الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
9

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين

الجزء الثالث 5 عنصر صفحة 225
ذكر ملك عمرو بن العاص وقتل محمد بن أبي بكر الصديق ص 225

في هذه السنة قتل محمد بن أبي بكر الصديق بمصر وهو عامل علي عليها وقد ذكرنا سبب تولية تولية علي إياه مصر وعزل قيس بن سعد عنها ودخوله مصر وإنفاذه ابن مضاهم الكلبي إلي أهل خربتل فلما مضي ابن مضاهم قتلوه وخرج معاوية بن حديج السكوني وطلب بدم عثمان ودعا إليه فأجابه ناس وفسدت مصر علي محمد بن أبي بكر فبلغ ذلك عليا فقال ما لمصر إلا أحد الرجلين صاحبنا الذي عزلنا يعني قيسا أو الأشتر وكان الأشتر قد عاد بعد صفين إلي عمله بالجزيرة وقال علي لقيس أقم عندي علي شرطتي حتى تنقضي الحكومة ثم تسير إلي أذربيجان فلما بلغ عليا أمر مصر كتب إلي الأشتر وهو بنصيبين يستدعيه فحضر عنده فأخبره خبر أهل مصر وقال ليس لها غيرك فاخرج إليها فإني لو لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ وتشدد حين لا يغني إلا الشدة

فخرج الأشتر يتجهز إلي مصر وأتت معاوية عيونه بذلك فعظم عليه وكان قد طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر فبعث معاوية إلي المقدم علي أهل الخراج بالقلزم وقال له إن الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت فخرج الحابسات حتى أتي القلزم وأقام به وخرج الأشتر من العراق إلي مصر فلما انتهي إلي القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول فنزل عنده فأتاه بطعام فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سما فسقاه إياه فلما شربها مات وأقبل معاوية لاهل الشام إن عليا قد وجه الأشتر إلي مصر فادعوا الله عليه فكانوا يدعون الله عليه كل يوم وأقبل الذي سقاه إلي معاوية فأخبره بمهلك الأشتر فقام معاوية خطيبا ثم قال أما بعد فإنه كانت لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفين يعني عمار بن ياسر وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر فلما بلغ عليا موته قال لليدين والفم وكان قد ثقل عليه لاشياء نقلت عنه وقيل إنه لما بلغه قتله قال إنا لله وإنا إليه راجعون مالك وما مالك وهل موجود مثل ذلك لو كان من حديد لكان قيدا أو من حجر لكان صلدا علي مثله فلتبك البواكي وهذا أصح لأنه لو كان كارها لو يوله مصر وكان الأشتر قد روي الحديث عن عمر وعلي وخالد بن الوليد وأبي ذر وروي عنه جماعة وقال أحمد بن صالح كان ثقة

قيل ولما بلغ محمد بن أبي بكر إنفاذ الأشتر شق عليه فكتب إليه علي أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلي عملك وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد ولا ازديادا مني لك في الجد ولو نزعت ما تحت يدك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤنة منه وأعجب إليك ولاية إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان لنا نصيحا وعلي عدونا شديدا وقد استكمل أيامه ولاقي حمامه ونحن عنه راضون فرضي الله عنه وضاعف له الثواب اصبر لعدوك وشمر للحرب وادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك علي ما ولاك وكتب إليه محمد أما بعد فقد انتهي إلي كتابك وفهمته وليس أحد من الناس أرضي برأي أمير المؤمنين ولا أجهد علي عدوه ولا ارأف بوليه مني وقد خرجت فعسكرت وأمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا خلافا وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه والسلام وقيل إنما تولي الأشتر مصر بعد قتل محمد بن أبي بكر

وكان أهل الشام ينتظرون بعد صفين أمر الحكمين فلما تفرقا بايع أهل الشام معاوية بالخلافة ولم يزدد إلا قوة واختلف الناس بالعراق علي علي فما كان لمعاوية هم إلا مصر وكان يهاب أهلها لقربهم منه وشدتهم علي من كان علي رأي عثمان وكان يرجو أنه إذا ظهر عليه ظهر علي حرب علي لعظم خراجها فدعا معاوية عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبي أرطأة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد وأبا الأعور السلمي وشرحبيل بن السمط الكندي فقال لهم أتدرون لم جمعتكم فإني جمعتكم لأمر لي مهم فقالوا لم يطلع الله علي الغيب أحدا وما نعلم ما تريد فقال عمرو بن العاص دعوتنا لتسألنا عن رأينا في مصر فإن كنت جمعتنا لذلك فاعزم واصبر فنعم الرأي رأيت في افتتاحها فإن فيه عزك وعز أصحابك وكبت عدوك وذل أهل الشقاق عليك فقال معاوية أهمك يا بن العاص وما أهمك وذلك أن عمرا كان صالح معاوية علي قتال علي علي أن له مصر طعمة ما بقي

وأقبل معاوية علي أصحابه وقال أصاب أبو عبد الله فما ترون فقالوا ما نري إلا ما رأي عمرو قال فكيف أصنع فإن عمر لم يفسر كيف أصنع فقال عمرو أري أن تبعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صابر صارم تأمنه وتثق به فيأتي مصر فإنه سيأتيه من ينصرك الله قال معاوية أري أن نكاتب من بها من شيعتنا فنمنيهم ونأمرهم بالثبات ونكاتب من بها من عدونا فندعوهم إلي صلحنا ونمنيهم شكرنا ونخوفهم حربنا فإن كان ما أردنا بغير قتال فذاك الذي أردنا وإلا كان حربهم من بعد ذلك إنك يا ابن العاص امرؤ بورك لك في الشدة والعجلة وأنا بورك لي في التؤدة قال عمرو افعل ما تري فما أري أمرنا يصير إلا إلي الحرب

فكتب معاوية إلي مسلمة بن مخلد ومعاوية بن حديج السكوني وكانا قد خالفا عليا يشكرهما علي ذلك ويحثهما علي الطلب بدم عثمان ويعدهما المواساة في سلطانه وبعثه مع مولاه سبيع فلما وقفا عليه أجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن حديج أما بعد فإن الأمر الذي بذلنا له أنفسنا واتبعنا به أمر الله أمر نرجو به ثواب ربنا والنصر علي من خالفنا وتعجيل النقمة علي من سعي علي إمامنا وأما ما ذكرت من المواساة في سلطانك فتالله إن ذلك أمر ماله نهضنا ولا إياه أردنا فعجل إلينا بخيلك ورجلك فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين فإن يأتنا مدد يفتح الله عليك والسلام

فجاءه الكتاب وهو بفلسطين فدعا أولئك النفر وقال لهم ما ترون قالوا نري أن تبعث جندا فأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها وبعث معه ستة آلاف رجل ووصاه بالتؤدة وترك العجلة وسار عمرو فنزل أداني مصر فاجتمعت إليه العثمانية فأقام بهم وكتب إلي محمد بن أبي بكر أما بعد فتنح عني بدمك يا بن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا علي خلافك وهم مسلموك فاخرج منها إني لك من الناصحين وبعث معه كتاب معاوية في المعني أيضا ويتهدده بقصده حصار عثمان فأرسل محمد الكتابين إلي علي ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر وأنه رأي التثاقل ممن عنده ويستمده فكتب إليه علي يأمره أن يضم شيعته إليه ويعده إنفاذ الجيوش إليه ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله

وقام محمد بن أبي بكر في الناس وندبهم إلي الخروج إلي عدوهم مع كنانة ابن بشر فانتدب معه ألفان وخرج محمد بن أبي بكر بعده في ألفين وكنانة علي مقدمته وأقبل عمرو نحو كنانة فلما دنا منه سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة فجعل كنانة لا تأتيه إلا حمل عليها فألحقها بعمرو بن العاص فلما رأي ذلك بعث إلي معاوية بن حديج فأتاه في مثل الدهم فأحاطوا بكنانة وأصحابه واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب فلما رأي ذلك كنانة نزل عن فرسه ونزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه حتى استشهد وبلغ قتله محمد بن أبي بكر فتفرق عنه أصحابه وأقبل نحوه عمرو وما بقي معه أحد فخرج محمد يمشي في الطريق فانتهي إلي خربة في ناحية الطريق فأوي إليها وسار عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر فانتهي إلي جماعة علي قارعة الطريق فسألهم عنه فقال أحدهم دخلت تلك الخربة فرأيت فيها رجلا جالسا فقال ابن حديج هو هو فدخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا وأقبلوا به نحو الفسطاط فوثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلي عمرو بن العاص وكان في جنده وقال أتقتل أخي صبرا ابعث إلي ابن حديج فانهه عنه فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد فقال قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا محمدا أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر هيهات هيهات فقال لهم محمد بن أبي بكر اسقوني ماء فقال له معاوية بن حديج لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان شرب الماء والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم والغساق فقال له محمد يا بن اليهودية ليس ذلك إليك إنما ذلك إلي الله يسقي أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وأمثالك أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا

ثم قال له أتدري ما أصنع بك أدخلك جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار فقال محمد إن فعلت بي ذلك فلطالما فعلتم ذلك بأولياء الله وإني لأرجو أن يجعلها عليك وعلي أولياءك ومعاوية وعمرو نارا تلظي كلما خبت زادها الله سعيرا فغضب منه وقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت في دبر الصلاة تدعو علي معاوية وعمرو وأخذت عيال محمد إليها فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالهم ولم تأكل من ذلك الوقت شواء حتى توفيت

وقد قيل إن محمدا قاتل عمرا ومن معه قتالا شديدا فقتل كنانة وانهزم محمد واختبأ عند جبلة بن مسروق فدل عليه معاوية بن حديج فأحاط به فخرج محمد فقاتل حتى قتل

وأما علي فلما جاءه كتاب محمد بن أبي بكر فأجابه عنه ووعده المدد وقام في الناس خطيبا وأخبرهم خبر مصر وقصد عمرو إياها وندبهم إلي إنجادهم وحثهم علي ذلك وقال اخرجوا بنا إلي الجرعة وهي بين الكوفة والحيرة فلما كان الغد خرج إلي الجرعة فنزلها بكرة وأقام بها حتى انتصف النهار فلم يأته أحد فرجع فلما كان العشي استدعي أشراف الناس وهو كئيب فقال الحمد لله علي ما قضى من أمره وقدر من فعله وابتلاني بكم أيتها القرية التي لا تطيع إذا أمرت ولا تجيب إذا دعوت لا أبا لغيركم ما تنتظرون بمصركم والجهاد علي حقكم فوالله لئن جاء الموت وليأتيني ليفرقن بيني وبينكم وأنا لصحبتكم قال وبكم غير كثير لله أنتم أما دين يجمعكم ولا حمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم ينتقص بلادكم ويشن الغارة عليكم أوليس عجيبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه علي غير عطاء ولا معونة في السنة المرة والمرتين والثلاث إلي أي وجه شاء وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهي وبقية الناس علي العطاء والمعونة فتتفرقون عني تعصونني وتختلفون علي

فقام كعب بن مالك الأرحبي وقال يا أمير المؤمنين اندب الناس لهذا اليوم كنت ادخر نفسي ثم قال أيها الناس اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوه وأنا أسير إليه فخرج معه ألفان فقال له سر فوالله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم فسار بهم خمسا ثم أن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم من مصر فأخبره بقتل محمد بن أبي بكر وكان معه وقدم عليه عبد الرحمن بن شبيب الفزاري من الشام وكان عينه هناك فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك مصر وسرور أهل الشام بقتله فقال علي أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به لا بل يزيد أضعافا

فأرسل علي فأعاد الجيش الذي نفذهم وقام في الناس خطيبا وقال ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلمة الذين صادوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجا ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد فعند الله نحتبسه وأما والله إن كان كما علمت لممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدي المؤمن إني والله ما ألوم نفسي علي تقصير وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير وأني لأتقدم علي الأمر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأي المصيب واستصرخكم معلنا وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون إلي قولا ولا تطيعون لي أمرا حتى تصير الأمور إلي عواقب المساءة فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ولا تنفض بكم الأوتار دعوتكم إلي غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق وتثاقلتم إلي الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلي الموت وهم ينظرون فأف لكم ثم نزل

معاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدال المهملتين جارية بن قدامة بالجيم وفي آخره ياء تحتها نقطتان بسر بن أبي ارطأة بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة

ذكر إرسال معاوية عبد الله الحضرمي إلي البصرة ص 231

في هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبي بكر واستيلاء عمر بن العاص علي مصر سير عبد الله بن الحضرمي إلي البصرة وقال له إن جل أهلها يرون رأينا في عثمان وقد قتلوا في الطلب بدمه فهم لذلك حنقون يودون أن يأتيهم من يجمعهم وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم فانزل في مصر وتودد الأزد فإنهم كلهم معك ودع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم لأنهم كلهم ترابية فاحذرهم فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة وكان ابن عباس قد خرج إلي علي بالكوفة واستخلف زياد بن أبيه علي البصرة فلما وصل ابن الحضرمي إلي البصرة نزل في بني تميم فأتاه العثمانية مسلمين عليه وحضره غيرهم فخطبهم وقال إن عثمان إمامكم إمام الهدي قتل مظلوما قتله علي فطلبتم بدمه فجزاكم الله خيرا

فقام الضحاك بن قيس الهلالي وكان علي شرطة ابن عباس فقال قبح الله ما جئتنا به وما تدعونا إليه أتيتنا والله بمثل ما أتانا به طلحة والزبير أتيانا وقد بايعنا عليا واستقامت أمورنا فحملانا علي الفرقة حتى ضرب بعضنا بعضا ونحن الآن مجتمعون علي بيعته وقد أقال العثرة وعفا عن المسيء أفتأمرنا أن ننتضيء أسيافنا ويضرب بعضنا بعضا ليكون معاوية أميرا والله ليوم من أيام علي خير من معاوية وآل معاوية فقام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك اسكت فلست بأهل أن تتكلم ثم أقبل علي ابن الحضرمي فقال نحن أنصارك ويدك والقول قولك فاقرأ كتابك فأخرج كتاب معاوية إليهم يذكرهم فيه آثار عثمان فيهم وحبه العافية وسده ثغورهم ويذكر قتله ويدعوهم إلي الطلب بدمه ويضمن أنه يعمل فيهم بالسنة ويعطيهم عطاءين في السنة

فلما فرغ من قراءته قام الأحنف فقال لا ناقتي في هذا ولا جملي واعتزل القوم وقام عمرو بن مرحوم العبدي فقال أيها الناس الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة

وكان عباس بن صحار العبدي مخالفا لقومه في حب علي فقام وقال لننصرنك بأيدينا وألسنتنا فقال له المثني بن مخربة العبدي والله لئن لم ترجع إلي مكانك الذي جئتنا منه لنجاهدنك بأسيافنا ورماحنا ولا يغرنك هذا الذي يتكلم يعني ابن صحار فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان أنت ناب من أنياب العرب فانصرني فقال لو نزلت في داري لنصرتك فلما رأي زياد ذلك خاف فاستدعي حضين بن المنذر ومالك بن مسمع فقال أنتم يا معشر بكر بن وائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته وقد كان من ابن الحضرمي ما ترون وأتاه من أتاه فامنعوني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين فقال حضين بن المنذر نعم وقال مالك وكان رأيه مائلا إلي بني أمية هذا أمر لي فيه شركاء استشير فيه و انظر

فلما رأي زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف عليه ربيعة فأرسل إلي صبرة بن شيمان الحداني الأزدي يطلب أن يجيره وبيت مال المسلمين فقال إن حملته إلي داري أجرتكما فنقله إلي داره بالحدان ونقل المنبر أيضا فكان يصلي الجمعة بمسجد الحدان ويطعم الطعام فقال زياد لجابر بن وهب الراسبي يا أبا محمد إني لا أري ابن الحضرمي يكف وأراه سيقاتلكم ولا أدري ما عند أصحابك فانظر ما عندهم

فلما صلي زياد جلس في المجلس واجتمع الناس إليه فقال جابر يا معشر الأزد إن تميما تزعم أنهم هم الناس وأنهم أصبر منكم عند البأس وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم ويأخذوا جاركم ويخرجوه قسرا فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين فقال صبرة بن شيمان وكان مفخما إن جاء الأحنف جئت وإن جاء حماتهم جئت وإن جاء شبابهم ففينا شباب

وكتب زياد إلي علي بالخبر فأرسل علي إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي ثم التميمي ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فإن امتنعوا قاتل بمن أطاعه من عصاه وكتب إلي زياد يعلمه ذلك فقدم أعين فأتي زيادا فنزل عنده وجمع رجالا وأتي قومه ونهض إلي ابن الحضرمي ومن معه ودعاهم فشتموه وواقفهم نهاره ثم انصرف عنهم فدخل عليه قوم قيل إنهم من الخوارج وقيل وضعهم ابن الحضرمي علي قتله وكان معهم فقتلوه غيلة فلما قتل أعين أراد زياد قتالهم فأرسلت تميم إلي الأزد إنا لم نعرض لجاركم فما تريدون إلي جارنا فكرهت الأزد قتالهم وقالوا إن عرضوا لجارنا منعناه وكتب زياد إلي علي يخبره خبر أعين وقتله فأرسل علي جارية بن قدامة السعدي وهو من بني سعد من تميم وبعث معه خمسين رجلا وقيل خمسمائة من تميم وكتب إلي زياد يأمره جارية والإشارة عليه فقدم جارية البصرة فحذره زياد ما أصاب أعين فقام جارية في الأزد فجزاهم خيرا وقال عرفتم الحق إذ جهله غيركم وقرأ كتاب علي إلي أهل البصرة يوبخهم ويتهددهم ويعنفهم ويتوعدهم بالمسير إليهم والإيقاع بهم وقعة تكون وقعة الجمل عندها هباء فقال صبرة بن شيمان سمعا لأمير المؤمنين وطاعة نحن حرب لمن حاربه وسلم لمن سالمه

وقال أبو صفرة والد المهلب لزياد لو أدركت الجمل ما قتل قومي أمير المؤمنين وقيل إن أبا صفرة كان توفي في مسيره إلي صفين والله أعلم وسار جارية إلي قومه وقرأ عليهم كتاب علي ووعدهم خازم السلمي فاقتتلوا ساعة وأقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع جارية فانهزم ابن الحضرمي فتحصن بقصر سنيبل ومعه ابن خازم فأتته أمه عجلي وكانت حبشية فأمرته بالنزول فأبي فقالت والله لتنزلن أو لأنزعن ثيابي فنزل ونجا وأحرق جارية القصر بمن فيه فهلك ابن الحضرمي وسبعون رجلا معه وعاد زياد إلي القصر وكان قصر سنيبل لفارس قديما وصار لسنيبل السعدي وحوله خندق وكان فيمن احترق دارع بن بدر أخو حارثة بن بدر فقال عمرو بن العرندس

( رددنا زيادا إلي داره % وجار تميم دخانا ذهب )

( لحي الله قوما شووا جارهم % ولم يدفعوا عنه حر اللهب )

في أبيات غير هذه وقال جرير

( غدرتم بالزبير فما وفيتم % وفاء الأزد إذ منعوا زيادا )

( فأصبح جارهم بنجاة عز % وجار مجاشع أمسي رمادا )

( فلو عاقدت حبل أبي سعيد % لذاد القوم ما حمل النجادا )

( وأدني الخيل من رهج المنايا % وأغشاها الأسنة والصعادا )

جارية بن قدامة بالجيم والياء تحتها نقطتان وحارثة بن بدر بالحاء المهملة وبعدها ثاء مثلثة وعبد الله بن خازم بالخاء المعجمة والزاي والمثني بن مخربة بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة وآخره باء موحدة

ذكر خبر الخريت بن راشد وبني ناجية ص 234

قيل وفي هذه السنة أظهر الخريت بن راشد الناجي الخلاف علي علي فجاء إلي أمير المؤمنين وكان معه ثلاثمائة من بني ناجية خرجوا مع علي من البصرة فشهدوا معه الجمل وصفين وأقاموا معه بالكوفة إلي هذا الوقت فحضر عند علي في ثلاثين راكبا من أصحابه فقال له يا علي والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك وإني غدا مفارق لك وذلك بعد تحكيم الحكمين فقال له ثكلتك أمك إذا تعصي ربك وتنكث عهدك ولا تضر إلا نفسك خبرني لم تفعل ذلك فقال لأنك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق وركنت إلي القوم الذين ظلموا فأنا عليك زار وعليهم ناقم ولكم جميعا مباين فقال له علي هلم أدارسك الكتاب وأناظرك في السنن وأفاتحك أمورا أنا أعلم بها منك فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر قال فإني عائد إليك قال لا يستهوينك الشيطان ولا يستخفنك الجهال والله لئن استرشدتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد

فخرج من عنده منصرفا إلي أهله وسار من ليلته هو وأصحابه فلما سمع بمسيرهم علي قال بعدا لهم كما بعدت ثمود إن الشيطان اليوم استهواهم وأضلهم وهو غدا متبرئ منهم

فقال له زياد بن خصفة البكري يا أمير المؤمنين إنه لم يعظم علينا فقدهم فتأسي عليهم إنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا ولقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليك من أهل طاعتك فأذن لي في أتباعهم حتى أردهم عليك فقال أتدري أين توجهوا قال لا ولكني أسأل وأتبع الأثر فقال له اخرج رحمك الله وانزل دير أبي موسى وأقم حتى يأتيك أمري فإن كانوا ظاهرين فإن عمالي سيكتبون بخبرهم

فخرج زياد فأتي داره وجمع أصحابه من بكر بن وائل وأعلمهم الخبر فسار معه مائة وثلاثون رجلا فقال حسبي ثم سار حتى أتي دير أبي موسى فنزله يوما ينتظر أمر علي وأتي عليا كتاب من قرظة بن كعب الأنصاري يخبره أنهم توجهوا نحو نفر وأنهم قتلوا رجلا من الدهاقين كان أسلم فارسل علي إلي زياد يأمره باتباعهم ويخبره خبرهم وأنهم قتلوا رجلا مسلما ويأمره بردهم إليه فإن ابوا يناجزهم وسير الكتاب مع عبد الله بن وأل فاستأذنه عبد الله في المسير مع زياد فأذن له وقال له إني لأرجو أن تكون من أعواني علي الحق وأنصاري علي القوم الظالمين قال ابن وأل فوالله ما أحب أن لي بمقالته تلك حمر النعم وسار بكتاب علي إلي زياد وساروا حتى أتوا نفر فقيل إنهم ساروا نحو جرجرايا فتبعوا آثارهم حتى أدركوهم بالمذار وهم نزول قد أقاموا يومهم وليلتهم واستراحوا فأتاهم زياد وقد تقطع أصحابه وتعبوا فلما رأوهم ركبوا خيولهم وقال لهم الخريت أخبروني ما تريدون

فقال له زياد وكان مجربا رفيقا قد تري ما بنا من التعب والذي جئناك له لا يصلحه الكلام علانية ولكن ننزل ثم نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا فإن رأيت ما جئناك به حظا لنفسك قبلته وإن رأينا فيما نسمع منك أمرا نرجو فيه العافية لم نرده عليك قال فانزل فنزل زياد وأصحابه علي ماء هناك وأكلوا شيئا وعلقوا علي دوابهم ووقف زياد في خمسة فوارس بين أصحابه وبين القوم وكانوا قد نزلوا أيضا وقال زياد لأصحابه إن عدتنا كعدتهم وأري أمرنا يصير إلي القتال فلا تكونوا أعجز الفريقين

وخرج زياد إلي الخريت فسمعهم يقولون جاءنا القوم وهم كالون تعبون فتركناهم حتى استراحوا هذا والله سوء الرأي فدعاه زياد وقال له ما الذي نقمت علي أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا

فقال لم أرض صاحبكم إماما ولا سيرتكم سيرة فرأيت أن اعتزل وأكون مع من يدعو إلي الشورى فقال له زياد وهل يجتمع الناس علي رجل يداني صاحبك الذي فارقته علما بالله وسننه وكتابه مع قرابته من الرسول وسابقته في الإسلام فقال له ذلك لا أقول لا فقال له زياد ففيما قتلت ذلك الرجل المسلم فقال له ما أنا قتلته وإنما قتله طائفة من أصحابي قال فادفعهم إلينا قال مالي إلي ذلك سبيل

فدعا زياد أصحابه ودعا الخريت أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا تطاعنوا بالرماح حتى لم يبق رمح وتضاربوا بالسيوف حتى انحنت وعقرت عامة خيولهم وكثرت الجراحة فيهم وقتل من أصحاب زياد رجلان ومن أولك خمسة وجاء الليل فحجز بينهما وقد كره بعضهم بعضا وجرح زياد فسار الخريت من الليل وسار زياد إلي البصرة وأتاهم خبر الخريت أنه أتي الأهواز فنزل بجانب منها وتلاحق به ناس من أصحابهم فصاروا نحو مائتين فكتب زياد إلي علي وأنه مقيم يداوي الجرحي وينتظر أمره

فلما قرأ علي كتابه قام إليه معقل بن قيس فقال يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل واحد منهم عشرة فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم فأما أن يلقاهم عددهم فلعمري ليصبرن لهم فإن العدة تصبر للعدة

فقال تجهز يا معقل إليهم وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن المعقل الأسدي

وكتب علي إلي ابن عباس يأمره أن يبعث من أهل البصرة رجلا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل إلي معقل وهو أمير أصحابه حتى يأتي معقلا فإذا لقيه كان معقل الأمير وكتب إلي زياد بن خصفة يشكره ويأمره بالعود واجتمع علي الخريت الناجي علوج من أهل الأهواز كثير أرادوا كسر الخراج ولصوص وطائفة أخري من العرب تري رأيه وطمع أهل الخراج في كسره فكسروه وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس وكان عاملا لعلي عليها في قول من يزعم أنه لم يمت سنة سبع وثلاثين فقال ابن عباس لعلي أنا أكفيك فارس بزياد يعني ابن أبيه فأمره بإرساله إليها وتعجيل تسييره فأرسل زيادا إليها في جمع كثير فوطئ بلاد فارس فأدوا الخراج واستقاموا وسار معقل بن قيس ووصاه علي فقال له اتق ما استطعت ولا تبغ علي أهل القبلة ولا تظلم أهل الذمة ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين

فقدم معقل الأهواز ينتظر مدد البصرة فأبطأ عليه فسار عن الأهواز يطلب الخريت فلم يسر إلا يوما حتى أدركه المدد مع خالد بن معدان الطائي فساروا جميعا فلحقوهم قريب جبل من جبال رامهرمز فصف معقل أصحابه فجعل علي ميمنته يزيد بن المعقل وعلي ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة وصف الخريت أصحابه فجعل من معه من العرب ميمنة ومن معه من أهل البلد والعلوج ميسرة ومعهم الأكراد وحرض كل واحد منهما أصحابه وحرك معقل رأسه مرتين ثم حمل في الثالثة فصبروا له ساعة ثم انهزموا فقتل أصحاب معقل منهم سبعين رجلا من بني ناجة ومن معهم من العرب وقتلوا نحو ثلاثمائة من العلوج والأكراد وانهزم الخريت بن راشد فلحق بأسياف البحر وبها جماعة كبيرة من قومه فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلي خلاف علي ويخبرهم أن الهدي في حربه حتى اتبعه ناس كثير وأقام معقل بأرض الأهواز وكتب إلي علي بالفتح فقرأ علي الكتاب علي أصحابه واستشارهم فقالوا كلهم نري أن تأمر معقلا يتبع آثار الفاسق حتى يقتله أو ينفيه فإنا ل نأمن أن يفسد عليك الناس فكتب إلي معقل يثني عليه وعلي من معه ويأمره باتباع وقتله أو نفيه فسأل معقل عنه فأخبره بمكانه بالأسياف وأنه قد رد قومه عن طاعة علي وأفسد من عنده من عبد القيس وسائر العرب وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين وذلك العام فسار إليهم معقل فأخذ علي فارس وانتهي إلي أسياف البحر فلما سمع الخريت بمسيره قال لمن معه من الخوارج أنا علي رأيكم وإن عليا لم ينبغ له أن يحكم وقال للآخرين من أصحابه إن عليا حكم ورضي فخلعه حكمه الذي ارتضاه وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة وإليه كان يذهب وقال سرا للعثمانية إنا والله علي رأيكم قد والله قتل عثمان مظلوما فأرضي كل صنف منهم وقال لمن منع الصدقة شدوا أيديكم علي صدقاتكم وصلوا بها أرحامكم وكان فيها نصاري كثير قد اسلموا فلما اختلف الناس قالوا والله لديننا الذي خرجنا منه خير من دين هؤلاء لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء فقال لهم الخريت ويحكم لا ينجيكم من القتل إلا قتل هؤلاء القوم والصبر فإن حكمهم فيمن أسلم ثم ارتد أن يقتل ولا يقبلون منه توبة ولا عذرا فخدعهم جميعا

وأتاه من كان من بني ناجية وغيرهم خلق كثير فلما انتهي معقل إليه نصب راية أمان وقال من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا أول مرة فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه وعبأ معقل أصحابه وزحف نحو الخريت ومعه قومه مسلمهم ونصرانيهم ومانع الزكاة منهم فقال الخريت لمن معه قالتلوا عن حريمكم وأولادكم فوالله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم وليسبنكم

فقال له رجل من قومه هذا والله ما جرته علينا يدك ولسانك فقال سبق السيف العذل

وسار معقل في الناس يحرضهم ويقول أيها الناس ما تريدون أفضل مما سبق لكم من الأجر العظيم إن الله ساقكم إلي قوم منعوا الصدقة وارتدوا عن الإسلام ونكثوا البيعة ظلما فأشهد لمن يقتل منكم بالجنة ومن بقي منكم فإن الله مقر عينه بالفتح

ثم حمل معقل وجميع من كان معه فقاتلوا قتالا شديدا وصبروا له ثم إن النعمان بن صهبان الراسبي بصر بالخريت فحمل عليه فطعنه فصرع عن دابته ثم اختلفا ضربتين فقتله النعمان وقتل معه في المعركة سبعون ومائة ألف وذهب الباقون يمينا وشمالا وسبي معقل من أدرك من حريمهم وذرياتهم وأخذ رجالا كثيرا فأما من كان مسلما فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله وأما من كان ارتد فعرض عليهم الإسلام فرجعوا فخلي سبيلهم وسبيل عيالهم إلا شيخا كبيرا نصرانيا منهم يقال له الرماحس لم يسلم فقتله وجمع من منع الصدقة وأخذ منهم صدقة عامين وأما النصاري وعيالهم فاحتملهم مقبلا بهم وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم فلما ودعوهم بكي الرجال والنساء بعضهم إلي بعض حتى رحمهم الناس وكتب معقل إلي علي بالفتح ثم أقبل بهم حتى مر علي مصقلة بن هيبرة الشيباني وهو عامل علي علي أردشيرخوه وهم خمسمائة إنسان فبكي النساء والصبيان وصاح الرجال يا أب الفضل يا حامي الرجال ومأوي المعضب وفكاك العناة أمنن علينا واشترنا واعتقنا

فقال مصقلة أقسم بالله لأتصدق عليكم إن الله يجزي المتصدقين

فبلغ قوله معقلا فقال والله لو أعلم أنه قالها توجعا عليهم وإزراء علينا لضربت عنقه ولو كان في ذلك تفاني تميم وبكر ثم إن مصقلة اشتراهم من معقل بخمسمائة ألف فقال له معقل عجل المال إلي أمير المؤمنين فقال أنا أبعث الآن ببعضه ثم كذلك حتى لا يبقي منه شيء

اقبل معقل إلي علي فأخبره بما كان منه فاستحسنه وبلغ عليا أن مصقلة أعتق الأسري ولم يسألهم أن يعينوه بشيء فقال ما أظن مصقلة إلا وقد تحمل حمالة سترونه عن قريب منها مبلدا وكتب إليه يطلب منه المال أو يحضر عنده فحضر عنده وحمل من المال مائتي ألف قال ذهل بن الحارث فاستدعاني ليلو فطعمنا ثم قال إن أمير المؤمنين يسألني هذا المال ولا أقدر عليه فقلت والله لو شئت ما مضت جمعه حتى تحمله فقال ما كنت لأحملها قومي أما والله لو كان ابن هند ما طالبني بها ولو كان ابن عفان لوهبها لي ألم تره أطعم الأشعث بن قيس كل سنة من خراج أذربيجان مائة ألف قال فقلت إن هذا لا يري ذلك الرأي ولا يتركك منها شيئا فهرب مصقلة من ليلته فلحق بمعاوية وبلغ عليا ذلك فقال ما له نزه الله فعل فعل السيد وفر فرار العبد وخان خيانة الفاجر أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا علي حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه وإلا تركناه

ثم سار علي إلي داره فهدمها وأجاز عتق السبي وقال اعتقهم مبتاعهم وصارت أثمانهم دينا علي معتقهم وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعة لعلي فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب اسمه حلوان يقول له إن معاوية قد وعدك الإمارة والكرامة فأقبل ساعة يلقاك رسولي فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرحه إلي علي فقطع يده فمات وكتب نعيم إلي مصقلة يقول

( لا ترمين هداك الله معترضا % بالظن منك فما بالي وحلوانا )

( ذاك الحريص علي ما نال من طمع % وهو البعيد فلا يحزنك إن خانا )

( ماذا أردت إلي إرساله سفها % ترجو سقاط امريء لم يلف وسنانا )

( قد كنت في منظر عن ذا ومستمع % تحمي العراق وتدعي خير شيبانا )

( حتى تقحمت أمرا كنت تكرهه % للراكبين له سرا وإعلانا )

( عرضته لعلي أنه أسد % يمشي العرضنة من آساد خفانا )

( لو كنت أديت مال القوم مصطبرا % للحق أحييت أحيانا وموتانا )

( لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا % فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا )

( فاليوم تقرع سن العجز من ندم % ماذا تقول وقد كان الذي كانا )

( أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة % لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا )

فلما وقع الكتاب إليه علم أنه قد هلك وأتاه التغلبيون فطلبوا منه دية صاحبهم فوداه لهم وقال بعض الشعراء في بني ناجية

( سمالكمو بالخيل قودا عوابسا % أخو ثقة ما يبرح الدهر غازيا )

( فصبحكم في رجله وخيوله % بضرب تري منه المدجج هاويا )

( فأصبحتم من بعد كبر ونخوة % عبيد العصا لا تمنعون الذراريا )

وقال مصقلة بن هبيرة

( لعمري لئن عاب أهل العراق % علي انتعاش بني ناجية )

( لأعظم من عتقهم رقهم % وكفي بعتقهم مالية )

( وزايدت فيهم لإطلاقهم % وغاليت إن العلا غاليه )

ذكر أمر الخوارج بعد النهروان ص 240

لما قتل أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني علي علي بالدسكرة في مائتين ثم سار إلي الأنبار فوجه إليه علي الأبرش بن حسان في ثلاثمائة فواقعه فقتل أشرس في ربيع الآخرة سنة ثمان وثلاثين ثم خرج هلال بن علقمة من تيم الرباب ومعه أخوه مجالد فأتي ماسبذان فوجه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين وكان قتلهم في جمادى الأولي سنة ثمان وثلاثين ثم خرج الأشهب بن بشر وقيل الأشعث وهو من بجيلة في مائة وثمانين رجلا فأتي المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه فصلي عليهم ودفن من قدر عليه فوجه إليهم علي جارية بن قدامة السعدي وقيل حجر بن عدي فأقبل إليهم الأشهب فاقتتلا بجرجرايا من أرض جوخي فقتل الأشهب وأصحابه في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين ثم خرج سعيد بن قفل التيمي من تيم الله بن ثعلبة في رجب بالبندنيجين ومعه مائتا رجل فأتي درزنجان وهي من المدائن علي فرسخين فخرج إليهم سعد بن مسعود فقتلهم في رجب سنة ثمان وثلاثين ثم خرج أبو مريم السعدي التميمي فأتي شهرزور وأكثر من معه من الموالي وقيل لم يكن معه من العرب غير ستة نفر هو أحدهم واجتمع معه مائتا رجل وقيل اربعمائة وعاد حتى نزل علي خمسة فراسخ من الكوفة فأرسل إليه علي يدعوه إلي بيعته ودخول الكوفة فلم يفعل وقال ليس بيننا غير الحرب فبعث إليه علي شريح بن هانئ في سبعمائة فحمل الخوارج علي شريح وأصحابه فانكشفوا وبقي شريح في مائتين فانحاز في قرية فتراجع إليه بعض أصحابه ودخل الباقون الكوفة فخرج علي بنفسه وقدم بين يديه جارية بن قدامة السعدي فدعاهم جارية إلي طاعة علي وحذرهم القتل فلم يجيبوا ولحقهم علي أيضا فدعاهم فأبوا عليه وعلي أصحابه فقتلهم أصحاب علي ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا استأمنوا فأمنهم وكان في الخوارج أربعون رجلا جرحي فأمر علي بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى بدأوا وكان قتلهم في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وكانوا من أشجع من قاتل من الخوارج ولجرامتهم قاربوا الكوفة

ذكر عدة حوادث ص 241

وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من قبل علي وكان عامله علي مكة

وكان علي اليمن عبيد الله بن عباس وعلي البصرة عبد الله بن عباس وعلي خراسان خليد بن قرة اليربوعي وقيل كان ابن أبزي وأما الشام ومصر فكان بهما معاوية وعماله

وفي هذه السنة مات صهيب بن سنان في قول بعضهم وكان عمره سبعين سنة ودفن بالبقيع

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.