فلما حملت كتائب الحجاج الثلاث على القراء من أصحاب عبد الرحمن وعليهم جبلة بن زحر نادى جبلة يا عبد الرحمن بن أبي ليلى يا معشر القراء إن الفرار ليس أحد بأقبح به منكم إني سمعت علي بن أبي طالب رفع الله درجته في الصالحين وأتاه ثواب الصادقين والشهداء يقول يوم لقينا أهل الشام أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبل الهدى ونور قلبه باليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه وقال أبو البختري أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم وليغلبن على دنياكم فقال الشعبي أيها الناس قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم والله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور في حكم منهم وقال سعيد بن جبير نحو ذلك وقال جبلة احملوا عليهم حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم فحملوا عليهم حملة صادقة فضربوا الكتائب حتى أزالوها وفرقوها وتقدموا حتى واقعوا صفهم فأزالوه عن مكانه ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا لا يدرون كيف قتل
وكان سبب قتله أن أصحابه لما حملوا على أهل الشام ففرقوهم فوقف لأصحابه ليرجعوا إليه فافترقت فرقة من أهل الشام فوقفت ناحية فلما رأوا أصحاب جبلة قد تقدموا قال بعضهم لبعض هذا جبلة احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال فحملوا عليه فلم يول لكنه حمل عليهم فقتلوه وكان الذي قتله الوليد بن نحيت الكلبي وجيء برأسه إلى الحجاج فبشر أصحابه بذلك فلما رجع أصحاب جبلة ورأوه قتيلا سقط في أيديهم وتنازعوه بينهم فقال لهم أبو البختري لا يظهرن عليكم قتل جبلة إنما كان كرجل منكم أتته منيته فلم يكن ليتقدم ولا يتأخر وظهر الفشل في القراء وناداهم أهل الشام يا أعداء الله قد هلكتم وقتل طاغيتكم وقدم عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني ففرحوا به وقالوا تقدم مقام جبلة وكان قدومه من الري فلما أتى عبد الرحمن جعله على ربيعة وكان شجاعا فقاتل يوما فدخل عسكر الحجاج فأخذ أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن فقال النساء منعوا نساءهم لو لم يردوهن لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم وخرج عبد الرحمن بن هبيرة الشيباني ففرحوا به وقالوا تقدم مقام دجبلة وكان قدومه من الري فلما أتى عبد الرحمن جدعله على ربيعة وكان شجاعا فقاتل يوما فدخل عسكر الحجاج فأخذ أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن فقال الحجاج منعوا نساءهم لو لم يردوهن لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم وخرج عبد الرحمن بن عوف الرواسي أبو حميد فدعا إلى المبارزة فخرج إليه رجل من أهل الشام فتضاربا فقال كل واحد منهما أنا الغلام الكلابي فقال كل واحد منهما لصاحبه من أنت وإذا هما ابنا عم فتحاجزا وخرج عبد الله بن رزام الحارثي فطلب المبارزة فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله ثم فعل ذلك ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع خرج فقالوا جاء لا جاء الله به فطلب المبارزة فقال الحجاج للجراح أخرج إليه فخرج إليه فقال له عبد الله وكان له صديقا ويحل يا جراح ما أخرجك قال ابتليت بك قال فهل لك في خير الجراح ما هو قال عبد الله أنهزم لك وترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك وأما أنا فأحتمل مقالة الناس في انهزامي حسبا لسلامتك فإني لا أحب قتل مثلك من قومي قال إفعل فحمل الجراح على عبد الله فاستطرد له عبد الله وحمل عليه الجراح بجد يريد قتله فصاح لبعد الله غلامه وكان ناحية معه ماء ليشربه وقال له يا سيدي إن الرجل يريد قتلك فعطف عبد الله على الجراح فضربه بعمود على رأسه فصرعه وقال له يا جراح بئسما جزيتني أردت بك العافية وأردت قتلي انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة
وكان سعيد بن جبير وأبو البختري الطائي يحملان على أهل الشام بعد قتل جبلة بن زحر حتى يخالطوهم وكانت مدة الحرب مائة يوم وثلاثة أيام لأنه كان نزولهم بالجماجم لثلاثة مضت من ربيع الأول وكانت الهزيمة لأربع عشرة مضين من جمادى الآخرة فلما كان يزم الهزيمة اقتتلوا أشد قتال واستظهر أصحابه عبد الرحمن على أصحابه الحجاج واستعملوا عليهم وهم آمنون أن يهزموا فبيناهم كذلك إذ حمل سفيان بن الأبرد وهو في ميمنة الحجاج على الأبرد بن قرة التميمي وهو على ميسرة عبد الرحمن فانهزم الأبرد بن قرة من غير قتال يذكر فظن الناس أنه قد كان صولح على أن ينهزم بالناس فلما تقوضت الصفوف من نحوه وركب الناس بعضهم بعضا وصعد عبد الرحمن المنبر ينادي في الناس إلي عباد الله فاجتمع إليه جماعة فثبت حتى دنا منه أهل الشام فقاتل من معه ودخل أهل الشام العسكر فأتاه عبد الله بن يزيد بن المفضل الأزدي فقال له انزل فإني أخاف عليك أن تؤسر ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به فنزل
ثم رجع الحجاج إلى الكوفه وعاد محمد بن مروان إلى الموصل وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام وأخذ الحجاج يبايع الناس وكان لايبايع أحدا إلا قال له أشهد أنك كفرت فإن قال نعم بايعه وإلا قتلته فأتاه رجل من خثعم كان معتزلا للناس جميعا فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله فقال له أنت متربص أتشهد أنك كافر قال بئس الرجل أنا عبد الله ثمانين سنه ثم أشهد على نفسي بالكفر قال إذا أقتلك قال وإن قتلتني فقتله ولمم يبق أحد من أهل الشام والعراق إلا رحمه ثم دعا بكميل بن زياد فقال له أنت المقتص من أمير المزمنين عثمان قد كنت أحب إلي من أن أجد عليك سبيلا قال على أينا أنت أشد غضبا عليه حين أقاد من نفسه أم علي حين عفوت عنه ثم قال أيها الرجل من ثقيف لا تصرف علي بنابك ولا تكشر علي كالذئب والله ما بقي من عمري إلا ظمء الحمار اقض ما أنت قاض فإن الموعد الله وبعد القتل الحساب قال الحجاج فإن الحجه عليك قال ذلك إذا كان القضاء إليك فأمر به فقتل وكان خصيصا بأمير المؤمنين وأتى بآخر من بعده ققال له الحجاج أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر فقال له الرجل أتخادعني عن نفسي أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون ذي الأوتاد فضحك منه الرجل وخلى سبيله وأقام بالكوفة شهرا وأنزل أهل الشام بيوت أهل الكوفة أنزلهم الحجاج فيها مع أهلها وهو أول من أنزل الجند في بيوت غيرهم وهو إلى الآن لا سيما في بلاد العجم ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة
