الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
18

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين

الجزء الرابع 7 عنصر صفحة 209
ذكر بقية الوقعة بدير الجماجم ص 209

فلما حملت كتائب الحجاج الثلاث على القراء من أصحاب عبد الرحمن وعليهم جبلة بن زحر نادى جبلة يا عبد الرحمن بن أبي ليلى يا معشر القراء إن الفرار ليس أحد بأقبح به منكم إني سمعت علي بن أبي طالب رفع الله درجته في الصالحين وأتاه ثواب الصادقين والشهداء يقول يوم لقينا أهل الشام أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبل الهدى ونور قلبه باليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه وقال أبو البختري أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم وليغلبن على دنياكم فقال الشعبي أيها الناس قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم والله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور في حكم منهم وقال سعيد بن جبير نحو ذلك وقال جبلة احملوا عليهم حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم فحملوا عليهم حملة صادقة فضربوا الكتائب حتى أزالوها وفرقوها وتقدموا حتى واقعوا صفهم فأزالوه عن مكانه ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا لا يدرون كيف قتل

وكان سبب قتله أن أصحابه لما حملوا على أهل الشام ففرقوهم فوقف لأصحابه ليرجعوا إليه فافترقت فرقة من أهل الشام فوقفت ناحية فلما رأوا أصحاب جبلة قد تقدموا قال بعضهم لبعض هذا جبلة احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال فحملوا عليه فلم يول لكنه حمل عليهم فقتلوه وكان الذي قتله الوليد بن نحيت الكلبي وجيء برأسه إلى الحجاج فبشر أصحابه بذلك فلما رجع أصحاب جبلة ورأوه قتيلا سقط في أيديهم وتنازعوه بينهم فقال لهم أبو البختري لا يظهرن عليكم قتل جبلة إنما كان كرجل منكم أتته منيته فلم يكن ليتقدم ولا يتأخر وظهر الفشل في القراء وناداهم أهل الشام يا أعداء الله قد هلكتم وقتل طاغيتكم وقدم عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني ففرحوا به وقالوا تقدم مقام جبلة وكان قدومه من الري فلما أتى عبد الرحمن جعله على ربيعة وكان شجاعا فقاتل يوما فدخل عسكر الحجاج فأخذ أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن فقال النساء منعوا نساءهم لو لم يردوهن لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم وخرج عبد الرحمن بن هبيرة الشيباني ففرحوا به وقالوا تقدم مقام دجبلة وكان قدومه من الري فلما أتى عبد الرحمن جدعله على ربيعة وكان شجاعا فقاتل يوما فدخل عسكر الحجاج فأخذ أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهن فقال الحجاج منعوا نساءهم لو لم يردوهن لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم وخرج عبد الرحمن بن عوف الرواسي أبو حميد فدعا إلى المبارزة فخرج إليه رجل من أهل الشام فتضاربا فقال كل واحد منهما أنا الغلام الكلابي فقال كل واحد منهما لصاحبه من أنت وإذا هما ابنا عم فتحاجزا وخرج عبد الله بن رزام الحارثي فطلب المبارزة فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله ثم فعل ذلك ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع خرج فقالوا جاء لا جاء الله به فطلب المبارزة فقال الحجاج للجراح أخرج إليه فخرج إليه فقال له عبد الله وكان له صديقا ويحل يا جراح ما أخرجك قال ابتليت بك قال فهل لك في خير الجراح ما هو قال عبد الله أنهزم لك وترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك وأما أنا فأحتمل مقالة الناس في انهزامي حسبا لسلامتك فإني لا أحب قتل مثلك من قومي قال إفعل فحمل الجراح على عبد الله فاستطرد له عبد الله وحمل عليه الجراح بجد يريد قتله فصاح لبعد الله غلامه وكان ناحية معه ماء ليشربه وقال له يا سيدي إن الرجل يريد قتلك فعطف عبد الله على الجراح فضربه بعمود على رأسه فصرعه وقال له يا جراح بئسما جزيتني أردت بك العافية وأردت قتلي انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة

وكان سعيد بن جبير وأبو البختري الطائي يحملان على أهل الشام بعد قتل جبلة بن زحر حتى يخالطوهم وكانت مدة الحرب مائة يوم وثلاثة أيام لأنه كان نزولهم بالجماجم لثلاثة مضت من ربيع الأول وكانت الهزيمة لأربع عشرة مضين من جمادى الآخرة فلما كان يزم الهزيمة اقتتلوا أشد قتال واستظهر أصحابه عبد الرحمن على أصحابه الحجاج واستعملوا عليهم وهم آمنون أن يهزموا فبيناهم كذلك إذ حمل سفيان بن الأبرد وهو في ميمنة الحجاج على الأبرد بن قرة التميمي وهو على ميسرة عبد الرحمن فانهزم الأبرد بن قرة من غير قتال يذكر فظن الناس أنه قد كان صولح على أن ينهزم بالناس فلما تقوضت الصفوف من نحوه وركب الناس بعضهم بعضا وصعد عبد الرحمن المنبر ينادي في الناس إلي عباد الله فاجتمع إليه جماعة فثبت حتى دنا منه أهل الشام فقاتل من معه ودخل أهل الشام العسكر فأتاه عبد الله بن يزيد بن المفضل الأزدي فقال له انزل فإني أخاف عليك أن تؤسر ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به فنزل

ثم رجع الحجاج إلى الكوفه وعاد محمد بن مروان إلى الموصل وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام وأخذ الحجاج يبايع الناس وكان لايبايع أحدا إلا قال له أشهد أنك كفرت فإن قال نعم بايعه وإلا قتلته فأتاه رجل من خثعم كان معتزلا للناس جميعا فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله فقال له أنت متربص أتشهد أنك كافر قال بئس الرجل أنا عبد الله ثمانين سنه ثم أشهد على نفسي بالكفر قال إذا أقتلك قال وإن قتلتني فقتله ولمم يبق أحد من أهل الشام والعراق إلا رحمه ثم دعا بكميل بن زياد فقال له أنت المقتص من أمير المزمنين عثمان قد كنت أحب إلي من أن أجد عليك سبيلا قال على أينا أنت أشد غضبا عليه حين أقاد من نفسه أم علي حين عفوت عنه ثم قال أيها الرجل من ثقيف لا تصرف علي بنابك ولا تكشر علي كالذئب والله ما بقي من عمري إلا ظمء الحمار اقض ما أنت قاض فإن الموعد الله وبعد القتل الحساب قال الحجاج فإن الحجه عليك قال ذلك إذا كان القضاء إليك فأمر به فقتل وكان خصيصا بأمير المؤمنين وأتى بآخر من بعده ققال له الحجاج أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر فقال له الرجل أتخادعني عن نفسي أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون ذي الأوتاد فضحك منه الرجل وخلى سبيله وأقام بالكوفة شهرا وأنزل أهل الشام بيوت أهل الكوفة أنزلهم الحجاج فيها مع أهلها وهو أول من أنزل الجند في بيوت غيرهم وهو إلى الآن لا سيما في بلاد العجم ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة

ذكر الوقعة بمسكن ص 211

ولما انهزم عبد الرحمن أتى البصرة واجتمع إليه من المنهزمين جمع كثير وكان فيهم عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي وكان بالمدائن محمد بن سعد بن أبي وقاص فسار إليه الحجاج فلحق ابن سعد بعبد الرحمن وسار عبد الرحمن نحو الحجاج ومعه جمع كثير فيهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني وقد بايعه خلق كثير على الموت فاجتمعوا بمسكن وخندق عبد الرحمن على أصحابه وجعل القتال من وجه واحد وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله من خراسان في ناس من بعث الكوفة فاقتتلوا خمسة عشر يوما من شعبان أشد قتال فقتل زياد بن غنم القيني وكان على مسالح الحجاج فهده ذلك وهد أصحابه وبات الحجاج يحرض أصحابه ولما أصبحوا باكروا القتال فاقتتلوا أشد قتال كان بينهم فانكشفت خيل سفيان بن الأبرد فأمر الحجاج عبد الملك بن المهلب فحمل على أصحاب عبد الرحمن وحمل أصحاب الحجاج من كل جانب فانهزم عبد الرحمن وأصحابه وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه وأبو البختري الطائي ومشى بسطام بن مصقلة بن هبيرة في أربعة آلاف فارس من شجعان أهل الكوفة والبصرة فكسروا جفون سيوفهم وحث أصحابه على القتال فحملوا على أهل الشام فكشفوهم مرارا فدعا الحجاج الرماة فرموهم وأحاط بهم الناس فقتلوا إلا قليلا ومضى ابن الأشعث نحو سجستان

وقد قيل في هزيمة عبد الرحمن بمسكن غير هذا والذي قيل أنه اجتمع هو و الحجاج بمسكن وكان عسكر ابن الأشعث والحجاج بين دجلة والسيب والكرخ فاقتتلوا شهرا ودونه فأتى شيخ فدل الحجاج على طريق من وراء الكرخ في أجمة وضحضاح من الماء فأرسل معه أربعة آلاف وقال لقائدهم إن صدق فأعطه ألف درهم فإن كذب فاقتله فسار بهم ثم إن الحجاج قاتل أصحاب عبد الرحمن فانهزم الحجاج فعبر السيب ورجع ابن الأشعث إلى عسكره آمنا ونهب عسكر الحجاج فأمنوا وألقوا السلاح فلم يشعروا نصف الليل إلا والسيف يأخذهم من تلك السرية فغرق من أصحاب عبد الرحمن أكثر ممن قتل ورجع الحجاج في عسكره على الصوت فقتلوا من وجدوا فكان عدة من قتل أربعة آلاف منهم عبد الله بن شداد بن الهاد وبسطام بن مصقلة وعمروا بن ضبيعة الرقاشي وبشر بن المنذر بن الجارود وغيرهم

ذكر مسير عبد الرحمن إلى رتبيل وما جرى له ولأصحابه ص 213

ولما انهزم عبد الرحمن من مسكن سار إلى سجستان فأبتعث الحجاج ابنه محمدا وعمارة بن تميم اللخمي وعمارة على الجيش فأدركه عمارة بالسوس فقاتله ساعة فانهزم عبد الرحمن ومن معه وساروا حتى أتوا سابور واجتمع إليه الأكراد فقاتلهم عمارة قتالا شديدا على العقبة فجرح عمارة وكثير من أصحابه وانهزم عمارة وترك لهم العقبة وسار عبد الرحمن حتى أتى كرمان وعمارة يتبع أثرهم فدخل بعض أهل الشام قصرا في مفازة كرمان فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من شعر ابن حلزة اليشكري وهي طويلة

( أيا لهفا ويا حربا جميعا % ويا حر الفؤاد لما لقينا )

( تركنا الدين والدنيا جميعا % وأسلمنا الحلائل والبنينا )

( فما كنا بناس أهل دين % فنصبر في البلاء إذا ابتلينا )

( وما كنا بناس أهل دنيا % فنمنعها ولو لم نرج دينا )

( تركنا دورنا لطغام عك % وأنباط القرى والأشعرينا )

فما وصل عبد الرحمن كرمان أتاه عامله وقد هيأ له منزلا فنزل ثم رحل إلى سجستان فأتى زرنج وفيها عامله فأعلق بابها ومنع عبد الرحمن من دخولها فأقام عليها أياما ليفتحها فلم يصل إليها فسار إلى بست وكان قد استعمل عليها عياض بن هميان بن حشام السدوسي السيباني فاستقبله وأنزله فلما غفل أصحابه قبض عليه عياض وأوثقه وأراد أن يأمن به عند الحجاج وقد كان رتبيل ملك الترك سمع بمقدم عبد الرحمن فسار إليه ليستقبله فلما قبضه عياض نزل رتبيل على بست وبعث إلى عياض يقول والله لئن آذيته بما يقذي عينه أو ضررته ببعض الضرر أو أخذت منه ولو حبلا من شعر لا أبرح حتى أستذلك وأقتلك وجميع من معك وأسبي ذراريكم وأغنم أموالكم فاستأمنه عياض فأطلق عبد الرحمن فأراد قتل عياض فمنعه رتبيل ثم سار عبد الرحمن مع رتبيل إلى بلاده فأنزله وأكرمه وعظمه

وكان ناس كثير من المنهزمين من أصحاب عبد الرحمن من الرؤوس والقادة الذين لم يقبلوا أمان الحجاج ونصبوا له العداوة في كل موطن قد تبعوا عبد الرحمن فبلغوا سجستان في نحو ستين ألفا ونزلوا على زرنج يحاصرون من بها وكتبوا إلى عبد الرحمن يستدعونه ويخبرونه أنهم على قصد خراسان ليقووا بمن بها من عشائرهم فأتاهم وكان يصلي بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب إلى أن قدم عبد الرحمن فلما أتت كتبهم عبد الرحمن سار إليهم ففتحوا زرنج وسار نحوهم عمارة بن تميم في أهل الشام فقال لعبد الرحمن أصحابه اخرج بنا عن سجستان إلى خراسان فقال أن بها يزيد بن المهلب وهو رجل شجاع ولا يترك لكم سلطانه ولو دخلنا لقاتلنا وتبعنا أهل الشام فيجتمع علينا أهل خراسان وأهل الشام فقالوا لو دخلنا خراسان لكان من يتبعنا أكثر ممن يقاتلنا فسار معهم حتى بلغوا هراة فهرب من أصحابه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشي في ألفين فقال عبد الرحمن إني كنت في مأمن وملجأ فجاءتني كتبكم أن أقبل فان أمرنا واحد فلعلنا نقاتل عدونا فأتيتكم فرأيتم أن أمضي إلى خراسان وزعمتم أنكم تجتمعون إلي وأنكم لا تتفرقون وهذا عبيد الله قد صنع ما رأيتم فاصنعوا ما بدا لكم أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيت من عنده فتفرق منهم طائفة وبقي معه طائفة وبقي أعظم العسكر مع عبد الرحمن بن العباس فبايعوه ومضى عبد الرحمن بن الأشعث إلى رتبيل وسار عبد الرحمن بن العباس إلى هراة فلقوا بها الرقاد الأزدي فقتلوه فسار إليهم يزيد بن المهلب

وقيل إن عبد الرحمن بن الأشعث لما انهزم من مسكن أتى عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة هراة وأتى عبد الرحمن بن العباس سجستان فاجتمع فل ابن الأشعث فسار إلى خراسان في عشرين ألفا فنزل هراة ولقوا الرقاد فقتلوه فأرسل إليه يزيد بن المهلب قد كان لك في البلاد ممتنع من هو أهون مني شوكة فارتحل إلى بلد ليس لي فيه سلطان فإني أكره قتالك وإن أردت مالا أرسلت إليك فأعاد الجواب أنا ما نزلنا لمحاربة ولا لمقام ولكنا أردنا أن نريح ثم نرحل عنك وليست بنا إلى المال حاجة وأقبل عبد الرحمن بن العباس على الجباية وبلغ ذلك يزيد فقال من أراد أن يريح نفسه ثم يرتحل لم يجب الخراج فسار يزيد نحوه وأعاد مراسلته أنك قد أرحت وسمنت وجبيت الخراج فلك ما جبيت فاخرج عني فإني أكره قتالك فأبى إلا القتال وكاتب جند يزيد يستميلهم ويدعوهم إلى نفسه فعلم يزيد فقال جل الأمر عن العتاب ثم تقدم إليه فقاتله فلم يكن بينهم كثير قتال حتى تفرق أصحابه عبد الرحمن عنه وصبر وصبرت معه طائفة ثم انهزموا وأمر يزيد أصحابه بالكف عن اتباعهم وأخذوا ما كان في عسكرهم وأسروا منهم أسرى وكان من بينهم محمد بن سعد بن أبي وقاص وعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر وعباس بن الأسود بن عوق الزهري والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة وفيروز بن حصين وأبو الفلج مولى عبيد الله بن معمر وسوار بن مروان وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وعبد الله بن فضالة الزهراني الأزدي ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسند ونجدة فلما أراد تسييرهم قال له أخوه حبيب بأي وجه تنظر إلى اليمانية وقد بعثت عبد الرحمن بن طلحة فقال يزيد إنه الحجاج ولا يتعر له قال وطن نفسك على العزل ولا ترسل به قال فإن له عندنا يدا قال وما هي قال ألزم المهلب في مسجد الجماعة بمائة ألف فأداها طلحة عنه فأطلقه يزيد ولم يرسل يزيد أيضا عبد الله بن فضالة لأنه من الأزد وأرسل الباقين فلما قدموا على الحجاج قال لحاجبه إذا دعوتك بسيدهم فأتني بفيروز وكان بواسط القصب قبل أن تبنى مدينة واسط فقال لحاجبه أئتني بسيدهم فقال لفيروز قم فقام فأحضره عنده فقال له الحجاج أبا عثمان ما أخرجك مع هؤلاء فوالله ما لحمك من لحومهم ولا دمك من دمائهم قال فتنة عمت الناس قال اكتب إلي أموالك قال اكتب يا غلام ألف ألف وألفي ألف فذكر مالا كثيرا فقال الحجاج أين هذه الأموال قال عندي قال فأدها قال وأنا آمن على دمي قال والله لتؤدينها ثم لأقتلنك قال ولله لا يجمع بين دمي ومالي فأمر به فنحي

ثم أحضر محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال له يا ظل الشيطان أعضم الناس تيها وكبرا تأبى بيعة يزيد بن معاوية وتتشبه بالحسين وبابن عمر ثم صرت مؤذنا وجعل يضرب رأسه بعود في يده حتى أدماه ثم أمر به فقتل ثم دعا بن موسى فقال يا عبد المرأة يقوم بالعمود على رأسك ابن الحائك يعنى ابن الأشعث وتشرب معه في الحمام فقال أصلح الله الأمير كانت فتنة شملت البر الفاجر فدخلنا فيها فقد أمكنك الله منا فإن عفوت فبجمالك وبفضلك وإن عاقبت ظلمت مذنبين فقال الحجاج أما إنها شملت البر فكذبت ولكنها شملت الفاجر وعوفي منها الأبرار وأما اعترافك فعسى أن ينفعك ورجا له الناس السلامة ثم أمر به فقتل ثم عاد باله لقام بن نعيم فقال أحببت أن ابن الأشعث طلب ما طلب ما الذي أملت أنت معه قال أملت أن يملك فيوليني العراق كما ولاك عبد الملك فأمر به فقتل ثم دعا عبد الله بن عامر فلما أتاه قال له الحجاج لا رأت عينك الجنة إن أفلت فقال جزى الله ابن المهلب خيرا بما صنع قال وما صنع قال

( لأنه كاس في إطلاق أسرته % وقاد نحوك في أغلالها مضرا )

( وقى بقومك ورد الموت أسرته % وكان قومك أدنى عنده خطرا )

فأطرق الحجاج ووقرت في قلبه وقال وما أنت وذاك وأمر به فقتل ولم تزل كلمته في نفس الحجاج حتى عزل يزيد عن خراسان وحبسه ثم أمر لفيروز فعذب وكان يشد عليه القصب الفارسي المشقوق ويجر عليه حتى يجرح به ثم ينضح عليه الخل فلما أحس بالموت قال لصاحب العذاب إن الناس لا يشكون أني قد قتلت ولي ودائع وأموال عند الناس لا تؤدى اليكم فاظهروني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال فأعلم الحجاج فقال أظهره فاخرج إلى باب المدينة فصاح في الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا فيروز بن حصين إن لي عند أقوام مالا فمن كان لي عنده شيء فهو له وهو منه في حل فلا يؤد أحد منهم درهما ليبلغ الشاهد الغائب فأمر به الحجاج فقتل وأمر بقتل عمر بن أبي قرة الكندي وكان شريفا وأمر بإحضار أعشى همدان فقال إيه عدو الله أنشدني قولك بين الأشج وبين قيس قال بل أنشدك ما قلت

لك قال بل أنشدني هذه فأنشده

( أبى الله إلا أن يتمم نوره % ويطفئ نار الفاسقين فتخمدا )

( ويظهر أهل الحق في كل موطن % ويعدل وقع السيف من كان أصيدا )

( وينزل ذلا بالعراق وأهله % كما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا )

( وما أحدثوا من بدعة وعظيمة % من القول لم يصعد إلى الله مصعدا )

( وما نكثوا من بيعة بعد بيعة % إذا ضمنوها اليوم خاسوا بعدها غدا )

( وجبنا حشاه ربهم في قلوبهم % فما يقربون الناس إلا تهددا )

( فلا صدق في قول ولا صبر عندهم % ولكن فخزا فيهم وتزيدا )

( فكيف رأيت الله فرق جمعهم % ومزقهم عرض البلاد وشردا )

( فقتلاهم قتل ضلال وفتنة % وجيشهم أمسى ذليلا مطردا )

( ولما زحفنا لابن يوسف غدوة % وأبرق منه العارضان وأرعدا )

( قطعنا إليه الخندقين وإنما % قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا )

( فكافحنا الحجاج دون صفوفنا % كفاحا ولم يضرب لذلك موعدا )

( بصف كأن الموت في حجزاتهم % إذا ما تجلى بيضه وتوقدا )

( دلفنا إليه في صفوف كأنها % جبال شرورى أو نعاف فسهمدا )

( فما لبث الحجاج أن سل سيفه % علينا فولى جمعنا وتبددا )

( وما زاحف الحجاج إلا رأيته % معانا وملقى للفتوح معودا )

( وإن ابن عباس لفي مرجحنة % أشبهها قطعا من الليل أسودا )

( فما شرعوا رمحا ولا جردوا ظبا % ألا إنما لاقى الجبان مجردا )

( وكرت علينا خيل سفيان كرة % بفرسانها والشمري مقصدا )

( وسفيان يهديها كأن لواءها % من الطعن سند بات بالصبغ مجسدا )

( كهول ومرد من قضاعة حوله % مساعير أبطال إذا النكس عردا )

( إذا قال شدوا شدة حملوا معا % فأنهل خرصان الرماح وأوردا )

( جنود أمير المؤمنين وخيله % وسلطانه أمسى عزيزا مؤيدا )

( ليهن أمير المؤمنين ظهوره % على أمة كانوا سعاة وحسدا )

( تروا يشتكون البغي من أمرائهم % وكانوا هم ابغى البغاة وأعندا )

( وجدنا بني مروان خير أئمة % وأفضل هذا الناس حلما وسؤددا )

( وخير قريش في قريش أرومة % وأكرمهم إلا النبي محمدا )

( إذا ما تدبرنا عواقب أمره % وجدنا أمير المؤمنين مسددا )

( سيغلب قوما حاربوا الله جهرة % وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا )

( كذاك يضل الله من كان قلبه % مريضا ومن والى النفاق وحشدا )

( وقد تركوا الأهلين والمال خلفهم % وبيضا عليهن الجلابيب خردا )

( ينادينهم مستعبرات إليهم % ويذرين دمعا في الخدود وإثمدا )

( أنكثا وعصيانا وغدرا وذلة % أهان الإله من أهان وأبعدا )

( لقد شأم المصرين فرخ محمد % بحق وما لاقى من الطير أسعدا )

( كما شأم الله النجير وأهله % بجد له قد كان أشقى وأنجدا )

فقال أهل الشام أحسن أصلح الله الأمير فقال الحجاج لا لم يحسن إنكم لا تدرون ما أراد بها ثم قال يا عدو الله والله لا نحمدك إنما قلت يا أسفي أن لا يكون ظهر وظفر وتحريضا لأصحابك علينا وليس عن هذا سألناك أنشدنا قولك

( بين الأشج وبين قيس باذخ )

فأنشده فلما قال بخ بخ أي للوالدة وللمولود قال الحجاج والله لا تبخبخ بعدها أبدا فضربت عنقه

قوله في هذه الأبيات ابن عباس هو عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وقد تقدم ذكره وقوله سفيان هو ابن الأبرد الكلبي من قواد العساكر الشامية وقوله فرخ محمد هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وقوله الأشج هو محمد بن الأشعث وقوله بين قيس هو معقل بن قيس الرياحي وهو جد عبد الرحمن بن محمد لأمه وقوله كما شأم الله النجير وأهله بجد له يعني لما ارتد الأشعث بن قيس جد عبد الرحمن بعد وفاة النبي وتبعه كندة فلما حاربهم المسلمين وحصروهم بالنجير أخذوهم وقتلوهم وقد تقدم ذكر ذلك في قتال أهل الردة

قيل وأتي الحجاج بأسيرين فأمر بقتلهما فقال أحدهما إن لي عندك يدا قال وما هي قال ذكر عبد الرحمن يوما أمك بسوء فنهيته قال ومن يعلم ذلك قال هذا الأسير الآخر فسأله الحجاج فصدقه فقال له الحجاج فلم لم تفعل كما فعل قال وينفعني الصدق عندك قال نعم قال منعني البغض لك ولقومك قال خلوا عن هذا لفعله وعن هذا لصدقه

قيل جاء رجل من الأنصار إلى عمر بن عبد العزيز فقال أنا فلان بن فلان قتل جدي يوم بدر وقتل جدي فلان في يوم أحد وجعل يذكر مناقب سلفه فنظر عمر إلى عنبسة بن سعيد بن العاص فقال هذه المناقب والله لا يكون مسكن ويوم الجماجم ويوم راهط وأنشد

( تلك المكارم لا قعبان من لبن % شيبا بماء فعادا بعد أبوالا )

ذكر ما جرى للشعبي مع الحجاج ص 220

لما انهزم أصحاب عبد الرحمن بالجماجم نادى منادي الحجاج من لحق بقتيبة بن مسلم فهو آمن وكان قد ولاه الري وسار إليه فلحق به ناس كثير وكان منهم الشعبي فذكره الحجاج يوما فسأل عنه فقال له يزيد بن أبي مسلم إنه لحق بقتيبة بالري فكتب الحجاج إلى قتيبة يأمره بإرسال الشعبي فأرسله قال الشعبي فلما قدمت على الحجاج لقيت ابن أبي مسلم وكان صديقا لي فاستشرته فقال اعتذر مهما استطعت وأشار بمثل ذلك إخواني ونصحائي فلما دخلت على الحجاج رأيت غير ما ذكروا فسلمت عليه بالإمرة وقلت أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم الله أنه الحق وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق قد والله مردنا عليك وحرضنا وجهدنا فما كنا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إليه أيدينا وإن عفوت عنا فبحلمك وبعد فالحجة لك علينا فقال الحجاج أنت والله أحب إلي قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول ما فعلت ولا شهدت وقد أمنت يا شعبي كيف وجدت الناس بعدنا فقلت أصلح الله الأمير اكتحلت بعدك السهر واستوعرت الجناب واستحلست الخوف وفقدت صالح الإخوان ولم أجد من الأمير خلفا قال انصرف يا شعبي فانصرفت

ذكر خلع عمر بن أبي الصلت بالري وما كان منه ص 220

لما ظفر الحجاج بابن الأشعث لحق خلق كثير من المنهزمين بعمر بن أبي الصلت وكان قد غلب على الري في تلك الفتنة فلما اجتمعوا بالري أرادوا أن يحظوا عند الحجاج بأمر يمحون عن أنفسهم عثرة الجماجم فأشاروا على عمر بخلع الحجاج وقتيبة فامتنع فوضعوا عليه أباه أبا الصلت وكان به بارا فأشار عليه بذلك وألزمه به وقال له يا بني إذا سار هؤلاء تحت لوائك لا أبالي أن تقتل غدا ففعل فلما قارب قتيبة الري بلغه الخبر فاستعد لقتاله فالتقوا وقاتلوا فغدر أصحاب عمر به وأكثرهم من تميم فانهزم ولحق بطبرستان فآواه الأصبهبذ وأكرمه وأحسن اليه فقال عمر لأبيه إنك أمرتني بخلع الحجاج وقتيبة فأطعتك وكان خلاف رأيي فلم أحمد رأيك وقد نزلنا بهذا العلج الأصبهبذ فدعني حتى أثب عليه فاقتله وأجلس على مملكته فقد علمت الأعاجم أني أشرف منه فقال أبوه ما كنت لأفعل هذا الرجل آوانا ونحن خائفون وأكرمنا وأنزلنا فقال عمر أنت أعلم وسترى ودخل قتيبة الري وكتب إلى الحجاج بخبر عمر وانهزامه إلى طبرستان فكتب الحجاج إلى أصبهبذ أن ابعث بهما أو برؤوسهما وإلا فقد برئت منك الذمة فصنع لهم الاصبهبذ طعاما وأحضرهما فقتل عمر وبعث أباه أسيرا وقيل بل قتلهما وبعث برؤوسهما

ذكر بناء مدينة واسط ص 221

وفي هذه السنة بني الحجاج واسطا وكان سبب ذلك أن الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان وعسكر بحمام عمر وكان فتى من أهل الكوفة حديث عهد بعرس فانصرف من العسكر إلى ابنة عمه ليلا فطرق الباب طارق ودقه دقا شديدا فإذا سكران من أهل الشام فقالت للرجل ابنة عمه لقد لقينا من هذا الشامي شرا يفعل بنا كل ليلة ما ترى يريد المكروه وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه فقال لها زوجها ائذني له فأذنت له فقتله زوجها فلما أذن الفجر خرج إلى العسكر وقال لابنة عمه إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين ليأخذوا صاحبهم فإذا أحضروك عند الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه ففعلت فأحضرت عند الحجاج فأخبرته فقال صدقتني وقال للشاميين خذوا صاحبكم لا قود له ولا عقل فإنه قتيل الله إلى النار ثم نادى مناد لا ينزلن أحد على أحد وكان الحجاج قد أنزل أهل الشام على أهل الكوفة فخرج أهل الشام فعسكروا وبعث روادا يرتادون له منزلا وأقبل حتى نزل موضع واسط فإذا راهب قد أقبل على حمار له فلما كان بموضع واسط بال الحمار فنزل الراهب فاحتفر ذلك البول واحتمله ورماه في دجلة والحجاج يراه فقال علي به فأتي به فقال ما حملك على ما صنعته قال نجد في الكتب أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده فاختط الحجاج مدينة واسط وبنى المسجد في ذلك الموضع

ذكر عدة حوادث ص 221

في هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان من المدينة في قول بعضهم واستعمل عليها هشام بن إسماعيل وكان العمال هذه السنة سوى المدينة الذين تقدم ذكرهم في السنة قبلها وكان الحجاج قد سير نساءه وأهله إلى الشام خوفا من عبد الرحمن بن الأشعث وفيهن أخته زينب التي ذكرها النميري في شعره فلما هزم ابن الأشعث أرسل البشير إلى عبد الملك بذلك وكتب كتابا إلى اخته زينب فأخذت الكتاب وهي راكبة فنفرت البغلة من قعقعة الكتاب فسقطت زينب فماتت

وفي هذه السنة توفي وائلة بن الأسقع وهو ابن خمس ومائة سنة وقيل مات سنة خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين سنة وفيها مات زر بن حبيش وعمره مائة واثنتان وعشرون سنة وأبو وائل شقيق بن سلمة الأزدي الكوفي وكان مولده سنة إحدى من الهجرة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.