ذكر وفاة عبد الملك
ص 235
في هذه السنة توفي عبد الملك بن مروان منتصف شوال وكان يقول أخاف الموت في شهر رمضان فيه ولدت وفيه فطمت وفيه جمعت القران وفيه بايع لي الناس فمات للنصف من شوال حين أمن الموت في نفسه وكان عمره ستين سنة وقيل ثلاثا وستين سنة وكانت خلافته من لدن قتل ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال وقيل وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوما ولما اشتد مرضه قال بعض الأطباء أن شرب الماء مات فاشتد عطشه فقال يا وليد اسقني ماء قال لا أعين عليك فقال لابنته فاطمة اسقني ماء فمنعها الوليد فقال لتدعنها أو لأخلعنك فقال لم يبق بعد هذا شيء فسقته فمات ودخل الوليد عليه وابنته فاطمة عند رأسه تبكي فقال كيف أمير المؤمنين قال هو أصلح فلما خرج قال عبد الملك
( ومستخبر عنا يريد لنا الردى % ومستخبرات والدموع سواجم )
وأوصى بنيه فقال أوصيكم بتقوى الله فإنها أزين حلية وأحصن كهف ليعطف الكبير منكم على الصغير وليعرف الصغير حق الكبير وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه نابكم الذي عنه تفترون ومجنكم الذي عنه ترمون وأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم المنابر ودوخ لكم البلاد وأذل الأعداء وكونوا بني أم بررة لا تدبوا بينكم العقارب وكونوا في الحرب أحرارا فإن القتال لا يقرب ميتة وكونوا للمعروف منارا فإن المعروف يبقى اجره وذكره وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب فإنهم أصون له واشكر لما يؤتى إليهم منه وتعهدوا ذنوب أهل الذنوب فإن استقالوا فأقيلوا وإن عادوا فانتقموا ولما توفي دفن خارج باب الجابية وصلى عليه الوليد فتمثل هشام
( فما كان قيس هلكه هلك واحد % ولكنه بنيان قوم تهدما )
فقال الوليد اسكت فإنك تتكلم بلسان شيطان ألا قلت كما قال أوس بن حجر
( إذا مقرم منا ذرى حد نابه % تخمط منا ناب آخر مقرم )
وقيل إن سليمان تمثل بالبيت الأول وهو الصحيح لأن هشاما كان صغيرا له أربع عشرة سنة وقد رثى الشعراء عبد الملك كثير عزة وغيره فمما قيل فيه
( سقاك ابن مروان من الغيث مسبل % أجش شمالي يجود ويهطل )
( فما في حياة بعد موتك رغبة % لحر وان كنا الوليد نؤمل )
ذكر نسبه وأولاده وأزواجه
ص 237
أما نسبه فهو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه عائشة بنت معاوية بن الوليد بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية وأما أولاده وأزواجه فمنهم الوليد وسليمان ومروان الأكبر درج وعائشة أمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحرث بن زهير بن جذيمة العبسية ومنهم يزيد ومروان ومعاوية درج وأم كلثوم وأمهم عاتكة ابنة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ومنهم هشام وأمه أم هشام بنت إسماعيل بن هشام بن الوليد بن معاوية بن المغيرة المخزومية واسمها عائشة ومنهم أبو بكر وهو بكار أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله ومنهم الحكم درج أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان ومنهم فاطمة بنت عبد الملك أمها أم الغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة ومنهم عبد الملك ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير و الحجاج لأمهات الأولاد وكان له من النساء شقراء بنت مسلم بن حلبس الطائي وأم أبيها ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقيل كان عنده ابنة لعلي بن أبي طالب ولا يصح
ذكر بعض أخباره
ص 238
كان عبد الملك عاقلا حازما أديبا لبيبا عالما قال أبو الزياد كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وعبد الملك بن مروان وقال الشعبي ما ذاكرت أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني فيه ولا شعرا إلا زادني فيه وقال جعفر بن عقبة الخطائي قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب فقال شيبني ارتقاء المنابر وخوف اللحن وقال عبد الملك ما أعلم أحدا أقوى على هذا الأمر مني إن ابن الزبير لطويل الصلاة كثير الصيام ولكن لبخله لا يصلح أن يكون سائسا قال أبو مسهر قيل لعبد الملك في مرضه كيف تجدك قال أجدني كما قال الله تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم
وقال المفضل بن فضالة عن أبيه استأذن قوم على عبد الملك بن مروان وهو شديد المرض فدخلوا عليه وقد اسنده خصي إلى صدره فقال لهم إنكم دخلتم علي عند إقبال آخرتي وإدبار دنياي وإني تذكرت ارجى علم لي فوجدتها غزوة غزوتها في سبيل الله وأنا خلو من هذه الأشياء فإياكم وأيا أبوابنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها وقال سعيد بن عبد العزيز التنوخي لما نزل بعبد الملك بن مروان الموت أمر بفتح باب قصره فإذا قصار يقصر ثوبا فقال ياليتني كنت قصارا يا ليتني كنت قصارا مرتين فقال سعيد الحمد لله الذي جعلهم يفزعون إلينا ولا نفزع إليهم وقال سعيد بشير إن عبد الملك حين ثقل جعل يلوم نفسه ويضرب يده على رأسه وقال وددت إني كنت اكتسب يوما بيوم ما يقوتني وأشتغل بطاعة الله فذكر ذلك لابن خازم فقال الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه وقال مسعود بن خلف قال عبد الملك بن مروان في مرضه والله وددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنما في جبا لها وأني لم أك شيئا وقال عمران بن موسى المؤدب يروى أن عبد الملك بن مروان لما اشتد مرضه قال ارفعوني على شرف ففعل فتنسم الروح ثم قال يا دنيا ما أطيبك أن طويلك لقصير وأن كبيرك لحقير وأن كنا منك لفي غرور وتمثل بهذين البيتين
( إن تناقش يكن نقاشك يارب % عذابا لا طوق لي بالعذاب )
( أو تجاوزت فأنت رب صفوح % عن مسيء ذنوبه كالتراب )
ويروى أن هذه الأبيات تمثل بها معاوية ويحق لعبد الملك أن يحذر هذا الحذر ويخاف فإن يكن الحجاج بعض سيئاته يعلم على أي شيء يقدم عليه قال عبد الملك لسعيد بن المسيب يا أبا محمد صرت أعمل الخير فلا أسر به وأصنع الشر فلا أساء به فقال الآن تكامل فيك موت القلب وكان عبد الملك أول من غدر في الإسلام وقد تقدم فعله بعمرو بن سعيد وكان أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية وأول من نهى عن الكلام في حضرة الخلفاء وكان الناس قبله يراجعونهم وأول خليفة بخل وكان يقال له رشح الحجارة لبخله وأول من نهى عن الأمر بالمعروف فإنه قال في خطبته بعد قتل ابن الزبير ولا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه
ذكر خلافة الوليد بن عبد الملك
ص 239
فلما دفن عبد الملك بن مروان انصرف الوليد عن قبره فدخل المسجد وصعد المنبر واجتمع إليه الناس فخطبهم وقال إنا لله وأنا إليه راجعون والله المستعان على مصيبتنا لموت أمير المؤمنين والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة قوموا فبايعوا وكان أول من عزى نفسه وهناها وكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام السلولي وهو يقول
( الله أعطاك التي لا فوقها % وقد أراد الملحدون عوقها )
( عنك ويأبى الله إلا سوقها % إليك حتى قلدوك طوقها )
فبايعه ثم قام الناس لبيعته وقد قيل أن الوليد لما صعد المنبر حمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس لا مقدم لما أخر الله ولا مؤخر لما قدم وقد كان من قضاء الله وسابق عليه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت وقد صار إلى منازل الأبرار ولي هذه الأمة بالذي يحق لله عليه في الشدة على المريب واللين لأهل الحق والفضل وإقامة ما أقام لله من منار الإسلام وأعلامه من حج البيت وغزو الثغور وشن الغارة على أعداء الله فلم يكن عاجزا ولا مفرطا أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فإن الشيطان مع الفرد أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه ثم نزل وكان جبارا عنيدا
ذكر ولاية قتيبة خراسان وما كان منه هذه السنة
ص 240
وفي هذه السنة قدم قتيبة خراسان أميرا عليها للحجاج فقدمها والمفضل يعرض الجند للغزاة فخطب قتيبة الناس وحثهم على الجهاد ثم عرضهم وسار وجعل بمرو على حربها اياس بن عبد الله بن عمرو وعلى الخراج عثمان السعيدي فلما كان على حربها اياس بن عبد الله بن عمرو وعلى الخراج عثمان السعيدي فلما كان بالطالقان أتاه دهاقين بلخ وساروا معه فقطع النهر فتلقاه ملك الصغانيان بهدايا ومفاتيح من ذهب ودعاه إلى بلاده فمضى معه فسلمها إليه لأن ملك أخرون وشومان كان يسيء جواره ثم سار قتيبة منها إلى أخرون وشومان وهما من طخارستان فصالحه ملكهما على فدية أداها إليه فقبلها قتيبة ثم انصرف إلى مرو واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم ففتح صالح بعد رجوع قتيبة كاشان وأورشت وهي من فرغانة وفتح أخشيكت وهي مدينة فرغانة القديمة وكان معه نصر بن سيار فأبلى يومئذ بلاء حسنا وقيل إن قتيبة قدم سنة خمس وثمانين فعرض الجند فغزا أخرون وشومان ثم رجع إلى مرو وقيل إنه أقام السنة ولم يقطع النهر لسبب بلخ فإن بعضها كان منتقضا عليه فحاربهم وكان ممن سبي امرأة برمك أبي خالد بن برمك وكان برمك على النوبهار صارت لعبد الله بن مسلم أخي قتيبة فوقع عليها ثم إن أهل بلخ صالحوه وأمر قتيبة برد السبي فقالت امرأة برمك لعبد الله إني قد علقت منك وحضرت عبد الله بن مسلم الوفاة فأوصى أن يلحق به ما في بطنها وردت إلى برمك فذكر أن ولد عبد الله بن مسلم جاؤوا أيام المهدي حين قدم الري إلى خالد فادعوه فقال لهم مسلم بن قتيبة أنه لا بد لكم أن استخلفتموه ففعل من أن تزوجوه فتركوه وكان برمك طبيبا
ذكر عدة حوادث
ص 240
وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم
وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وعبد الملك عن شرطته وحج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي وكان الأمير على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف وفي أيام عبد الملك مات أسيد بن ظهير الأنصاري أسيد بضم الهمزة وظهير بضم الظاء المعجمة وفيها مات عمر بن أبي سلمة وهو ابن أم سلمة وفي أيامه مات علقمة بن وقاص الليثي وله صحبة
وفي هذه السنة مات قبيصة بن ذؤيب الخزاعي وولد أول سنة من الهجرة وحنكه النبي وكان على خاتم عبد الملك بن مروان وكان فقيها وفي أيامه مات سعد بن زيد الأنصاري وولد على عهد النبي وفي أيامه مات سلمة ابن أم سلمة ربيب النبي وفي هذه السنة مات عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي وقيل سنة سبع وثمانين شهد الحديبية وخيبر وفي آخر أيامه مات الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري وولد في آخر زمن النبي وفي هذه السنة توفي لاحق بن حميد أبو مجلز السدوسي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.