الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
10

ثم دخلت سنة تسع وثلاثين

الجزء الثالث 7 عنصر صفحة 243
ذكر سرايا أهل الشام إلي بلاد أمير المؤمنين عليه السلام ص 243

وفي هذه السنة فرق معاوية جيوشه في العراق في أطراف علي فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلي عين التمر وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلي في ألف رجل وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة ولم يبق معه إلا ائة رجل فلما سمع بالنعمان كتب إلي أمير المؤمنين يخبره ويستمده فخطب علي بالناس وأمرهم بالخروج إليه فتثاقلوا وواقع مالك النعمان وجعل جدار القرية في ظهور أصحابه وكتب مالك إلي مخنف بن سليم يستعينه وهو قريب منه واقتتل مالك والنعمان أشد قتال فوجه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلا فانتهوا إلي مالك وقد كسروا جفون سيوفهم واستققتلوا فلما رآهم أهل الشام انهزموا عند المساء وظنوا أن لهم مددا وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر

ولما تثاقل أهل الكوفة عن الخروج إلي مالك صعد علي المنبر فخطبهم ثم قال يا أهل الكوفة كلما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلكم انجحر كل امرئ منكم في بيته وأغلق عليه بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها المغرور من غررتموه ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب لا أحرار عند النداء ولا إخوان عند النجاء إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا منيت به منكم عمي لا يبصرون وبكم لا ينطقون وصم لا يسمعون إنا لله وإنا إليه راجعون

ووجه معاوية في هذه السنة أيضا سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل وأمره أن يأتي هيت فيقطعها ثم يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها فأتي هيت فلم يجد بها أحدا ثم أتي الأنبار وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل وقد تفرقوا ولم يبق منهم إلا مائتا رجل وكان سبب تفرقهم أنه كان عليهم كميل بن زياد فبلغه أن قوما بقرقيسيا يريدون الغارة علي هيت فسار إليهم بغير أمر علي فأتي أصحاب سفيان وكميل غائب عنها فأغضب ذلك عليا علي كميل فكتب إليه ينكر ذلك عليه وطمع سفيان في أصحاب علي لقلتهم فقاتلهم فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم وهو أشرس بن حسان البكري وثلاثون رجلا واحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلي معاوية وبلغ الخبر عليا في طلبهم فلم يدركوا

وفيها أيضا وجه معاوية عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلي تيماء وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي ويقتل من امتنع من عطائه صدقة ماله ففعل ذلك وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك واجتمع إليه بشر كثير من قومه وبلغ ذلك عليا فأرسل المسيب بن نجبة الفزاري في ألفي رجل فلحق عبد الله بتيماء فاقتتلوا حتى زالت الشمس قتالا شديدا وحمل المسيب علي ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات لا يريد قتله ويقول له النجاء النجاء فدخل ابن مسعدة وجماعة معه الحصن وهرب الباقون نحو الشام وانتهت الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة وحصره ومن معه ثلاثة أيام ثم ألقي الحطب في الباب وحرقه فلما رأوا الهلاك أشرفوا عليه وقالوا يا مسيب قومك فرق لهم وأمر بالنار فأطفئت وقال لأصحابه قد جاءتني عيوني فأخبروني أن جندا قد أتاكم من الشام فقال له عبد الرحمن بن شبيب سرحني في طلبهم فأبي ذلك عليه فقال غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم

وفيها أيضا وجه معاوية الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة ويغير علي كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه فسار الناس وأخذ الأموال ومضي إلي الثعلبية وقتل وأغار علي مسلحة علي وانتهي إلي القطقطانة فلما بلغ ذلك عليا أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف وأعطاهم خمسين درهما خمسين درهما فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا وقتل من أصحابه رجلان وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن معه

وفي هذه السنة سار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة ثم نكص راجعا

واختلف فيمن حج هذه السنة فقيل حج بالناس عبيد الله بن عباس من قبل علي وقيل بل حج عبد الله أخوه وذلك باطل فإن عبد الله بن عباس لم يحج في خلافة علي وإنما كان هذه السنة علي الحج عبيد الله بن عباس وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي فاختلف عبيد الله ويزيد بن شجرة واتفقا علي أن يحج الناس شيبة بن عثمان وقيل إن الذي حج من جانب علي قثم بن العباس وكان عمال علي علي البلاد من تقدم ذكرهم

ذكر مسير يزيد بن شجرة إلي مكة ص 245

وفي هذه السنة دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي من أصحابه فقال له إني أريد أن أوجهك إلي مكة لتقيم للناس الحج وتأخذ لي البيعة بمكة وتنفي عنها عامل علي فأجابه إلي ذلك وسار إلي مكة في ثلاثة آلاف فارس وبها قثم بن العباس عامل علي فلما سمع به قثم خطب أهل مكة وأعلمهم بمسير الشاميين ودعاهم إلي حربهم فلم يجيبوه بشيء وأجابه شيبة بن عثمان العبدري بالسمع والطاعة فعزم قثم علي مفارقة مكة واللحاق ببعض شعابها ومكاتبة أمير المؤمنين بالخبر فإن أمده بالجيوش قاتل الشاميين فنهاه أبو سعيد الخدري عن مفارقة مكة وقال له أقم فإن رأيت منهم القتال وبك قوة فاعمل برأيك وإلا فالمسير عنها أمامك فأقام وقدم الشاميون ولم يعرضوا لقتال أحد وأرسل قثم إلي أمير المؤمنين يخبره فسير جيشا فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة بن علي الحنيفي وأبو الطفيل أول ذي الحجة وكان قدوم ابن شجرة قبل التروية بيومين فنادي في الناس أنتم آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا واستدعي أبا سعيد الخدري وقال له إني لا أريد الإلحاد في الحرم ولو شئت لفعلت لما كان فيه أميركم من الضعف فقل له يعتزل الصلاة بالناس واعتزلها أنا ويختار الناس رجلا يصلي بهم فقال أبو سعيد لقثم ذلك فاعتزل الصلاة واختار الناس شيبة بن عثمان فصلي بهم وحج بهم فلما قضي الناس حجهم رجع يزيد إلي الشام وأقبل خيل علي فأخبروا بعود أهل الشام فتبعوهم وعليهم معقل بن قيس فأدركوهم وقد رحلوا عن وادي القري فظفروا بنفر منهم فأخذوهم أسري وأخذوا ما معهم ورجعوا بهم إلي أمير المؤمنين ففادي بهم أسري كانت له عند معاوية

الرهاوي منسوب إلي الرها قبيلة من العرب وقد ضبطه عبد الغني بن سعيد بفتح الراء قبيلة مشهورة وأما المدينة فبضم الراء

ذكر غارة أهل الشام علي أهل الجزيرة ص 246

وفيها سير معاوية عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلي بلاد الجزيرة وفيها شبيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان وكان شبيب بنصيبين فكتب إليه كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم فسار كميل إليه نجدة له في ستمائة فارس فأدركوا عبد الرحمن ومعه معن بن يزيد السلمي فقاتلهما كميل وهزمهما فغلب علي عسكرهما وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز علي جريح وقتل من أصحاب كميل رجلان وكتب إلي علي بالفتح فجازاه خيرا وأجابه جوابا حسنا ورضي عنه وكان ساخطا عليه لما تقدم ذكره

وأقبل شبيب بن عامر من نصيبين فرأي كميلا قد أوقع بالقوم فهنئه بالظفر وأتبع الشاميين فلم يلحقهما فعبر الفرات وبث خيله فأغارت علي أهل الشام حتى بلغ بعلبك فوجه معاوية إليه حبيب بن مسلمة فلم يدركه ورجع شبيب فأغار علي نواحي الرقة فلم يدع للعثمانية به ماشية إلا استاقها ولا خيلا ولا سلاحا إلا أخذه وعاد إلي نصيبيين وكتب إلي علي فكتب إليه علي ينهاه عن أخذ أموال الناس إلا الخيل والسلاح الذي يقاتلون به وقال رحم الله شبيبا لقد أبعد الغارة وعجل الإنتصار

ذكر غارة الحارث بن النمر التنوخي ص 247

ولما قدم يزيد بن شجرة علي معاوية وجه الحارث بن نمر التنوخي إلي الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب وكان جماعة من بني تغلب قد فارقوا عليا إلي معاوية فسألوه في إطلاق أصحابهم فلم يفعل فاعتزلوه أيضا وكتب معاوية إلي علي ليفاديه بمن أسر معقل بن قيس من أصحاب يزيد بن شجرة فسيرهم علي إلي معاوية وأطلق معاوية هؤلاء وبعث علي رجلا من خثعم يقال له عبد الرحمن إلي ناحية الموصل ليسكن الناس فلقيه أولئك التغلبيون الذين اعتزلوا معاوية وعليهم قريع بن الحارث التغلبي فتشاتموا ثم اقتتلوا فقتلوه فأراد علي أن يوجه إليهم جيشا فكلمته ربيعة وقالوا هم معتزلون لعدوك داخلون في طاعتك وإنما قتلوه خطأ فأمسك عنهم

ذكر أمر ابن العشبة ص 247

بعث معاوية زهير بن مكحول العامري من عامر الأجدر إلي السماوة وأمره أن يأخذ صدقات الناس وبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة نفر جعفر بن عبد الله الأشجعي وعروة بن العشبة والجلاس بن عمير الكلبيين ليصدقوا من في طاعته من كلب وبكر بن وائل فوافوا زهيرا فاققتلوا فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر بن عبد الله ولحق ابن العشبة بعلي فعنفه وعلاه بالدرة فغضب ولحق بمعاوية وكان زهير قد حمل ابن العشبة علي فرس فلذلك اتهمه وأما الجلاس فإنه مر براع فأخذ جبته وأعطاه جبة خز فأدركته الخيل فقالوا أين أخذوا هؤلاء الترابيون فأشار إليهم اخذوا ها هنا ثم أقبل إلي الكوفة

ذكر أمر مسلم بن عقبة بدومة الجندل ص 247

وبعث معاوية مسلم بن عقبة المري إلي دومة الجندل وكان أهلها قد امتنعوا من بيعة علي ومعاوية جميعا فدعاهم إلي طاعة معاوية وبيعته فامتنعوا وبلغ ذلك عليا فسير مالك بن كعب الهمداني في جمع إلي دومة الجندل فلم يشعر مسلم إلا وقد وافاه مالك فاقتتلوا يوما ثم انصرف مسلم منهزما وأقام مالك أياما يدعو أهل دومة الجندل إلي البيعة لعلي فلم يفعلوا فقالوا لا نبايع حتى يجتمع الناس علي إمام فانصرف وتركهم

وفيها توجه الحارث بن مرة العبدي إلي بلاد السند غازيا متطوعا بأمر أمير المؤمنين علي فغنم وأصاب غنائم وسبيا كثيرا وقسم في يوم واحد ألف رأس وبقي غازيا إلي أن قتل بأرض القيقان هو ومن معه إلا قليلا سنة اثنتين وأربعين أيام معاوية

ذكر ولاية زياد بن أبيه بلاد فارس ص 248

وفي هذه السنة ولي علي زيادا كرمان وفارس وسبب ذلك أنه لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس علي علي طمع أهل فارس وكرمان في كسر الخراج فطمع أهل كل ناحية وأخرجوا عاملهم وأخرج أهل فارس سهل بن حنيف فاستشار علي الناس فقال له جارية بن قدامة ألا أدلك يا أمير المؤمنين علي رجل صلب الرأي عالم بالسياسة كاف لما ولي قال من هو قال زياد فأمر علي ابن عباس أن يولي زيادا فسيره إليها في جمع كثير فوطئ بهم أهل فارس وكانت قد اضطربت فلم يزل يبعث إلي رؤوسهم يعد من ينصره ويمنيه ويخوف من امتنع عنه وضرب بعضهم ببعض فدل بعضهم علي عورة بعض وهربت طائفة وأقامت طائفة فقتل بعضهم بعضا وصفت له فارس ولم يلق منهم جمعا ولا حربا وفعل مثل ذلك بكرمان ثم رجع إلي فارس وسكن الناس واستقامت له ونزل اصطخر وحصن قلعة تسمي قلعة زياد قريب اصطخر ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكري فهي تسمي قلعة منصور وقيل ابن عباس وأشار بولايته وقد تقدم ذكره

وفيها مات أبو مسعود الأنصاري البدري وقيل في أول خلافة معاوية وقيل غير ذلك ولم يشهد بدرا وإنما قيل لا بدري لأنه نزل ماء بدر وانقرض عقبه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.