قيل في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك الروم فافتتح مسلمة حصن عمورية وفتح العباس أذرولية ولقي من الروم جمعا فهزمهم وقيل إن مسلمة قصد عمورية فلقي بها جمعا من الروم كثيرا فهزمهم وافتتح هرقلة وقمونية وغزا العباس الصائفة منه ناحية البذندون
ثم دخلت سنة تسع وثمانين
في هذه السنة أتى قتيبة كتاب الحجاج يأمره بقصد وردان خذاه فعبر النهر من زم فلقي الصغد وأهل كش ونسف في طريق المغزة فقاتلوه فظفر بهم ومضى إلى بخارى فنزل خرقانة السفلى عن يمين وردان فلقوه في جمع كثير فقاتلهم يومين وليلتين فظفر بهم وغزا وردان خذاه ملك بخارى فلم يظفر بشيء فرجع إلى مرو وكتب إلى الحجاج يخبره فكتب إليه الحجاج أن صورها لي فبعث إليه بصورتها فكتب إليه الحجاج أن تب إلى الله جل ثناؤه مما كان منك وائتها من مكان كذا وكذا وكتب إليه أن كش بكش وانسف نسف ورد وردان وإياك والتحويط ودعني من ثنيات الطريق وقيل إنما كان فتح بخارى سنة تسعين على ما نذكره
قيل وفي هذه السنة ولي خالد بن عبد الله القسري مكة فخطب أهلها فقال أيها الناس أيهما أعظم خليفة الرجل على أهله أو رسوله إليهم ولله لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاء ملحا أجاجا واستسقى الخليفة فسقاه غذبا فراتا يعني بالملح زمزم وبالماء الفرات بئرا حفرها الوليد بثينة طوى في ثنية الحجون وكان ماؤها عذبا وكان ينقل ماءها ويضعه في حوض إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم فغارت البئر وذهب ماؤها فلا يدري أين هو اليوم وقيل وليها سنة إحدى وتسعين وقيل سنة أربع وتسعين وقد ذكرناه هناك
في هذه السنة قتل محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي يجتمع هو وو الحجاج في الحكم ذاهر بن صصة ملك السند وملك بلاده وكان الحجاج بن يوسف استعمله على ذلك الثغر وسير معه ستة آلاف مقاتل وجهزه بكل ما يحتاج إليه حتى المسال والأبر والخيوط فسار محمد إلى مكران فأقام بها أياما ثم أتى قنزبور ففتحها ثم سار إلى أرمائيل ففتحها ثم سار إلى الديبل فقدمها يوم جمعة ووافته سفن كان حمل فيها الرجال والسلاح والاداة فخندق حين نزل الديبل وأنزل الناس منازلهم ونصب منجنيقا يقال له العروس كان يمد به خمسمائة رجل وكان بالديبل بد عظيم عليه دقل وعلى الدقل راية حمراء إذا هبت الريح أطافت بالمدينة وكانت تدور والبد صنم في بناء عظيم تحت منارة عظيمة مرتفعة وفي رأس المنارة هذا الدقل وكل ما يعبد فهو عندهم بد فحصرها وطال حصارها فرمى الدقل بحجر العروس فكسره فتطير الكفار بذلك ثم ان محمدا أتى وناهضهم وقد خرجوا إليه فهزمهم حتى ردهم إلى البلد وأمر بالسلاليم فنصبت وصعد عليها الرجال وكان أولهم صعودا رجل من مراد من أهل الكوفة ففتحت عنوة وقتل فيها ثلاثة أيام وهرب عامل ذاهر عنها وأنزلها محمد أربعة آلاف من المسلمين وبنى جامعها وسار عنها إلى البيرون وكان أهلها بعثوا إلى الحجاج فصالحوه فلقوا محمدا بالميرة وأخلوه مدينتهم وسار عنها وجعل لا يمر بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهرا دون مهران فأتاه أهل سربيدس فصالحوه ووظف عليهم الخراج وسار عنهم إلى سهبان ففتحها ثم سار إلى نهر مهران فنزل في وسطه وبلغ خبره ذاهر فاستعد لمحاربته وبعث جيشا إلى سدوستان فطلب أهلها الأمان والصلح فأمنهم ووظف عليهم الخراج ثم عبر محمد مهران مما يلي بلاد راسل الملك على جسر عقده وذاهر مستخف به فلقيه محمد والمسلمون وهو على فيل وحوله الفيلة ومعه التكاكرة فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله وترجل ذاهر فقتل عند المساء ثم انهزم الكفار وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا وقال قاتله
( الخيل تشهد يوم ذاهر والقنا % ومحمد بن القاسم بن محمد )
( اني فرجت الجمع غير معرد % حتى علوت عظيمهم بمهند )
( فتركته تحت العجاج مجندلا % متعفر الخدين غير موسد )
فلما قتل ذاهر غلب محمد على بلاد السند وفتح مدينة راور عنوة وكان بها امرأة لذاهر فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها وجواريها وجميع مالها ثم سار إلى برهمناباذا العتيقة وهي على فرسخين من المنصورة ولم تكن المنصورة يومئذ كان موضعها غيضة وكان المنهزمون من الكفار بها فقاتلوه ففتحها محمد غنوة وقتل بها بشرا كثيرا وخربت وسار يريد الرور وبغرور فلقيه أهل ساوندرى فطلبوا الأمان فأعطاهم إياه واشترط عليهم ضيافة المسلمين ثم أسلم أهلها بعد ذلك ثم تقدم إلى بسمد وصالح أهلها ووصل إلى الرور وهي من مدائن السند على جبل فحصروهم شهورا فصالحوه وسار إلى السكة ففتحها ثم قطع نهر بياس إلى الملتان فقاتله أهلها وانهزموا فحصرهم محمد فجاءه إنسان ودله على قطع الماء الذي يدخل المدينة فقطعه فعطشوا فألقوا بأيديهم ونزلوا على حكمه فقتل المقاتله وسبى الذرية وسدنة البد وهم ستة آلاف وأصابوا ذهبا كثيرا فجمع في بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية أذرع يلقى إليه من كوة في وسطه فسميت الملتان فرج بيت الذهب والفرج الثغر وكان بد الملتان تهدى إليه الأموال ويحج من البلاد ويحلقون رؤوسهم ولحاهم عنده ويزعمون أن صنمه هو أيوب النبي وعظمت فتوحه ونظر الحجاج في النفقة على ذلك الثغر فكانت ستين ألف ألف درهم ونظر في الذي حمل فكان مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف فقال ربحنا ستين ألفا وأدركنا ثارنا ورأس ذاهر ثم مات الحجاج ونذكر أمر محمد عند موت الحجاج إن شاء الله تعالى
في هذه السنة استعمل الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير على افريقية وكان نصير والده على حرس معاوية فلما سار معاوية إلى صفين لم يسر معه فقال له ما يمنعك من المسير معي إلى قتال علي ويدي عندك معروفة فقال لا أشركك بكفر من هو أولى بالشكر منك وهو الله عز وجل فسكت عنه معاوية فوصل موسى إلى أفريقية وبها صالح الذي استخلفه حسان على افريقية وكان البربر قد طمعوا في البلاد بعد مسير حسان فلما وصل موسى عزل صالحا وبلغه أن باطراف البلاد قوما خارجين عن الطاعة فوجه إليهم ابنه عبد الله فقاتلهم فظفر بهم وسبى منهم ألف رأس وسيره في البحر إلى جزيرة ميورقة فنهبها وغنم منها مالا يحصى وعاد سالما فوجه ابنه هارون إلى طائفة أخرى فظفر بهم وسبى منهم نحو ذلك وتوجه هو بنفسه إلى طائفة أخرى فغنم نحو ذلك فبلغ الخمس ستين ألف رأس من السبي ولم يذكر أحد أنه سمع بسبي أعظم من هذا ثم إن افريقية قحطت واشتد بها الغلاء فاستسقى بالناس وخطبهم ولم يذكر الوليد وقيل له في ذلك فقال هذا مقام لا يدعى فيه لأحد ولا يذكر إلا الله عز وجل فسقي الناس ورخصت الأسعار ثم خرج غازيا إلى طنجة يريد من بقي من البربر وقد هربوا خوفا منه فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد فاستأمن البربلا اله وأطاعوه واستعمل على طنجة مولاه طارق بن زياد ويقال أنه صدفي وجعل معه جيشا كثيفا جلهم البربر وجعل معهم من يعلمهم القرآن والفرائض وعاد إلى افريقية فمر بقلعة مجانة فتحصن أهلها منه وترك عليها من يحاصرها مع بشر بن فلان ففتحها فسميت قلعة بشر إلى الآن وحينئذ لم يبق له في افريقية من ينازعه وقيل كانت ولاية موسى ثمان وسبعين استعمله عليها عبد العزيز بن مروان وهو حينئذ على مصر لأخيه عبد الملك
في هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية اذربيجان ففتح حصونا ومدائن هناك وحج بالناس عمر بن عبد العزيز وكان العمال من تقدم ذكرهم وفي هذه السنة مات عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بني زهره وكان مولده قبل الهجرة بأربع سنين وقيل ولد سنة ست من الهجرة صعير بضم الصاد وفتح العين المهملتين
وفيها مات ظليم مولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بافريقية ظليم بفتح الظاء المعجمة وكسر اللام
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
