الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
26

ثم دخلت سنة إحدى وتسعين

الجزء الرابع 3 عنصر صفحة 258
ذكر تتمة خبر قتيبة مع نيزك ص 258

قد ذكرنا مسير قتيبة إلى نيزك وما جرى له بالطالقان وقتل من قتل بها فلما فتح الطالقان استعمل أخاه عمر بن مسلم وقيل إن ملكها لم يحارب قتيبة فكف عنه وكان بها لصوص فقتلهم قتيبة وصلبهم ثم سار قتيبة إلى الفارياب فخرج إليه ملكها مقرا مذعنا فقبل منه ولم يقتل بها أحدا واستعمل عليها رجلا من أهله وبلغ ملك الجوزجان خبرهم فهرب إلى الجبال وسار قتيبة إلى الجوزجان فلقيه أهلها سامعين مطيعين فقبل منهم ولم يقتل بها أحدا واستعمل عليها عامر بن مالك الحماني ثم أتى بلخ فلقيه أهلها فلم يقم بها إلا يوما واحدا وسار يتبع أخاه عبد الرحمن إلى شعب خلم ومضى نيزك إلى بغلان وخلف مقاتلة على فم الشعب ومضايقه ليمنعوه ووضع مقاتلته في قلعة حصينة من وراء الشعب فأقام قتيبة أياما يقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدر على دخوله ولا يعرف طريقا يسلكه إلى نيزك إلا الشعب أو مفازة لا تحتملها العساكر فبقي متحيرا فقدم انسان فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التي من وراء الشعب فأمنه قتيبة وبعث معه رجالا فانتهى بهم إلى القلعة من وراء شعب خلم فطرقوهم وهم آمنون فقتلوهم وهرب من بقي منهم ومن كان في الشعب فدخل قتيبة الشعب فأتى القلعة ومضى إلى سمنجان فأقام بها أياما ثم سار إلى نيزك وقدم أخاه عبد الرحمن فارتحل نيزك من منزله فقطع وادي فرغانة ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه ومضى حتى نزل الكرز وعبد الرحمن يتبعه فنزل عبد الرحمن حذاء الكرز ونزل قتيبة بمنزل وبين عبد الرحمن فرسخان فتحصن نيزك في الكرز وليس إليه مسلك إلا من وجه واحد وهو صعب لا تطيقه الدواب فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يد نيزك من الطعام وأصابهم الجدري وجدر جبغويه

وخاف قتيبة الشتاء فدعا سليما الناصح فقال انطلق إلى نيزك واحتل لتأتيني بغير أمان فإن احتال وأبى فأمنه واعلم أني إن عاينتك وليس هو معك صلبتك قال فاكتب إلى عبد الرحمن لا يخالفني فكتب إليه فقدم عليه فقال له ابعث رجالا ليكونوا على فم الشعب فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب فبعث عبد الرحمن خيلا فكانت هناك وحمل سليم معه أطعمة وأخبصة أوقارا وأتى نيزك فقال له إنك أسأت إلى قتيبة وغدرت قال نيزك فما الرأي قال أرى أن تأتيه فإنه ليس يبارح وقد عم على أن يشتو مكانه هلك أو سلم قال نيزك فكيف آتيه على غير أمان قال ما أظنه يؤمنك لما في نفسه عليك لأنك قد ملأته غيظا ولكني أرى أن لا يعلم حتى تضع يدك في يده فإني أرجو أن يستحي ويعفو قال إني أرى نفسي تأبى هذا وهو إن رآني قتلني فقال سليم ما أتيك إلا لأشير عليك بهذا ولو فعلت لرجوت أن تسلم وتعود حالك عنده فإذا أبيت فإني منصرف وقدم سليم الطعام الذي معه ولا عهد لهم بمثله فانتهبه أصحاب نيزك فساءه ذلك فقال له سليم إني لك من الناصحين أرى أصحابك قد جهدوا وإن طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك فائت قتيبة فقال لا آمنه على نفسي ولا آتيه إلا بامان وإن ظني أن يقتلني وإن أمنني ولكن الأمان اعذر إلي فقال سليم قد امنك أفتتهمني قال لا وقال له أصحابه اقبل قول سليم فلا يقول إلا حقا فخرج معه ومع جبغويه وصول طرخان خليفة جبغويه وحبس طرخان صاحب شرطته وشقران ابن أخي نيزك فلما خرجوا من الشعب عطفت الخيل التي خلفها سليم فحالوا بين الأتراك أصحاب نيزك والخروج فقال نيزك هذا أول الغدر قال سليم تخلف هؤلاء عنك خير لك وأقبل سليم ونيزك ومن معه حتى دخلوا إلى قتيبة فحبسهم وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك واستخرج قتيبة ما كان في الكرز من متاع ومن كان فيه فقدم به على قتيبة فانتظر بهم كتاب الحجاج فأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يوما يأمره بقتل نيزك فدعا قتيبة الناس واستشارهم في قتله واختلفوا فقال ضرار بن حصين إني سمعتك تقول أعطيت الله عهدا إن أمكنك منه أن تقتله فإن لم تفعل فلا ينصرك الله عليه أبدا فدعا نيزك فضرب رقبته بيده وأمر بقتل صول وابن أخي نيزك وقتل من أصحابه سبعمائة وقيل اثني عشر ألفا وصلب نيزك وابن أخيه وبعث برأسه إلى الحجاج وقال نهار بن توسعة في قتل نيزك

( لعمري نعمت غزوة الجند غزوة % قضت نحبها من نيزك وتعلت )

وأخذ الزبير مولى عباس الباهلي حقا لنيزك فيه جوهر وكان أكثر من في بلاده مالا وعقارا من ذلك الجوهر وأطلق قتيبة جبغويه ومن عليه وبعث به إلى الوليد فلم يزل بالشام حتى مات الوليد وكان الناس يقولون غدر قتيبة بنيزك فقال بعضهم

( فلا تحسبن الغدر حرما فربما % ترقت بك الأقدام يوما فزلت )

فلما قتل قتيبة نيزك رجع إلى مرو وأرسل ملك الجوزجان يطلب الأمان فأمنه على أن يأتيه فطلب رهنا ويعطى رهائن فأعطاه قتيبة حبيب به عبد الله بن حبيب الباهلي وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته وقدم على قتيبة ثم رجع فمات بطالقان فقال أهل الجوزجان انهم سموه فقتلوا حبيبا وقتل قتيبة الرهائن الذين كانوا عنده

ذكر غزوة شومان وكش ونسف ص 260

وفي هذه السنة سار قتيبة إلى شومان فحصرها وكان سبب ذلك أن ملكها طرد عامل قتيبة من عنده فأرسل إلى قتيبة رسولين أحدهما من العرب اسمه عياش والآخر من أهل خراسان يدعوان ملك شومان أن يؤدي ما كان صالح عليه فقدما شومان فخرج أهلها إليهما فرموهما فانصرف الخراساني وقاتلهم عياش فقتلوه ووجدوا به ستين جراحة وبلغ قتله قتيبة فسار إليهم بنفسه فلما أتاها أرسل صالح بن مسلم أخا قتيبة إلى ملكها وكان صديقا له يأمره بالطاعة ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح فأبى وقال لرسول صالح أتخوفني من قتيبة وأن أمنع الملوك حصنا فأتاه قتيبة وقد تحصن ببلده فوضع عليه المجانيق ورمى الحصن فهشمه وقتل رجلا في مجلس الملك بحجر فلما خاف أن يظهر عليه قتيبة جمع ما كان بالحصن من مال وجوهر ورمى به في بئر بالقلعة لا يدرك قعرها ثم فتح القلعة وخرج إليهم فقاتلهم حتى قتل وأخذ قتيبة القلعة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم سار إلى كش ونسف ففتحهما وامتنعت عليه فارياب فأحرقها وسميت المحترقة وسير من كش ونسف أخاة عبد الرحمن إلى الصغد وملكها طرخون فقبض عبد الرحمن من طرخون ما كان صالحه عليه قتيبة ودفع إليه رهنا كان معه ورجع إلى قتيبة ببخارى وكان قد سار إليها من كش ونسف فرجعوا إلى مرو ولما كان قتيبة ببخارى ملك بخارى خذاه وكان غلاما حدثا وقتل من يخاف أن يضاده وقيل إن قتيبة سار بنفسه إلى الصغد فلما رجع عنهم قالت الصغد لطرخون إنك قد رضيت بالذل واستطبت الجزية وأنت شيخ كبير فلا حاجة لنا فيك فحبسوه وولوا غوزك فقتل طرخون نفسه

ذكر عدة حوادث ص 261

قيل في هذه السنة استعمل الوليد خالد بن عبد الله القسري على مكة فلم يزل واليا عليها حتى مات الوليد وكان قد تقدم سنه تسع وثمانين ذكره أيضا فلما ولي مكة خطبهم وعظم أمر الخلافة وحثهم على الطاعة فقال لو أني أعلم أن هذه الوحش التي تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لأخرجتها منه فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإني والله لا أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم إني لا أرى فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا امضاءه واشتد عليهم وحج بالناس هذه السنة الوليد بن عبد الملك فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه وأخرج الناس منه ولم يبق غير سعيد بن المسيب لم يجرأ أحد من الحرس يخرجه فقيل له لو قمت قال لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه فقيل لو سلمت على أمير المؤمنين قال لا والله لا أقوم إليه قال عمر بن عبد العزيز فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا يراه فالتفت الوليد إلى القبلة فقال من ذلك الشيخ أهو سعيد قال عمر نعم ومن حاله كذا وكذا فلو علم بمكانك لقام فسلم عليك وهو ضعيف البصر قال الوليد قد علمت حاله ونحن نأتيه فدار في المسجد حتى أتاه فقال كيف أنت أيها الشيخ فوالله ما تحرك سعيد بل قال بخير والحمد لله فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله فانصرف وهو يقول يقول هذا بقية الناس وقسم بالمدينة دقيقا كثيرا وآنية من ذهب وفضة وأموالا وصلى بالمدينة الجمعة فخطب الناس الأولى جالسا ثم قام فخطب الخطبة الثانية قائما قال اسحاق بن يحيى فقلت لرجاء بن حيوة وهو معه أهكذا تصنعون قال نعم مكررا وهكذا صنع معاوية وهلم جرا فقلت له هلا تكلمه قال أخبرني قبيصة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك ولم يترك القعود وقال هكذا خطب عثمان قال فقلت والله ما خطب إلا قائما قال رجاء روي لهم شيء فاقتدوا به قال إسحاق ولم نر منهم أشد تجبرا منه وكان العمال على البلاد من تقدم ذكرهم غير مكة فإن خالدا كان عاملها وقيل إن عاملها هذه السنة كان عمر بن عبد العزيز بن مروان

وفي هذه السنة غزا عبد العزيز بن الوليد الصائفة وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك

وفيها عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك فغزا مسلمة الترك من ناحية أذربيجان حتى بلغ الباب وفتح مدائن وحصونا ونصب عليها المجانيق

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.