الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
17

ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين

الجزء الرابع 6 عنصر صفحة 201
ذكر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث ص 201

قيل في المحرم من هذه السنة اقتتل عسكر الحجاج وعسكر عبد الرحمن بن الأشعث قتالا شديدا فتزاحفوا في المحرم عدة دفعات فلما كان ذات يوم في آخر المحرم اشتد قتالهم فانهزم أصحاب الحجاج حتى انتهوا إليه وقاتلوا على خنادقهم ثم إنهم تزاحفوا آخر يوم من المحرم فجال أصحاب الحجاج وتقوص صفهم فجثى الحجاج على ركبتيه وقال لله در مصعب ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل وعزم على أنه لا يفر فحمل سفيان بن الأبرد الكلبي على الميمنة التي لعبد الرحمن فهزمها وانهزم أهل العراق وأقبلوا نحو الكوفة مع عبد الرحمن وقتل منهم خلق كثير منهم عقبة بن عبد الغافر الأزدي وجماعة من القراء قتلوا ربضة واحدة معه ولما بلغ عبد الرحمن الكوفة تبعه أهل القوة وأصحاب الخيل من أهل البصرة واجتمع من بقي في البصرة مع عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب فبابعوه فقاتل بهم الحجاج خمس ليال أشد قتال رآه الناس ثم انصرف فلحق بابن الأشعث وتبعه طائفة من أهل البصرة وقتل منهم طفيل بن عامر بن واثلة فقال أبوه يرثيه وهو من الصحابة

( خلى طفيل علي الهم فانشعبا % وهد ذلك ركني هدة عجبا )

( مهما نسيت فلا أنساه إذ حدقت % به الأسنة مقتولا ومنسلبا )

( وأخطأتني المنايا لا تطالعني % حتى كبرت ولم يتركن لي نسبا )

( وكنت بعد طفيل كالتي نضبت % عنها السيول وغاض الماء انصببا )

وهي أبيات عدة وهذه الوقعة تسمى يوم الزاوية فأقام الحجاج أول صفر واستعمل على البصرة الحكم بن أيوب الثقفي وسار عبد الرحمن إلى الكوفة وقد كان الحجاج استعمل عليها عند مسيره إلى البصرة عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي حليف بني أمية فقصده مطر بن ناجية اليربوعي فتحصن منه ابن الحضرمي في القصر ووثب أهل الكوفة مع مطر فأخرج ابن الحضرمي ومن معه من أهل الشام وكانوا أربعة آلاف واستولى مطر على القصر واجتمع الناس وفرق فيهم مائتي درهم مائتي درهم فلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة كان مطر بالقصر فخرج أهل الكوفة يستقبلونه ودخل الكوفة وقد سبق عليه همدان فكانوا حوله فأتى القصر فمنعه مطر بن ناجية ومعه جماعة من بني تميم فأصعد عبد الرحمن الناس في السلاليم إلى القصر فأخذوه فأتي عبد الرحمن بمطر بن ناجية فحبسه ثم أطلقه وصار معه فلما استقر عبد الرحمن بالكوفة اجتمع إليه الناس وقصده أهل البصرة منهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي بعد قتاله الحجاج بالبصرة وقتل الحجاج يوم الزاوية بعد الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بالأمان وأمر مناديا فنادى لا أمان لفلان بن فلان فسمى رجالا فقال العامة قد أمن الناس فحضروا عنده فأمر بهم فقتلوا

ذكر وقعة دير الجماجم ص 202

وكانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة وقيل كانت سنة ثلاث وثمانين وكان سببها أن الحجاج سار من البصرة إلى الكوفة لقتال عبد الرحمن بن محمد فنزل دير قرة وخرج عبد الرحمن من الكوفة فنزل دير الجماجم فقال الحجاج إن عبد الرحمن نزل دير الجماجم ونزلت دير القرة أما تزجر الطير واجتمع إلى عبد الرحمن أهل الكوفة وأهل البصرة والقراء وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم فاجتمعوا على حرب الحجاج لبغضه وكانوا مائة ألف ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم وجاءت الحجاج أيضا أمداد من الشام قبل نزوله بدير قرة وخندق كل منهما على نفسه فكان الناس يقتتلون كل يوم ولا يزال أحدهما بدني خندقه من الآخر ثم إن عبد الملك وأهل الشام قالوا إن كان يرضى أهل العراق بنزع الحجاج عنهم نزعناه فإن عزله أيسر من حربهم ونحقن بذلك الدماء فبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان وكان محمد بأرض الموصل إلى الحجاج في جند كثيف وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق عزل الحجاج وأن يجريا عليهم أعطياتهم كما يجرى على أهل الشام وأن ينزل عبد الرحمن بن محمد أي بلد شاء من بلد العراق فإذا نزله كان واليا عليه ما دام حيا وعبد الملك خليفة فإن أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج عنها وصار محمد بن مروان أمير العراق وإن أبى أهل العراق قبول ذلك فالحجاج أمير الجماعة ووالي القتال ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته ولم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أوجع لقبله من ذلك فخاف أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنها

فكتب إلى عبد الملك والله لو أعطيت أهل العراق نزعي لم يلبثوا إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك ولا يزيدهم ذلك إلا جراءة عليك ألم تر ويبلغك وثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفان وسؤالهم نزع سعيد بن العاص فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إلى عثمان فقتلوه وإن الحديد بالحديد يفلح فأبى عبد الملك إلا عرض عزله على أهل العراق فلما اجتمع عبد الله ومحمد مع الحجاج خرج عبد الله بن عبد الملك وقال يا أهل العراق أنا ابن أمير المؤمنين وهو يعرض عليكم كذا وكذا فذكر هذه الخصال فقالوا نرجع العشية فرجعوا واجتمع أهل العراق عند ابن الأشعث فقال لهم قد أعطيتم أمر انتهازكم اليوم إياه فرصة وإنكم اليوم على النصف فإن كانوا اعتدوا عليكم بيوم الزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء لقوم هم لكم هائبون وأنتم لهم منتقضون فوالله لا زلتم عليهم جرآء وعندهم أعزاء أبدا ما بقيتم ان أنتم قبلتم فوثب الناس من كل جانب فقالوا إن الله قد أهلكهم فأصبحوا في الضنك والمجاعة والقلة والذلة ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرخيص والمادة القريبة لا والله لا نقبل وأعادوا خلعه ثانية وكان أول العدد الكثير والسعر الرخيص والمادة القريبة والمادة القريبة لا والله لا نقبل وأعادوا خلعه ثانية وكان أول من قام بخلعه بدير الجماجم عبد الله بن ذؤاب السلمي وعمير بن تيجان وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارس فقال عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان للحجاج شأنك بعسكرك وجندك واعمل برأيك فإنا قد أمرنا ان نسمع لك ونطيع فقال قد قلت انه لا يراد بهذا الأمر غيركم فكانا يسلمان عليه بالأمرة ويسلم عليها بالأمرة فلما اجتمع أهل العراق بالجماجم على خلع عبد الملك قال عبد الرحمن إلا إن بني مروان يعيرون بالزرقاء والله ما لهم نسب أصح منه إلا أن بني العاص أعلاج من أهل صفورية فإن يكن هذا الأمر من قريش فمني تقويت بيضة قريش وإن يك في العرب فأنا ابن الأشعث ومد بها صوته يسمع الناس وبرزوا للقتال فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي وعلى خيله سفيان بن الأبرد الكلبي وعلى رجاله عبد الله بن خبيب الحكمي وجعل عبد الرحمن بن محمد على ميمنه الحجاج بن حارث الخثعمي وعلى ميسرته الأبر بن قرة التميمي وعلى خيله عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبي وقاص وعلى مجنبته عبد الله بن رزام الحارثي وجعل على القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي وفيهم سعيد بن جبير وعامر الشعبي وأبو البختري الطائي عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم أخذوا يتزاحفون كل يوم ويقتتلون وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة وسوادها وهم في خصب وأهل الشام في ضنك قد غلت عليهم الأسعار وفقد عندهم اللحم كأنهم في حصار وهم على ذلك يغادون القتال ويراوحون فلما كان اليوم الذي قتل فيه جبلة بن زحر بن قيس وكانت كتيبته تدعى القراء تحمل عليهم فلا يبرحون وكانوا قد عرفوا بذلك وكان فيهم كميل بن زياد وكان رجلا ركينا فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون وعبئ الحجاج صفوفه وعبئ عبد الرحمن أصحابه وعبئ الحجاج لكتيبة القراء ثلاث كتائب وبعث عليها الخراج بن عبد الله الحكمي فأقبلوا نحوهم فحملوا على القراء ثلاث حملات كل كتيبة تحمل حملة فلم يبرحوا وصبروا

ذكر وفاة المغيرة بن المهلب ص 205

وفي هذه السنة مات المغيرة بن المهلب بخراسان وكان قد استخلفه أبوه المهلب على عمله بخراسان فمات في رجب سنة اثنتين وثمانين فأتى الخبر يزيد بن المهلب وأهل العسكر فلم يخبروا المهلب فأمر يزيد النساء فصرخن فقال المهلب ما هذا فقيل مات المغيرة فاسترجع وجزع حتى ظهر جزعه فلامه بعض خاصته ثم دعا يزيد ووجهه إلى مرو ووصاه بما يعمل وأن دموعه تنحدر على لحيته فكان المهلب مقيما بكش بما وراء النهر يحارب أهلها فسار يزيد في ستين فارسا ويقال سبعين فلقيهم خمسمائة من الترك في مفازة بست فقالوا ما أنتم قالوا تجار قالوا فأعطونا شيئا فأبى يزيد فأعطاهم مجاعة بن عبد الرحمن العتكي ثوبا وكرابيس وقوسا فانصرفوا ثم غدروا إليهم فقاتلوهم فاشتد القتال بينهم ومع يزيد رجل من الخوارج كان قد أخذه فقال استبقني فاستبقاه فحمل الخارجي عليهم حتى يخالطهم وصار من ورائهم وقتل رجلا ثم كر حتى خالطهم وقتل رجلا ورجع إلى يزيد وقتل يزيد عظيما من عظمائهم ورمي يزيد في ساقه فاشتدت شوكتهم وصبر يزيد ننصرف حتى نموت حتى جاوزهم ننصرف حتى نموت أو تموتوا أو تعطونا شيئا فلم يعطهم يزيد شيئا فقال مجاعة أذكرك الله قد هلك المغيرة فانشدك الله أن تهلك فتجتمع على المهلب المصيبة فقال إن المغيرة لم يعد أجله ولست أعدو أجلي فرمى إليهم مجاعة بعمامة صفراء فأخذوها فانصرفوا

ذكر صلح المهلب أهل كش ص 205

وفي هذه السنة صالح المهلب أهل كش وكان سبب ذلك أنه اتهم قوما من مضر فحبسهم وصالح وقفل وخلف حريث بن قطبة مولى خزاعة وقال إذا استوفيت الفدية فرد عليهم الرهن وسار المهلب فلما صار ببلخ إلى حريث إني لست آمن إن رددت عليهم الرهن أن يغيروا عليك فإذا قبضت الفدية فلا تخل الرهن حتى تقدم أرض بلخ فقال حريث لملك كش إن المهلب كتب إلى كذا وكذا فإن عجلت الفدية سلمت إليك الرهن وسرت وأخبرته أن كتابه ورد وقد استوفيتها منكم ورددت عليكم الرهن فعجل ملك كش وأخذ الرهن ورجع حريث فعرض لهم الترك فقالوا له إفد نفسك ومن معك فقد لقينا يزيد بن المهلب ففدى نفسه فقال حريث ولدتني إذا أم يزيد وقاتلهم فقتلهم وأسر منهم أسرى ففدوهم فأطلقهم ورد عليهم الفداء وبلغ المهلب قوله فقال يأنف العبد أن تلده أم يزيد فغضب فلما قدم عليه بلخ قال أين الرهن قال خليتهم قبل وصول كتابك وقد كفيت ما خفت قال كذبت ولكنك تقربت إليهم وأمر بتجريده فجزع من ذلك حتى ظن المهلب أن به مرضا فجرده وضربه ثلاثين سوطا فقال حريث وددت أنه ضربني ثلاثمائة ولم يجردني أنفة وحياء وحلف ليقتلن المهلب فركب يوما مع المهلب فأمر غلامين له أن يضربا المهلب فلم يفعلا وقالا نخاف عليك أن تقتل وترك حريث إتيان المهلب فأرسل إليه أخاه ثابت بن قطبة ليأتيه به وقال له إنك كبعض ولدي أدبه كبعضهم فأتى ثابت أخاه وسأله أن يركب إلى المهلب فلم يفعل وحلف ليقتلنه فقال ثابت إن كان هذا رأيك فاخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم وخاف ثابت أن يقتل حريث المهلب فيقتلون جميعا فخرجا في ثلاثمائة من أصحابهما المنقطعين إليهما

ذكر وفاة المهلب بن أبي صفرة وولاية ابنه يزيد خراسان ص 206

لما صالح المهلب أهل كش رجع يريد مرو فلما كان بمرو الروذ أخذته الشوصة وقيل الشوكة فمات منها وأوصى إلى ابنه حبيب فصلى عليه وقال لهم قد استخلف عليكم يزيد فلا تخالفوه فقال له ابنه المفضل لو لم تقدمه لقدمناه وأحضر ولده فوصاهم وأحضر سهاما فحزمت فقال أتكسرونها مجتمعة قالوا لا قال أفتكسرونها متفرقة قالوا نعم قال فهكذا الجماعة ثم قال أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم فإنها تنسئ في الأجل وتثري المال وتكثر العدد وأنهاكم عن القطيعة فإنها تعقب النار والقلة والذلة وعليكم بالطاعة والجماعة وليكن فعالكم أفضل من مقالكم واتقوا الجواب وزلة اللسان فإن الرحل تزل قدمه منها ويزل لسانه فيهلك اعرفوا لمن يغشاكم حقه فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له وآثروا الجود على البخل وأحيوا العرف واصنعوا المعروف فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك فكيف بالصنيعة عنده عليكم في الحرب بالتؤدة والمكيدة فإنها أنفع من الشجاعة وإذا كان اللقاء نزل القضاء فإن أخذ الرجل بالحزم فظفر فحمد وإن لم يظفر قبل ما فرط ولا ضيع ولكن القضاء غالب وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وأدب الصالحين وإياكم وكثرة الكلام في مجالسكم ثم مات رحمه الله فقال نهار بن توسعة التيمي برثيه

( ألا ذهب المعروق والعز والغنى % ومات الندى والجود بعد المهلب )

( أقام بمرو الرذ رهن ضريحه % وقد غاب عنه كل شرق ومغرب )

( إذا قيل أي الناس أولى بنعمة % على الناس قلنا هو ولم نتهيب )

فلما توفي كتب ابنه يزيد إلى الحجاج يعلمه بوفاته فأقر يزيد على خراسان

ذكر عدة حوادث ص 207

وفي هذه السنة عزل عبد الملك أبان بن عثمان من المدينة في جمادى الآخرة واستعمل عليهما هشام بن إسماعيل المخزومي فعزل هشام نوفل بن مساحق عن قضاء المدينة وولى على القضاء عمرو بن خالد الزرقي

وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فهزموهم ثم سألوه الصلح فصالحهم وولى عليهم أبا شيخ بن عبد الله فغدروا به فقتلوه وقيل بل قتلوه سنة ثلاث وثمانين وفيها قتل عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي بدجيل وفيها مات أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي وعطاء بن عبد الله السليمي العابد السليمي بفتح السين المهملة وكسر اللام وفيها مات زاذان وأبو وائل وعمر بن عبيد الله بن معمر التيمي وعمره ستون سنة وفيها مات أبو إمامة الباهلي وقيل سنة إحدى وتسعين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.