرقها حتى انتهى إلى مدينة أسترقة وانصرف إلى طليطلة ووافته جيوشه التي وجهها من أستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدن التي سيرهم إليها ودخل موسى بن نصير الأندلس في رمضان سنة ثلاث وتسعين في جمع كثير وكان قد بلغه ما صنع طارق فحسده فلما عبر إلى الأندلس ونزل الجزيرة الخضراء قيل له تسلك طريق طارق فأبى فقال له الأدلاء نحن ندلك على طريق أشرف من طريقة ومدائن لم تفتح بعد ووعده يوليان بفتح عظيم فسر بذلك وكان قد غمه فساروا به إلى مدينه ابن السليم فافتتحها عنوة ثم سار إلى مدينة قرمونة وهي أحصن مدن الأندلس فقدم إليها يوليان وخاصته فأتوهم على حال المنهزمين معهم السلاح فأدخلوهم مدينتهم فأرسل موسى إليهم الخيل ففتحوها لهم ليلا فدخلها المسلمون وملكوها ثم سار موسى إلى اشبيلية وهي من أعظم مدائن الأندلس بنيانا وأعزها آثارا فحصرها أشهرا وفتحها وهرب من بها فأنزلها موسى اليهود وسار إلى مدينة ماردة فحصرها وقد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه قتالا شديدا فكمن لهم موسى ليلا في مقاطع الصخر فلم يرهم الكفار فلما أصبحوا زحف إليهم فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم فخرجوا عليهم من الكمين وأحدقوا بهم وحالوا بينهم وبين البلد وقتلوهم قتلا ذريعا ونجا من نجا منهم فدخل المدينة وكانت حصينة فحصرهم بها أشهرا وقاتلهم وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها فخرج أهلها على المسلمين فقتلوهم عند البرج فسمي برج الشهداء إلى اليوم ثم افتتحها آخر رمضان سنة أربع وتسعين يوم الفطر صلحا على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين ثم إن أهل اشبيلية اجتمعوا وقصدوها وقتلوا من بها من المسلمين فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش فحصروها وملكها عنوة وقتل من بها من أهلها وسار عنها إلى لبلة وباجة فملكهما وعاد إلى أشبيلية

وسار موسى من مدينة ماردة في شوال يريد طليطلة فخرج طارق إليه فلقيه فلما أبصره نزل إليه فضربه موسى بالسوط على رأسه ووبخه على ما كان من خلافه ثم سار به إلى مدينة طليطلة فطلب منه ما غنم والمائدة أيضا فأتاه بها وقد انتزع رجلا من أرجلها فسأله عنها فقال لا علم لي كذلك وجدتها فعمل عوضها من ذهب وسار موسى إلى سرقسطة ومدائنها فافتتحها وأوغل في بلاد الفرنج فانتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما قائما فيه مكتوب بالنقر يا بني إسماعيل إلى ههنا منتهاكم فارجعوا وإن سألتم إلى ماذا ترجعون أخبرتكم أنكم ترجعون إلى الأختلاف فيما بينكم حتى يضرب بعضكم أعناق بعض وقد فعلتم فرجع ووافاه رسول الوليد في أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول إليه فساءه ذلك ومطل الرسول وهو يقصد بلاد العدو في غير ناحية الصنم ويقتل ويسبي ويهدم الكنائس ويكسر النواقيس حتى بلغ صخرة بلاي على البحر الأخضر وهو في قوة وظهور فقدم عليه رسول آخر للوليد يستحثه وأخذ بعنان بغلته وأخرجه وكان موافاة الرسول بمدينة لك بجليقية وخرج على الفج المعروف بفج موسى ووافاه طارق من الثغر الأعلى فأقفله معه ومضيا جميعا

واستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى فلما عبر البحر إلى سبتة استخلف عليها وعلى طنجة ما والاهما ابنه عبد الملك واستخلف على افريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله وسار إلى الشام وحمل الأموال التي غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم ومن نفيس الجوهر والأمتعة مالا يحصى فورد الشام وقد مات الوليد بن عبد الملك واستخلف سليمان بن عبد الملك وكان منحرفا عن موسى بن نصير فعزله عن جميع أعماله وأقصاه وحبسه وأغرمه حتى احتاج أن يسأل العرب في مؤنته وقيل إنه وصل الشام والوليد حي وكان قد كتب وادعى أنه هو الذي فتح الأندلس وأخبره خبر المائدة ومعه طارق فقال طارق أنا غنمتها فكذبه موسى فقال طارق للوليد سله عن رجلها المعدومة فسأله عنها فلم يكن عنده منها علم فأظهرها طارق وذكر أنه أخفاها لهذا السبب فعلم الوليد صدق طارق وإنما فعل لأنه كان حبسه وضربه حتى أرسل الوليد فأخرجه وقيل لم يحبسه قالوا ولما دخلت الروم بلاد الأندلس كان في مملكتهم إذا ولي ملك منهم أقفل عليه قفلا فلما ملكت القوط فعلوا كفعلهم فلما ملك رذريق أراد فتح الأقفال فنهاه أكابر البلاد عن ذلك فلم يقبل منهم وفتح الأقفال فرأى في البيت صور العرب وعليهم العمائم الحمر على خيول شهب وفيه كتاب إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء القوم هذا البلد ففتحت الأندلس تلك السنة فهذا القدر كاف في فتح الأندلس ونذكر باقي أخبار الأندلس عند أوقات حدوثها على ما شرطنا ان شاء الله تعالى

ذكر عزوة جزيرة سردانية ص 270

هذا الجزيرة في بحر الروم وهي من أكبر الجزائر ما عدا جزيرة صقلية واقريطيش وهي كثيرة الفواكه ولما فتح موسى بلاد الأندلس سير طائفة من عسكره في البحر إلى هذه الجزيرة سنة اثنتين وتسعين فدخلوها وعمد النصارى إلى ما لهم من آنية ذهب وفضة فألقوا الجميع في المينا الذي لهم وجعلوا أموالهم في سقف بنوه للبيعة العظمى التي لهم تحت السقف الأول وغنم المسلمون فيها ما لا يحد ولا يوصف وأكثروا الغلول فاتفق أن رجلا من المسلمين اغتسل في المينا فعلقت رجله في شيء فأخرجه فإذا صحفة من فضة وأخذ المسلمون جميع ما فيه ثم دخل رجل من المسلمين إلى تلك الكنيسة فنظر إلى حمام فرماه بسهم فاخطأه ووقع في السقف في السيف وانكسر لوح فنزل منه شيء من الدنانير وأخذوا الجميع وازداد المسلمون غلولا فكان بعضهم يذبح الهرة ويرمي ما في جوفها فيملأه دنانير ويخيط عليها ويلقيها في الطريق فإذا خرج أخذها وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهبا فلما ركبوا البحر سمعوا قائلا يقول اللهم غرقهم فغرقوا عن آخرهم فوجدوا أكثر الغرقى والدنانير على أوساطهم وفي سنة خمس وثلاثين ومائة غزاها عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري فقتل من بها قتلا ذريعا ثم صالحوه على الجزية فأخذت منهم وبقيت ولم يغزها بعده أحد فعمرها الروم فلما كانت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة أخرج إليها المنصور بن القائم العلوي صاحب افريقية اسطولا من المهدية فمروا بجنوة ففتحوا المدينة وأوقعوا بأهل سردانية وسبوا فيها وأحرقوا مراكب كثيرة وأخربوا جنوة وغنموا ما فيها وفي سنة ست وأربعمائة غزاها مجاهد العامري من دانية وكان صاحبها في البحر في مائة وعشرين مركبا ففتحها وقتل فأكثر وسبى النساء والذرية فسمع بذلك ملوك الروم فجمعوا إليه وساروا إليه من البر الكبير في جمع عظيم فاقتتلوا وانهزم المسلمون وأخرجوا من جزيرة سردانية وأخذت بعض مراكبهم وأسر أخو مجاهد وابنه علي بن مجاهد ورجع بمن بقي إلى دانية ولم تغز بعد ذلك وإنما ذكرنا جميع اخبارها ههنا لقلتها وإذا تفرقت لم تعرف كما يجب

ذكر عدة حوادث ص 271

في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم ففتح حصونا ثلاثا وجلى أهل سوسنة إلى بلاد الروم وفي هذه السنة غزا قتيبة سجستان في قول بعضهم وأراد قصد رتبيل الأعظم فلما نزل قتيبة سجستان أرسل رتبيل إليه رسلا بالصلح فقبل ذلك وانصرف واستعمل عليهم عبد ربه بن عبد الله الليثي

وحج بالناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة وكان عمال الأنصار من تقدم ذكرهم

وفيها مات مالك بن أوس بن الحدثان البصري من ولد نصر بن معاوية بالمدينة وله أربع وتسعون سنة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.