ذكر خروج صالح بن مسرح
ص 150
كان صالح بن مسرح التميمي رجلا ناسكا مصفر الوجه صاحب عبادة وكان بدارا وأرض الموصل والجزيرة وله أصحاب يقرأ لهم القرآن والفقه ويقص عليهم فدعاهم إلى الخروج وإنكار الظلم وجهاد المخالفين لهم فأجابوه وحثهم عليهم فراسل أصحابه بذلك وتلاقوا به فبيناهم في ذلك إذ قدم عليه كتاب شبيب يقول له إنك كنت تريد الخروج فإن كان ذلك من شأنك اليوم فأنت شيخ المسلمين ولن نعدل بك أحدا وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمني فإن الآجال غادية ورائحة ولا آمن أن تختر مني المنية ولم أجاهد الظالمين فكتب اليه صالح انه لم يمنعني من الخروج إلا انتظارك فأقبل إلينا فإنك ممي لا يستغنى عن رأيه ولا تقضى دونه الأمور فلما قرأ شبيب كتابه دعا نفرا من أصحابه منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نعيم الشيباني والمحلل بن وائل اليشكري وغيرهما وخرج بهم حتى قدم على صالح بدارا فلما لقيه قال اخرج بنا رحمك الله فوالله ما تزداد السنة إلا دروسا ولا يزداد المجرمون إلا طغيانا فبث صالح رسله وواعد أصحابه بالخروج إلى ذلك هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست وسبعين فاجتمعوا عنده تلك الليلة فسأله بعضهم عن القتال قبل الدعاء أم بعده فقال بل ندعوهم فإنه اقطع لحجتهم فقال له كيف ترى فيمن قالتلنا فظفرنا به ما تقول في دمائهم وأموالهم فقال لهم إن قتلنا وغنمنا فلنا وإن عفونا فموسع علينا ثم وعظ أصحابه وأمرهم بأمره وقال لهم إن أكثركم رجالة وهذه دواب لمحمد بن مروان فابدؤوا بها فاحملوا عليها رجالكم وتقووا بها على عدوكم فخرجوا تلك الليلة فأخذوا الدواب فاحتملوا عليهما وأقاموا بأرض دار ثلاث عشرة ليلة وتحصن منهم أهلها وأهل نصيبين وسنجار وكان خروجه وهي في مائة وعشرين وقيل وعشرة وبلغ محمدا مخرجهم وهو أمير الجزيرة فأرسل عدي بن عدي الكندي إليهم في ألف فارس فسار من حران فنزل دوغان وكانو أول جيش سار إلى صالح وسار عدي وكأنه يساق إلى الموت وأرسل إلى صالح يسأله أن يخرج من هذه البلاد ويعلمه أنه يكره قتاله وكان عدي ناسكا فأعاد صالح إن كنت ترى رأينا خرجنا عنك وإلا فنرى رأينا فأرسل إليه عدي إني لا أرى رأيك ولكني أكره قتالك وقتال غيرك فقال صالح لأصحابه اركبوا فركبوا وحبس الرسول عنده ومضى بأصحابه فأتى عديا وهو يصلي الضحى فلم يشعروا إلا والخيل طالعة عليهم فما رأوها تنادوا وجعل صالح شبيبا في ميمنته وسويد بن سليم في ميسرته ووقف في القلب فأتاهم وهم على غير تعبية وبعضهم يجول في بعض فحمل عليهم شبيب وسويد فانهزموا وأتى عدي بن عدي بدابته فركبها وانهزم
وجاء صالح ونزل في معسكره وأخذوا ما فيه ودخل أصحاب عدي على محمد بن مروان فغضب على عدي ثم دعا خالد بن جزء السلمي فبعثه في ألف وخمسمائة ودعا الحرث بن جعونة العامري فبعثه في ألف وخمسمائة وقال اخرجا إلى هذه المارقة وأغذا السير فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه فخرجا متساندين يسألان عن صالح فقيل لهما إنه نحو آمد فقصداه فوجه صالح شبيبا في شطر من أصحابه إلى الحرث بن جعونة وتوجه هو نحو خالد فاقتتلوا من وقت العصر أشد قتال فلم تثبت خيل محمد لخيل صالح فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا وترجل معهما أكثر أصحابهما فلم يقدر أصحاب صالح حينئذ عليهم وكانوا إذا حملوا استقبلتهم الرجالة بالرماح ورماهم الرماة بالنبل وطاردهم خيالتهم فقاتلوهم إلى المساء فكثرت الجراح في الفريقين وقتل من أصحاب صالح نحو ثلاثين رجلا ومن أصحاب محمد أكثر من سبعين فلما أمسوا تراجعوا فاستشار صالح أصحابه فقال شبيب إن القوم قد اعتصموا بخندقهم فلا أرى أن نقيم عليهم فقال صالح وأنا أرى ذلك فخرجوا من ليلتهم سائرين فقطعوا أرض الجزيرة وأرض الموصل وانتهوا إلى الدسكرة فلما بلغ ذلك الحجاج سرح إليهم الحرث بن عميرة بن ذي العشار في ثلاثة آلاف من أهل الكوفة فسار حتى دنا من الدسكرة وخرج صالح بن مسرح حتى أتى قرية يقال لها مدبج على تخوم ما بين الموصل وجوخى وصالح في تسعين رجلا فلقيهم الحرث لثلاث عشرة بقين من جمادى فاقتتلوا فانهزم سويد بن سليم في ميسرة صالح وثبت صالح فقتل وقاتل شبيب حتى صرع عن فرسه فحمل عليهم راجلا فانكشفوا عنه فجاء إلى موقف صالح فأصابه قتيلا فنادى إلى يا معشر المسلمين فلاذوا به فقال لأصحابه ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه حتى يدخل هذا الحصين ونرى رأينا ففعلوا ذلك ودخلوا الحصين جميعهم وهم سبعون رجلا وأحاط بهم الحرث وأحرق عليهم الباب وقال إنهم لا يقدرون على الخروج منه مسرح بضم الميم وفتح السين المهمله وتشديد الراء وكسرها وبالحاء المهمله وجعونة بفتح الجيم وسكون العين المهملة وفتح الواو وآخره نون
ذكر بيعة شبيب الخارجي ومحاربة الحرث بن عميرة
ص 152
فلما أحرق الحرث الباب على شبيب ومن معه وقال إنهم لا يقدرون على الخروج منه ونصبحهم غدا فنقتلهم وانصرف إلى عسكره قال شبيب لأصحابه ما تنتظرون فوالله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم فقالوا مرنا بأمرك فقال بايعوني أو من شئتم من أصحابكم واخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم فإنهم آمنون فبايعوا شبيبا وهو شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني وأتوا باللبود فبلوها وجعلوها على جمر الباب وخرجوا فلم يشعر الحرث إلا و شبيب وأصحابه يضاربونهم بالسيوف في جوف العسكر فصرع الحرث فاحتمله أصحابه وانهزموا نحو المدائن وحوى شبيب عسكرهم وكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب
ذكر الحرب بين أصحاب شبيب وغيره
ص 152
ثم إن شبيبا لقي سلامة بن سنان التيمي تيم شيبان بأرض الموصل فدعاه إلى الخروج معه فشرط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارسا ينطلق بهم نحو عنزة فيشفي نفسه منهم فإنهم كانوا قتلوا أخاه فضالة وذلك أن فضاله كان خرج في ثماينة عشر رجلا حتى نزل ماء يقال له الشجرة عليه أثلة عظيمة وعليه عنزة نازلون فلما رأوه قالوا نقتل هؤلاء ونغدو على أميرنا فيعطينا شيئا فقال أخواله من بني نصر لا نساعدكم على قتل ابن أختنا فنهضت عنزة فقتلوهم وأتوا برؤوسهم عبد الملك بن مروان فلذلك أنزلهم يانقيا وفرض لهم ولم يكن لهم قبل ذلك فرائض إلا قليلة فقال سلامة أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان أخواله إياه
( وما خلت أخوال الفتى يسلمونه % لوقع السلاح قبل ما فعلت نصر )
وكان خروج فضالة قبل خروج صالح فأجابه شبيب فخرج حتى انتهى إلى عنزة فجعل يقتل محلة بعد محلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيهم خالته قد أكبت على ابن له وهو غلام حين احتلم فأخرجت ثديها وقالت أنشدك برحم هذا يا سلامة فقال والله ما رأيت فضالة مذ أناخ بأصل الشجرة يعني أخاه لتقومن عنه أو لأجمعنكما بالرمح فقامت عنه فقتله
ذكر مسير شبيب إلى بني شيبان وإيقاعه بهم
ص 153
ثم أقبل شبيب في خيله نحو راذان فهرب منه طائفة من بني شيبان ومعهم ناس من غيرهم قليل حتى نزلوا ديرا خربا إلى جنب حولايا وهم نحو ثلاثة آلاف وشبيب في نحو سبعين رجلا أو يزيدون قليلا فنزل بهم فتحصنوا منه ثم إن شبيبا سرى في اثني عشر رجلا إلى أمه وكانت في سفح جبل ساتيدما فقال لآتين بها تكون في عسكري لا تفارقني حتى تموت أو أموت فسار بهم ساعة وإذا هو بجماعة من بني شيبان في أموالهم مقيمين لا يرون أن شبيبا يمر بهم ولايشعر بهم فحمل عليهم فقتل ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد ومضى شبيب إلى أمه فحملها أشرف رجل من الدير على أصحاب شبيب وكان قد استخلف شبيب عليهم أخاه مصاد بن يزيد وهم قد حصروا من في الدير فقال يا قوم بيننا وبينكم القرآن قال الله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه فكفوا عنا حتى نخرج اليكم على أمان وتعرضوا علينا أمركم فإن قبلناه حرمت عليكم دماؤنا وأموالنا وإن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا ثم رأيتم رأيكم فأجابوهم فخرجوا إليهم فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم فقبلوه كله ثم خالطوه ونزلوا اليهم وجاء شبيب فاخبروه بذلك فقال أصبتم ووفقتم
ذكر الوقعة بين شبيب وسفيان الخثعمي
ص 154
ثم إن شبيبا ارتحل فخرج معه طائفة وأقامت طائفة وسار شبيب في أرض الموصل نحو أذربيجان وكتب الحجاج إلى سفيان بن أبي العالية الخثعمي يأمره بالقفول وكان معه ألف فارس يريد أن يدخل بها طبرستان فلما أتاه كتاب الحجاج صالح صاحب طبرستان ورجع فأمره الحجاج بنزول الدسكرة حتى يأتيه جيش الحرث بن عميرة الهمذاني وهو الذي قتل صالحا وحتى تأتيه خيل المناظر ثم يسير إلى شبيب فأقام بالدسكرة ونودي في جيش الحرث الحرب بالكوفة والمدائن فخرجوا حتى أتوا سفيان وأتته خيل المناظر عليهم سورة بن الحر التميمي فكتب إليه سورة بالتوقف حتى يلحقه فعجل سفيان في طلب شبيب فلحقه بخانقين وارتفع شبيب عنهم حتى كأنه يكره قتالهم وأكمن أخاه مصادا في هزم من الأرض في خمسين رجلا فارسا ومضى في سفح الجبل فقالوا هرب عدو الله فاتبعوه فقال لهم عدي بن عميرة الشيباني لا تعدلوا حتى نبصر الأرض لئلا يكون قد أكمن فيها كمينا فلم يلتفتوا فاتبعوه فلما جازوا الكمين رجع عليهم شبيب وخرج أخوه في الكمين فانهزم الناس بغير قتال وثبت سفيان في نحو من مائتي رجل فقاتلهم قتالا شديدا وحمل سويد بن سليم على سفيان فطاعنه ثم تضاربا بالسيوف واعتنق كل واحد منهما صاحبة فوقعا إلى الأرض ثم تحاجزا وحمل عليهم شبيب فانكشفوا وأتى سفيان غرم له فنزل عن دابته وأركبه وقاتل دونه فقتل الغلام ونجا سفيان حتى انتهى إلى بابل مهروذ وكتب إلى الحجاج بالخبر ويعرفه وصول الجند إلا سورة بن الحر فإنه لم يشهد معي القتال فلما قرأ الحجاج الكتاب أثنى عليه
ذكر الوقعة بين شبيب وسورة بن الحر
ص 154
فلما وصل كتاب سفيان إلى الحجاج كتب إلى سورة بن الحر يلومه ويتهدده ويأمره أن ينتخب من المدائن خمسمائة فارس ويسير بهم وبمن معه إلى شبيب ففعل ذلك سورة وسار نحو شبيب وشبيب يجول في جوخى وسورة في طلبه حتى انتهى إلى المدائن فتحصنوا منه وأخذ منها دواب وقتل من ظهر له فأتى فقيل له هذا سورة قد أقبل فخرج حتى أتى النهروان فصلوا وترحموا على أصحابهم الذين قتلهم علي وتبرؤوا من علي وأصحابه وأخبرت سورة عيونه بمنزلة شبيب فدعا أصحابه فقال إن شبيبا لا يزيد على مائة رجل وقد رأيت أن أنتخبكم فأسير في ثلاثمائة رجل من شجعانكم فآتيه وهو آمن بياتكم فإني أرجوا من الله أن يصرعهم فاجابوه إلى ذلك فانتخب ثلاثمائة وسار بهم نحو النهروان وبات شبيب وقد أذكى الحرس فلما دنا أصحاب سورة علموا بهم فاستووا على خيولهم وتعبوا تعبيتهم للحرب فلما انتهى إليهم سورة رآهم قد حذروا فحمل عليهم فثبتوا له وضاربوهم وصاح شبيب باصحابه فحملوا عليهم حتى تركوا العرضة وشبيب يقول
( من ينك العير ينك نياكا % جندلتان اصطكتا اصطكاكا )
فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة فتمل بهم وأقبل نحو المدائن واتبعه شبيب يرجو أن يدركه فيصيب عسكره فوصل إليهم وقد دخل الناس المدائن وخرج ابن أبي العصيفر أمير المدائن في أهل المدائن فرموا أصحاب شبيب بالنبل والحجارة فارتفع شبيب عن المدائي فمر على كلواذى فأصاب بها دواب كثيرة للحجاج فأخذها ومضى إلى تكريب وأرجف الناس بالمدائن بوصول شبيب إليهم فهرب من بها من الجند نحو الكوفة وكان شبيب بتكريت ولام الحجاج سورة وحبسه ثم أطلقه
ذكر الحرب بين شبيب والجزل بن سعيد وقتل سعيد بن مجالد
ص 155
فلماقدم الفل الكوفة سير الحجاج الجزل بن سعيد بن شرحبيل الكندي واسمه عثمان نحوشبيب وأوصاه بالاحتياط وترك العجلة فقال له لاتعبث معي من الجند المهزوم أحدا فإنهم قد دخلهم الرعب ولا ينتفع بهم المسلمون قال قد أحسنت فاخرج معه أربعة آلاف معه فقدم الجزل بين يديه عياض بن أبي لبنة الكندي فساروا في طلب شبيب وجعل شبيب يريد الهيبة له فخرج من رستاق إلى رستاق ولا يقيم إرادة أن يفرق الجزل أصحابه فيلقاة وهو على غير تعبيه فجعل الجزال لا يسير إلا على تعبيه ولا ينزل إلا خندق على نفسه فلما طال ذلك على شبيب دعا أصحابه وكانوا مائه وستين رجلا ففرقهم أربع فرق على كل أربعين رجلا من أصحابه فجعل أخاه مصادا في أربعين وسويد بن سليم في أربعين والمحلل بن وائل في أربعين وبقي هو في أربعين وأتته عيونه فأخبروه ان الجزل بدير يزدجرد فأمر شبيب أصحابه فعلقوا على دوابهم ثم سار بهم وأمر كل رأس من أصحابه أن يأتي الجزل من جهة ذكرها له وقال إني أريد أن أبيته وأمرهم بالجد في القتال فسار أخوه فانتهى إلى دير الخرارة فرأى للجزل مسلحة مع ابن أبي لبنة فحمل عليهم مصاد في أربعين رجلا فقاتلوه ساعة ثم اندفعوا بين يديه وقد أدركهم شبيب فقال اركبوا أكتافهم لتدخلوا عليهم عسكرهم ان استطعتم واتبعوهم ملحين فانتهوا إلى عسكرهم فمنعهم أصحابه من دخول خندقهم وكان للجزل مسالخ أخرى فرجعت فمنعتهم من دخول الخندق وقال انضحوا عنكم النبل جعل شبيب يحمل على المسالح حتى اضطرهم إلى الخندق ورشقهم أهل العسكر بالنبل فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليه قال لأصحابه سيروا ودعوهم فمضى على الطريق ثم نزل هو وأصحابه فاستراحوا ثم أقبل بهم راجعا إلى الجزل أيضا على التعبية الأولى وقال أطيفوا بعسكرهم فأقبلوا وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم وقد أمنوا فما شعروا إلا بوقع حوافر الخيل فانتهوا إليهم قبل الصبح وأحاطوا بعسكرهم من جهاته الأربع فقاتلوهم
ثم إن شبيبا أرسل إلى أخيه مصاد وهو يقاتلهم من نحو الكوفة أن أقبل إلينا وخل لهم الطريق ففعل وقاتلوهم من الوجوه الثلاثة حتى أصبحوا فسار شبيب وتركهم ولم يظفر بهم فنزل على ميل ونصف ثم صلى الغداة ثم سار إلى جرجرايا وأقبل الجزل في طلبهم على تعبية ولا ينزل إلا في خندق وسار شبيب في أرض جوخى وغيرها يكسر الخراج فطال ذلك على الحجاج فكتب إلى الجزل يبكر عليه ابطاءه ويأمره بمنهاضتهم فجد في طلبهم وبعث الحجاج سعيد بن مجالد على جيش الجزل وأمره بالجد في قتال شبيب وترك المطاولة فوصل سعيد إلى الجزل وهو بالنهروان قد خندق عليه وقام في العسكر ووبخهم وعجزهم ثم خرج وأخرج معه الناس وضم إليه خيول أهل العسكر ليسير بهم جريدة إلى شبيب ويترك الباقين مكانهم فقال له الجزل ما تريد أن تصنع قال أقدم على شبيب في هذه الخيل فقال له الجزل أقم أنت في جماعة الناس فارسهم وراجلهم وابرز لهم فوالله ليقدمن عليك ولا تغرق أصحابك فقال قف أنت في الصف فقال الجزل يا سعيد ليس لي فيما صنعت رأي أنا بريء منه ووقف الجزل فصف أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق وتقدم سعيد بن مجالد ومعه الناس وقد أخذ شبيب إلى قطيطيا فدخلها وأمر دهقانا أن يصلح لهم غداء ففعل وأغلق الباب فلم يفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد في ذلك العسكر فأقبل الدهقان فأعلم شبيبا بهم فقال لا بأس قرب الغداء فقربه فأكل وتوضأ وصلى ركعتين وركب بغلا له وخرج عليه وسعيد على باب المدينة فحمل عليهم فقال لا حكم إلا للحكم أنا أبو بدلة اثبتوا إن شئتم وجعل سعيد يقول هؤلاء إنما هم أكلة رأس وجعل يجمع خيله ويرسلها في أثر شبيب فلما رأى شبيب تفرقهم جمع أصحابه وقال استعرضوهم فوالله لأقتلن أميرهم أو ليقتلني وحمل عليهم مستعرضا فهزمهم وثبت سعيد ونادى أصحابه فحمل عليه شبيب فضربه بالسيف فقتله وانهزم ذلك الجيش وقفلوا حتى انتهوا إلى الجزل فناداهم أيها الناس إلي إلي وقاتل قتالا شديدا حتى حمل من بين القتلى جريحا وقدم المنهزمون الكوفة وكتب الجزل إلى الحجاج بالخبر ويخبره بقتل سعبيد وأقام بالمدائن وكتب اليه الحجاج يثني عليه ويشكره وأرسل إليه حيان بن أبجر ليداوي جراحته وألفي درهم ليفقها وبعث اليه عبد الله بن عصيفر بألف درهم فكان يعوده ويتعاهده بالهدية وسار شبيب نحو المدائن فعلم أنه لا سبيل إلى أهلها معه المدافعة فاقبل حتى انتهى إلى الكرخ فعبر دجلة إليها فارسل إلى سوق بغداد فأمنهم وكان يوم سوقهم وبلغه أنهم يخافونه واشترى أصحابه دواب وأشياء يريدونها
ذكر مسير شبيب إلى الكوفة
ص 158
ثم سار شبيب إلى الكوفة فنزل عند حمام عمير بن سعد فلما بلغ الحجاج مكانه بعث سويد بن عبد الرحمن السعدي في ألفي رجل إليه وقال له إلق شبيبا فإن استطرد لك فلا تتبعه فخرج وعسكر بالسبخة فبلغه أن شبيبا قد أقبل فسار نحوه فكأنما يساقون إلى الموت فأمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس في السبخة وسار سويد إلى زرارة فهو يعبئ أصحابه إذ قيل قد أتاك شبيب فنزل ونزل معه جل فأخبر أن شبيبا قد تركك وعبر الفرات وهو يريد الكوفة من وجه آخر فنادى في أصحابه فركبو في آثارهم وبلغ من بالسبخة مع عثمان إقبال شبيب إليهم فصاح بعضهم ببعض وهموا أن يدخلوا الكوفة حتى قيل لهم ان سويدا في آثارهم قدج لحعهم وهو يقاتلهم وحمل شبيب على سويد ومن معه حملة منكرة فلم يقدر منهم على شيء وأخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة وذلك عند المساء وتبعه سويد إلى الحيرة فرآه قد ترك الحيرة وذهب فتركه سويد وأقام حتى أصبح وأرسل إلى الحجاج يعلمه بمسير شبيب
ذكر محاربة شبيب أهل البادية
ص 158
وكتب الحجاج إلى سويد يأمره باتباعه فاتبعه ومضى شبيب حتى أغار أسفل الفرات على من وجد من قومه وارتفع في البر وراء خفان فاصاب رجالا من بني الورثة فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا منهم حنظلة بن مالك ومضى شبيب حتى أتى بني أمية على اللصف وعلى ذلك الماء الفزر بن الأسود وهو أحد بني الصلت وكان ينهى شبيبا عن رأيه وكان شبيب يقول لئن ملكت سبعة أعنة لأغزون الفزر فلما بلغهم خبر شبيب ركب الفزر فرسا وخرج من وراء البيوت وانهزم منه الرجال ورجع وقد أخاف أهل البادية فأخذ على الطقطقانة ثم على قصر بني مقاتل ثم عى الحصاصة ثم على الأنبار ومضى حتى دخل دقوقاء ثم ارتغع إلى أداني أذربيجان فلما أبعد سار الحجاج إلى البصرة واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة فما شعر الناس إلا وقد أتاهم كتاب دهقان بابل مهرزذ إلى عروة يذكر له ان بعض جباة الخراج أخبره أن شبيبا قد نزل خانيجار وهو على قصد الكوفة فارسل عروة الكتاب إلى الحجاج بالبصرة قاقبل مجدا نحو الكوفة يسابق شبيبا إليها
ذكر دخول شبيب الكوفة
ص 159
وأقبل شبيب إلى قرية اسمها حربى فقال حرب يصلى به عدوكم ثم سار فنزل عقرقوف فقال له سويد بن سليم يا أمير المؤمنين لو تحولت من هذه القرية المشؤومة الاسم قال وقد تطيرت أيضا والله لا أسير إلى عدوي إلا منها إنما شؤمها على عدونا والعقر لهم إن شاء الله ثم سار منها يبادر الحجاج إلى الكوفة وكانت كتب عروة ترد عليه أعني الحجاج يحثه على العجل إليهم فطوى الحجاج المنازل فنزلها الحجاج صلاة العصر ونزل شبيب بالسبخة صلاة المغرب فأكلوا شيئا ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة وبلغوا السوق وضرب شبيب باب القصر بعموده فأثر فيه أثرا عظيما ثم وقف عند المصطبة وقال
( عبد دعي من ثمود أصله % لابل يقال أبو أبيهم يقدم )
يعني الحجاج فإن بعض الناس يقول إن ثقيفا بقايا ثمود وبعضهم يقول هم من نسل يقدم الأيادي ثم اقتمحوا المسجد الأعظم وكان لا يزال فيه قوم يصلون فقتلوا عقيل بن مصعب الوادعي وعدي بن عمرو الثقفي وأبا ليث بن أبي سليم ومروا بدار حوشب وهو على الشرط فقالوا إن الأمير يطلبه فاراد الركوب ثم أنكرهم فلم يخرج إليهم فقتلوا غلامه ثم أتى الجحاف بن نبيط الشيباني فقال له إنزل لنقضيك ثمن البكرة التي اشتريت منك بالبادية فقال الجحاف ما ذكرتك أمانتك إلا والليل أظلم وأنت على فرسك يا سويد قبح الله دينا لا يصلح إلا بإراقة الدماء وقتل القرابة ثم مروا بمسجد ذهل فرأوا ذهل بن الحرث وكان يطيل الصلاة فيه فقتلوه ثم خرجوا من الكوفة فاستقبلهم النضر بن قعقاع بن شور الذهلي فقال له السلام عليك أيها الأمير فقال له سويد أمير المؤمنين ويلك فقال أمير المؤمنين فقال له شبيب يا نضر لا حكم إلا لله وأراد يلعنه فقال إنا لله وإنا إليه راجعون فشد أصحاب شبيب عليه فقتلوه وكان قد أقبل مع الحجاج من البصرة فتخلف عنه وكانت أم النضر ناجية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني فأحب شبيب نجاته ثم خرجوا نحو المردمة وأمر الحجاج مناديا فنادى يا خيل الله اركبي وهو فوق باب القصر وعنده مصباح فكان أول من أتاه عثمان بن قطن بن عبد الله بن الحصين ذي القصة فقال أعلموا الأمير بمكاني فقال له غلام للحجاج قف بمكانك وجاء الناس من كل جانب ثم إن الحجاج بعث بشر بن غالب الأسدي في ألفي رجل وزائدة بن قدامة الثقفي في ألفي رجل وأبا الضريس مولى بني تميم في ألفي رجل وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر وزياد بن عمروا العتكي وكان عبد الملك بن مروان قد استعمل محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله على سجستان وكتب إلى الحجاج ليجهزه ويسيره سريعا في ألف رجل إلى عمله فأقام يتجهز وحدث من أمر سبيب ما حدث فقال له الحجاج تلقى شبيبا وهذه الخارجة فتجاهدهم ويكون الظفر لك ويطير اسمك ثم تمضي إلى عملك فسيره معهم وقال لهؤلاء الأمراء إن كان حرب فاميركم زائدة بن قدامة فسار هؤلاء الأمراء فنزلوا أسفل فترك شبيب الوجه الذي هم فيه وأخذ نحو القادسية
ذكر محاربة شبيب زحر بن قيس
ص 160
ووجه الحجاج جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس مع زحر بن قيس وقال له اتبع شبيبا حتى توقعه أين أدركته إلا أن يكون ذاهبا فاتركه ما لم يعطف عليك أو يقيم فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين وأقبل شبيب نحوه فالتقيا فجمع شبيب خيله ثم اعترض به الصف حتى انتهى إلى زحر حتى صرع وانهزم أصحابه وظنوا أنهم قتلوه فلما كان السحر وأصابه البرد قام يتمشى حتى دخل قرية فبات بها وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه وبرأسه بضع عشرة جراحة فمكث أياما ثم أتى الحجاج فأجلسه معه على السرير وقال لمن حوله من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين الناس وهو شهيد فلينظر إلى هذا
ذكر محاربة الأمراء المقدم ذكرهم وقتل محمد بن موسى بن طلحة
ص 161
فلما هزم أصحاب زحر قال أصحاب شبيب لشبيب قد هزمنا لهم جندا انصرف بنا الآن وافرين فقال لهم هذه الهزيمة قد أرعبت هؤلاء الأمراء والجنود الذين في طلبكم فاقصدوا بنا نحوهم فوالله لئن قاتلناهم فما دون الحجاج مانع ونأخذ الكوفة إن شاء الله تعالى فقالوا نحن لرأيك تبع فسار وسأل عن الأمراء فأخبر أنهم بروذبار على أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة فقصدهم فأرسل إليهم الحجاج يعلمهم بمسيره ويقول لهم إن أمير الجماعة زائدة بن قدامة وانتهى إليهم شبيب وقد تعبوا للحرب فكان على ميمنة أهل الكوفة زياد بن عمرو العتكي وفي ميسرتهم بشر بن غالب الأسدي وكل أمير وفقف في أصحابه وأقبل شبيب على فرس كميت أغر في ثلاث كتائب كتيبة فيها سويد بن سليم فوقف بإزاء الميمنة وكتيبة فيها مصاد أخو شبيب فوقف بإزاء الميسرة ووقف شبيب مقابل القلب فخرج زائدة بن قدامة يسير في الناس ويحثهم على الجهاد لعدوهم والقتال ويطمعهم في عدوهم لقتله وباطله وكثرتهم وأنهم على الحق ثم انصرف إلى موقفه فحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو فانكشفوا وثبت زياد في نحو من نصف أصحابه ثم ارتفع عنهم سويد قليلا ثم حمل علنهم ثانية فتطاعنوا ساعة وصبر زياد ساعة وقاتل زياد قتالا شديدا وقاتل سويد أيضا قتالا شديدا وإنه لأشجع العرب ثم ارتفع سويد عنهم فإذا أصحاب زياد يتفرقون فقال لسويد أصحابه ألا تراهم يتفرقون احمل عليهم فقال لهم شبيب خلوهم حتى يخفوا فتركهم قليلا ثم حمل الثالثة فانهزموا وأخذت زياد بن عمرو السيوف من كل جانب فما ضره منها شيء للبسته التي عليه ثم إنه انهزم وقد جرح جراحة يسيرة وذلك عند المساء ثم حملوا على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزموه ولم يقاتل كثيرا ولحق بزياد بن عمرو فمضيا منهزمين وحملت الخوارج حتى انتهت إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب فقاتلوه قتالا شديدا وصبر لهم ثم إن مصادا أخا شبيب حمل على بشر غالب وهو في ميسرة أهل الكوفة فصبر بشر ونزل ونزل معه نحو خمسين رجلا فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم وانهزم أصحابه وحملت الخوارج على أبي الضريس مولى بني تميم وهو يلي بشر بن غالب فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين فهزموها حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة فلما انتهوا إليه نادى يا أهل الإسلام الأرض الأرض لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر ثم إن شبيبا حمل عليه في جماعة من أصحابه فقتله وقتل أصحابه وتركهم ربضة حوله ولما قتل زائدة دخل أبو الضريس وأعين جوسقا عظيما وقال شبيب لأصحابه ارفعوا السيف وادعوهم إلى البيعة فدعوهم إلى البيعة عند الفجر فبايعوه وكان فيمن بايعه أبو بردة بن أبي موسى فقال شبيب لأصحابه هذا ابن أحد الحكمين فأرادوا قتله فقال شبيب ما ذنب هذا وتركه وسلموا على شبيب يإمرة المؤمنين وخلى سبيلهم فبقوا كذلك حتى انفجر الفجر فلما ظهر الفجر أمر محمد بن موسى مؤذنه فأذن وكان لم ينهزم فسمع شبيب الأذان فقال ما هذا قالوا محمد بن موسى بن طلحة لم يبرح فقال قد ظننت أن حمقه وخيلاءه يحمله على هذا ثم نزل شبيب فأذن هو وصلى بأصحابه الصبح ثم ركبوا فحملوا على محمد وأصحابه فانهزمت طائفة منهم وثبتت معه طائفة فقاتل حتى قتل وأخذت الخوارج ما كان في العسكر وانهزم الذين كانوا بايعوا شبيبا فلم يبق منهم أحد ثم أتى شبيب الجوسق الذي فيه أعين وأبو الضريس فتحصنوا منه فأقام عليهم ذلك اليوم وسار عنهم فقال أصحابه ما دون الكوفة أحد يمنع فنظر فإذا أصحابه قد جرحوا فقال لهم ما عليكم أكثر مما فعلتم فخرج بهم على نفر ثم على الصراة فأتى خانيجار فأقام بها فبلغ الحجاج ميسره نحو نفر فظن أنه يريد المدائن وهي باب الكوفة ومن أخذها كان في يده من السواد أكثره فهال ذلك الحجاج فبعث عثمان بن قطن أميرا على المدائن وجوخى والأنبار وعزل عنها عبد الله بن أبي عصيفر وكان بها الجزل يداوي جراجته فلم يتعهده عثمان كما كان ابن أبي عصيفر يفعل فقال الجزل اللهم زد ابن أبي عصيفر جودا وفضلا وزد عثمان بن قطن بخلا وشقاء
وقد قيل في مقتل بن موسى غيرهذا والذي ذكر من ذلك أن محمد بن موسى كان قد شهد مع عمر بن عبيد الله بن معمر قتال أبي فديك وكان شجاعا ذا بأس فزوجه عمر ابننته وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان فولاه سجستان فمر بالكوفة وفيها الحجاج فقيل له إن صار هذا بسجستان مع صهره لعبد الملك فجاء اليه أحد ممن تطلب منعك منه فقال وما الحيلة قال تأتيه وتسلم عليه وتذكر نجدته وبأسه وإن شبيبا في طريقه وإنه قد أعياك وترجو أن يريح الله منه على يده فيكون له ذكره وفخره ففعل الحجاج ذلك فأجابه محمد وعدل إلى شبيب فأرسل إليه شبيب إنك مخدوع وأن الحجاج قد اتقى بك وأنت جار لك حق فانطلق لما أمرت به ولك الله لا أؤذيك فأبى إلا محاربته فوافقه شبيب وأعاد إليه الرسول فأبى وطلب البراز فبرز إليه البطين بن قعنب وسويد بن سليم فأبى إلا شبيبا فقالوا ذلك لشبيب فبرز شبيب إليه وقال له أنشدك الله في دمك فإن لك جوارا فأبى فحمل شبيب عليه فضربه بعمود حديد وزنه اثنا عشر رطلا بالشامي فهشم البيضة ورأسه فسقط ميتا ثم كفنه ودفنه وابتاع ما غنوا من عسكره فبعثه إلى أهله واعتذر إلى أصحابه وقال هو جاري ولي أن أهب ما غنمت لأهل الردة
ذكر محاربة شبيب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وقتل عثمان قطن
ص 163
ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وأمره أن ينتخب من الناس ستة آلاف فارس ويسير في طلب شبيب أين كان ففعل ذلك وسار نحوه وكتب الحجاج إليه والى أصحابه يتهددهم بالقتل والتنكيد إن انهزموا فوصل عبد الرحمن إلى المدائن فأتى الجزل يعوده من جراحته فأوصاه الجزل بالإحتياط وحذره من شبيب وأصحابه وأعطاه فرسا كانت له تسمى الفسيفسا وكانت لا تجارى ثم ودعه عبد الرحمن وسار إلى شبيب فسار شبيب إلى دقوقاء وشهرزور فخرج عبد الرحمن في طلبه حتى إذا كان بالتخوم وقف وقال هذه أرض الموصل فليقاتلوا عنها فكتب اليه الحجاج أما بعد فأطلب شبيبا واسلك في اثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده والسلام
فخرج عبد الرحمن في أثر شبيب فكان شبيب يدعه حتى يدنو منه فيبيته فيجده قد خندق على نفسه وحذر فيتركه ويسير فيتبعه عبد الرحمن فإذا بلغ عبد الرحمن شبيبا مسيره أتاهم وهم سائرون فيجدهم على تعبية فلا يصيب منه غزة ثن جعل إذا دنا منه عبد الرحمن يسير عشرين فرسخا أو ما يقاربها فينزل في أرض خشنة غليظة ويتبعه عبد الرحمن فإذا دنا منه فعل مثل ذلك حتى عذب ذلك الجيش وشق عليه وأحفى دوابهم ولقوا منه كل بلاء ولم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على خانقين وجلولاء وسامرا ثم أقبل إلى البت وهي من قرى الموصل ليس بينها وبين سواد الكوفة إلا نهر حولايا وهو في راذان الأعلى من أرض جوخى ونزل عبد الرحمن في عواقيل من النهر لأنها مثل الخندق فأرسل شبيب إلى عبد الرحمن يقول إن هذه الأيام عيد لنا ولكم يعني عيد النحر فهل لك في الموادعة حتى تمضي هذه الأيام فأجابه إلى ذلك وكان يحب المطاولة وكتب عثمان بن قطن إلى الحجاج أما بعد فإن عبد الرحمن قد حفر جوخى كلها خندقا واحدا وكسر خراجها وخلى شبيبا يأكل أهلها والسلام فكتب اليه الحجاج يأمره بالمسير إلى الجيش وجعله أميرهم وعزل عنهم عبد الرحمن وبعث الحجاج إلى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة وسار عثمان حتى قدم على عبد الرحمن وعسكر الكوفة فوصل عشية الثلاثاء يوم التروية فنادى الناس وهو على بغلة أيها الناس اخرجوا إلى عدوكم فوثب اليه الناس وقالوا هذا المساء قد غشينا والناس لم يوطنوا أنفسهم على الحرب فبت الليلة ثم أخرج على تعبية وهو يقول لأناجزنهم فلتكونن الفرصة لي أو لهم فأتاه عبد الرحمن فأنزله وكان شبيب قد نزل ببيعة البت فأتاه أهلها فقالوا له أنت ترحم الضعفاء وأهل الذمة ويكلمك من تلي عليه ويشكون اليك فتنظر إليهم وإن هؤلاء جبابرة لا يكلمون ولا يقبلون العذر والله لئن بلغهم أنك مقيم في بيعتنا ليقتلننا إذا ارتحلت عنا فإن رأيت أن تنزل جانب القرية ولا تجعل علينا مقالا فافعل فخرج عن البيعة فنزل جانب القرية وبات عثمان ليلته كلها يحرض أصحابه فلما أصبح يوم الأربعاء خرج بالناس كلهم فاستقبلهم ريح شديدة وغبرة شديدة فصلح الناس وقالوا له ننشدك الله أن لا تخرج بنا والريح علينا فأقام بهم ذلك اليوم ثم خرج بهم يوم الخميس وقد عبئ الناس فجعل في الميمنة خالد بن نهيك بن قيس وعلى الميسرة عقيل بن شداد السلولي ونزل هو في الرجالة وعبر شبيب النهر إليهم وهو يومئذ في مائة وأحد وثمانين رجلا فوقف هو في الميمنة وجعل أخاه مصادا في القلب وجعل سويد بن سليم في الميسرة وزحف بعضهم إلى بعض وقال شبيب لأصحابه إني حامل على ميسرتهم مما يلي النهر فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم ولا يبرح صاحب القلب حتى يأبيه أمري وحمل على ميسرة عثمان فانهزموا ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل وقتل أيضا مالك بن عبد الله الهمداني عم عياش به عبد الله المنتوف ودخل شبيب عسكرهم
وحمل سويد على ميمنة عثمان فهزمها وعليها وعليها خالد بن نهيك فقاتله قتالا شديدا وحمل شبيب من ورائه فقتله وتقدم عثمان بن قطن وقد نزل معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب وفيه مصاد أخو شبيب في نحو من ستين رجلا فلما دنا منهم عثمان شد عليهم فيمن معه فضاربوهم حتى فرقوا بينهم وحمل شبيب بالخيل من ورائهم فما شعر عثمان ومن معه إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم وعطف عليهم سويد بن سليم أيضا في خيله ورجع مصاد وأصحابه فاضطربوا ساعة وقاتل عثمان بن قطن أخس قتال ثم إنهم أحاطو به وضربه مصاد أخو شبيب ضربة بالسيف استدار لها وقال وكان أمر الله مفعولا ثم إن الناس قتلوه ووقع عبد الرحمن فأتاه ابن أبي سبرة الجعفي وهو على بغله فعرفه فأركبه معه ونادى في الناس الحقوا بدير أبي مريم ثم انطلقوا ذاهبين ورأى واصل السكوني فرس عبد الرحمن التي أعطاها له الجزل تجول في العسكر فأخذها بعض أصحاب شبيب فظن أنه قتل فطلبه في القتلى فلم يجده فسأل عنه فأعطي خبره فاتبعه واصل على برذونه ومعه غلامه على بغل فلما دنا منهما نزل عبد الرحمن وابن أبي سبرة ليقاتلا فلما رآهما واصل عرفهما وقال إنكما تركتما النزول في موضعه فلا تنزلا الآن وحسر عمامته عن وجهه فعرفاه وقال لابن الأشعث قد أتيتك بهذا البرذون لتركبه فركبه وسار حتى نزل دير البقار وأمر شبيب أصحابه فرفعوا السيف عن الناس ودعاهم إلى البيعة فبايعوه وقتل من كندة يومئذ مائة وعشرون وقتل معظم العرفاء وبات عبد الرحمن بدير البقار فأتاه فارسان فصعدا إليه فخلا أحدهما بعبد الرحمن طويلا ثم نزل فتبين أن ذلك الرجل كان شبيبا وقد كان بينه وبين عبد الرحمن مكاتبة وسار عبد الرحمن حتى أتى دير أبي مريم فاجتمع الناس إليه وقالوا له إن سمع شبيب بمكانك أتاك فكنت له غنيمة فخرج إلى الكوفة واختفى من الحجاج حتى أخذ له الأمان منه
ذكر ضرب الدراهم والدنانير الإسلامية
ص 166
وفي هذه السنة ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم وهو أول من أحدث ضربها في الإسلام فانتفع الناس بذلك وكان سبب ضربها أنه كتب في صدور الكتب إلى الروم قل هو الله أحد وذكر النبي مع التاريخ فكتب إليه ملك الروم إنكم قد أحدثتم كذا وكذا فاتركوه وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكر نبيكم من ذكر نبيكم ما تكرهون فعظم ذلك عليه فأحضر خالد بن يزيد بن معاوية فاستشاره فيه فقال حرم دنانيرهم واضرب للناس سكة فيها ذكر الله تعالى فضرب الدنانير والدراهم ثم إن الحجاج ضرب الدراهم ونقش فيها قل هو الله أحد فكره الناس ذلك لمكان القرآن لأن الجنب والحائض يمسها ونهى أن يضرب أحد غيره فضرب سمير اليهودي فأخذه ليقتله فقال له عيار دراهمي أجود من دراهمك فلم تقتلني فلم يتركه فوضع للناس صنج الأوزان ليتركه فلم يفعل وكان الناس لا يعرفون الوزن إنما يزنون بعضها ببعض فلما وضع لهم سمير الصنج كف بعضهم عن غبن بعض وأول من شدد في أمر الوزن وخلص الفضة أبلغ من تخليص من قبله عمر بن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك وجود الدراهم وخلص العيار واشتد فيه ثم كان خالد بن عبد الله القسري أيام هشام بن عبد الملك فاشتد أكثر من ابن هبيرة ثم ولى يوسف بن عمر فأفرط في الشدة فامتحن يوما العيار فوجد درهما ينقص حبة فضرب كل صانع ألف سوط وكانوا مائة صانع فضرب في حبة مائة ألف سوط وكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية ولم يكن المنصور يقبل في الخلاراج غيرها فسميت الدراهم الأولى مكروهة وقيل إن المكروهة الدراهم التي ضربها الحجاج ونقش عليها قل هو الله أحد فكرهها العلماء لأجل مس الجنب والحائض وكانت دراهم الأعجام مختلفة كبارا وصغارا وكانوا يضربون مثقالا وهو وزن عشرين قيراطا منها وزن اثني عشر قيراطا ومنها وزن عشرة قراريط وهي أصناف المثاقيل فلما ضرب الدراهم في الاسلام أخذوا عشرين قيراطا واثني عشر قيراطا وعشرة قراريط فوجدوا ذلك اثنين وأربعين قيراطا فضربوا على الثلث من ذلك وهو أربعة عشر قيراطا فوزن الدرهم العربي أربعة عشرة قيراطا فصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وقيل إن مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله بن الزبير ثم كسرت بعد ذلك أيام عبد الملك والأول أصح في أن عبد الملك أول من ضرب الدراهم والدنانير
ذكر عدة حوادث
ص 167
في هذه السنة وفد يحيى بن الحكم على عبد الملك وفيها ولى عبد الملك المدينة أبان بن عثمان
وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان وأقام الحج للناس هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير المدينة وكان على العراق الحجاج وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد وعلى قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى
وفيها غزا محمد بن مروان الروح من ناحية ملطية وفيها مات حبة بن جوين العرني صاحب علي حبة بالحاء المهملة وبالباء الموحدة وهو منسوب إلى عرنة بالعين المهملة المضمومة والراء المهملة والنون
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.