ذكر هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث
ص 225
لما انصرف عبد الرحمن إلى رتبيل من هراة قال له علقمة بن عمرو الأودي ما أريد أن أدخل معك لأني أتخوف عليك وعلى من معك والله لكأني بالحجاج وقد كتب إلى رتبيل يرغبه ويرهبه فإذا هو قد بعث بك سلما أو قتلكم ولكن معي خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نتحصن بها حتى نعطى الأمان أو نموت كراما ولم ندخل إلى بلاد رتبيل معه وخرج هؤلاء الخمسمائة وجعلوا عليهم مودودا البصري وقدم عليهم عمارة بن تميم اللخمي فحاصرهم فامتنعوا حتى أمنهم فخرجوا إليه فوفى لهم وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن أن أبعث به إلي وإلا والذي لا إله غيره لأوطئن أرضك ألف ألف مقاتل وكان مع عبد الرحمن رجل من تميم يقال له عبيد بن سبيع التميمي وكان رسوله إلى رتبيل فخص برتبيل وخف عليه فقال القاسم بن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرحمن إني لا آمن غدر هذا التميمي فاقتله فخافه عبيد ووشى به إلى رتبيل وخوفه الحجاج ودعاه إلى الغدر بابن شعث وقال له أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبد الرحمن فأجابه إلى ذلك فخرج عبيد إلى عمارة سرا فذكر له ما استقر مع رتبيل وما بذله له وكتب عمارة إلى الحجاج بذلك وأجابه إليه أيضا وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن إلى الحجاج
وقيل إن عبد الرحمن كان قد أصابه السل فمات فأرسل رتبيل إليه فقطع رأسه قبل أن يدفن وأرسله إلى الحجاج وقد قيل إن رتبيل لما صالح عمارة بن تميم اللخمي على ابن الأشعث كتب عمارة إلى الحجاج بذلك فأطلق له خراج بلاده عشر سنين فأرسل رتبيل إلى عبد الرحمن وثلاثين من أهل بيته فحضروا فقيدهم وأرسلهم إلى عمارة فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصر فمات فاحتز رأسه وسيره إلى الحجاج فسيره الحجاج إلى عبد الملك وسيره عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز فقال بعض الشعراء
( هيهات موضع جثة من رأسها % رأس بمصر وجثة بالرحج ) وقيل إن هلاك عبد الرحمن كان سنة أربع وثمانين
ذكر عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وولاية أخيه المفضل
ص 226
وفي هذه السنة عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان وكان سبب عزله إياه أن الحجاج وفد إلى عبد الملك فمر في طريقه براهب فقيل له إن عنده علما فدعا به وسأله هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن قال نعم قال مسمى أن موصوف فقال كل ذلك نجده موصوفا بغير اسم ومسمى بغير صفة قال فما تجدون صفة أمير المؤمنين قال نجده في زماننا ملك أفرع من يقم لسبيله يصرع قال ثم من قال اسم رجل يقال له الوليد ثم رجل اسمه اسم نبي يفتح به على الناس قال افتعلم من يلي بعدي قال نعم رجل يقال له يزيد قال أفتعرف صفته قال يغدر غدرة لا أعرف غير هذا فوقع في نفسه أنه يزيد بن المهلب ثم سار وهو وجل من قول الراهب ثم عاد وكتب إلى عبد الملك يذم يزيدا وآل المهلب ويخبره أنهم زبيرية فكتب إليه عبد الملك إني لا أرى طاعتهم لآل الزبير نقصا بآل المهلب وفاؤهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لي
فكتب إليه الحجاج يخوفه غدره وبما قال الراهب فكتب عبد الملك إليه إنك قد اكثرت في يزيد وآل المهلب فسم لي رجلا يصلح لخراسان فسمى قتيبة بن مسلم فكتب إليه أن وله وبلغ يزيد أن الحجاج عزله فقال لأهل بيته من ترون الحجاج يولي خراسان قالوا رجلا من ثقيف قال كلا ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده فإذا قدمت عليه عزله وولى رجلا من قيس وأخلق بقتيبة من مسلم فلما أذن عبد الملك في عزل يزيد كره أن يكتب إليه بعزله فكتب إليه يأمره أن يستخلف أخاه المفضل ويقبل إليه واستشار يزيد حضين بن المنذر الرقاشي فقال له أقم واعتل واكتب إلى أمير المؤمنين ليقرك فإنه حسن الحال والرأي فيك قال يزيد نحن أهل بيت قد بورك لنا في الطاعة وأنا اكره الخلاف فأخذ يتجهز فأبطأ فكتب الحجاج إلى المفضل إني قد وليتك خراسان فجعل المفضل يستحث يزيد فقال له يزيد إن الحجاج لا يقرك بعدي وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن امتنع عليه وستعلم وخرج يزيد في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وأقر الحجاج أخاه المفضل تسعة أشهر ثم عزله وقد قيل إن سبب عزله أن الحجاج لما فرغ من عبد الرحمن بن الأشعث لم يكن له هم إلا يزيد بن المهلب واهل بيته وقد كان أذل أهل العراق كلهم إلا آل المهلب ومن معهم بخراسان وتخوفه على العراق وكان يبعث إليه ليأتيه فيعتل عليه بالعدو والحروب فكتب الحجاج إلى عبد الملك يشير عليه بعزل يزيد ويخبره بطاعتهم لآل الزبير فكتب إليه عبد الملك بنحو ما تقدم وساق باقي الخبر كما تقدم وقال حضين ليزيد
( أمرتك أمرا حازما فعصيتني % فأصبحت مسلوب الإمارة نادما )
( فما أنا بالباكي عليك صبابة % وما أنا بالداعي لترجع سالما )
قال فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين ما قلت ليزيد قال قلت
( أمرتك أمرا حازما فعصيتني % فنفسك رد اللوم إن كنت لائما )
( فإن يبلغ الحجاج أن قد عصيته % فإنك تلقى أمره متفاقما )
قال فماذا أمرته به قال أمرته أن لا يدع صفراء ولابيضاء إلا حملها إلى الأمير قال بعضهم فوجده قتيبة قارحا
وقيل كتب الحجاج إلى يزيد اغز خوارزم فكتب إنها قليلة السلب شديدة الكلب فكتب إليه الحجاج استخلف وأقدم فكتب إني أريد أن أغزو خوارزم فكتب الحجاج لا تغزها فإنها كما ذكرت فغزا ولم يطعه فصالحه أهلها وأصاب سبيا وقفل في الشتاء وأصاب الناس برد ثياب الأسرى فمات ذلك السبي فكتب إليه الحجاج أن اقدم فسار إليه فكان لا يمر ببلد إلا فرش أهلها الرياحين حضين بن المنذر بالحاء المهملة المضمومة والضاد المعجمة المفتوحة وآخره نون
ذكر غزو المفضل باذغيس وآخرون
ص 228
لما ولي المفضل خراسان غزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنما فقسمه فأصاب كل رجل ثمانمائة ثم غزا أخرون وشومان فغنم وقسم ما أصاب ولم يكن للمفضل بيت مال كان يعطي الناس كلما جاء شيء وان غنم شيئا قسمه بينهم
ذكر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم
ص 228
في هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم بترمذ وكان سبب مصيره إلى ترمذ أن أباه لما قتل من قتل من بني تميم وقد تقدم ذكر ذلك تفرق عنه أكثر من كان معه منهم فخرج إلى نيسابور وخاف بني تميم على ثقله بمرو فقال لابنه موسى خذ ثقلي واقطع نهر بلخ حتى تلتجئ إلى بعض الملوك أو إلى حصن تقيم فيه فرحل موسى عن مرو في عشرين ومائتي فارس واجتمع إليه تتمة أربعمائة وانضم إليه قوم من بني سليم فأتى زم فقاتله أهلها فظفر بهم فأصاب مالا وقطع النهر وأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه فأبى فخافه وقال رجل فاتك وأصحابه مثله فلا آمنه ووصله وسار فلم يأت ملكا يلجأ إليه إلا كره مقامه عنده
فأتى سمرقند فأقام بها وأكرمه ملكها طرخون وأذن له في المقام وأقام ما شاء الله ولأهل الصغد مائدة يوضع عليها لحم وخل وخبز وإبريق شراب وذلك كل عام يوما يجعلون ذلك لفارس الصغد فلا يقربه أحد غيره فإن أكل منه أحد بارزه فأيهما قتل صاحبه فالمائدة له فقال رجل من أصحاب موسى ما هذه المائدة فأخبر فجلس فأكل ما عليها وقيل لصاحب المائدة فجاء مغضبا وقال يا عربي بارزني فبارزه فقتله صاحب موسى فقال ملك الصغد أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم فارسي لولا أني أمنتك وأصحابك لقتلتكم اخرجوا عن بلدي فخرجوا
فأتى كش فضعف صاحبها عنه فاستنصر طرخون فأتاه فخرج موسى إليه وقد اجتمع معه سبعمائة فارس فقاتلهم حتى أمسوا وتحاجزوا وبأصحاب موسى جروح كثيرة فقال لزرعة بن علقمة احتل لنا على طرخون فأتاه فقال أيها الملك ما حاجتك إلى أن تقتل موسى وتقتل من معه فإنك لا تصل إليه حتى يقتلوا مثل عدتهم منكم ولو قتلته وإياهم جميعا فإنه خطأ لأن له قدرا في العرب فلا يأتي أحد خراسان إلا طالبك بدمه فقال ليس لي إلى ترك كش في يده سبيل قال فكف عنه حتى يرتحل فكف وسار موسى فأتى ترمذ وبها حصن يشرف على جانب النهر فنزل موسى خارج الحصن وسأل ترمذ شاه أن يدخله حصنه فأبى فأهدى له موسى ولاطفه حتى حصل بينهما مودة وخرج فتصيد معه فصنع صاحب ترمذ طعاما وأحضر موسى ليأكل معه ولا يحضر إلا في مائة أصحابه فاختار موسى مائة من أصحابه فدخلوا الحصن وأكلوا فلما فرغوا قال له اخرج قال لا أخرج حتى يكون الحصن بيتي أو قبري وقاتلهم فقتل منهم عدة وهرب الباقون واستولى موسى عليها وأخرج ترمذ شاه منها ولم يعرض له ولا إلى أصحابه فاتوا الترك يستنصرونهم على موسى فلم ينصروهم وقالوا لا نقاتل هؤلاء وأقام موسى بترمذ فأتاه جمع من أصحاب أبيه فقوي بهم فكان يخرج فيغير على ما حوله ثم ولي بكير بن وساج خراسان فلم يعرض له ثم قدم أمية فسار بنفسه يريد مخالفة بكير فرجع على ما تقدم ذكره
ثم إن أمية وجه إلى موسى بعد صلح بكير رجلا من خزاعة في جمع كثير وعاد أهل ترمذ إلى الترك فاستنصروهم وأعلموهم أنه قد غزاه قوم من العرب وحصروه فسارت الترك في جمع كثير إلى الخزاعي فأطاف بموسى الترك والخزاعي فكان يقاتل الخزاعي أول النهار والترك آخر النهار فقاتلهم شهرين أو ثلاثة ثم إنه أراد أن يبيت الخزاعي وعسكره فقال له عمرو بن خالد بن حصين الكلابي ليكن البيات بالعجم فإن العرب أشد حذرا أو أجرأ على الليل فإذا فرغنا من العجم تفرغنا للعرب فأقام حتى ذهب ثلث الليل وخرج موسى في أربعمائة وقال لعمروا بن خالد اخرج بعدنا فكن أنت ومن معك قريبا فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا ثم سار حتى ارتفع فوق عسكر الترك ورجع إليهم وجعل أصحابه أرباعا وأقبل إليهم فلما رآهم أصحابه الأرصاد قالوا من أنتم قالوا عابروا سبيل فلما جاوزوا الرصد حملوا على الترك وكبروا فلم يشعر الترك إلا بوقع السيوف فيهم فساروا يقتل بعضهم بعضا وولوا فأصيب من المسلمين ستة عشر رجلا وحووا عسكرهم وأصابوا سلاحا كثيرا ومالا وأصبح الخزاعي وأصحابه وقد كسرهم ذلك فخافوا مثلها فقال عمرو بن خالد لموسى إننا لا نظفر إلا بمكيدة ولهم أمداد وهم كثيرون فدعني آته لعلي أصيب فرصة فاضربني وخلاك ذم فقال له موسى تتعجل الضرب وتتعرض للقتل قال أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له وأما الضرب فما أيسره في جنب ما أريد فضربه موسى خمسين سوطا فخرج من عسكر موسى وأتى عسكر الخزاعى مستأمنا وقال أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم فلما قتل أتيت ابنه فكنت معه وإنه اتهمني وقال قد تعصبت لعدونا وأنت عين له فضربني ولم آمن القتل فهربت منه فأمنه الخزاعي وأقام معه فدخل يوما وهو خال ولم ير عنده سلاحا فقال كأنه ينصح له أصلح الله الأمير إن مثلك في مثل هذه الحال لا ينبغي أن يكون بغير سلاح قال إن معي سلاحا فرفع طرف فراشه فإذا سيف منتض فأخذه عمرو فضربه حتى قتله وخرج فركب فرسه وأتى موسى وتفرق ذلك الجيش وأتى بعضهم موسى مستأمنا فأمنه ولم يوجه إليه أمية أحدا
وعزل أمية وقدم المهلب أميرا فلم يتعرض لموسى وقال لبنيه إياكم وموسى فإنكم لا تزالون ولاة خراسان ما دام هذا الثبط بمكانه فإن قتل فأول طالع عليكم أمير على خراسان من قيس فلما مات المهلب وولي يزيد لم يتعرض أيضا لموسى وكان المهلب قد ضرب حريث بن قطبة الخزاعي فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى فلما ولي يزيد بن المهلب أخذ أموالهما وحرمهما وقتل أخاهما لأمهما الحرث بن منقذ فخرج ثابت إلى طرخون فشكا إليه ما صنع به وكان ثابت محبوبا إلى الترك بعيد الصوت فيهم فغضب له طرخون وجمع له نيزك والسبل وأهل بخارى والصغانيان فقدموا مع ثابت إلى موسى وقد اجتمع إلى موسى فل عبد الرحمن بن العباس من هراة وفل ابن الأشعث من العراق ومن ناحية كابل فاجتمع معه ثمانية آلاف فقال له ثابت وحريث سر حتى تقطع النهر وتخرج يزيد عن خراسان ونوليك فهم أن يفعل فقال له أصحابه إن أخرجت يزيد عن خراسان تولى ثابت وأخوه خراسان وغلباك عليها فلم يسر وقال لثابت وحريث أن أخرجنا يزيد قدم عامل بعبد الملك ولكننا نخرج عمال يزيد عما وراء النهر ويكون لنا فأخرجوا عمال يزيد عما وراء النهر وجبوا الأموال فقوي أمرهم وانصرف طرخون ومن معه واستبد ثابت وحريث بتدبير الأمر والأمير موسى ليس له غير الاسم فقيل لموسى ليس لك من الأمور شيء والأمور إلى ثابت وحريث فاقتلهما وتول الأمر فأبى فألحوا عليه حتى افسدوا قلبه عليهما وهم بقتلهما فإنهم لفي ذلك إذ خرج عليهم الهياطلة والتبت والترك في سبعين ألفا لا يعدون الحاسر ولا صاحب البيضة الجماء ولا يعدون إلا صاحب بيضة ذات قونس فخرج ابن حازم وقاتلهم فيمن معه ووقف ملك الترك على تل في عشرة آلاف في أكمل عدة والقتال أشد ما كان فقال موسى إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشيء فقصدهم حريث بن قطبة فقاتلهم وألح عليهم حتى أزالهم عن التل ورمي حريث بنشابة في جبهته وتحاجزوا فبيتهم موسى وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة ملكهم فوجأ رجلا منهم بقبيعة سيفه فطعن فرسه فاحتمله الفرس فألقاه في نهر بلخ فغرق وقتل من الترك خلق كثير ونجا من نجا منهم بشر ومات حريث بعد يومين ورجع موسى وحمل معه الرؤوس فبنى منها جوسقين
وقال أصحاب موسى قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر ثابت فأبى وبلغ ثابتا بعض ما يخوضون فيه فدس محمد بن عبد الله الخزاعي عم نصر بن عبد الحميد عامل أبي مسلم على الري على موسى وقال إياك أن تتكلم بالعربية وإن سألوك من أين أنت فقل أنا من سبي الباميان ففعل ذلك واتصل بموسى وكان يخدمه وينقل إلى ثابت خبرهم فحذر ثابت وألح القوم على موسى فقال لهم ليلة لقد أكثرتم على وفيما يريدون هلاككم فعلى أي وجه تقتلونه ولا غدر به قال له أخوه نوح إذا أتاك غدا عدلنا به إلى بعض الدور فضربنا عنقه فيها قبل أن يصل إليك فقال والله إنه هلاككم وأنتم أعلم فخرج الغلام فأتى ثابتا فأخبره فخرج من ليلته في عشرين فارسا ومضى واصبحوا فلم يروه ولم يرو الغلام فعلموا أنه كان عينا له ونزل ثابت بحوشرا واجتمع إليه خلق كثير من العرب والعجم فأقبل موسى إليه وقاتله وتحصن ثابت بالمدينة وأتاه طرخون معينا له فرجع موسى إلى ترمذ وأقبل ثابت وطرخون ومعهما أهل بخارى ونسف وكش فاجتمعوا في ثمانين ألفا فحصروا موسى حتى جهد هو وأصحابه فلما اشتد عليهم قال يزيد بن هذيل والله لأقتلن ثابتا أو لأموتن فخرج إلى ثابت فاستأمنه فقال له ظهير أنا اعرف بهذا منك ما أتاك إلا بغدره فاحذره فأخذا بنيه قدامة والضحاك رهنا فكانا في يد ظهير وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت فلم يقدر على ما يريد حتى مات ابن لزياد القصير الخزاعي فخرج ثابت إليه ليعزيه وهو بغير سلاح وقد غابت الشمس فدنا يزيد من ثابت فضربه على رأسه فوصل إلى الدماغ وهرب فسلم وأخذ طرخون قدامة والضحاك ابني يزيد فقتلهما وعاش ثابت سبعة أيام ومات
وقام بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت فقاما قياما ضعيفا وانتشر أمرهم واجمع موسى على بياتهم فأخبر طرخون بذلك فضحك وقال موسى يعجز أن يدخل متوضأه فكيف يبيتنا لا يحرس الليلة أحد فخرج موسى في ثمانمائة وجعلهم أرباعا وبيتهم وكان لا يمر بشيء إلا ضربوه من رجل ودابة وغير ذلك فلبس نيزك سلاحه ووقف وأرسل طرخون إلى موسى أن كف أصحابك فإنا نرحل إذا أصبحنا فرجع موسى وارتحل طرخون والعجم جميعا فكان أهل خراسان يقولون ما رأينا مثل موسى ولا سمعنا به قاتل مع أبيه سنتين ثم خرج يسير في بلاد خراسان فأتى ملكا تغلب على مدينتة أخرجه منها وسار الجنود من العرب والترك إليه وكان يقاتل العرب أول النهار والترك آخر النهار وأقام موسى في الحصن خمس عشرة سنة وصار ما وراء النهر لموسى لا ينازعه فيه أحد فلما عزل يزيد بن المهلب وولي المفضل أراد أن يحظى عند الحجاج بقتال موسى بن عبد الله فسير عثمان بن مسعود إليه في جيش وكتب إلى مدرك بن المهلب وهو ببلخ يأمره بالمسير معه فعبر النهر في خمسة عشر ألفا فكتب إلى السبل والى طرخون فقدموا عليه فحصروا موسى وضيقوا عليه وعلى أصحابه فمكث شهرين في ضيق وقد خندق عثمان عليه وحذر البيات فقال موسى لأصحابه اخرجوا بنا حتى متى نصبر فاجعلوا يومكم معهم إما ظفرتم وإما قتلتم واقصدوا الترك فخرجوا وخلف النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم في المدينة وقال له إن قتلت فلا تدفعن المدينة إلى عثمان وادفعها إلى مدرك بن المهلب وخرج وجعل ثلث أصحابه بازاء عثمان وقال لا تقاتلوه إلا أن يقاتلكم وقصد لطرخون وأصحابه فصدقوهم القتال فانهزم طرخون واخذوا عسكرهم وزحفت الترك والصغد فحالوا بين موسى والحصن فقاتلهم فعقروا فرسه فسقط فقال لمولى له احملني فقال الموت كريه ولكن ارتدف فإن نجونا نجونا جميعا وأن هلكنا هلكنا جميعا قال فارتدف فلما نظر إليه عثمان حين وثب قال وقثبة موسى ورب الكعبة وقصد إلى موسى وعقرت دابة موسى فسقط هو وموالاه فقتلوه ونادى منادي عثمان من لقيتموه فخذوه أسيرا ولا تقتلوا أحدا فقتل ذلك اليوم من الأسرى خلقا كثير من العرب خاصة فكان يقتل العرب ويضرب المولى ويطلقه وكان فظا غليظا وكان الذي أجهز على موسى واصل بن طيسلة العنبري وبقيت المدينة بيد النضر بن سليمان فلم يدفعها إلى عثمان وسلمها إلى مدرك بن المهلب وأمنه فسلمها مدرك إلى عثمان وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فقال العجب منه اكتب إليه بقتل ابن سبرة فيكتب إلى أنه قد قتل موسى بن عبد الله بن خازم ولم يسره قتل موسى لأنه من قيس وقتل موسى سنة خمس وثمانين وضرب رجل من الجند ساق موسى فلما ولي قتيبة قال ما دعاك إلى ما صنعت بفتى العرب بعد موته قال كان قتل أخي فأمر به فقتل
ذكر موت عبد العزيز بن مران والبيعة للوليد بولاية العهد
ص 233
كان عبد الملك بن مران أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز من ولاية العهد لابنه الوليد بن عبد الملك فنهاه عن ذلك قبيصة بن ذؤيب وقال لا تفعل فإنك تبعث على نفسك صوت عارم ولعل الموت يأتيه فكف عنه ونفسه تنازعه إلى خلعه فدخل عليه روح بن زنباع وكان أجل الناس عند عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطح فيه عنزان وأنا أول من يجيبك إلى ذلك قال نصبح إن شاء الله ونام روح عند عبد الملك فدخل عليهما قبيصة بن ذئيب وهما نائمان وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابه أن لا يحجب قبيصة عنه وكان إليه الخاتم والسكة تأتيه الأخبار قبل عبد الملك والكتب فلما دخل سلم عليه قال آجرك الله في عبد العزيز أخيك قال هل توفي قال نعم فاسترجع ثم اقبل على روح وقال كفانا الله ما كنا نريد وكان ذلك مخالفا لك يا قبيصة فقال قبيصة يا أمير المؤمنين إن الرأي كله في الأناة فقال عبد الملك وربما كان في العجلة خير كثير رأيت أمر عمرو بن سعيد ألم تكن العجلة فيه خيرا من الأناة وكانت وفاة عبد العزيز في جمادى الأولى في مصر فضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك وولاه مصر
وقيل إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد وأوفد في ذلك وفدا فلما أراد عبد الملك خلع عبد العزيز والبيعة للوليد كتب إلى عبد العزيز إن رأيت أن يصير هذا الأمر لابن أخيك فأبى فكتب إليه ليجعل الأمر له ويجعله له أيضا من بعده فكتب إليه عبد العزيز إني أرى في ابني أبي بكر ما ترى في الوليد فكتب إليه عبد الملك ليحمل خراج مصر فأجابه عبد العزيز إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا وإنا لا ندري أينا يأتيه الموت أولا فإن رأيت أن لا تفسد علي بقية عمري فافعل فرق له عبد الملك وتركه وقال للوليد وسليمان إن يرد الله أن يعطيكما الخلافة لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك فقال عبد الملك حيث رده عبد العزيز اللهم أنه قطعني فاقطعه فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام رد على أمير المؤمنين أمره فلما أتى خبر موته إلى عبد الملك أمر الناس بالبيعة لابنيه الوليد وسليمان فبايعوا وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان وكان على المدينة هشام بن إسماعيل فدعا الناس إلى البيعة فأجابوا إلا سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال لا أبايع وعبد الملك حي فضربه هشام ضربا مبرحا وطاف به وهو في تبان شعر حتى بلغ رأس الثنية التي يقتلون ويصلبون عندها ثم ردوه وحبسوه فقال سعيد لو ظننت أنهم لا يصلبونني ما لبست ثياب مسوح ولكنني قلت يصلبونني فيسترني فبلغ عبد الملك الخبر فقال قبح الله هشاما إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة فإن أبى أن يبايع فيضرب عنقه أو يكف عنه وكتب إليه يلومه ويقول له إن سعيدا ليس عنده شقاق ولا خلاف وقد كان سعيد امتنع من بيعة ابن الزبير وقال لا أبايع حتى يجتمع الناس فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستين سوطا فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه وقال ما لنا ولسعيد دعه لا تعرض له
وقيل أن بيعة الوليد وسليمان كانت سنة أربع وثمانين والأول اصح قبل قدوم عبد العزيز على أخيه عبد الملك من مصر فلما فارقه وصاه عبد الملك فقال ابسط بشرك وألن كنفك وآثر الرفق في الأمور فهو أبلغ بك وانظر حاجبك وليكن من خير اهلك فإنه وجهك ولسانك ولا يقفن أحد ببابك إلا أعلمك مكانه لتعلم أنت الذي تأذن له أو ترده فإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ جلساءك بالكلام يأنسوا بك وتثبت في قلوبهم محبتك وإذا انتهى إليك مشكل فاستظهر عليه بالمشاورة فإنها تفتح مغاليق الأمور المهمة واعلم أن لك نصف الرأي ولأخيك نصفه وأن يهلك امرؤ على مشورة وإذا سخطت على أحد فأخر عقوبته فإنك على العقوبة بعد التوقف عنها اقدر منك على ردها بعد امضائها والسلام
ذكر عدة حوادث
ص 234
حج بالناس هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي وكان العامل على العراق والمشرق الحجاج بن يوسف وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فصاف فيها وشتى
وفي هذه السنة مات عمرو بن حريث المخزومي
وفيها مات عبد الله بن الحرث بن جزء الزبيدي وقيل سنة سبع وقيل سنة ثمان وثمانين وفيها مات عبد الله بن عامر بن ربيعة حليف بني عدي وكان له لما توفي النبي أربع سنين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.