الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
12

ثم دخلت سنة سبع وسبعين

الجزء الرابع 9 عنصر صفحة 168
ذكر محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية وقتلهما ص 168

وفي هذه السنة قتل شبيب عتاب بن ورقاء الرياحي وزهرة بن حوية وسبب ذلك أن شبيبا لما هزم الجيش الذي كان وجهه الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وقتل عثمان بن قطن كان ذلك في حر شديد وأتى شبيب ماه بهراذان فصيف بها ثلاثة أشهر وأتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا وممن كان الحجاج يطلبهم بمال أو تبعات فلما ذهب الحر خرج شبيب في نحو ثمانمائة رجل فأقبل نحو المدائن وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة فجاء حتى نزل قناطرحذيفة بن اليمان فكتب عظيم بابل مهرون إلى الحجاج بذلك فلما قرأ الكتاب قام في الناس فقال أيها الناس لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأصبر على اللأواء والقيظ منكم فيقاتلون عدوكم ويأكلون فيئكم فقام إليه الناس من كل جانب ومكان فقالوا نحن نقاتلهم ونعين الأمير فلتندبن الأمير إليهم وقام إليه زهرة بن حوية وهو شيخ كبير لا يستتم قائما حتى يؤخذ بيده فقال أصلح الله الأمير إنما تبعث اليهم الناس متقطعين فاستفز الناس إليهم كافة ابعث إليهم رجلا شجاعا مجربا ممن يرى الفرار هضما وعارا والصبر مجدا وكرما فقال الحجاج فأنت ذلك الرجل فاخرج فقال زهرة أصلح الله الأمير إنما يصلح الرجل يحمل الدرع والرمح ويهز السيف ويثبت على متن الفرس وأنا لا أطيق من هذا شيئا وقد ضعف بصري وضعفت ولكن أخرجني مع الأمير في الناس فأكون معه وأشير عليه برأيي فقال الحجاج جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله في أول أمرك وآخره فقد نصحت ثم قال أيها الناس سيروا بأجمعكم كافة فانصرف الناس يتجهزون ولا يدرون من أميرهم وكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره أن شبيبا قد شارف المدائن وأنه يريد الكوفة وقد عجز أهل الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة بقتل أمرائهم وبهزم جنودهم ويطلب إليه أن يبعث إليه جندا من الشم يقاتلون الخوارج ويأكلون البلاد فلما أتى الكتاب بعث اليه عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة آلاف وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ألفين فبعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء الرياحي وهو مع المهلب يستدعيه

وكان عتاب قد كتب إلى الحجاج يشكو من المهلب ويسأله أن يضمه إليه لأن عتابا طلب من المهلب أن يرزق أهل الكوفة الذين معه من مال فارس فأبى عليه وجرت بينهما منافرة فكادت تؤدي إلى الحرب فدخل المغيرة بن المهلب بينهما فأصلح الأمر وألزم أباه برزق أهل الكوفة فأجابه إلى ذلك وكتب يشكو منه فلما ورد كتابه سر الحجاج بذلك واستدعاه ثم جمع الحجاج أهل الكوفة واستشارهم فيمن يوليه أمر الجيش فقالوا رأيك أفضل فقال قد بعثت إلى عتاب وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة فقال زهرة أيها الأمير رميتهم بحجرهم والله لا نرحع إليك حتى نظفر أو نقتل وقال له قبيصة بن والق إن الناس قد تحدثوا أن جيشا قد وصل اليك من الشام وأن أهل الكوفة قد هزموا وهان عليهم الفرار فقلوبهم كأنها ليست فيهم فإن رأيت أن تبعث إلى أهل الشام ليأخذوا حذرهم ولا يبيتوا إلا وهم محتاطون فإنك تحارب حولا قلبا ظعانا رحالا وقد جهزت إليهم أهل الكوفة ولست واثقا بهم كل الثقة وإن شبيبا بينا هو في أرض إذا هو في أخرى ولا آمن أن يأتي أهل الشام وهم آمنون فإن يهلكوا نهلك ويهلك العراق فقال له لله أبوك ما أحسن ما أشرت به وأرسل إلى أهل الشام يحذرهم ويأمرهم أن يأتوا على عين التمر ففعلوا

وقدم عتاب بن ورقاء تلك فبعثه الحجاج على ذلك الجيش فعسكر بحمام أعين وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلواذى فقطع فيها دجلة ثم سار حتى نزل مدينة بهرشير الدنيا فصار بينه وبين مطرف دجلة وقطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب أن ابعث إلي رجالا من وجوه أصحابك أدراسهم القرآن وأنظر فيما يدعون إليه فبعث إليه قعنب بن سويد والمحلل وغيرهما وأخذ منه رهائن إلى أن يعودوا فأقاموا عنده أربعة أيام ثم لم يتفقوا على شيء فلما لم يتبعه مطرف تهيأ للمسير إلى عتاب وقال لأصحابه إني كنت عازما أن آتي أهل الشام جريدة وألقاهم على غرة قبل أن يتصلوا بأمير مثل الحجاج ومصر الكوفة فثبطي عنهم مطرف وقد جاءتني عيوني فأخبروني أن أوائلهم قد دخلوا عين التمرفهم الآن قد شارفوا الكوفة وقد أخبروني أن عتابا ومن معه بالبصرة فما أقرب ما بيننا وبينه فتيسروا للمسير إلى عتاب وخاف مطرف بن المغيرة أن يبلغ خبره مع شبيب إلى الحجاج فخرج نحو الجبال فأرسل شبيب أخاه مصادا إلى المدائن وعقد الجسر وأقبل عتاب إليه حتى نزل بسوق حكمة وقد خرج معه من المقاتلة أربعون ألفا ومن الشباب والأتباع عشرة آلاف فكانوا خمسين ألفا وكان الحجاج قد قال لهم حين ساروا إن للسائر المجتهد الكرامة والأثرة وللهارب الهوان والجفوة والذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذه المواطن كفعلكم في المواطن الأخر لأولينكم كنفا خشنا ولأعركنكم بكلكل ثقيل فلما بلغ عتاب سوق حكمة أتاه شبيب وكان أصحابه بالمدائن ألف رجل فحثهم على القتال وسار بهم فتخلف عنه بعضهم ثم صلى الظهر بساباط وصلى العصر وسار حتى أشرف على عتاب وعسكره فلما رأهم نزل فصلى المغرب

وكان عتاب قد عبئ أصحابه فجعل في الميمنة محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس وقال يا ابن أخي إنك شريف صابر فقال ولله لأصبرن ما ثبت معي إنسان وقال لقبيصة بن والق الثعلبي اكفني الميسرة فقال أنا شيخ كبير لا أستطيع القيام إلا أن أقام فجعل عليها نعيم بن عليم وبعث حنظلة بن الحرث اليربوعي وهو ابن عمه وشيخ أهل بيته على الرجالة وصفهم ثلاثة صفوف صف فيهم أصحاب السيوف وصف فيهم أصحاب الرماح وصف فيهم الرماة ثم سار في الناس يحرضهم على القتال ويقص عليهم ثم قال أين القصاص فلم يجبه أحد ثم قال أين من يروي شعر عنترة فلم يجبه أحد فقال إنا لله كأني بكم قد فررتم عن عتاب بن ورقاء وتركتموه تسفي في إسته الريح ثم أقبل حتى جلس في القلب ومعه زهرة بن حوية جالس وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وأبو بكر بن محمد بن أبي جهم العدوي وأقبل شبيب وهو في ستمائة وقد تخلف عنه من أصحابه أربعمائة فقال لقد تخلف عنا من لا أحب أن يرى فينا فجعل سويد بن سليم في مائتين في الميسرة وجعل المحلل بن وائل في مائتين في القلب ومشى هو في مائتتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر فناداهم لمن هذه الرايات فقالوا رايات لربيعة قال طالما نصرت الحق وطالما نصرت الباطل والله لأجاهدنكم محتسبا أنا شبيب لا حكم إلا لله للحكم اثبتوا إن شئتم ثم حمل عليهم فغصهم فثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق وعبيد بن الحليس ونعيم بن عليم فقتلوا وانهزمت الميسرة كلها ونادى الناس من بني ثعلبة قتل قبيصة وقال شبيب قتلقموه ومثله كما قال الله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ثم وقف عليهم وقال ويحك لو ثبت على إسلامك الأول سعدت وقال لأصحابه إن هذا أتى رسول الله فأسلم ثم جاء يقاتلكم مع الفسقة

ثم عن شبيبا حمل من الميسرة على عتاب وحمل سويد بن سليم على الميمنة وعليها محمد بن عبد الرحمن فقاتلهم في رجال من تميم وهمدان فما زالوا كذلك حتى قيل لهم قتل عتاب فانفضوا ولم يزل عتاب جالسا على طنفسة في القلب ومعه زهرة بن حوية حتى غشيهم شبيب فقال عتاب يا زهرة هذا يوم كثر فيه العدد وقل فيه الفناء والهفي على خمسمائة فارس من تميم من جميع الناس إلا صابر لعدوه إلا مواس بنفسه فانفضوا عنه وتركوه فقال زهرة أحسنت يا عتاب فعلت فعلا لا يفعله مثلك أبشر فإني أرجوأن يكون الله جل ثناؤه قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا فلما دنا منه شبيب وثب في عصابة قليلة صبرت معه وقد ذهب الناس فقيل له إن عبد الرحمن بن الأشعث قد هرب وتبعه ناس كثير فقال ما رأيت ذلك الفتى يبالي ما صنع ثم قاتلهم ساعة فرماه رجل من أصحاب شبيب يقال له عامر بن عمر التغلبي فحمل عليه فطعنه ووطئت الخيل زهرة بن حوية فأخذ يذب بسيفه لا يستطيع أن يقوم فجاءه الفضل بن عامر الشيباني فقتله فانتهى اليه شبيب فرآه صريعا فعرفه فقال هذا زهرة بن حوية أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك وعظم فيه غناؤك ولرب خيل للمشركين هزممتها وقرية من فراهم جم أهلها قد افتتحها ثم كان في علم الله أنك تقتل ناصرا للظالمين وتوجع له فقال له رجل من أصحابه إنك لتوجع لرجل كافر فقال إنك لست بأعرف بضلالتهم مني ولكني أعرف من قديم أمرهم مالا تعرف مالو ثبتوا عليه لكانوا إخواننا فاستمسك شبيب من أهل والعسكر والناس فقال ارفعوا السيف ودعاهم إلى البيعة فبايعه الناس وهربوا من تحت ليلتهم وحوى ما في العسكر وبعث إلى أخيه فأتاه من المدائن

وأقام شبيب بعد الوقعة ببيت قرة يومين ثم سار نحو الكوفة فنزل بسورا وقتل عاملها وكان سفيان بن الأبرد وعسكر الشام قد دخلوا الكوفة فشدوا ظهر الحجاج واستغنى به وبعسكره عن أهل الكوفة فقام على المنبر فقال يا أهل الكوفة لا أعز الله من أراد بكم العز ولا نصر من أراد بكم النصر أخرجوا عنا لا تشهدوا معنا قتال عدونا انزلو بالحيرة مع اليهود والنصارى ولا يقاتل معنا إلا من لم يشهد قتال عتاب

ذكر قدوم شبيب الكوفة أيضا وانهزامه عنها ص 172

ثم سار شبيب من سورا فنزل حمام أعين فدعا الحجاج الحرث بن معاوية الثعفي فوجهه في ناس من الشرط لم يشهدوا يوم عتاب وغيرهم فخرج في نحو ألف فنزل زرارة فبلغ ذلك شبيبا فعجل إلى الحرث بن معاوية فلما انتهى اليه حمل عليه فقتله وانهزم أصحابه وجاء المنهزمون فدخلوا الكوفة وجاء شبيب فعسكر بناحية الكوفة وأقام ثلاثا فلم يكن في اليوم الأول غير قتل الحرث فلما كان اليوم الثاني أخرج الحجاج مواليه فأخذوا بأفواه السكك وجاء شبيب فنزل السبخة وابتنى بها مسجدا فلما كان اليوم الثالث أخرج الحجاج أبا الورد مولاه عليه تجفاف ومعه غلمان له وقالوا هذا الحجاج فحمل عليه شبيب فقتله وقال إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه ثم أخرج الحجاج غلامه طهمان في مثل تلك العدة والحالة فقتله شبيب وقال إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه ثم إن الحجاج خرج ارتفاع النهار من القصر فطلب بغلا يركبه إلى السبخة فأتي ببغل فركبه ومعه أهل الشام فخرج فلما رأى الحجاج شبيبا وأصحابه نزل وكان شبيب في ستمائة فارس فأقبل نحو الحجاج وجعل الحجاج سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف على أفواه السكك في جماعة الناس ودعا الحجاج بكرسي فقعد عليه ثم نادى أهل الشام أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين فلا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم غضوا الأبصار واجثوا على الركب واستقبلوهم بأطراف الأسنة ففعلوا وأشرعوا الرماح وكأنهم حرة سوداء وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس كتيبة معه وكتيبة مع سويد بن سليم وكتيبة مع المحلل بن وائل وقال لسويد احمل عليهم في خيلك فحمل عليهم فثبتوا له ووثبوا له ووثبوا في وجهه بأطراف الرماح فطعنوه حتى انصرف هو وأصحابه وصاح الحجاج هكذا فافعلوا وأمر بكرسيه فقدم وأمر شبيب المحلل فحمل عليهم ففعلوا به كذلك فناداهم الحجاج هكذا فافعلوا وأمر بكرسيه فقدم ثم إن شبيبا حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له وصنعوا به كذلك فقاتلهم طويلا ثم إن أهل الشام طاعنوه حتى ألحقوه بأصحابه فلما رأى صبرهم نادى يا سويد احمل عليهم بأصحابك على أهل هذه السكة لعلك تزيل أهلها وتأتي الحجاج من ورائة ونحمل نحن عليه من أمامه فحمل سويد فرمي من من فوق البيوت وأفواه السكك فرجع

وكان الحجاج قد جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في ثلاثمائة رجل من أهل الشام ردئا لئلا يؤتوا من خلفهم فجمع شبيب أصحابه ليحمل بهم فقال الحجاج اصبروا لهذه الشدة الواحدة ثم هو الفتح فجثوا على الركب وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه فوثبوا في وجهه وما زالوا يطاعنونه ويضاربونه قدما ويدفعونه وأصحابه حتى أجازوهم مكانهم وأمر شبيب أصحابه بالنزول يصفهم وجاء الحجاج حتى انتهى إلى مسجد شبيت ثم قال يا أهل الشام هذا أول الفتح وصعد المسجد حتى ومعه جماعة معهم النبل ليرموهم إن دنوا منه فاقتتلوا عامة النهار أشد قتال رآه الناس حتى أقر كل واحد من الفريقين لصاحبه ثم ان خالد بن عتاب قال للحجاج ائذن لي في قتالهم فإني موتور فأذن له فخرج ومعه جماعة من أهل الكوفة وقصد عسكرهم من ورائهم فقتل مصادا أخا شبيب وقتل امرأته غزالة وحرق في عسكره وأتى الخبر الحجاج وشبيبا فكبر الحجاج وأصحابه وأما شبيب فركب هو وأصحابه وقال الحجاج لأهل الشام احملوا عليهم فإنهم قد أتاهم ما أرعبهم فشدوا عليهم فهزموهم وتخلف شببيب في حامية الناس فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه فتركون ورجفوا ودخل الحجاج الكوفة فصعد المنبر ثم قال والله ما قوتل شبيب قبلها ولى والله هاربا وترك امرأته يكسر في استها القصب ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكمي فبعثه في ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام في أثر شبيب وقال له احذر بياته وحيث لقيته فانزل له فإن الله تعالى قد فل وحده وقصم نابه فخرج فيي أثره حتى نزل الأنبار وكان الحجاج قد نادى عند انهزامهم من جاءنا منكم فهو آمن فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه فلما نزل حبيب الأنبار أتاهم شبيب فلما دنا منهم نزل فصلى المغرب وكان حبيب قد جعل أصحابه أرباعا وقال لكل ربع منهم ليمنع كل ربع منكم جانبه فإن قاتل هذا الربع فلا يعنهم الربع الآخر فإن الخوارج قريب منكم فوطنوا أنفسكم على أنكم مبيتون ومقاتلون فأتاهم شبيب وهم على تعبية فحمل على ربع فقاتلهم طويلا فما زالت قدم إنسان عن موضعها ثم تركهم وأقبل إلى ربع آخر فكانوا كذلك ثم أتى ربعا آخر فكانوا كذلك ثم الربع الرابع فما برح يقاتلهم حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل ثم نازلهم راجلا فسقطت منهم الأيدي وكثرت القتلى وفقئت الأعين وقتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين رجلا ومن أهل الشام نحو مائة واستولى التعب والإعياء على الطائفتين حتى أن الرجل ليضرب بسيفه فلا يصنع شيئا وحتى أن الرجل ليقاتل جالسا فما يستطيع أن يقوم من التعب فلما يئس شبيب منهم تركهم وانصرف عنهم ثم قطع دجلة وأخذ في أرض جوخى ثم قطع دجلة مرة أخرى عند واسط ثم أخذ نحو الأهواز ثم إلى فارس ثم إلى كرمان ليستريح هو ومن معه

وقيل في هزيمته غير ذلك وهو أن الحجاج كان قد بعث إلى شبيب أميرا فقتله ثم أميرا فقتله أحدهما أعين صاحب حمام أعين ثم جاء شبيب حتى دخل الكوفة ومعه زوجته غزالة وكانت نذرت أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران واتخذ في عسكره أخصاصا فجمع الحجاج ليلا بعد أن لقي من شبيب الناس ما لقوا فاستشارهم في أمر شبيب فأطرقوا وفصل قتيبة من الصف فقال أتأذن لي في الكلام قال نعم قال إن الأمير ما راقب الله ولا أمير المؤمنين ولا نصح الرعية قال وكيف ذلك قال لأنك تبعث الرجل الشريف وتبعث معه رعاعا فينهزمون ويستحي أن ينهزم فيقتل قال فما الرأي قال الرأي أن تخرج اليه فتحاكمه قال فانظر لي معسكرا فخرج الناس يلعنون عنبسة بن سعيد لانه هو الذي كلم الحجاج فيه حتى جعله من صحابته وصلى الحجاج من الغد الصبح واجتمع الناس وأقبل قتيبة وقد رأى معسكرا حسنا فدخل إلى الحجاج ثم خرج ومعه لواء منشور وخرج الحجاج يتبعه حتى خرج إلى السبخة وبها شبيب وذلك يوم الأربعاء فتواقفوا وقيل للحجاج لا تعرفه مكانك فاخفى مكانه وشبه له أبا الورد مولاه فنظر اليه شبيب فحمل عليه فضربه بعمود فقتله وحمل شبيب على خالد بن عتاب ومن معه وهو على ميسرة الحجاج فبلغ بهم الرحبة وحمل على مطر بن ناجية وهو على ميمنة الحجاج فكشفه فنزل عند ذلك الحجاج ونزل أصحابه وجلس على عباءة ومعه عنبسة بن سعيد فإنهم على ذلك إذ تناول مصقلة بن مهلهل الضبي لجام شبيب وقال ما تقول في صالح بن مسرح وبم تشهد عليه قال أعلى هذه الحالة قال نعم قال فبريء من صالح فقال له مصقلة برئ الله منك وفارقه إلا أربعين فارسا فقال الحجاج قد اختلفوا

وأرسل إلى خالد بن عتاب فأتى بهم في عسكرهم فقاتلهم فقتلت غزالة ومر برأسها إلى الحجاج مع فارس فعرفه شبيب فأمر رجلا فحمل على الفارس فقتله وجاء بالرأس فأمر به فغسل هم دفنه ومضى القوم على حاميتهم ورجع خالد فاخبر الحجاج بانصرافهم فأمره باتباعهم فأتبعهم يحمل عليهم فرجع اليه ثماينة نفر فقاتلوه حتى بلغو به الرحبة وأتي شبيب بخوط بن عمير السدوسي فقال يا خوط لا حكم إلا لله فقال ان خوطا من أصحابكم ولكنه كان يخاف فأطلقه وأتي بعمير بن القعقاع فقال يا عمير لا حكم إلا الله فقال في سبيل الله شبابي فردد عليه شبيب لا حكم إلا لله فلم يفقه ما يريد فقتله وقتل مصاد أخو شبيب وجعل شبيب ينتظر الثمانية الذين اتبعوا خالدا فأبطؤوا ولم يقدم أصحاب الحجاج على شبيب هيبة له وأتى إلى شبيب أصحابه الثمانية فساروا واتبعهم خالد وقد دخلوا إلى دير بناحية المدائن فحصرهم فيه فخرجوا عليه فهزموه نحو فرسخين فألقوا أنفسهم في دجلة منهزمين وألقى خالد نفسه فيها بفرسه ولواؤه بيده فقال شبيب قاتله الله هذا أسد الناس فقيل هو خالد بن عتاب فقال يعرف في الشجاعة ولو عرفته لاقتحمت خلفه ولو دخل النار ثم سار إلى كرمان على ما تقدم ذكره وكتب الحجاج إلى عبد الملك يستمده ويعرفه عجز أهل الكوفة عن قتال شبيب فسير سفيان بن الأبرد في جيش اليه

ذكر مهلك شبيب ص 176

وفي هذه السنة هلك شبيب وكان سبب ذلك أن الحجاج أنفق في أصحاب سفيان بن الأبرد مالا عظيما بعد أن عاد شبيب عن محاربتهم وقصد كرمان بشهرين وأمر سفيان وأصحابه بقصد شبيب فسار نحوه وكتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب زوج ابنته وهو عامله على البصرة يأمره أن يرسل أربعة آلاف فارس من أهل البصرى إلى سفيان فسيرهم مع زياد بن عمرو العتكي فلم يصل إلى سفيان حتى التقى سفيان مع شبيب وكان شبيب قد أقدم بكرمان فاستراح هوه وأصحابه ثم أقبل راجعا فالتقى مع سفيان بجسر دجيل الأهواز فعبر شبيب الجسر إلى سفيان فوجد سفيان قد نزل في الرجال وجعل مهاصر بن سيف على الخيل وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس فاقتتلوا أشد قتال ورجع شبيب إلى المكان الذي كان فيه ثم حمل عليهم هو وأصحابه أكثر من ثلاثين حملة ولا يزول أهل الشام وقال لهم سفيان لا تتفرقوا وليزحف الرجال إليهم زحفا فما زالوا يضاربونهم ويطاعنونهم حتى اضطروهم إلى الجسر فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو مائة فقاتلوهم حتى المساء وأوقعوا بأهل الشام من الضرب والطعن ما لم يروا مثله فلما رأى سفيان عجزه عنهم وخاف أن ينصروا عليه أمر الرماة أن يرموهم وذلك عند المساء وكانوا ناحية فتقدموا ورموا شبيبا ساعة فحمل هو أصحابه على الرماة فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلا ثم عطف على سفيان ومن معه فقاتلهم حتى اختلط الظلام ثم انصرف فقال سفيان لأصحابه لا تتبعوهم فلما انتهى شبيب إلى الجسر قال لأصحابه اعبروا وإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله فعبروا أمامه وتخلف في آخرهم وجاء ليعبر وهو على حصان وكانت بين يديه فرس أنثى فنزا فرسه عليها وهوعلى الجسر فاضطربت الحجر تحته ونزل حافر فرس شبيب على حرف السفينة فسقط في الماء فلما سقط قال ليقضي الله أمرا كان مفعولا وانغمس في الماء ثم ارتفع وقال ( ذلك تقدير العزيز العليم ) وغرق

وقيل في قتله غير ذلك وهو أنه كان مع جماعة من عشيرته ولم تكن لهم تلك البصيرة النافذة وكان قد قتل من عشائرهم رجالا فكان قد أوجع قلوبهم وكان منهم رجل اسمه مقاتل من بني تميم بن شيبان فلنا قتل شبيب من بني تيم أغار هو على بني مرة بن همام فقتل منهم فقال له شبيب ما حملك على قتلهم بغير أمري فقال له قتلت كفار قومي فقتلت كفار قومك ومن ديننا قتل من كان على غير رأينا وما أصبت من رهطي أكثر مما أصبت من رهطك وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد على قتل الكافرين قال لا أجد قتل من عشائرهم فلما تخلف في آخر الناس قال بعضهم لبعض هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثارنا فقطعوا الجسر فمالت به السفن فنفر به الفرس فوقع في الماء فغرق والأول أصح وأشهر وكان أهل الشام يريدون الانصراف فأتاهم صاحب الجسر فقال لسفيان إن رجلا منهم وقع في الماء فنادوا بينهم غرق أمير المؤمنين ثم إنهم انصرفوا راجعين وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد فكبر سليمان وكبر أصحابه وأقبل حتى انتهى إلى الجسر وبعث إلى العسكر وإذ ليس في أحد وإذا هو أكثر العساكر خيرا ثم استخرجوا شبيبا فشقوا جوفه وأخرجوا قلبه وكان صلبا كأنه صخرة فكان يضرب به الصخرة فيشبب عنها قامة الأنسان قيل وكان شبيب ينعى إلى أمه فيقال قتل فلا تقبل ذلك فلما قيل لها غرق صدقت ذلك وقالت إني رأيت حين ولدته أنه خرج مني شهاب نار فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء وكانت أمه جارية رومية قد اشتراها أبوه فأولدها شبيبا منه سنة خمس وعشرين يوم النحر وقالت إني رأيت فيما يرى النائم أنه خرج من قلبي شهاب نار فذهب ساطعا في السماء وبلغ الآفاق كلها فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير فخبا وقد ولدته في يومكم هذا الذي تهريقون فيه الدماء وقد أولت ذلك أن والدي يكون صاحب دماء وأن أمره سيعلو فيعظم سريعا وكان أبوه يختلف به إلى اللصف أرض قومه وهو من بني شيبان

ذكر خروج مطرف بن المغيرة بن شعبة ص 177

قيل إن بني المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء أشرافا بأنفسهم مع شرف أبيهم ومنزلتهم من قومهم فلما قدم الحجاج ورآهم علم أنهم رجال قومهم فاستعمل عروة على الكوفة ومطرفا على المدائن وحمزة على همذان وكانوا في أعمالهم أحسن الناس سيرة وأشدهم على المريب وكان مطرف على المدائن عند خروج شبيب وقربه منها كما سبق فكتب إلى الحجاج يستمده فأمده بسبرة بن عبد الرحمن بن مخنف وغيره وأقبل شبيب حتى نزل بهرسبر وكان مطرف بالمدينة العتيقة وهي التي فيها إيوان كسرى فقطع مطرف الجسر وبعث إلى شبيب يطلب إليه أن يرسل بعض أصحابه لينظر فيما يدعون فبعث إليه عدة منهم فسألهم مطرف عما يدعون اليه فقالوا ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله وأن الذي نقمنا من قومنا الاستئثار بالفيء وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية فقال له مطرف ما دعوتم إلا إلى حق وما نقمتم إلا جورا ظاهرا أنا لكم متابع فبايعوني على ما أدعوكم إليه ليجمع أمري وأمركم فقالوا اذكره فإن يكن حقا نجبك إليه قال أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة على أحداثهم وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين يؤمرون من يرتضون على مثل هذه الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب فإن العرب إذا علمت إنما يراد بالشورى الرضا من قريش رضوا وكثر تبعكم وأعوانكم فقالوا هذا ما لا نجيبك إليه وقاموا من عنده وترددوا بينهم أربعة أيام فلم تجتمع كلمتهم فساروا من عنده وأحضر مطرف نصحاءه وثقاته فذكر لهم ظلم الحجاج وعبد الملك وأنه ما زال يؤصر مخالفتهم ومناهضتهم وأنه يرى ذلك دينا لو وجد عليه أعوانا وذكر لهم ما جرى بينه وبين أصحاب شبيب وأنهم لو تابعوه على رأيه يخلع عبد الملك والحجاج واستشارهم فيما يفعل فقالوا له اخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد فقال له يزيد بن أبي زياد مولى أبيه المغيرة بن شعبة والله لا يخفى على الحجاج مما كان بينك وبينهم كلمة واحدة وليزادن على كل كلمة عشر أمثالها ولو كنت في السحاب لالتمسك الحجاج حتى يهلكك فالنجاء النجاء فوافقه أصحابه على ذلك فسار عن المدائن نحو الجبال فلقيه قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي بدير يزدجرد فأحسن إليه وأعطاه نفقة وكسوة فصحبه ثم عاد عنه ثم ذكر مطرف لأصحابه بالدسكرة ما عزم عليه ودعاهم إليه وكان رأيه خلع عبد الملك والحجاج والدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين يرتضون لأنفسهم من أحبوه فبايعه البعض على ذلك ورجع عنه البعض

وكان ممن رجع عنه سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف فجاء إلى الحجاج وقاتل شبيبا مع أهل الشام وسار مطرف نحو حلوان وكان بها سويد بن عبد الرحمن السعدي من قبل الحجاج فاراد هو والأكراد منعه ليعذر عند الحجاج فجازه مطرف بمواطأة منه وأوقع مطرف بالأكراد فقتل منهم وسار فلما دنا من همذان وبها أخوه حمزة بن المغيرة تركها ذات اليسار وقخد مه دينار وأرسل إلى أخيه حمزة يستمده بالمال والسلاح فارسل إليه سرا ما طلب وسار مطرف حتى بلغ قم وقاشان وبعث عماله على تلك النواحي وأتاه الناس وكان ممن أتاه سويد بن سرحان الثقفي وبكير بن هارون النخعي من الري في تحو مائة رجل وكتب البراء بن قبيصة وهو عامل الحجاج على اصبهان إليه يعرفة حال مطرف ويستمده فأمده بالرجال بعد الرجال على دواب البريد وكتب الحجاج إلى عدي بن زياد عامل الري يأمره بقصد مطرف وأن يجتمع هو والبراء على محاربته فسار عدي من الري فاجتمع هو والبراء بن قيبصة وكان عدي هو الأمير فاجتمعوا في نحو ستة آلاف مقاتل وكان حمزة بن المغيرة قد أرسل إلى الحجاج يعتذر فأظهر قبول عذره وأراد عزله وخاف أن يمتنع عليه فكتب إلى قيس بن سعد العجلي وهو على شرطة حمزة بهمذان بعهده على همذان ويأمره أن يقبض على حمزة بن المغيرة و كان بهمذان من عجل وربيعة جمع كثير فسار قيس بن سعد إلى حمزة في جماعة من عشيرته فأقرأه العهد بولاية همذان وكتاب الحجاج بالقبض عليه وقال سمعا وطاعة فقبض قيس على حمزة وجعله في السجن وتولى قيس همذان

وتفرغ قلب الحجاج من هذه الناحية لقتال مطرف وكان يخاف مكان حمزة بهمذان لئلا يمد أخاه بالمال والسلاح ولعله ينجده بالرجال فلما قبض عليه سكن قلبه وتفرغ باله ولما اجتمع عدي بن زياد الايادي والبراء بن قبيصة ساروا نحو مطرف فخندق عليه فلما دنوا منه اصطفوا للحرب واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب مطرف وقتل مطرف وجماعة كثيرة من أصحابه قتله عمير بن هبيرة الفزاري وحمل رأسه فتقدم بذلك عند بني أمية وقاتل ابن هبيرة ذلك اليوم وأبلى بلاء حسنا وقتل يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة وكان صاحب راية مطرف وقتل من أصحابه عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزدي وكان ناسكا صالحا وبعث عدي بن زياد إلى الحجاج أهل البلاء فأكرمهم وأحسن إليهم وأمن عدي بكير بن هارون وسويد بن سرحان وغيرهما وطلب منه الأمان للحجاج بن حارثة الخثعمي فبعث إليهم كتاب الحجاج يأمرهم بإرساله إليه إن كان حيا فاختفى ابن حارثة حتى عزل عدي ثم ظهر في إمارة خالد بن عتاب بن ورقاء وكان الحجاج يقول أن مطرقا ليس بولد للمغيرة بن شعبة إنما هو ولد مصقلة بن سبرة الشيباني وكان مصقلة والمغيرة يدعيانه فألحق بالمغيرة وجلد مصقلة الجد فلما أظهر رأي الخوارج قال الحجاج ذلك لان كثيرا من ربيعة كانوا من خوارج ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان

ذكر الاختلاف بين الأزارقة ص 180

قد ذكرنا مسير المهلب إلى الأزارقة ومحاربتهم إلى أن فارقة عتاب بن ورقاء الرياحي ورجع إلى الحجاج وأقام المهلب بعد مسير عتاب عنه يقاتل الخوارج فقاتلهم على سابور نحو سنة قتالا شديدا ثم إنه زاحفهم يوم البستان فقاتلهم أشد قتال وكانت كرمان بيد الخوارج وفارس بيد المهلب فضاق على الخوارج مكانهم لا يأتيهم من فارس مادة فخرجوا حتى أتوا كرمان وتبعهم المهلب بالعساكر حتى نزل بجيرفت وهي مدينة كرمان فقاتلهم قتالا شديدا فلما صارت فارس كلها في يد المهلب أرسل الحجاج العمال عليها فكتب إليه عبد الملك يأمره أن يترك بيد المهلب فسا ودارابجرد وكورة اصطخر تكون له معونة على الحرب فتركها له وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة ليحثه على قتال الخوارج ويأمره بالجد وأنه لا عذر له عنده فخرج من صلاة الغداة إلى الظهر ثم انصرفوا والبراء على مكان عال يراهم فجاء إلى المهلب فقال ما رأيت كتيبة ولا فرسانا أصبر ولا أشد من الفرسان الذين يقاتلونك ثم ان المهلب رجع العصر فقاتلهم كقتالهم أول مرة لا يصد كتيبة عن كتيبة وخرجت كتيبة من كتائب الخوارج لكتيبة من أصحاب المهلب فاشتد بينهم القتال إلى أن حجز بينهم الليل فقالت إحداهما للأخرى من أنتم فقال هؤلاء نحن من بني تميم وقال هؤلاء نحن من بني تميم وانصرفوا عند المساء فقال المهلب للبراء بن قبيصة كيف رأيت قوما ما يعينك عليهم إلا الله جل ثناؤه فأحسن المهلب إلى البراء وأمر له بعشرة آلاف درهم وانصرف البراء إلى الحجاج وعرفه عذر المهلب ثم إن المهلب قاتلهم ثمانية عشر شهرا لا يقدر منهم على شيء ثم إن عاملا لقطري على ناحية كرمان يدعى المقعطر الضبي قتل رجلا منهم فوثبت الخوارج إلى قطري وطلبوا منه أن يقيدهم من المقعطر فلم يفعل وقال إنه تأول فأخطأ التأويل ما أرى أن تقتلوه وهو في ذوي السابقة فيكم فوقع بينم الإختلاف وقيل كان سبب اختلافهم ان رجلا كان في عسكرهم يعمل النصول المسمومة فيرمي بها أصحاب المهلب فشكا أصحابه منها فقال أكفيكموه فوجه رجلا من أصحابه ومعه كتاب وأمره ان يلقيه في عسكر قطري ولا يراه أحد ففعل ذلك ووقع الكتاب إلى قطري فرأى فيه أما بعد فان نصالك وصلت وقد أنفذت اليك ألف درهم فأحضر الصانع فسأله فجحد فقتله قطري فأنكر عليه عبد ربه الكبير قتله واختلفوا ثم وضع المهلب رجلا نصرانيا وأمره أن يقصد قطريا ويسجد له ففعل ذلك فقال له الخوارج إن هذا قد اتخذك إلها ووثب بعضهم إلى النصراني فقتله فزاد اختلافهم وفارق بعضهم قطريا ثم ولوا عبد ربه الكبير وخلعوا قطريا وبقي مع قطري منهم نحو من ربعهم أو خمسهم واقتتلوا فيما بينهم نحوا من أشهر وكتب المهلب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج يأمره أن يقاتلهم على حال اختلافهم قبل أن يجتمعوا فكتب إليه المهلب إني لست أرى أن أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضا فإن تموا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهم وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقق بعضهم بعضهم بعضا فأناهضهم حينئذ وها هم أهون ما كانوا وأضعفه شوكة إن شاء الله تعالى والسلام فسكت عنه الحجاج وتركهم المهلب يقتتلون شهرا لا يحركهم ثم إن قطريا خرج بمن اتبعه نحو طبرستان وبايع الباقون عبد ربه الكبير

ذكر مقتل عبد ربه الكبير ص 181

لما سار قطري إلى طبرستان وأقام عبد ربه الكبير بكرمان نهض إليهم المهلب فقاتلوه قتالا شديدا وحصرهم بجبرفت وكرر قتالهم وهو لا ينال منهم حاجته ثم إن الخوارج طال عليهم الحصار فخرجوا من جيرفب بأموالهم وحرمهم فقاتلهم المهلب قتالا شديدا حتى عقرت الخيل وتكسرت السلاح وقتل الفرسان فتركهم فساروا ودخل المهلب جيرفت ثم سار يتبعهم إلى أن لحقهم على أربعة فراسخ من جيرفت فقاتلهم من بكرة إلى نصف النهار وكف عنهم وأقام عليهم ثم إن عبد ربه جمع أصحابه وقال يا معشر المهاجرين إن قطريا ومن معه هربوا طلب البقاء ولا سبيل إليه فالقوا عدوكم وهبوا أنفسكم لله ثم عاد للقتال فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما قبله فبايع جماعة من أصحاب المهلب على الموت ثم ترجلت الخوارج وعقروا دوابهم واشتد القتال وعظم الخطب حتى قال المهلب ما مر بي مثل هذا ثم إن الله تعالى أنزل نصره على المهلب وأصحابه وهزم الخوارج وكثر القتلى فيهم وكان فيمن قتل عبد ربه الكبير وكان عدد القتلى أربعة آلاف قتيل ولم ينج منهم إلا قليل وأخذ عسكرهم وما فيه وسبوا لأنهم كانوا يسبون نساء المسلمين وقال الطفيل بن عامر بن واثلة يذكر قتل عبد ربه الكبير وأصحابه

( لقد مس منا عبد رب وجنده % عقاب فأمسى سبيهم في المقاسم )

( سما لهم بالجيش حتى أزاحهم % بكرمان عن مثوى من الأرض ناعم )

( وما قطري الكفر إلا نعامة % طريد يدوي ليله غير نائم )

( إذا فر منا هاربا كان وجهه % طريقا سوى قصد الهدى والمعالم )

( فليس بمنجيه الفرار وإن جرت % به الفلك في لج من البحر دائم )

وهي أكثر من هذا تركناها لشهرتها وأحسن الحجاج إلى أهل البلاء وزادهم وسير المهلب إلى الحجاج مبشرا فلما دخل عليه أخبره عن الجيش وعن الخوارج وذكر حروبهم وأخبره عن بني المهلب فقال المغيرة فارسهم وسيدهم وكفى بيزيد فارسا شجاعا وجوادهم وسخيهم قبيصة ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدركه وعبد الملك سم ناقع وحبيب موت زعاف ومحمد ليث غاب وكفاك بالمفضل نجدة قال فأيهم كان أنجد قال كانوا كالحلقة المفزغة لا يعرف طرفها فاستحسن قوله وكتب إلى المهلب يشكره ويأمره أن يولي كرمان من يثق إليه ويجعل فيها من يحميها ويقدم إليه فاستعمل على كرمان يزيد ابنه وسار إلى الحجاج فلما قدم عليه أكرمه وأجلسه إلى جانبه وقال يا أهل العراق أنتم عبيد المهلب ثم قال له أنت كم قال لقيط بن يعمر الأيادي في صفة أمراء الجيوش

( وقلدوا أمركم لله دركم % رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا )

( لا مترفا إن رخاء العيش ساعده % ولا إذا عض مكروه به خشعا )

( مسهد النوم تعنيه ثغوركم % يروم منها إلى الأعداء مطلعا )

( ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره % يكون متبعا طورا ومتسعا )

( وليس يشغله مال يثمره % عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا )

( حتى استمرت على شزر مريرته % مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا ) وهي قصيدة طويلة وهذا هو الأجود منها

ذكرقتل قطري بن الفجاءة وعبيدة بن هلال ص 183

قيل وفي هذه السنة كانت هلكة قطري وعبيدة بن هلال ومن معهم من الأزارقة وكان السبب في ذلك أن أمرهم لما تشتت بالاختلاف الذي ذكرنا وسار قطري نحو طبرستان وبلغ خبره الحجاج سير إليه سفيان بن الأبرد في جيش عظيم وسار سفيان واجتمع معه إسحاق بن محمد بن الأشعث في جيش لأهل الكوفة بطبرستان فأقبلا في طلب قطري فلحقوه في شعت من شعاب طبرستان فقاتلوه فتفرق عنه أصحابه ووقع عن دابته فتدهده إلى أسفل الشعب وأتاه علج من أهل البلد فقال له قطري اسقني الماء فقال العلج اعطني شيئا فقال ما معي إلا سلاحي وأنا أعطيك إذا أتيتني بالماء فانطلق العلج حتى أشرف على قطري ثم حدر عليه حجرا من فوقه فأصاب وركه فأوهنه فصاح بالناس فأقبلوا نحوه ولم يعرف العلج غير أنه يظن أنه من أشرافهم لكمال سلاحه وحسن هيئته فجاء إليه نفر من أهل الكوفة فقتلوه منهم سورة بن الحر التميمي وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف والصباح بن محمد بن الأشعث وباذان مولاهم وعمر بن أبي الصلت وكل هؤلاء ادعى قتله فجاء إليهم أبو الجهم بن كنانة فقال لهم ادفعوا رأسه إلي حتى تصطلحوا فدفعوه إليه فأقبل به إلى إسحاق بن محمد وهو على الكوفة فأرسله معه إلى سفيان فسير سفيان الرأس مع أبي الجهم إلى الحجاج فسيره الحجاج إلى عبد الملك فجعل عطاءه في ألفين ثم إن سفيان سار إليهم فأحاط بهم ثم أمر مناديه فنادى من قتل صاحبه وجاء إلينا فهو آمن فقال عبيدة بن هلال في ذلك

( لعمري لقد قام الأضم بخطبة % لدى الشك منها في الصدور غليل )

( لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي % وفارقت ديني إنني لجهول )

( إلى الله أشكو ما نرى بجيادنا % تسرك هزلي مخهن قليل )

( تعاورها القذاف من كل جانب % بقومس حتى صعبهن ذلول )

( فإن يك أفناها الحصار فربما % تشحط فيما بينهن قتيل )

( وقد كن ممن إن يقدن على الوجى % لهن بأبواب القباب صهيل )

وحصرهم سفيان حتى أكلو دوابهم ثم خرجوا إليه فقاتلوه فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجاج ثم دخل سفيان دنباوند وطبرستان فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم وقال بعض العلماء انقرضت الأزارقة بعد مقتل قطري وعبيدة إنما كانو دفعة متصلة أهل عسكر واحد وأول رؤسائهم نافع بن الأزرق وآخرهم قطري وعبيدة واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة إلا أني أشك في صبيح المازني التميمي مولى سوار بن الأشعر الخارج أيام هشام قيل هو من الأزارقة أو الصفرية إلا أنه لم تطل أيامه بل قتل عقيب خروجه

ذكر قتل بشير بن وساج ص 184

في هذه السنة قتل أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بكير بن وساج وكان سبب ذلك أن أمية بن عبد الله وهو عامل عبد الملك بن موران على خراسان أمر بكيرا بالتجهيز لغزو ما وراء النهر وقد كان قبل ذلك ولاه طخارستان فتجهز له فوشى به بحير بن ورقاء إلى أمية فمنعه عنها فلما أمره بغزو ما وراء النهر تجهز وأنفق نفقة كثيرة وأدان فيها فقال بحير لأمية إن صار بينك وبينه النهر خلع الخليفة فأرسل إليه أمية إن أقم لعلي أغزو فتكون معي فغضب بكير وقال كأنه يضارني وكان عقاب اللقوة الغداني استدان ليخرج مع بكير فأخذه غرماؤه فحبس حتى أدى عنه بكير ثم إن أمية تجهز للغزو إلى بخارى ثم يعود منها إلى موسى بن عبد الله بن خازم بترمذ وتجهز الناس معه وفيهم بكير وساروا فلما بلغوا النهر وأرادوا قطعه قال أمية لبكير إني قد استخلفت ابني على خراسان وأخاف أنه لا يضبطها لأنه غلام حدث فارجع إلى مرو فاكفنيها فإني قد وليتكها فقم بأمر ابني فانتخب بكير فرسانا كان عرفهم ووثق بهم ورجع ومضى أمية إلى بخارى للغزاة فقال عقاب القوة لبكير إنا طلبنا أميرا من قريش فجاءنا أمير يلعب بنا ويحولنا من سجن إلى سجن وإني أرى أن تحرق هذه السفن ونمضي إلى مرو ونخلع أمية ونقيم بمرو ونأكلها إلى يوم ما ووافقه الأحنف بن عبد الله العنبري على هذا قال بكير أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معي قال إن هلك هؤلاء فأنا آتيك من أهل مرو بما شئت قال يهلك المسلمون قال إنما يكفيك أن ينادي مناد من أسلم رفعنا عنه الخراج فيأتيك خمسون ألفا أسمع من هؤلاء وأطوع قال فيهلك أمية ومن معه قال ولم يهلكون ولهم عدد وعدة ونجدة وسلاح ظاهر ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين فحرق بكير السفن ورجع إلى مرو فأخذ ابن أمية فحبسه وخلع أمية

وبلغ أمية الخبر فصالح أهل بخارى على فدية قليلة ورجع وأمر باتخاذ السفن وعبر وذكر للناس إحسانه إلى بكير مرة بعد أخرى وأنه كافأه بالعصيان وسار إلى مرو وأتاه موسى بن عبد الله بن خازم وأرسل أمية شماس بن دثار في ثمانمائة فسار إليه بكير وبيته فهزمه وأمر أصحابه أن لا يقتلوا منهم أحدا فكانوا يأخذون سلاحهم ويطلقونهم وقد أمية فتلقاه شماس فقدم أمية ثابت بن قطبة فلقيه بكير فأسر ثابتا وفرق جمعه ثم أطلقه ليد كانت لثابت عنده وأقبل أمية وقاتله بكير فانكشف يوما أصحابه فحماهم بكير ثم التقوا يوما آخر فاقتتلوا قتالا شديدا ثم التقوا يوما آخر فضرب بكير ثابت بن قطبة على رأسه فحمل حريص بن قطبة أخو ثابت على بكير فانحاز بكير وانكشف أصحابه واتبع حريث بكيرا حتى بلغ القنطرة وناداه إلى اين يا بكير فرجع فضربه حريث على رأسه فقطع المغفر وعض السيف رأسه فصرع واحتمله أصحابه فادخلوه المدينة وكانوا يقاتلونهم فكان أصحاب بكير يغدون في الثياب المصبغة من أحمر وأصفر فيجلسون يتحدثون وينادي مناديهم من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله فلا يرميهم أحد وخاف بكير إن طال الحصار أن يخذله الناس فطلب الصلح وأحب ذلك أيضا أصحاب أمية فاصطلحوا على أن يقضي أمية عنه أربعمائة ألف ويصل أصحابه ويوليه أي كور خراسان شاء ولا يسمع قول بحير فيه وإن رابه ريب فهو آمن أربعين يوما ودخل أمية مدينة مرو ووفى لبكير وعاد إلى ما كان من إكرامه وأعطى أمية عقابا عشرين ألفا

وقد قيل إن بكيرا لم يصحب أمية إلى النهر بل كان أمية قد استخلفه على مرو فلما سار أمية وعبر النهر خلعه فجرى الأمر بينهما على ما ذكرناه وكان أمية سهلا لينا سخيا وكان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان وكان فيه زهو شديد وكان يقول ما تكفيني خراسان لمطبخي وعزل أمية بحيرا عن شرطته وولاها عطاء بن أبي السائب وطالب أمية الناس بالخراج واشتد عليهم وكان يوما بكير في المسجد وعنده الناس فذكروا شدة أمية وذموه وبحير وضرار بن حصين وعبد الله بن جارية بن قدامة في المسجد فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه فادعى شهادة هؤلاء فشهد مزاحم بن أبي المجشر السلمي أنه كان يمزح فتركه أمية ثم أن بحيرا أتى أمية وقال له والله إن بكيرا قد دعاني إلى خلعك وقال لولا مكانك لقتلت هذا القرشي وأكلت خراسان فلم يصدقه أمية فاستشهد جماعة ذكر بكير انهم أعداؤه فقبض أمية على بكير وعلى بدل وشمر ودل ابني أخيه ثم أمر أمية بعض رؤساء من معه بقتل بكير فامتنعوا فأمر بحيرا بقتله فقتله وقتل أمية ابن أخي بكير

ذكر عدة حوادث ص 186

في هذه السنة عبر أمية نهر بلخ للغزو فحوصر حتى جهد هو وأصحابه ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك ورجعوا إلى مرو وحج هذه السنة بالناس أبان بن عثمان وهو أمير المدينة وكان على الكوفة والبصرة الحجاج وعلى خراسان أمية

وغزا هذه السنة الصائفة الوليد بن عبد الملك

وفيها مات جابر بن عبد الله بن الأنصاري

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.