الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
25

ثم دخلت سنة تسعين

الجزء الرابع 5 عنصر صفحة 253
ذكر فتح بخارى ص 253

قد ذكرنا ورود كتاب الحجاج إلى قتيبة يأمره بالتوبة عن انصرافه عن وردان خذاه ملك بخارى ويعرفه الموضع الذي يأتي بلده منه فلما ورد الكتاب على قتيبة خرج غازيا إلى بخارى سنة تسعين فاستجاش وردان خذاه بالصغد والترك من حوله فأتوه وقد سبق إليها قتيبة فحصرها فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إلى المسلمين يقاتلونهم فقالت الأزد اجعلونا ناحية وخلوا بيننا وبين قتلاهم فقال قتيبة تقدموا فتقدموا وقاتلوهم قتالا شديدا ثم إن الأزد انهزموا حتى دخلوا العسكر وركبهم المشركون فحطموهم حتى أدخلوهم عسكرهم وجاوزه حتى ضرب النساء وجوه الخيل وبكين فكروا راجعين فانطوت مجنبتا المسلمين على الترك فقاتلوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم فوقف الترك على نشز فقال قتيبة من يزيلهم عن هذا الموضع فلم يقدم عليهم أحد من العرب فأتى بني تميم فقال لهم يوما كأيامكم فأخذ وكيع اللواء وقال يا بني تميم أتسلمونني اليوم قالوا لا يا أبا مطرف وكان هريم بن أبي طحمة على خيل بميم ووكيع رأسهم فقال وكيع يا هريم قدم خيلك ودفع إليه الراية فتقدم هريم وتقدم وكيع في الرجالة فانتهى هريم إلى نهر بينهم وبين الترك فوقف فقال وكيع تقدم يا هريم فنظر هريم نظر الجمل الهائج الصائل وقال أأقتحم الخيل هذا النهر فإن انكشفت كان هلاكها يا أحمق فقال وكيع يا ابن اللخناء أترد أمري فحذفه بعمود كان معه فقبر هريم في الخيل وانتهى وكيع إلى النهر فعمل عليه جسرا من خشب وقال لأصحابه من وطن نفسه على الموت فليعبر وإلا فليبث مكانه فما عبر معه إلا ثماثمائة رجل فلما عبر بهم ودنا من العدو وقال لهريم إني مطاعنهم فاشغلهم عنا بالخيل فحمل عليهم حتى خالطهم وحمل هريم في الخيل فطاعنوهم ولم يزالوا يقاتلونهم حتى حدروهم من التل ونادى قتيبة ما ترون العدو منهزمين فلم يعبر أحد النهر حتى انهزموا وعبر الناس ونادى قتيبة من أتى برأس فله مائة فأتي برؤوس كثيرة فجاء يومئذ أحد عشر رجلا من بني قريع كل رجل برأس فيقال له من أنت فيقول قريعي فجاء رجل من الأزد برأس فقيل له من أنت فقال قريعي فعرفه جهم بن زحر فقال كذب والله أنه أزدي فقال له قتيبة ما دعاك إلى هذا فقال رأيت كل من جاء يقول قريعي فظننت أنه ينبغي لكل من جاء برأس أن يقوله فضحك قتيبة وجرح خاقان وابنه وفتح الله عليهم وكتب بالفتح إلى الحجاج

ذكر صلح قتيبة مع الصغد ص 254

لما وقع قتيبة بأهل بخارى هابه الصغد فرجع طرخون ملكهم ومعه فارسان فدنا من عسكر قتيبة فطلب رجلا يكلمه فأرسل إليه قتيبة حيان النبطي فطلب الصلح على فدية يؤديها إليهم فأجابه قتيبة إلى ما طلب وصالح ورجع طرخون إلى بلاده ورجع قتيبة ومعه نيزك حيان بالحاء المهملة والياء المشددة تحتها نقطتان وآخره نون

ذكر غدر نيزك وفتح الطالقان ص 254

قيل لما رجع قتيبة من بخارى ومعه نيزك وقد خاف لما يرى من الفتوح فقال لأصحابه أنا مع هذا ولست آمنه فلو استأذنته ورجعت كان الرأي قالوا افعل فاستأذن قتيبة فأذن له وهو بآمل فرجع يريد طخارستان وأسرع السير حتى أتى النويهار فنزل يصلي فيه ويتبرك به وقال لأصحابه لا أشك أن قتيبة قد ندم على إذنه لي وسيبعث إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي وندم قتيبة على إذنه له فأرسل إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك وسار نيزك وتبعه المغيرة فوجده قد دخل شعب خلم فرجع المغيرة وأظهر نيزك الخلع وكتب إلى أصبهبذ بلخ والي باذان ملك مرو الروذ والى ملك الطالقان والى ملك الفرياب والى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة فأجابوه فواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة وكتب إلى كابل شاه يستظهر به وبعث إليه بثقله وسأله أن يأذن له إن اضطر إليه أن يأتيه فأجابه إلى ذلك

وكان جبغويه ملك طبخارستان ضعيفا فأخذه نيزك فقيده بقيد من ذهب لئلا يخالف عليه وكان جبغويه هو الملك ونيزك عبده فاستوثق منه وأخرج عامل قتيبة من بلاد جبغويه وبلغ قتيبة خلعه قبل الشتاء وقد تفرق الجند فبعث أخاه عبد الرحمن بن مسلم في اثني عشر ألفا إلى البروقان وقال أقم بها ولا تحدث شيئا فإذا انقضى الشتاء سر نحو طخارستان واعلم إني قريب منك فسار فلما كان آخر الشتاء كتب قتيبة إلى نيسابور وغيرها من البلاد ليقدم عليه الجنود فقدموا قبل أوانهم نحو الطالقان وكان ملكها قد خلع وطابق نيزك على الخلع فأتاه قتيبة فأوقع باهل الطالقان فقتل من أهلها مقتلة عظيمة وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد ثم انقضت السنة قبل محاربة نيزك وسنذكر تمام خبره سنة إحدى وتسعين إن شاء الله تعالى

ذكر هرب يزيد بن المهلب واخوته من سجن الحجاج ص 255

قيل وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب واخوته الذين كانوا معه في سجن الحجاج وكان الحجاج قد خرج إلى رستقباذ للعبث لأن الأكراد كانوا قد غلبوا على فارس وخرج معه يزيد بن المهلب وإخوته عبد الملك والمفضل في عسكره وجعل عليهم كهيئة الخندق وجعلهم في فسطاط قريب منه وجعل عليهم الحرس من أهل الشام وطلب منهم ستة آلاف ألف وأخذ يعذبهم فكان يزيد يصبر صبرا حسنا وكان ذلك مما يغيظ الحجاج منه فقيل للحجاج أنه رمي في ساقه بنشابة فثبت نصلها فيه فهو لا يمسها إلا صاح فأمر أن يعذب في ساقه فلما فعلوا به ذلك صاح وأخته هند بنت المهلب عند الحجاج فلما سمعت صوته صاحت وناحت فطلقها الحجاج ثم إنه كف عنهم وأقبل يستأديهم وهم يعملون في التخلص فبعثوا إلى أخيهم مروان وكان بالبصرة أن يضمر لهم خيلا ويرى الناس أنه يريد بيعها لتكون عدة ففعل ذلك وكان أخوه حبيب يعذب بالبصرة أيضا فصنع يزيد للحرس طعاما كثيرا وأمر له بشراب فسقوا واشتغلوا به ولبس يزيد ثياب طباخه وخرج وقد جعل له لحية بيضاء فرآه بعض الحرس فقال كانت هذه مشية يزيد فجاء إليه فرأى لحيته بيضاء في الليل فتركه وعاد فخرج المفضل ولم يفطن له فجاؤا إلى سفن معدة فركبها يزيد والمفضل وعبد الملك وساروا ليلتهم حتى أصبحوا فلما أصبحوا علم بهم الحرس فرفعوا خبرهم إلى الحجاج ففرع وظن انهم يفسدون خراسان ليفتنوا بها فبعث البريد إلى قتيبة بخبرهم يأمره بالحذر ولما دنا يزيد من البطائح استقبلته الخيل فخرجوا عليها ومعهم ليل من كلب فأخذوا طريق الشام على طريق السماوة وأتى الحجاج بعد يومين فقيل له إنهم أخذوا طريق الشام على طريق الشام فبعث إلى الوليد بن عبد الملك يعلمه

ثم سار يزيد فقدم فلسطين فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي وكان كريما على سليمان بن عبد الملك فجاء بهم إليه وكانوا في مكان آمن وكتب الحجاج إلى الوليد إن آل المهلب خانوا أمان الله هربوا مني ولحقوا بسليمان وكان الوليد قد حذرهم وظن أنهم يأتون خراسان للفتنة بها فلما علم أنهم عند أخيه سليمان سكن بعض ما به وطار غضبا للمال الذي ذهب به فكتب سليمان إلى الوليد أن يزيد عندي وقد آمنته وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف لأن الحجاج أغرمه ستة آلاف ألف فأدى ثلاثة آلاف ألف والذي بقي عليه أنا أؤديه فكتب الوليد والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي فكتب لئن أنا بعثت به اليك لأجيئن معه فكتب الوليد والله لئن جئتني لا أؤمنه فقال يزيد أرسلني إليه فوالله ما أحب أن أوقع بينه وبينك عداوة ولا أن يتشاءم الناس بي لكما واكتب معي بألطف ما قدرت عليه فأرسله وأرسل معه ابنه أيوب وكان الوليد قد أمره أن يبعث به مقيدا فقال سليمان لابنه إذا دخلت على أمير المؤمنين فادخل أنت ويزيد في سلسلة ففعل ذلك فلما رأى الوليد ابن اخيه في سلسلة قال لقد بلغنا من سليمان ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه وقال له يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك ولا تخفر ذمة أبي وأنت أحق من منعها ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ولا تذل مت رجا العز في الانقطاع إلينا لعز بابك فقرأ الوليد كتاب سليمان فإذا هو يستعطفه ويشفع ليه ويضمن إيصال المال فلما قرأ الكتاب قال لقد شققنا على سليمان وتكلم يزيد واعتذر فآمنه الوليد فرجع إلى سليمان وكتب الوليد إلى الحجاج إني لم أصل إلى يزيد وأهله مع سليمان فاكفف عنهم فكف عنهم وكان أبو عيينة بن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف فتركها وكف عن حبيب بن المهلب وأقام بزيد بن المهلب عند سليمان يهدي إليه الهدايا ويصنع له الأطعمة وكان لا يأتي يزيد هدية إلا بعث بها إلى سليمان ولا يأتي سليمان هدية إلا بعث بنصفها إلى يزيد وكان لا تعجبه جارية إلا بعث بها إلى يزيد

ذكر عدة حوادث ص 257

في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك ارض الروم ففتح الحصون الخمس التي بسورية وغزا عباس بن الوليد حتى بلغ ارزن وبلغ سورية وفيها استعمل الوليد بن عبد الملك قرة بن شريك على مصر وعزل أخاه عبد الملك بن عبد الملك

وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر فأهداه ملكهم إلى الوليد وحج بالناس هذه السنة عمر بن عبد العزيز وكان أميرا على مكة والمدينة والطائف وكان على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وعامله على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمي وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة وعلى خراسان قتيبة بن مسلم وعلى مصر قرة بن شريك وفيها مات أنس بن مالك الأنصاري وقيل سنة اثنتين وتسعين وقيل ثلاث وتسعين وكان عمره ستا وتسعين سنة وقيل مائة وست سنين وقيل ثلاث وتسعين وكان عمره ستا وتسعين سنة وقيل مائة وست سنين وقيل وسبع وقيل وثلاث وفيها مات أبو العالية الرياحي في شوال وفيها توفي نصر بن عاصم الليثي النحوي أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي وقيل مات سنة تسعين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.