الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
8

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين

الجزء الثالث 13 عنصر صفحة 171
ذكر تتمة أمر صفين ص 171

في هذه السن في المحرم منها جرت موادعة بين علي ومعاوية توادعا علي ترك الحرب بينهما حتى ينقضي المحرم طمعا في الصلح واختلفت بينهم الرسل فبعث علي عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربيعي وزياد بن خصفة فتكلم عدي بن حاتم فحمد الله وقال أما بعد فإنا أتيناك ندعوك إلي أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ونحقن به الدماء ونصلح ذات البين إن ابن عمط سيد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام أثرا وقد استجمع له الناس ولم يبقي أحد غيرك وغير من معك فغحذر يا معاوية لا يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل فقال له معاوية كأنك إنما جئت متهددا لم تأت مصلحا هيهات يا عدي كلا والله إني لابن حرب لا يقعقع له بالشنان وإنك والله من المجلبين علي عثمان وإنك من قتلته وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به

فقال له شبث وزياد بن خفصة جوابا واحدا أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا الأمثال دع ما لا ينفع وأجبنا فيما يعم نفعه وقال يزيد بن قيس إنا لم نأت إلا لنبلغك ما أرسلنا به إليك ونؤدي عنك ما سمعنا منك ولن ندع أن نصحح لك وأن نذكر ما يكون به الحجة عليك ويرجع إلي الالفة والجماعة إن صاحبنا من قد عرف المسلمون فضله ولا يخفي عليك فاتق الله يا معاوية ولا تخالفه فإنا والله ما رأينا في الناس رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه

فحمد الله معاوية ثم قال أما بعد فأنكم دعوتم إلي الطاعة والجماعة فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها لأن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوي ثارنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد عليه ذلك فليدفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم ونحن نجيبكم إلي الطاعة والجماعة فقال شبت بن ربعي أيسرك يا معاوية أن تقتل عمارا فقال وما يمنعني من ذلك لو تمكنت من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان فقال شبث والذي لا إله غيره لا تصل إلي ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل وتضيق الأرض الفضاء عليك فقال معاوية لو كان ذلك لكانت عليك أضيق

وتفرق القوم عن معاوية وبعث معاوية إلي زياد بن خصفة فخلا به وقال له يا أخا ربيعة إن عليا قطع أرحامنا وقتل إمامنا وآوي قتلة صاحبنا وإني أسألك النصر عليه بعشيرتك ثم لك عهد الله وميثاقه أني أوليك إذا ظهرت أي المصريين أحببت فقال زياد أما بعد فإني علي بينة من ربي وما أنعم الله علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين وقام فقال معاوية لعمرو بن العاص ليس نكلم رجلا منهم فيجيب إلي خيرا منهم فيجيب إلي خير ما قلوبهم إلا كقلب واحد وبعث معاوية إلي علي حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه فحمد الله حبيب وأثني عليه ثم قال أما بعد فإن عثمان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله وينيب إلي أمره فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله نقتلهم به ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شوري بينهم يولونه من أجمعوا عليه فقال له علي ما أنت لا أم لك والعزل وهذا الأمر اسكت لست هناك ولا بأهل له فقال والله لتريني بحيث تكره فقال له علي وما أنت لا أبقي الله إن أبقيت علينا اذهب فصوب وصعد ما بدا لك وقال شرحبيل ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي فهل عندك جواب غير هذا فقال علي ليس عندي جواب غيره ثم حمد الله وأثني عليه وقال

أما بعد فإن الله تعالي بعث محمدا بالحق فأنقذ به من الضلالة والهلكة وجمع به من الفرقة ثم قبضه الله إليه فاستخلف الناس أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر فأحسنا السيرة وعدلا وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمور ونحن آل رسول الله فغفرنا ذلك لهما وولي الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس فساروا إليه فقتلوه ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم فقالوا لي بايع فأبيت فقالوا بايع فإن الأمة لا ترضي إلا بك وإنا نخاف إن لم تفعل أن يتفرق الناس فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية الذي لم يجعل له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الإسلام طليق بن طليق حزب من الأحزاب لم يزل حربا لله ورسوله هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين ولا عجب إلا من اختلافكم معه وانقيادكم له وتتركون آل بيت نبيكم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ألا إني أدعوكم إلي كتاب الله وسنة نبيه وإماتة الباطل وإحياء الحق ومعالم الدين أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين فقالا تشهد أن عثمان قتل مظلوما فقالا لهما لا أقول إنه قتل مظلوما ولا ظالما قالا فمن لم يزعم أنه قتل مظلوما فنحن منه براء وانصرفا

فقال علي عليه السلام

( إنك لا تسمع الموتى ) إلي قوله

( فهم مسلمون ) ثم قال لأصحابه لا يكن هؤلاء في الجد في ضلالهم أجد منكم في الجد في حقكم وطاعة ربكم فتنازع عامر بن قيس الحذمري ثم الطائي وعدي بن حاتم الطائي في الراية بصفين وكانت حذمر أكثر من بني عدي رهط حاتم فقال عبيد الله بن خليفة البولاني عند علي يا بني حذمر أعلي عدي تتوثبون وهل فيكم وفي آبائكم مثل عدي وأبيه أليس بحامي القرية ومانع الماء يوم روية أليس ابن ذي المرباع وابن جواد العرب وابن المنهب ماله ومانع جاره ومن لم يغدر ولم يفجر ولم يبخل ولم يمنن ولم يجبن هاتوا في آبائكم مثل أبيه أوفيكم مثله أليس أفضلكم في الإسلام ووافدكم إلي النبي أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ويوم جلولاء ويوم نهاوند ويوم تستر فقال علي حسبك يا بن خليفة وقال علي لتحضر جماعة طيء فأتوه فقال من كان رأسكم في هذه المواطن قالوا عدي فقال ابن خليفة سلهم يا أمير المؤمنين أليسوا راضين برياسة عدي ففعل فقالوا بلي فقال علي فعدي أحقكم بالراية وأخذها فلما كان أيام حجر بن عدي طلب زياد عبد الله بن خليفة ليبعثه مع حجر فسار إلي الجبلين ووعده عدي أن يرده وأن يسأل فيه فطال عليه ذلك فقال شعرا منه

( أتنسي بلائي سادرا يا بن حاتم % عشية ما أغنت عديك حذمرا )

( فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا % وكنت أنا الخصم الألد العذورا )

( فولوا وما قاموا مقامي كأنما % رأوني ليثا بالأباءات مخدرا )

( نصرتك إذخام القريب وأبعد ال % بعيد وقد أفردت نصرا مؤزرا )

( فكان جزائي أن أجرر بينكم % سحيبا وأن أولي الهوان وأوسرا )

( وكم عدة لي منك أنك راجعي % فلم تغن بالميعاد عني حبترا )

وسترد قصته بتمامها إن شاء الله تعالي

فلما انسلخ المحرم أمر علي مناديا فنادي يا أهل الشام يقول لكم أمير المؤمنين قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه فلم تنتهوا عن طغيانكم ولم تجيبوا إلي الحق وإني قد نبذت إليكم علي سواء إن الله لا يحب الخائنين فاجتمع أهل الشام إلي أمرائهم ورؤسائهم وخرج معاوية وعمر يكتبان الكتائب ويعيبان الناس وكذلك فعل أمير المؤمنين وقال للناس لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فأنتم بحمد الله علي حجة وترككم قتالهم حجة أخري فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا علي جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا بقتيل وإذا وصلتم إلي رحال القوم فلا تهتكوا سرا ولا تدخلوا دارا ولا تأخذوا شيئا من أموالهم ولا تهيجوا امرأة وإن شتمن أعراضكم وسبين أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعاف القوي والأنفس وكان يقول بهذا المعني لأصحابه في كل موطن وحرض أصحابه فقال عباد الله اتقوا الله وغضوا الأبصار واخفضوا الأصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم علي المنازلة والمجاولة والمزاولة والمناضلة والمعانقة والمكادمة والملازمة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين اللهم ألهمهم الصبر وأنزل عليهم النصر وأعظم لهم الأجر وأصبح علي فجعل علي خيل الكوفة الأشتر وعلي جند البصرة سهل بن حنيف وعلي رجالة الكوفة عمار بن ياسر وعلي رجالة البصرة قيس بن سعد وهاشم بن عتبة المرقال معه الراية وجعل مسعر بن فدكي علي قراء الكوفة وأهل البصرة

وبعث معاوية علي ميمنته ابن ذي الكلاع الحميري وعلي ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري وعلي مقدمته أبا الأعور السلمي وعلي خيل دمشق عمرو بن العاص وعلي رجالة دمشق مسلم بن عقبة المري وعلي الناس كلهم الضحاك بن قيس وبايع رجال من أهل الشام علي الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم وكانوا خمسة صفوف وخرجوا أول يوم من صفر فاقتتلوا وكان علي الذين خرجوا من أهل الكوفة الأشتر وعلي من خرج من أهل الشام حبيب بن مسلمة فاقتتلوا يومهم هذا قتالا شديدا معظم النهار ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض

ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال وخرج من أهل الشام أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك ثم انصرفوا وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر وخرج إليه عمرو بن العاص فاقتتلوا أشد قتال وقال عمار يا أهل العراق أتريدون أن تنظروا إلي من عادي الله ورسوله وجاهدهما وبغي علي المسلمين وظاهر المشركين فلما رأي الله يعز دينه ويظهر رسوله أتي النبي وهو فيما نري راهب غير راغب ثم قبض النبي فوالله إن زال بعده معروفا بعداوة المسلم واتباع المجرم فاثبتوا له وقاتلوه وقال عمار لزياد بن النضر وهو علي الخيل احمل علي أهل الشام فحمل وقاتله الناس وصبروا له وحمل عمار فأزال عمرو بن العاص عن موضعه وبارز يومئذ زياد بن النضر أخاه لأمه واسمه عمرو بن معاوية من بني المنتفق فلما التقيا تعارفا فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه وتراجع الناس

وخرج من الغد محمد بن علي وهو ابن الحنفية وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمعين عظيمين فاقتتلوا أشد القتال وأرسل عبيد الله إلي ابن الحنفية يدعوه إلي المبارزة فخرج إليه فحرك علي دابته ورد ابنه وبرز علي إلي عبيد الله فرجع عبيد الله وقال محمد لأبيه لو تركتني لرجوت قتله فقال علي يا بني لا تقل في أبيه إلا خيرا وتراجع الناس وخرج عبد الله بن عباس في اليوم الخامس وخرج إليه الوليد بن عقبة فاقتتلوا قتالا شديدا فسب الوليد بني عبد المطلب فطلبه ابن عباس ليبارزه فأبي وقاتل ابن عباس قتالا شديدا وخرج في اليوم السادس قيس بن سعد الأنصاري وخرج إليه ابن ذي الكلاع الحميري فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرفوا ثم عاد يوم الثلاثاء وخرج الأشتر وخرج إليه حبيب فاقتتلوا قتالا شديدا وانصرفوا عند الظهر

ثم إن عليا قال حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء خطيبا فحمد الله وأثني عليه فقال الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض وما أبرم لم ينقضه الناقضون ولو شاء الله ما اختلف اثنان من خلقه ولا اختلفت الأمة في شيء ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ساقنا وهؤلاء القوم الأقدار فنحن بمرأى من ربنا ومسمع فلو شاء الله عجل النقمة وكان منه التغيير حتى يكذب الظالم ويعلم الحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال وجعل الآخرة دار القرار ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ألا وإنكم لاقو القوم غدا فأطيلوا الليلة القوم وأكثروا تلاوة القرآن واسألوا الله النصر والصبر والقوهم بالجد والحزم وكونوا صادقين فقام القوم يصلحون سلاحهم فمر بهم كعب بن جعيل فقال

( أصبحت الأمة في أمر عجب % والملك مجموع غدا لمن يغلب )

( فقلت قولا صادقا غير كذب % إن غدا تهلك أعلام العرب )

وعبأ علي الناس ليلته حتى الصباح وزحف بالناس وخرج إليه معاوية في أهل الشام فسأل علي عن القبائل من أهل الشام فعرف مواقفهم قال للأزد اكفونا الأزد وقال لخثعم اكفونا خثعم وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلي قبيلة أخري من الشام ليس بالعراق منهم أحد مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم إلا القليل صرفهم إلي لخم فتناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرفوا عند المساء وكل غير غالب

فلما كان يوم الخميس صلي علي بغلس وخرج بالناس إلي أهل الشام فزحف إليهم وزحفوا معه وكان علي ميمنة علي عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعلي ميسرته عبد الله بن عباس والقراء مع ثلاثة نفر عمار وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل والناس علي راياتهم ومراكزهم وعلي في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة والبصرة وأكثر من معه من أهل المدينة الأنصار ومعه عدد من خزاعة وكنانة وغيرهم أكثر أهل الشام علي الموت وأحاط بقبته خيل دمشق وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة وهو في ميسرة معاوية فلم يزل يحوزه ويكشف خيله حتى اضطرهم إلي قبة معاوية عند الظهر وحرض عبد الله بن بديل أصحابه فقال ألا إن معاوية ادعي ما ليس له ونازع الحق أهله وعاند من ليس مثله وجادل بالباطل ليدحض به الحق وصال عليكم بالأعراب والأحزاب الذين قد زين لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ولبس عليهم الأمر وزادهم عليهم الأمر وزادهم رجسا إلي رجسهم فقاتلوا الطغام الجفاة ولا تخشوهم قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين

وحرض علي أصحابه فقال في كلام له فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا علي الأضراس فإنه أنبي للسيوف عن الهام والتووا في الأطراف فإنه أصون للأسنة وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وألوي بالوقار راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم واستعينوا بالصدق والصبر فإن بعد الصبر ينزل عليكم النصر

وقام يزيد بن قيس الأرحبي يحرض الناس فقال إن المسلم من سلم في دينه ورأيه وإن هؤلاء القوم والله لا يقاتلونا علي إقامة دين ضيعناه وإحياء حق أمتناه إن يقاتلوننا إلا علي هذه الدنيا ليكونوا جبارين فيها ملوكا فلو ظهروا عليكم لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا ألزموكم بمثل سعيد والوليد وابن عارم السفيه الضال يجيز أحدهم بمثل ديته ودية أبيه وجده في جلسة ثم يقول هذا لي ولا إثم علي كأنما أعطي تراثه عن أبيه وأمه وإنما هو مال الله أفاءه علينا بأرماحنا وسيوفنا فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم وهم من قد عرفتم وخبرتم والله ما ازدادوا إلي يومهم إلا شرا وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالا شديدا حتى انتهي إلي قبة معاوية وأقبل الذين تبايعوا علي الموت إلي معاوية فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة وبعث إلي حبيب بن مسلمة في الميسرة فحمل بهم وبمن كان معه علي ميمنة الناس فهزمهم وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم إلا ابن بديل في مائتين أو ثلثمائة من القراء قد أسند بعضهم إلي بعض وانجفل الناس

وأمر علي سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة فاحتملتهم حتى أوقفتهم في الميمنة وكان فيما بين الميمنة إلي موقف علي في القلب أهل اليمن فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلي علي فانصرف علي يمشي نحو الميسرة فانكشفت عنه مضر من الميسرة وثبتت ربيعة وكان الحسن والحسين ومحمد بنو علي معه حين قصد الميسرة والنبل يمر بين عاتقيه ومنكبيه وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه فيرده فبصر به أحمر مولي أبي سفيان أو عثمان فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولي علي فاختلفا بينهما ضربتان فقتله أحمر فأخذ علي بجيب درع أحمر فجذبه وحمله علي عاتقه ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه ودنا منه أهل الشام فما زاده قربهم إلا إسراعا فقال له ابنه الحسن ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلي هؤلاء القوم من أصحابك فقال يا بني إن لأبيك يوما لا يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي وإن أباك والله لا يبالي أوقع علي الموت أم وقع الموت عليه

فلما وصل إلي ربيعة نادي بصوت عالي كغير المكترث لما فيه الناس لمن هذه الرايات قالوا رايات ربيعة قال بل رايات عصم الله أهلها فصبرهم وثبت أقدامهم وقال للحضين بن المنذر يا فتي ألا تدني رايتك هذه ذراعا قال بلي والله عشرة أذرع فأدناها حتى قال حسبك مكانك ولما انتهي علي إلي ربيعة تنادوا بينهم يا ربيعة إن أصيب فيكم أمير المؤمنين وفيكم رجل حي افتضحتم في العرب فقاتلوا قتالا شديدا ما قاتلوا مثله فلذلك قال علي

( لمن راية سوداء يخفق ظلها % إذا قيل قدمها حضين تقدما )

( ويقدمها في الموت حتى يزيرها % حياض المنايا تقطر الموت والدما )

( أذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا % بأسيافنا حتى تولي وأحجما )

( جزي الله قوما صابروا في لقائهم % لدي الموت قوما ما أعف وأكرما )

( وأطيب أخبارا وأكرم شيمة % إذا كان أصوات الرجال تغمغما )

( ربيعة أعني أنهم أهل نجدة % ة وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما )

ومر به الأشتر وهو يقصد الميسرة والأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة فقال له علي يا مالك قال لبيك يا أمير المؤمنين قال ائت هؤلاء القوم فقل لهم أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلي الحياة التي لا تبقي لكم فمضي الأشتر فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم ما قال علي ثم قال أيها الناس أنا الأشتر إلي فأقبل إليه بعضهم وذهب البعض فنادي أيها الناس ما أقبح ما قاتلتم مذ اليوم اخلصوا لي مذحجا فاقبلت مذحج إليه فقال لهم ما أرضيتم ربكم ولا نصحتم له في عدوكم وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب وأصحاب الغارات وفتيان الصباح وفرسان الطراد وحتوف الأقران ومذحج الطعان الذين لم يكونوا بسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم وما تفعلون هذا اليوم فإنه مأثور بعده فانصحوا واصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله مع الصادقين والذي نفسي بيده ما من هؤلاء وأشار إلي أهل الشام رجل علي مثل جناح بعوضة من دين أجلوا سواد وجهي يرجع فيه دمه عليكم بهذا السواد الأعظم فإن الله قد فضة فتبعه من بجانبيه قالوا تجدنا حيث أحببت فقصد نحو عظمهم مما يلي الميمنة يزحف إليهم ويردهم واستقبله شباب من همدان وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ وكانوا صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل وقتل منهم أحد عشر رئيسا كان أولهم ذؤيب بن شريح ثم شرحبيل ثم مرثد ثم هبيرة ثم يريم ثم سمير أولاد شريح فقتل ثم أخذ الراية عميرة ثم الحارث ابنا بشير فقتلا جميعا ثم أخذ الراية سفيان وعبد الله وبكر بنو زيد فقتلوا جميعا ثم أخذ الراية وهب بن كريب فانصرف هو وقومه وهم يقولون ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا علي الموت ثم نرجع فلا ننصرف أو نقتل أو نظفر فسمعهم الأشتر يقولون هذا فقال لهم أنا أحالفهم علي أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك فوقفوا معه وفي هذا قال كعب بت جعيل

( وهمدان زرق تبتغي من تحالف )

وزحف الأشتر نحو الميمنة وثاب إليه الناس وتراجعوا من أهل البصرة وغيرهم فلم يقصد كتيبة إلا كشفها ولا جمعا إلا جازه ورده فإنه كذلك إذ مر به زياد بن النضر الحارثي يحمل إلي العسكر وقد صرع وسببه أنه كان استلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة فتقدم زياد إليهم ورفع رايته لأهل الميمنة فصبروا وقاتل حتى صرع ثم مروا بيزيد بن قيس الأرحبي محمولا نحو العسكر وكان قد رفع رايته لأهل الشام الميمنة لما صرع زياد وقاتل حتى صرع فقال الأشتر حين رآه هذا والله الصبر الجميل والفعل الكريم ألا يستحي الرجل أن ينصرف ولا يقتل أو يشفي به علي القتل وقاتلهم الأشتر قتالا شديدا ولزمه الحارث بن جمهان الجعفي يقاتل معه فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتى كشف أهل الشام وألحقهم بمعاوية والصف الذي معه بين صلاة العصر والمغرب وانتهي إلي عبد الله بن بديل وهو في عصابة من القراء فأبصروا إخوانهم فقالوا ما فعل أمير المؤمنين قال حي صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه فقالوا الحمد لله قد كنا ظننا أنه قد هلك وهلكتم

وقال عبد الله بن بديل لأصحابه استقدموا بنا فقال الأشتر لا تفعل واثبت مع الناس فإنه خير لهم وأبقي لك ولأصحابك فأبي ومضي كما هو نحو معاوية وحوله كأمثال الجبال وبيده سفيان وخرج عبد الله أمام أصحابه يقتل كل من دنا منه حتى قتل جماعة ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به وبطائفة من أصحابه فقاتل حتى قتل وقتل ناس من أصحابه ورجعت طائفة منهم مجرحين فبعث الأشتر الحارث بن جمهان الجعفي فحمل علي أهل الشام الذين يتبعون من انهزم من أصحاب عبد الله حتى نفسوا عنهم وانتهوا إلي الأشتر وكان معاوية قد رأي ابن بديل وهو يضرب قدما قال أترونه كبش القوم فلما قتل أرسل إليه لينظروا من هو فلم يعرفه أهل الشام فجاء إليه فلما رآه عرفه فقال هذا عبد الله بن بديل والله لو استطاعت نساء خزاعة لقاتلتنا فضلا عن رجالها وتمثل بقول حاتم

( أخو الحرب إذ عضت به الحرب عضها % وإن شمرت يوما به الحرب شمرا )

وزحف الأشتر بعك والأشعريين وقال لمذحج اكفونا عكا ووقف في همدان وقال لكندة اكفونا الأشعريين فاقتتلوا قتالا شديدا إلي المساء وقاتلهم الأشتر في همدان وطوائف من الناس فأزال أهل الشام عن مواضعهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعلقة بالعمائم حول معاوية ثم حمل عليهم حملة أخري فصرع أربعة صفوف من المعلقين بالعمائم حتى انتهوا إلي الخامس الذي حول معاوية ودعا معاوية بفرسه فركب وكان يقول اردت أن انهزم فذكرت قول ابن الأطنابة الأنصاري وكان جاهليا

( أبت لي عفتي فأبي بلائي % وإقدامي علي البطل المشيح )

( وإعطائي علي المكروه مالي % وأخذي الحمد بالثمن الربيح )

( وقولي كلما جشأت وجاشت % مكانك تحمدي أو تستريحي )

قال فمنعني هذا القول من الفرار ونظر إلي عمرو وقال اليوم صبر وغدا فخر فقلت صدقت

وتقدم جندب بن زهير فبارز رأس أزد الشام فقتله الشامي وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله وقتل أبو زينب بن عوف وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمار بن ياسر فأصيب معه وتقدم عقبة بن حديد النميري وهو يقول ألا إن مرعي الدنيا أصبح هشيما وشجرها خضيدا وجديدها سملا وحلوها مر المذاق إني قد سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها وإني أتمني الشهادة وأتعرض لها في كل جيش وغارة فأبي الله إلا أن يبلغني هذا اليوم وإني متعرض لها من ساعتي هذه وقد طمعت أن لا أحرمها فما تنظرون عباد الله بجهاد من عادي الله في كلام طويل وقال يا أخوتي قد بعت هذه الدار بالتي أمامها وهذا وجهي إليها فتبعه أخوته عبيد الله وعوف ومالك وقالوا لا نطلب رزق الدنيا بعدك فقاتلوا حتى قتلوا

وتقدم شمر بن ذي الجوشن فبارز أدهم بن محرز الباهلي بالسيف وجهه وضربه شمر فلم يضره فعاد شمر إلي رحله فشرب ماء وكان ظمآن ثم أخذ الرمح ثم حمل علي أدهم فصرعه وقال هذه بتلك وكانت راية بجيلة مع أبي شداد قيس بن هبيرة الأحمسي وهو قيس بن مكشوح ومكشوح لقب فقال لقومه والله لأنتهين بكم إلي صاحب الترس المذهب وكان صاحبه عبد الرحمن بن خالد فقاتل الناس قتالا شديدا وشد بسيفه نحو صاحب الترس فعرض له مولي رومي لمعاوية فضرب قدم أبي شداد فقطعها وضربه أبو شداد فقتله وأشرعت إليه الرماح فقتل

وأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسي فقاتل حتى قتل ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس وقتل حازم بن أبي حازم أخو قيس بن أبي حازم يومئذ وقتل أبوه أيضا له صحبة ونعيم بن صهيب بن العيلة البجليون مع علي فلما رأي علي ميمنة أصحابه قد عادت إلي مواضعها ومواقفها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم أقبل حتى انتهي إليهم فقال إني قد رأيت جولتكم عن صفوفكم يحوزكم الجفاة الطغام وأعراب الشام وأنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم لوجب عليكم ما يجب علي المولي يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين ولكن هون وجدي وشفي أحاح نفسي أني رأيتكم بآخوة حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تركب أولاهم أخراهم كالأبل المطردة الهيم فالآن فاصبروا فقد نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله باليقين ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه وموبق نفسه في كلام طويل وكان بشر بن عصمة المري قد لحق بمعاوية فلما اقتتل الناس بصفين نظر بشر إلي مالك بن العقدية الجشمي وهو يفتك بأهل الشام فاغتاظ لذلك فحمل علي مالك وتجاولا ساعة ثم طعنه بشر بن عصمة فصرعه ولم يقتله وانصرف عنه وقد ندم علي طعنته إياه وكان جبارا فقال

( وإني لأرجو من مليكي تجاوزا % ومن صاحب الموسوم في الصدر هاجس )

( دلفت له تحت الغبار بطعنة % علي ساعة فيها الطعان تخالس )

فبلغت مقالته ابن العقدية فقال

( ألا أبلغا بشر بن عصمة أنني % شغلت وألهاني الذين أمارس )

( وصادفت مني غرة وأصبتها كذ % لك والأبطال ماض وحابس )

وحمل عبد الله بن الطفيل البكائي علي أهل الشام فلما انصرف حمل عليه رجل من بني تميم يقال له قيس بن مرة ممن لحق بمعاوية من أهل العراق فوضع الرمح بين كتفي عبد الله واعترضه ابن عم لعبد الله اسمه يزيد بن معاوية فوضع الرمح بين كتفي التميمي فقال له والله لئن طعنته لأطعننك فقال له عليك عهد الله وميثاقه إن رفعت الرمح عن ظهر صاحبك لترفعن سنانك عني قال نعم فرفع التميمي سنانه ورفع يزيد سنانه فلما رجع الناس إلي الكوفة عتب علي يزيد بن الطفيل فقال

( ألم ترني حاميت عنك مناصحا % بصفين إذ خلاك كل حميم )

( ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتي % علي سابح ذي ميعة وهزيم )

وخرج رجل من آل عك من أهل الشام يسأل المبارزة فبرز إليه قيس بن فهدان الكندي فحمل عليه وتجاولا ساعة ثم طعنه عبد الرحمن فقتله وقال

( ونحمل رايات الطعان بحقها % فنوردها بيضا ونصدرها حمرا )

وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فر إلي معاوية فخرج إليه أبو العمر طه بن يزيد فتعارفا فتوافقا ثم انصرفا وأخبر كل واحد منهما أنه لقي أخاه وقاتلت طيئ يومئذ قتالا شديدا فعبئت لهم جموع فأتاهم حمرة بن مالك الهمداني فقال من القوم فقال له عبد الله بن خليفة وكان شيعيا شاعرا خطيبا نحن طيئ السهل وطيئ الرمل وطيئ الجبل الممنوع ذي النخل نحن طيئ الرماح وطيئ البطاح فرسان الصباح فقال حمرة بن مالك إنك لحسن الثناء علي قومك واقتتل الناس قتالا شديدا فناداهم يا معشر طيئ فدا لكم طارفي وتالدي قاتلوا علي الدين والأحساب وحمل بشر بن العسوس فقاتل ففقئت عينه يومئذ فقال في ذلك

( ألا ليت عيني هذه مثل هذه % ولم أمش في الأحياء إلا بقائد )

( وياليت رجلي ثم طنت بنصفها % ويا ليت كفي ثم طاحت بساعدي )

( ويا ليتني لم أبق بعد مطرف % وسعد وبعد المستنير بن خالد )

( فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم % إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد )

وقاتلت النخع يومئذ قتالا شديدا فأصيب منهم حيان وبكر ابنا هوذة وشعيب بن نعيم وربيعة بن مالك بن وهبيل وأبي أخو علقمة بن قيس الفقيه وقطعت رجل علقمة يومئذ فكان يقول ما أحب أن رجلي أصح مما كانت وإنها لمما أرجو بها الثواب وحسن الجزاء من ربي قال ورأيت أخي في المنام فقلت له ماذا قدمتم عليه فقال لي إنا التقينا نحن والقوم عند الله تعالي فاحتججنا فحججناهم فمما سرررت بشيء سروري بتلك الرؤيا وكان يقال لأبي أبي الصلاة لكثرة صلاته

وخرجت حمير في جمعها ومن انضم إليها من أهل الشام ومقدمهم ذو الكلاع ومعه عبيد الله بن عمر بن الخطاب وهم ميمنة أهل الشام فقصدوا ربيعة من أهل العراق وكانت ربيعة ميسرة أهل العراق وفيهم ابن عباس علي الميسرة فحملوا علي ربيعة حملة شديدة فتضعضعت راية ربيعة وكانت الراية مع أبي ساسان حضين بن المنذر فانصرف أهل الشام عنهم ثم كر عبيد الله بن عمر وقال يا أهل الشام إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان وأنصار علي فشدوا علي الناس شدة عظيمة فثبتت ربيعة وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء والفشلة وثبت أهل الرايات وأهل الصبر والحفاظ وقاتلوا قتالا حسنا وانهزم خالد بن المعمر مع من انهزم وكان علي ربيعة فلما رأي أصحاب الرايات قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم وأمرهم بالرجوع فرجعوا وكان خالد قد سعي به إلي علي أنه كاتب معاوية فأحضره علي ومن معه ربيعة فسأله عما قيل وقال له إن كنت فعلت ذلك فالحق بأي بلد شئت لا يكون لمعاوية عليه حكم فأنكر ذلك

وقالت ربيعة يا أمير المؤمنين لو نعلم أنه فعل ذلك لقتلناه فاستوثق منه علي بالعهود فلما فر اتهمه بعض الناس واعتذر هو بأني لما رأيت رجالا منا قد انهزموا استقبلتهم لأردهم إليكم فأقبلت بمن أطاعني إليكم ولما رجع إلي مقامه حرض ربيعة فاشتد قتالهم مع حمير وعبيد الله بن حمير حتى كثرت بينهم القتلى فقتل سمير بن الريان العجلي وكان شديد البأس وأتي زياد بن عمر بن خصفة بن عبد القيس فأعلمهم بما لقيت بكر بن وائل من حمير وقال يا عبد القيس لا بكر بعد اليوم فأتت عبد القيس بني بكر فقاتلوا معهم فقتل ذو الكلاع الحميري وعبيد الله بن عمر قتله محرز بن الصحصح من تميم الله بن ثعلبة من أهل البصرة وأخذ سيفه ذا الوشاح وكان لعمر فلما ملك معاوية العراق أخذه منه وقيل بل قتله هانيء بن خطاب الأرحبي وقيل قتله مالك بن عمرو التنعي الحضرمي

مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه ص 185

وخرج عمار بن ياسر علي الناس فقال اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثن أنحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلته وإني لا أعلم اليوم عملا هو أرضي لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ولو أعلم عملا هو أرضي لك منه لفعلته والله إني لأري قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون وأيم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا علي الحق وأنهم علي الباطل

ثم قال من يبتغي رضوان الله ربه ولا يرجع إلي مال ولا ولد فأتاه عصابة فقال اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم عثمان والله ما أرادوا الطلب بدمه ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحبوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها ولم يكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس 0 . . . والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم وقالوا إمامنا قتل مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا فبلغوا ما ترون فلولا هذا ما تبعهم من الناس رجلان اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم

ثم مضي ومعه تلك العصابة فكان لا يمر بواد من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب النبي ثم جاء هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وهو المرقال وكان صاحب راية علي وكان أعور فقال يا هاشم أعور وجبنا لا خير في أعور لا يغشي البأس اركب يا هاشم فركب ومضي معه وهو يقول

( أعور يبغي أهله محلا % قد عالج الحياة حتى ملأ )

( لا بد أن يفل أو يفلا % يتلهم بذي الكعوب تلأ )

وعمار يقول تقدم يا هاشم الجنة تحت ظلال السيوف والموت تحت أطراف الأسل وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين

( اليوم ألقي الأحبة % محمدا وحزبه )

وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص فقال له يا عمرو بعت دينك بدنياك بمصر تبا لك فقال له لا ولكن أطلب بدم عثمان قال أنا أشهد علي علمي فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله وإنك إن لم تقتل اليوم تمت غدا فانظر إذا أعطي الناس علي قدر نياتهم ما نيتك لقد قاتلت صاحبك هذه الراية ثلاثا مع رسول الله وهذه الرابعة ما هي بأبر وأتقي ثم قاتل عمار فلم يرجع وقتل

وقال حبة بن جوين العرني قلت لحذيفة بن اليمان حدثنا فإنا نخاف الفتن فقال عليكم بالفئة التي فيها ابن سمية فإن رسول الله تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق وإن آخر رزقه ضياح من لبن وهو الممزوج بالماء من اللبن قال حبة فشهدته يوم قتل وهو يقول أئتوني بآخر رزق لي في الدنيا فأتي بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء فما أخطأ حذيفة مقياس شعره فقال

( اليوم ألقي الأحبة % محمدا وحزبه )

والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أننا علي الحق وأنهم علي الباطل ثم قتله قتله أبو الغازية واحتز برأسه ابن حوي السكسكي وقيل قتله غيره

وقد كان ذي الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول قال رسول الله لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية وآخر شربة تشربها ضياح من لبن فكان ذو الكلاع يقول لعمرو ما هذا ويحك يا عمرو فيقول عمرو إنه سيرجع إلينا فقتل ذو الكلاع قبل عمار مع معاوية وأصيب عمار بعده مع علي فقال عمرو لمعاوية ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا بقتل عمار أو بقتل ذي الكلاع والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام إلي علي فأتي جماعة إلي معاوية كلهم يقول أنا قتلت عمارا فيقول عمرو فما سمعته يقول فيخلطون فأتاه ابن حوي فقال أنا قتلته فسمعته يقول

( اليوم ألقي الأحبة % محمدا وحزبه )

فقال له عمرو أنت صاحبه ثم قال رويدا والله ما ظفرت يداك ولقد أسخطت ربك قيل إن أبا الغازية قتل عمارا وعاش إلي زمن الحجاج ودخل عليه فأكرمه الحجاج وقال له أنت قتلت ابن سمية يعني عمارا قال نع فقال من سره أن ينظر إلي عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلي هذا الذي قتل ابن سمية ثم سأله أبو الغازية حاجته فلم يجبه إليها فقال نوطئ لهم الدنيا ولا يعطونا منها ويزعم أني عظيم الباع يوم القيامة فقال الحجاج أجل والله من كان ضرسه مثل أحد وفخده مثل جبل ورقان ومجلسه مثل المدينة والربذة إنه لعظيم الباع يوم القيامة والله لو أن عمارا قتله أهل الأرض كلهم لدخلوا كلهم النار

وقال عبد الرحمن السلمي لما قتل عمار دخلت عسكر معاوية لأنظر هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا وكنا إذا تركنا القتال تحدثوا إلينا وتحدثوا إليهم فإذا معاوية وعمرو وأبو الأعور وعبد الله بن عمرو يتسايرون فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ما يقولون فقال عبد الله لأبيه يا أبت هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال رسول الله ما قال قال وما قال قال ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد النبي لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فغشي عليه فأتاه رسول الله فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الأجر وأنت ذلك تقتلك الفئة الباغية فقال عمرو لمعاوية أما تسمع ما يقول عبد الله قال وما يقول فأخبره فقال معاوية أنحن قتلناه إنما قتله من جاء به فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون إنما قتل عمارا من جاء به فلا أدري من كان أعجب أهو أم هم

فلما قتل عمار قال علي لربيعة وهمدان أنتم درعي ورمحي فانتدب له نحو من اثني عشر وتقدمهم علي علي بغلة فحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلي يقول

( أقتلهم ولا أري معاوية % الجاحظ العين العظيم الحاوية )

ثم نادي معاوية فقال علام يقتتل الناس بيننا هلم أحاكمك إلي الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور فقال له عمرو أنصفك فقال له معاوية ما أنصفت إنك لتعلم أنه لم يبرز له أحد إلا قتله فقال له عمر ما يحسن بك ترك مبارزته فقال له معاوية طمعت فيها بعدي وكان أصحاب علي قد وكلوا به رجلين يحافظانه لئلا يقاتل وكان يحمل إذا غفلا فلا يرجع حتى يخضب سيفه وإنه حمل مرة فلم يرجع حتى انثني سيفه فألقاه إليهم وقال لولا أنه انثني ما رجعت إليكم فقال الأعمش لأبي عبد الرحمن هذا والله ضرب غير مرتاب فقال أبو عبد الرحمن سمع القوم شيئا فأدوه ما كانوا بكاذبين

وأسر معاوية جماعة من أصحاب علي فقال له عمرو اقتلهم فقال عمرو بن أوس الأودي لا تقتلني فإنك خالي قال من أين أنا خالك ولم يكن بيننا أود مصاهرة قال إن أخبرتك فهو أماني عندك قال نعم قال أليست أختك أم حبيبة زوج النبي قال بلي قال فإني ابنها وأنت أخوها فأنت خالي فقال معاوية ما له لله أبوه أما كان في هؤلاء من يفطن لها غيره وخلي سبيله وكان قد أسر علي أساري كثيرة فخلي سبيلهم فجاؤوا معاوية وإن عمرا ليقول له وقد أسر أيضا أساري كثيرة اقتلهم فلما وصل أصحابهم قال معاوية يا عمرو لو أطعناك في هؤلاء الأساري لوقعنا في قبيح من الأمر وخلي سبيل من عنده

خبر هاشم بن عتبة ص 189

وأما هاشم بن عتبة فإنه دعا الناس عند المساء وقال ألا من كان يريد الله والدار الأخرة فإلي فأقبل إليه ناس كثير فحمل علي أهل الشام مرارا ويصبرون له وقاتل قتالا شديدا وقال لأصحابه لا يهولنكم ما ترون من صبرهم فوالله ما هو إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتهم وإنهم لعلي الضلال وإنكم لعلي الحق ثم حرض أصحابه وحمل في عصابة من القراء فقاتل قتالا شديدا حتى رأوا بعض ما يسرون به فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم شاب وهو يقول

( أنا ابن أرباب الملوك غسان % والدائن اليوم بدين عثمان )

( نبأنا قراؤنا بما كان % أن عليا قتل ابن عفان )

ثم يحمل فلا يرجع حتى يضرب بسيفه ويشتم ويلعن فقال له هاشم يا هذا إن هذا الكلام بعده الخصام وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فإنه سائلك عن هذا الموقف وما أردت به قال فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي وأنتم لا تصلون وإن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم ساعدتموه علي قتله فقال له هاشم ما أنت وعثمان أقتله أصحاب رسول الله وأبناء أصحابه وقراء الناس وهم أهل الدين والعلم وما أهملوا أمر هذا الدين طرفة عين وأما قولك إن صاحبنا لا يصلي فإنه أول من صلي وأفقه خلق الله في دين الله وأولي بالرسول وأما كل من تري معي فكلهم قارئ لكتاب الله لا ينام الليل تهجدا فلا يغوينك هؤلاء الأشقياء فقال الفتي فهل لي من توبة قال نعم تب إلي الله يتب عليك فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات فرجع الفتي فقال له أهل الشام خدعك العراقي فقال كلا ولكن نصح لي وقاتل هاشم وأصحابه قتالا شديدا حتى رأوا الظفر فأقبلت عليهم عند المغرب كتيبة لتنوخ فقاتلهم هاشم وهو يقول

( أعور يبغي أهله محلا % لا بد أن يفل أو يفلا )

( قد عالج الحياة حتى ملأ % يتلهم بذي الكعوب تلا )

فقتل يومئذ تسعة أو عشرة وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط فأرسل إليه علي أن قدم لواءك فقال لرسوله انظر إلي بطني فإذا هو انشق فقال الحجاج بن غزية الأنصاري

( فإن تفخروا بابني بديل وهاشم % فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا )

( ونحن تركنا عند معترك القنا % أخاك عبيد الله لحما ملحبا )

( ونحن أحطنا بالبعير وأهله % ونحن سقيناك سماما مقشبا )

ومر علي بكتيبة من أهل الشام فرآهم لا يزولون وهم غسان فقال إن هؤلاء لا يزولون إلا بطعن وضرب يفلق الهام ويطيح العظام تسقط منه المعاصم والأكف وحتى يقرع جباههم بعمد الحديد أين أهل النصر والصبر طلاب الأجر فأتاه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال له تقدم نحو هذه الراية مشيا رويدا علي هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى يأتيك أمري ففعل وأعد لهم علي مثلهم وسيرهم إلي ابنه محمد وأمره بقتالهم فحملوا عليهم فأزالوهم عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا

ليلة الهرير ص 190

ومر الأسود بن قيس المرادي بعبد الله بن كعب المرادي وهو صريع فقال عبد الله يا أسود قال لبيك وعرفه و قال له عز علي مصرعك ثم نزل إليه وقال له إن كان جارك ليأمن بوائقك وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا أوصني رحمك الله فقال أوصيك بتقوى الله وأن تناصح أمير المؤمنين وأن تقاتل معه المحلين حتى تظهر أو تلحق بالله وأبلغه عني السلام وقل له قاتل علي المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فإنه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره كان العالي ثم لم يلبث أن مات فأقبل الأسود إلي علي فأخبره فقال رحمه الله جاهد عدونا في الحياة ونصح لنا في الوفاة

وقيل إن الذي أشار علي أمير المؤمنين علي بهذا عبد الرحمن بن الحنبل الجمحي قال فاقتتل الناس تلك الليلة كلها إلي الصباح وهي ليلة الهرير فتطاعنوا حتى تقصفت الرماح وتراموا حتى نفد النبل وأخذوا السيوف وعلي يسير فيما بين الميمنة والميسرة ويأمر كل كتيبة أن تقدم علي التي تليها فلم يزل يفعل ذلك حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره والأشتر في الميمنة وابن عباس في الميسرة وعلي في القلب والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة

وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها وكان قد تولاها عشية الخميس وليلة الجمعة إلي ارتفاع الضحى ويقول لأصحابه ازحفوا قيد هذا الرمح وهو يزحف بهم نحو أهل الشام فإذا فعل ذلك بهم قال ازحفوا قيد هذا القوس فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الإقدام فلما رأي الأشتر ذلك قال أعيذكم بالله أن ترضوا الغنم سائر اليوم ثم دعا بفرسه فركبه وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي وخرج يسير في الكتائب ويقول من يشتري نفسه ويقاتل مع الأشتر يظهر أو يلحق بالله فاجتمع إليه ناس كثير فيهم حيان بن هوذة النخعي وغيره فرجع إلي المكان الذي فيه وقال لهم شدوا شدة فدا لكم خالي وعمي ترضون بها الرب وتعزرون بها الدين ثم نزل وضرب وجه دابته وقال لصاحب رايته أقدم بها وحمل علي القوم وحملوا معه فضرب أهل الشام حتى انتهي بهم إلي عسكرهم ثم قاتلوه عند العسكر قتالا شديدا وقتل صاحب رايته ولما رأي علي الظفر من ناحيته أمده بالرجال فقال عمرو بن العاص لوردان مولاه أتدري ما مثلي ومثلك ومثل الأشتر قال لا قال كالأشقر إن تقدم عقر وإن تأخر عقر لئن تأخرت لأضربن عنقك قال أما والله يا أبا عبد الله لأوردنك حياض الموت ضع يدك علي عاتقي ثم جعل يتقدم ويتقدم ويقول لأوردنك حياض الموت واشتد القتال فلما رأي عمرو أن أمر أهل العراق قد اشتد وخاف الهلاك قال لمعاوية هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة قال نعم قال نرفع المصاحف ثم نقول لما فيها هذا حكم بيننا وبينكم فإن أبي بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول ينبغي لنا أن نقبل فتكون فرقة بينهم وإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلي أجل

فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا هذا حكم كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم من لثغور الشام بعد أهله من لثغور العراق بعد أهله فلما رآها الناس قالوا نجيب إلي كتاب الله فقال لهم علي عباد الله أمضوا علي حقكم وصدقكم وقتال عدوكم فإن معاوية وعمرا وابن أبي معيط وحبيبا وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالا ثم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة ووهنا ومكيدة فقالوا له لا يسعنا أن ندعي إلي كتاب الله فنأبي أن تقبله فقال لهم علي فإني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك يا علي أجب إلي كتاب الله عز وجل إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلي القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان قال فاحفظوا عني نهي إياكم واحفظوا مقالتكم لي فإني تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم قالوا ابعث إلي الأشتر فليأتك

فبعث علي يزيد بن هانئ إلي الأشتر يستدعيه فقال الأشتر ليست هذه الساعة بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي إني قد رجوت أن يفتح الله لي فرجع يزيد فأخبره وارتفعت الأصوات وارتفع الرهج من ناحية الأشتر فقالوا والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل فقال علي هل رأيتموني ساررته أليس كلمته علي رؤوسكم وأنتم تسمعون قالوا فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك فقال له ويلك يا يزيد قل له أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت فأبلغه ذلك فقال الأشتر ألرفع المصاحف قال نعم قال والله لقد ظننت أنها ستوقع اختلافا وفرقة إنها مشوره ابن العاهر ألا تري إلي الفتح ألا تري ما يلقون ألا تري ما صنع الله لنا لن ينبغي أن أدع هؤلاء

وانصرف عنهم فقال له يزيد أتحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلي عدوه أو يقتل قال لا والله سبحان اله فأعلمه فأقبل إليهم الأشتر وقال يا أهل العراق يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلي ما فيها وهم والله قد تركوا ما أمر الله به فيها وسنة من أنزلت عليه فأمهلوني فواقا فإني قد أحسست بالفتح قالوا لا قال أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر قالوا إذن ندخل معك في خطيئتك قال فخبروني عنكم متي كنتم محقين أحين تقاتلون وخياركم يقتلون فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون أم أنتم الآن محقون فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم وهم خير منكم في النار قالوا دعنا منك يا أشتر قاتلناهم لله وندع قتالهم لله قال خدعتم وانخدعتم ودعيتم إلي وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلي لقاء الله فلا أري مرادكم إلا الدنيا ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون

فسبوه وسبهم وضربوا وجه دابته بسياطهم وضرب وجوه دوابهم بسوطه فصاح به وبهم علي فكفوا وقال الناس قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما فجاء الأشعث بن قيس إلي علي فقال أري الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد قال ائته فأتاه فقال لمعاوية لأي شيء رفعتم هذه المصاحف قال لنرجع نحن وأنتم إلي ما أمر الله به في كتابه تبعثون رجلا ترضون به ونبعث نحن رجلا نرضي به نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه قال له الأشعث هذا الحق فعاد إلي علي فأخبره فقال الناس قد رضينا وقبلنا فقال أهل الشام قد رضينا عمرا وقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج إنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري فقال علي قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن لا أري أن أولي أبا موسى فقال الشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه فقال علي فإنه ليس بثقة قد فارقني وخذل الناس عني ثم هرب مني حتى أمنته بعد أشهر ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك قالوا واله لا نبالي أنت كنت أم ابن عباس لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء قال علي إني أجعل الأشتر قالوا وهل سعر الأرض غير الأشتر فقال قد أبيتم إلا أبا موسى قالوا نعم قال فاصنعوا ما أردتم

فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو بعرض فأتاه مولي له فقال إن الناس قد اصطلحوا فقال الحمد لله قال قد جعلوك حكما قال إنا لله وإنا إليه راجعون وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر وجاء الأشتر عليا فقال ألزني بعمرو بن العاص فوالله لئن ملئت عيني منه لأقتلنه وجاء الأحنف بن قيس فقال يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الأرض وإني قد عجمت أبا موسى وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فإنه لن يعقد عقدة إلا حللتها ولا يحل عقدة اعقدها لك إلا عقدت أخري أحكم منها فأبي الناس إلا أبا موسى والرضا بالكتاب فقال الأحنف إن أبيتم إلا أبا موسى فادفئوا ظهره بالرجال وحضر عمرو بن العاص عند علي ليكتب القضية بحضوره فكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضي عليه أمير المؤمنين فقال عمرو اكتب اسمه واسم أبيه هو أميركم وأما أميرنا فلا فقال الأحنف لا تمح اسم أمير المؤمنين فإني أخاف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا فأبي ذلك علي مليا من النهار ثم أن الأشعث بن قيس قال امح هذا الأشم فمحاه فقال علي الله أكبر سنة بسنة والله إني لكاتب رسول الله يوم الحديبية فكتبت محمد رسول الله وقالوا لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فأمرني رسول الله بمحوه فقلت لا أستطيع فقال أرنيه فاريته فمحاه بيده وقال إنك ستدعي إلي مثلها فتجيب فقال عمرو سبحان الله أتشبه بالكفار ونحن مؤمنون فقال علي يا بن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدو فقال عمرو والله لا يجمع بين وبينك مجلس بعد هذا اليوم أبدا فقال علي إني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك وكتب الكتاب هذا ما تقاضي عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي علي علي أهل الكوفة ومن معهم وقاضي معاوية أهل الشام ومن معهم أننا ننزل علي حكم الله وكتابه وأن لا يجمع بيننا غيره وإن كتاب الله بيننا من فاتحته إلي خاتمته نحيي ما أحيا ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عملا به وما لم يجداه في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والمواثيق أنهما آمنان علي أنفسهما وأهليهما والأمة لهم أنصار علي الذي يتقاضيان عليه وعلي عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة لا يردانها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا وأجل القضاء إلي رمضان وإن أحبا أن يؤخر ذلك أخراه وإن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة و أهل الشام

وشهد الأشعث بن قيس وسعيد بن قيس الهمداني وورقاء بن سمي البجلي وعبد الله بن محل العجلي وحجر بن عدي الكندي وعبد الله بن الطفيل العامري وعقبة بن زياد الحضرمي ويزيد بن حجية التميمي ومالك بن كعب الهمداني ومن أصحاب معاوية أبو الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة وزمل بن عمرو العذري وحمرة بن مالك الهمداني وعبد الرحمن بن خالد المخزومي وسبيع بن يزيد الأنصاري وعتبة بن أبي سفيان ويزيد بن الحر العبسي

وقيل للأشتر ليكتب فيها فقال لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خط لي في هذه الصحيفة اسم ولست علي بينة من ربي من ضلال عدوي أولستم قد رأيتم الظفر

فقال له الأشعث والله ما رأيت ظفرا هلم إلينا لا رغبة بك عنا فقال بلي والله الرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة لقد سفك الله بسيفي دماء رجال ما أنت خير عندي منهم ولا أحرم دما قال فكأنما قصع الله علي أنف الأشعث الحمم

وخرج الأشعث بالكتاب يقرأه علي الناس حتى مر علي طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فقرأه عليهم فقال عروة تحكمون في أمر الله الرجال لا حكم إلا لله ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث ضربة خفيفة واندفعت الدابة وصاح به أصحاب الأشعث فرجع وغضب للأشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن فمشي إليه الأحنف بن قيس ومسعر بن فدكي وناس من تميم فاعتذروا فقبل وشكر

وكتب الكتاب يوم الأربعاء لثلاث عشر خلت من صفر سنة سبع وثلاثين واتفقوا علي أن يوافي أمير المؤمنين علي موضع الحكمين بدومة الجندل أو بأذرح في شهر رمضان

وقيل لعلي إن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة ولا يري إلا قتال القوم

فقال علي وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت وإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الإقرار إلا أن يعصي الله ويتعدى كتابه فقاتلوا من ترك أمر الله وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك فلست أخاف علي ذلك يا ليت فيكم مثله اثنين يا ليت فيكم مثله واحدا يري من عدوي ما أري إذا لخفت علي مؤنتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم وقد نهيتكم فعصيتموني فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن

( وهل أنا إلا من غزية إن غوت % غويت وإن ترشد غزية أرشد )

والله لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة وأسقطت منة وأورثت منة وأورثت وهنا وذلة ولما كنتم الأعلين وخاف عدوكم الاجتياح واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف فدعوكم إلي ما فيها ليفتنوكم عنهم ويقطعوا الحرب ويتربصوا بكم المنون خديعة ومكيدة فأعطيتموهم ما سألوا وأبيتم إلا أن تدهنوا وتجيروا

وأيم الله ما أظنكم بعدها توفقون الرشد ولا تصيبون باب الحزم

عودة علي بن أبي طالب إلي الكوفة ص 196

ثم رجع الناس عن صفين فلما رجع علي خالفت الحرورية وخرجت وكان ذلك أول ما ظهرت وأنكرت تحكيم الرجال ورجعوا علي غير الطريق الذي أقبلوا فيه أخذوا علي طريق البر وعادوا وهم أعداء متباغضون وقد فشا فيهم التحكيم يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط يقول الخوارج يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله ويقول الآخرون فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا

وساروا حتى جاوزوا النخيلة ورأوا بيوت الكوفة فإذا بشيخ في ظل ببيت عليه أثر المرض فسلم عليه أمير المؤمنين فرد عليه أمير المؤمنين ردا حسنا فقال له علي أري وجهك متغيرا أمن مرض

قال نعم قال لعلك كرهته قال ما أحب أنه بغيري فقال أليس أحتسابا للخير فيما أصابك قال بلي قال فأبشر برحمة ربك وغفران ذنبك من أنت يا عبد الله قال صالح بن سليم قال ممن أنت قال أما الأصل فمن سلامان طيء وأما الدعوة والجوار ففي سليم بن منصور

فقال سبحان الله ما أحسن اسمك واسم أبيك ومن اعتزيت إليه واسم ادعائك هل شهدت معنا غزاتنا هذه قال لا والله ولقد أردتها ولكن ما تري من أثر الحمي منعني عنها

فقال ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية خبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام

قال فيهم المسرور وهم أغشاء الناس وفيهم المكبوت الآسف بما كان بينك وبينهم وأولئك نصحاء الناس لك قال صدقت جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيأتك فإن المرض لا أجر فيه ولكن لا يدع علي العبد ذنبا إلا حطه وإنما الأجر في القول باللسان والعمل باليد والرجل وإن الله عز وجل ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالما من عبادة الجنة

ثم مضي غير بعيد فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري فدنا منه وسلم عليه وسايره فقال له ما سمعت الناس يقولون في أمرنا

قال منهم المعجب به ومنهم الكاره له قال فما قول ذوي الرأي قال يقولون إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه وكان له حصن حصين فهدمه فمتي يبني ما هدم ويجمع ما فرق ولو كان مضي بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك كان ذلك الحزم قال علي أنا هدمت أم هم هدموا أنا فرقت أم هم فرقوا

أما قولهم لو كان مضي بمن أطاعه فقاتل حتى يظفر أو يهلك فوالله ما خفي هذا عني وإن كنت لسخيا بنفسي عن الدنيا طيب النفس بالموت ولقد هممت بالإقدام علي القوم فنظرت إلي هذين قد ابتدراني يعني الحسن والحسين ونظرت إلي هذين استقدماني يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل رسول الله من هذه الأمة وكرهت ذلك واشفقت علي هذين أن يهلكا وأيم الله لئن لقيتهم بعد يومي هذا لألقينهم وليسوا معي في عسكر ولا دار

ثم مضي وإذا علي يمينه قبور سبعة أو ثمانية فقال علي ما هذه فقيل يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك وأوصي بأن يدفن في الظهر وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم وكان أول من دفن بظاهر الكوفة ودفن الناس إلي جنبه

فقال علي رحم الله خبابا فلقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلي في جسمه أحوالا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا ووقف عليها وقال السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أنتم لنا سلف فارط ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم طوبي لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله عز وجل

ثم أقبل حتى حاذي سكة الثوريين فسمع البكاء فقال ما هذه الأصوات

فقيل البكاء علي قتلي صفين فقال أما أني أشهد لمن قتل منهم صابرا محتبسا بالشهادة

ثم مر بالفائشيين فسمع مثل ذلك ثم مر بالشبامييين فسمع رجة شديدة فوقف فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي فقال له علي أيغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الرنين

قال يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا علي ذلك ولكن قتل من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل فليس فيها دار إلا وفيها البكاء فأما نحن معشر الرجال فإنا لا نبكي ولكن نفرح بالشهادة قال علي رحم الله قتلاكم وموتاكم

فأقبل يمشي معه وعلي راكب فقال له علي ارجع ووقف ثم قال له ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن

ثم مضي حتى مر بالناعطيين وكان جلهم عثمانيية فسمع بعضهم يقول والله ما صنع علي شيء ذهب ثم انصرف في غير شيء فلما رأوه أبلسوا فقال علي لأصحابه وجوه قوم ما رأوا الشام ثم قال لأصحابه من فارقناهم آنفا خير من هؤلاء ثم قال

( أخوك الذي إن أجرضتك ملمة % من الدهر لم يبرح لبثك واجما )

( وليس أخوك بالذي إن تشعبت % عليك الأمور ظل يلحاك لائما )

ثم مضي فلم يزل يذكر الله حتى دخل القصر فلما دخل الكوفة لم يدخل الخوارج معه فأتوا حرورا فنزلوا بها وقتل أويس القرني بصفين وقيل بل مات بدمشق وقيل بأرمينية وقيل بسجستان وفيها قتل جندب بن زهير الأزدي وهو من الصحابة مع علي

وقتل بصفين أيضا حابس بن سعد الطائي مع معاوية وهو خال يزيد بن عدي بن حاتم فقتل يزيد قاتله غدرا فأراد عدي إسلامه إلي أولياء المقتول فهرب إلي معاوية

وممن شهد صفين مع علي خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ولم يقاتل فلما قتل عمار بن ياسر جرد سيفه وقاتل حتى قتل وقال سمعت رسول الله يقول تقتل عمارا الفئة الباغية

وقتل مع علي سهيل بن عمرو بن أبي عمر الأنصاري وهو بدري

وممن شهد وقتل فيها مع علي من المهاجرين خالد بن الوليد وله صحبة

شريح بن هانئ بضم الشين وآخره حاء مهملة الهمداني بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة نسبة إلي همدان قبيلة كبيرة من اليمن

حمرة بن مالك بضم الحاء المهملة وسكون الميم وآخره راء

حضين بن المنذر بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة

يريم بفتح الياء تحنها نقطتان وكسر الراء وسكون الياء الثانية وآخره ميم

بديل بن ورقاء بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة

حازم بن أبي حازم بالحاء المهملة

حبة بن جوين بفتح الحاء المهملة والباء المشددة الموحدة

والعرني بضم العين المهملة وفتح الراء وآخره نون

ذكر استعمال جعدة بن هبيرة علي خراسان ص 200

وفي هذه السنة بعث علي جعدة بن هبيرة المخزومي إلي خراسان بعد عوده من صفين فانتهي إلي نيسابور وقد كفروا وامتنعوا فرجع إلي علي فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهلها حتى صالحوه وصالحه أهل مرو

ذكر اعتزال الخوارج عليا ورجوعهم إليه ص 201

ولما رجع علي من صفين فارقه الخوارج وأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا ونادي مناديهم أن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري والأمر شوري بعد الفتح والبيعة لله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلما سمع علي ذلك وأصحابه قامت الشيعة فقالوا له في أعناقنا بيعة ثانية نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فقالت الخوارج استبقتم أنتم وأهل الشام إلي الكفر كفرسي رهان بايع أهل الشام معاوية علي ما أحبوا وكرهوا وبايعتم أنتم عليا علي أنكم أولياء من والي وأعداء من عادي

فقال لهم زياد بن النضر والله ما بسط علي يده فبايعناه قط إلا علي كتاب الله وسنة نبيه ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعة فقالوا له نحن أولياء الله من واليت وأعداء من عاديت ونحن كذلك وهو علي الحق ومن خالفه ضال مضل

وبعث علي عبد الله بن عباس إلي الخوارج وقال لا تعجل إلي جوابهم وخصومتهم حتى آتيك

فخرج إليهم فأقبلوا يكلمونه فلم يصبر حتى راجعهم فقال ما نقمتم من الحكمين وقد قال الله تعالي إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما فكيف بأمة محمد

فقالت الخوارج أما ما جعل الله حكمه إلي الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه حكم في الزاني مائة جلدة وفي السارق القطع فليس للعباد أن ينظروا في هذا

قال ابن عباس فإن اله تعالي يقول يحكم به ذوا عدل منكم

فقالوا أو تجعل الحكم في الصيد والحرث وبين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين

وقالوا له أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا فإن كان عدلا فلسنا بعدول وقد حكمتم في أمر الله الرجال وقد أمضي الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا وجعلتم بينكم الموادعة وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب مذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية

وبعث علي زياد بن النضر فقال انظر بأي رؤوسهم أشد إطاعة فأخبره بأنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم فأتي فسطاط يزيد بن قيس فدخله فصلي فيه ركعتين وأمره علي أصبهان والري ثم خرج حتى انتهي إليهم وهم يخاصمون ابن عباس فقال ألم أنهك عن كلامهم ثم تكلم فقال اللهم هذا مقام من يفلح فيه كان أولي بالفلاح يوم القيامة قال لهم من زعيمكم قالوا ابن الكواء قال فما أخرجكم علينا قالوا حكومتك يوم صفين

قال أنشدكم الله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف وقلتم نجيبهم قلت لكم إني أعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا بأصحاب دين وذكر ما كان قاله لهم ثم قال لهم قد اشترطت علي الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتنا ما أمات القرآن فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف وإن أبيا فنحن عن حكمهما براء

قالوا فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء

فقال إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال

قالوا فخبرنا عن الأجل لم جعلته بينكم

قال ليعلم الجاهل ويثبت العالم ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة ادخلوا مصركم رحمكم الله فدخلوا من عند آخرهم

قيل والخوارج يزعمون أنهم قالوا له صدقت قد كنا كما ذكرت وكان ذلك كفرا منا وقد تبنا إلي الله فتب كما تبنا نبايعك وإلا فنحن مخالفون فبايعنا علي وقال ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى نجبي المال ويسمن الكراع ثم نخرج إلي عدونا وقد كذب الخوارج فيما زعموا

ذكر اجتماع الحكمين ص 204

ولما جاء وقت اجتماع الحكمين أرسل علي أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ وأوصاه أن يقول لعمر بن العاص إن عليا يقول لك

إن أفضل الناس عند الله عز وجل من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه من الباطل وإن زاده يا عمرو والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل إن أوتيت طمعا يسيرا كنت لله به ولأوليائه عدوا وكأن والله ما أوتيت قد زال عنك ويحك فلا تكن للخائنين خصيما وللظالمين ظهيرا أما إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم وهو يوم وفاتك تتمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ علي حكم رشوة

فلما بلغه تغير وجهه ثم قال متى كنت أقبل مشورة علي أو أنتهي إلي أمره أو أعتد برأيه

فقال له وما يمنعك يا بن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه ويعملان برأيه فقال له إن مثلي لا يكلم مثلك

قال شريح بأي أبويك ترغب عني يا بن النابغة أبأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة

فقام عنه وأرسل علي أيضا معهم عبد الله بن عباس ليصلي بهم ويلي أمورهم ومعهم أبو موسى الأشعري وأرسل معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام حتى توافوا في دومة الجندل بأذرح وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدري بما جاء فيه ولا يسأله أهل الشام عن شيء وكان أهل العراق يسألون ابن عباس عن كتاب يصله من علي فإن كتمهم ظنوا به الظنون وقالوا أتراه كتب بكذا وكذا فقال لهم ابن عباس أما تعقلون أما ترون رسول معاوية يجيء لا يعلم أحد بما جاء به ولا يسمع لهم صياح وأنتم عندي كل يوم تظنون في الظنون

وحضر معهم ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وابن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة العدوي والمغيرة بن شعبة

وكان سعد بن أبي وقاص علي ماء لبني سليم بالبادية فأتاه ابنه عمر فقال له إن أبا موسى وعمرا قد شهدهما نفر من قريش فاحضر معهم فإنك صاحب رسول الله وأحد الشورى ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة وأنت أحق الناس بالخلافة فلم يفعل وقيل بل حضرهم سعد وندم علي حضوره فأحرم بعمرة من بيت المقدس

وقال المغيرة بن شعبة لرجال من قريش أترون أحدا يستطيع أن يأتي برأي يعلم به ايجتمع الحكمان أم لا فقالوا لا

فقال إني أعلمه منهما فدخل علي عمرو بن العاص فقال كيف ترانا معشر من اعتزل الحرب فإنا قد شككنا في الأمر الذي استبان لكم فيها فقال له عمرو أراكم خلف الأبرار وأمام الفجار فانصرف المغيرة إلي أبي موسى فقال له مثل قوله لعمرو فقال له أبو موسى أراكم أثبت الناس رأيا فيكم بقية الناس فعاد المغيرة إلي أصحابه وقال لهم لا يجتمع هذان علي أمر واحد

فلما اجتمع الحكمان قال عمرو يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما

قال أشهد قال ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه قال بلي قال فما يمنعك منه وبيته في قريش كما قد علمت فإن خفت أن يقول الناس ليست له سابقة فقل وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه الحسن السياسة والتدبير وهو أخو أم حبيبة زوج رسول الله وكاتبه وقد صحبه وعرض له بسلطان

فقال أبو موسى يا عمرو اتق الله فأما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس علي الشرف تولاه أهله ولو كان علي الشرف لكان لآل أبرهة بن الصباح إنما هو لأهل الدين والفضل مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي بن أبي طالب وأما قولك إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر فلم أكن لأوليه وأدع المهاجرين الأولين وأما تعريضك لي بالسلطان فوالله لو خرج معاوية لي من سلطانه كله لما وليته وما كنت أرتشي في حكم الله ولكنك إن شئت أن تحيي اسم عمر بن الخطاب رحمه الله

قال له عمرو فما يمنعك من ابني وأنت تعلم فضله وصلاحه

فقال إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة فقال عمرو إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل له ضرس يأكل ويطعم وكانت في ابن عمر غفلة فقال له ابن الزبير افطن فانتبه فقال والله لا أرشو عليها شيئا أبدا

وقال يا بن العاص إن العرب قد اسندت إليك أمرها بعد ما تقارعوا بالسيوف فلا تردنهم في فتنة

وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام يقول له أنت صاحب رسول الله وأسن مني فتكلم وأتكلم وتعود ذلك أبو موسى وأراد عمرو بذلك كله أن يقدمه في خلع علي فلما أراده عمرو علي ابنه أو علي معاوية فأبي وأراد أبو موسى ابن عمر فأبي عمرو قال له عمرو خبرني ما رأيك قال أري أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شوري فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا

فقال عمرو الرأي ما رأيت

فأقبلا إلي الناس وهم مجتمعون فقال عمرو يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق فتكلم أبو موسى فقال إن رأينا قد اتفق علي أمر نرجو أن يصلح الله به هذه الأمة فقال عمرو صدق وبر تقدم يا أبا موسى فتكلم

فتقدم أبو موسى ليتكلم فقال له ابن عباس ويحك والله إني لأظنه قد خدعك إن كنتما اتفقتما علي أمر فقدمه ليتكلم به قبلك ثم تكلم به بعده فإنه رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا بينكما فإذا قمت في الناس خالفك

وكان أبو موسى مغفلا فقال إنا قد اتفقنا وقال أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه وهو أن نخلع عليا ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلا

ثم تنحي وأقبل عمرو فقام وقال إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه

فقال سعد ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكائده فقال أبو موسى فما أصنع وافقني علي أمر ثم نزع عنه فقال ابن عباس لا ذنب لك يا أبا موسى الذنب لمن قدمك في هذا المقام قال غدر فما أصنع فقال ابن عمر انظروا إلي ما صار أمر هذه الأمة صار إلي رجل ما يبالي ما صنع وإني آخر ضعيف

وقال عبد الرحمن بن أبي بكر لو مات الأشعري قبل هذا اليوم لكان خيرا له وقال أبو موسى الأشعري لعمرو لا وفقك الله غدرت وفجرت إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث قال عمرو إنك مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا

فحمل شريح بن هانئ علي عمرو فضربه بالسوط وحمل ابن لعمرو علي شريح فضربه بالسوط أيضا وحجز الناس بينهما وكان شريح يقول بعد ذلك ما ندمت علي شيء ندامتي علي ضرب عمرو بالسوط ولم أضربه بالسيف

والتمس أهل الشام أبا موسى فهرب إلي مكة ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلي معاوية فسلموا عليه بالخلافة ورجع ابن عباس وشريح إلي علي وكان علي إذا صلي الغداة يقنت فيقول اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الأعور وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت سب عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر

وقد قيل إن معاوية حضر الحكمين وإنه قام عشية في الناس فقال أما بعد من كان متكلما في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه

قال ابن عمر فأطلقت حبوتي فأردت أن أقول يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك علي الإسلام فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة ويسفك فيها دم وكان ما وعد الله فيه الجنان أحب إلي من ذلك فلما انصرفت إلي المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا الرجل يتكلم قلت أردت ذلك ثم خشيت فقال حبيب وفقت وعصمت وهذا أصح لأنه ورد في الصحيح

ذكر خبر الخوارج عند توجيه الحكمين وخبر يوم النهر ص 211

لما أراد علي أن يبعث موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فقالا له لا حكم إلا لله فقال علي لا حكما إلا لله

وقال حرقوص بن زهير تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلي عدونا فقاتلهم حتى نلقي ربنا

فقال علي قد أردتكم علي ذلك فعصيتموني وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عليها عهودا وقد قال الله تعالي وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم

فقال حرقوص ذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه فقال علي ما هو ذنب ولكنه عجز عن الرأي وقد نهيتكم فقال زرعة يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله تعالي فقال علي بؤسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح

قال وددت لو كان ذلك فخرجا من عنده يحكمان

وخطب علي ذات يوم فحكمت المحكمة في جوانب المسجد فقال علي الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل إن سكتوا غممناهم وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا علينا قاتلناهم

فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغن عنه اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله وذل راجع بأهله إلي سخط الله يا علي أبالقتل تخوفنا أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات ثم لتعلم أينا أولي بها صليا

ثم خرج هو وأخوة له ثلاثة فأصيبوا مع الخوارج بالنهر وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة ثم خطب علي يوما آخر فقام رجل فقال لا حكم إلا لله ثم توالي عدة رجال يحكمون فقال علي الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نقاتلكم حتى تبدأونا وإنما فيكم أمر الله ثم رجع إلي مكانه من الخطبة

ثم أن الخوارج لقي بعضهم بعضا واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم فزهدهم في الدنيا وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم قال اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلي بعض كور الجبال أو إلي بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة

فقال له حرقوص بن زهير إن المتاع بهذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلي المقام بها ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فقال حمزة بن سنان الأسدي يا قوم إن الرأي ما رأيتم فولوا أمركم رجلا منكم فإنكم لا بد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها فعرضوها علي زيد بن حصين الطائي فأبي وعرضوها علي حرقوص بن زهير فأبي وعلي حمزة بن سنان وشريح بن أوفي العبسي فأبيا وعرضوها علي عبد الله بن وهب فقال هاتوها أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت فبايعوه لعشر خلون من شوال وكان يقال له ذو الثفنات

ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفي العبسي فقال ابن وهب اشخصوا بنا إلي بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الحق فإنكم أهل الحق

قال شريح نخرج إلي المدائن فننزلها ونأخذها بأبوابها ونخرج منها سكانها ونبعث إلي إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا

فقال زيد بن حصين إنكم إن خرجتم مجتمعين أتبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين فأما المدائن فإن بها من يمنعكم ولكن سيروا حتى ننزل جسر النهروان وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة قالوا هذا الرأي

وكتب عبد الله بن وهب إلي من بالبصرة منهم يعلمونهم ما اجتمعوا عليه ويحثونهم علي اللحاق بهم وسير الكتاب إليهم فأجابوه أنهم علي اللحاق به فلما عزموا علي المسير تعبدوا ليلتهم وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة وساروا يوم السبت فخرج شريح بن أوفي العبسي وهو يتلو قول الله تعالي فخرج منها خائفا يترقب إلي سواء السبيل وخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطائي فاتبعه أبوه فلم يقدر عليه فانتهي إلي المدائن ثم رجع فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب الراسبي في نحو عشرين فارسا فأراد عبد الله قتله فمنعه عمرو بن مالك التيهاني وبشر بن زيد البولاني وأرسل عدي إلي سعد بن مسعود عامل علي علي المدائن يحذره أمرهم فأخذ أبواب المدائن وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد وسار في طلبهم فأخبر عبد الله بن وهب خبره فرابأ طريقه وسار علي بغداد ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء فانصرف إليهم عبد الله في ثلاثين فارسا فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم وقال أصحاب سعد لسعد ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر خلهم فليذهبوا واكتب إلي أمير المؤمنين فإن أمرك باتباعهم اتبعتهم وإن كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك فأبي عليهم فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله بن وهب فعبر دجلة إلي أرض جوخي وسار إلي النهروان فوصل إلي أصحابه وقد أيسوا منه وقالوا إن كان هلك ولينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير

وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم فردهم أهلوهم كرها منهم القعقاع بن قيس الطائي عم الطرماح بن حكيم وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائي

وبلغ عليا أن سالم بن ربيعة العبسي يريد الخروج فأحضره عنده ونهاه فانتهي

ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتي عليا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت فشرط لهم فيه سنة رسول الله فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم فقال له بايع علي كتاب الله وسنة رسول الله فقال ربيعة علي سنة أبي بكر وعمر

قال له علي ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله لم يكونا علي شيء من الحق فبايعه فنظر إليه علي وقال أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة

وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي فعلم بهم ابن عباس فاتبعهم أبا الأسود الدؤلي فلحقهم بالجسر الأكبر فتوافقوا حتى حجز بينهم الليل وأدلج مسعر بأصحابه وأقبل يعترض الناس وعلي مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلي مكة ورد علي بن عباس إلي البصرة قام في الكوفة فخطبهم فقال الحمد لله وإن أتي الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أما بعد فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري ونحلتكم أمري لو كان لقصير ولكن أبيتم إلا ما أردتم فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن

( أمرتهم أمري بمنعرج اللوي % فلم يستبينوا الرشد إلا ضحي الغد )

ألا إن هذا الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحييا ما أمات القرآن واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدي من الله فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين استعدوا وتأهبوا للمسير إلي الشام واصبحوا في معسكرهم إن شاء الله يوم الأثنين

ثم نزل وكتب إلي الخوارج بالنهر بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلي زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس أما بعد فإن هذين الرجلين اللذين ارتضيناهما حكمين قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما بغير هدي من الله فلم يعملا بالسنة ولم ينفذا القرار حكما فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا إلينا فإنا سائرون إلي عدونا وعدوكم ونحن علي الأمر الأول الذي كنا عليه والسلام

فكتبوا إليه أما بعد فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك فإن شهدت علي نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك وإلا فقد نبذناك علي سواء إن الله لا يحب الخائنين

فلما قرأ كتابهم أيس منهم ورأي أن يدعهم ويمضي بالناس حتى يلقي أهل الشام فيناجزهم فقام في أهل الكوفة فحمد الله وأثني عليه ثم قال أما بعد فإنه من ترك الجهاد في الله وأدهن في أمره كان علي شفا هلكة إلا أن يتداركه الله بنعمته فاتقوا الله وقاتلوا من حاد الله ورسوله وحاول أن يطفئ نور الله فقاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين الذين ليسوا بقراء القرآن ولا فقهاء في الدين ولا علماء في التأويل ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسري وهرقل تيسروا للمسير إلي عدوكم من أهل المغرب وقد بعثنا إلي إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم فإذا اجتمعتم شخصنا إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله

وكتب إلي ابن عباس أما بعد فإنا خرجنا إلي معسكرنا بالنخيلة وقد أجمعنا علي المسير إلي عدونا من أهل المغرب فأشخص إلي الناس حتى يأتيك رسولي واقم حتى يأتيك أمري والسلام عليك

فقرأ ابن عباس الكتاب علي الناس وندبهم مع الأحنف بن قيس فشخص ألف وخمسمائة فاستقلهم عبد الله بن عباس فخطبهم وقال يا أهل البصرة أتاني كتاب أمير المؤمنين فأمرتكم بالنفير إليه فلم يشخص منكم إليه إلا ألف وخمسمائة وأنتم ستون ألف مقاتل سوي أبنائكم وعبيدكم ألا انفروا إليه مع جارية بن قدامة السعدي ولا يجعلن رجل علي نفسه سبيلا فإني موقع بكل من وجدته متخلفا عن دعوته عاصيا لإمامه فلا يلومن رجل إلا نفسه

فخرج جارية فاجتمع إليه ألف وسبعمائة فوافوا عليا وهم ثلاثة آلاف ومائتان فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة ورؤوس الأسباع ووجوه الناس فحمد الله وأثني عليه ثم قال يا أهل الكوفة أنتم أخواني وأنصاري وأعواني علي الحق وأصحابي إلي جهاد المحلين بكم أضرب المدبر وأرجو تمام طاعة المقبل وقد استنفرت أهل البصرة فأتاني منهم ثلاثة آلاف ومائتان فليكتب لي رئيس كل قبيلة ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ويرفع ذلك إلينا

فقام إليه سعد بن قيس الهمداني فقال يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة أنا أول الناس أجاب ما طلبت وقام معقل بن قيس وعدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك وكتبوا إليه ما طلب وأمروا أبناءهم وعبيدهم أن يخرجوا معهم ولا يتخلف منهم فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفا من الأبناء ممن أدرك وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم وكان جميع أهل الكوفة خمسين وستين ألفا سوي أهل البصرة وهم ثلاثة آلاف ومائتا رجل وكتب إلي سعد بن مسعود بالمدائن يأمره بإرسال من عنده من المقاتلة وبلغ عليا أن الناس يقولون لو سار بنا إلي قتال هذه الحرورية فإذا فرغنا منهم توجهنا إلي قتال المحلين

فقال لهم بلغني أنكم قلتم كيت وكيت وإن هؤلاء الخارجين أهم إلينا فدعوا ذكرهم وسيروا إلي قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا ويتخذون عباد الله خولا

فناداه الناس أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت وقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاداك ونشايع من أناب إلي طاعتك من كانوا وأينما كانوا فإنك إن شاء الله لن تؤتي من قلة عدد وضعف نية أتباع

ذكر قتال الخوارج ص 217

قيل لما أقبلت الخارجة من البصرة حتى دنت من النهروان رأي عصابة منهم رجلا يسوق بامرأة علي حمار فدعوه فانتهزوه فأفزعوه وقالوا له من أنت قال أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله فقالوا له أفزعناك قال نعم

فقال حدثنا أبي عن رسول الله أنه قال تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيه بدنه يمسي فيها مؤمنا ويصبح كافرا ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا قالوا لهذا الحديث سألناك فما تقول في أبي بكر وعمر

فأثني عليها خيرا قالوا ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها

قال إنه كان محقا في أولها وفي آخرها فقالوا فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده قال إنه أعلم بالله منكم وأشد توقيتا علي دينه وأنفذ بصيرة

فقالوا إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال علي أسمائها لا علي أفعالها والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحد فأخذوه وكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلي متم حتى نزلوا تحت نخل مواقير فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فتركها في فيه فقال آخر أخذتها بغير حلها وبغير ثمن فألقاها ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة فضربه أحدهم بسيفه فقالوا هذا فساد في الأرض فلقي صاحب الخنزير فأرضاه فلما رأي ذلك منهم ابن خباب قال لئن كنتم صادقين فيما أري فما علي منكم من بأس إني مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا ولقد أمنتموني قلتم لا روع عليك فأضجعوه فذبحوه فسال دمه في الماء وأقبلوا إلي المرأة فقالت أنا امرأة ألا تتقون الله فبقروا بطنها وقتلوا ثلاث نسوة من طئ وقتلوا أم سنان الصيداوية

فلما بلغ عليا قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس بعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم وينظر ما بلغه عنهم ويكتب به إليه ولا يكتمه فلما دنا منهم يسائلهم قتلوه وأتي عليا الخبر والناس معه فقالوا يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفونا في عيالنا وأموالنا سر بنا إلي القوم فإذا فرغنا منهم سرنا إلي عدونا من أهل الشام وقام إليه الأشعث بن قيس وكلمه بمثل ذلك وكان الناس يرون أن الأشعث يري رايهم لأنه كان يقول يوم صفين أنصفنا قوم يدعون إلي كتاب الله فلما قال هذه المقالة علم الناس أنه لم يكن يري رأيهم فأجمع علي علي ذلك وخرج فعبر الجسر وسار إليهم فلقيه منجم في مسيره فأشار عليه أن يسير وقتا من النهار فقال له إن أنت سرت في غيره لقيت أنت وأصحابك ضرا شديدا فخالفه علي وسار في الوقت الذي نهاه عنه فلما فرغ من أهل النهر حمد الله وأثني عليه ثم قال لو سرنا في الساعة التي أمر بها المنجم لقال المنجم الذين لا يعلمون شيئا سار في الساعة التي أمر بها المنجم فظفر وكان المنجم مسافر بن عفيف الأزدي فأرسل علي إلي أهل النهر أن ادفعة ا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقي أهل المغرب فلعل الله يقبل بقلوبكم ويردكم إلي خير مما أنتم عليه من أمركم فقالوا كلنا قتلهم وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فقال لهم عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه وعودوا بنا إلي قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الأمر تشهدون علينا بالشرك وتسفكون دماء المسلمين

فقال له عبد الله بن شجرة السلمي إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر فقال ما نعلمه غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم قالوا لا قال نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها فإني لا أري الفتنة إلا وقد غلبت عليكم

وخطبهم أبو أيوب الأنصاري فقال عباد الله إنا وأياكم علي الحال الأولي التي كنا عليها ليست بيننا وبينكم عداوة فعلام تقاتلوننا

فقالوا إنا لو تابعناكم اليوم حكمتم غدا

قال فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في القابل وأتاهم علي فقال أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة وصدها عن الحق الهوى و طمع بها النزق وأصبحت في الخطب العظيم إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا الوادي وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ربكم ولا برهان مبين ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة ونبأتكم أنها مكيدة وأن القوم ليسوا بأصحاب دين فعصيتموني فلما فعلت شرطت واستوثقت علي الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة فنبذنا أمرهما ونحن علي الأمر الأول فمن أين أتيتم

فقالوا إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين وقد تبنا فإن تبت فنحن معك ومنك وإن أبيت فإنا منابذوك علي سواء

فقال علي أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر أبعد إيماني برسول الله وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد علي نفسي بالكفر لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ثم انصرف عنهم

وقيل إنه كان من كلامه لهم يا هؤلاء إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي لهذه الحكومة التي أنتم بدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره وأنبأتكم أن القوم إنما طلبوها مكيدة ووهنا فأبيتم علي إباء المخالفين وعندتم عنود النكداء العاصين حتى صرفت رأيي إلي رأيكم رأي معاشر والله أخفاء الهام سفهاء الأحلام فلم آت لا أبالكم هجرا والله ما ختلتكم عن أموركم ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم ولا أوطأتكم عشوة ولا أدنيت لكم الضراء وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا فأجمع رأي ملئكم أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه فتاها فتركا الحق وهما يبصرانه وكان الجور هواهما والثقة في أيدينا حين خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف فبينوا لنا بم تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا وتضعون أسيافكم علي عواتقكم ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم إن هذا لهو الخسران المبين والله لو قتلتم علي هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام

فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيأوا للقاء الله الرواح الرواح إلي الجنة فعاد علي عنهم

ثم أن الخوارج قصدوا جسر النهر وكانوا غربة فقال علي لأصحابه إنهم قد عبروا النهر فقال لن يعبروا فأرسلوا طليعة فعاد وكان بينهم وبينه عطفة من النهر فلخوف الطليعة منهم لم يقر بهم فعاد فقال إنهم قد عبروا النهر فقال علي والله ما عبروه وإن مصارعهم لدون الجسر ووالله لا يقتل منكم عشرة ولا يسلم منهم عشرة

وتقدم علي إليهم فرآهم عند الجسر لم يعبروه وكان الناس قد شكوا في قوله وارتاب به بعضهم فلما رأوا الخوارج لم يعبروا كبروا وأخبروا عليا بحالهم فقال والله ما كذبت ولا كذبت ثم إنه عبأ أصحابه فجعل علي ميمنته حجر بن عدي وعلي ميسرته شبت بن ربعي أو معقل بن قيس الرياحي وعلي الخيل أبا أيوب الأنصاري وعلي الرجالة أبا قتادة الأنصاري وعلي أهل المدينة وهم سبعمائة أو ثمانمائة قيس بن سعد بن عبادة وعبأت الخوارج فجعلوا علي ميمنتهم زيد بن حصين الطائي وعلي الميسرة شريح بن أوفي العبسي وعلي خيلهم حمزة بن سنان الأسدي وعلي رجالتهم حرقوص بن زهير السعدي

وأعطي علي أبا أيوب الأنصاري راية الأمان فناداهم أبو أيوب فقال من جاء تحت هذه الراية فهو آمن ومن لم يقتل ولم يستعرض ومن انصرف منكم إلي الكوفة أو إلي المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائنا

فقال فروة بن نوفل الأشجعي والله ما أدري علي أي شيء نقاتل عليا أري أن انصرف حتى تتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه فانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة وخرجت طائفة أخري متفرقين فنزلوا الكوفة وخرج إلي علي نحو مائة وكانوا أربعة آلاف فبقي مع عبد الله بن وهب ألف وثمانمائة فزحفوا إلي علي وكان علي قد قال لأصحابه كفوا عنهم حتى يبدأوكم فتنادوا الرواح إلي الجنة وحملوا علي الناس فافترقت خيل علي فرقتين نحو الميمنة وفرقة نحو الميسرة واستقبلت الرماة وجوههم بالنبل وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة ونهض إليهم بالرجال بالرماح والسيوف فما لبثوا أن أناموهم فلما رأي حمزة بن سنان الهلاك نادي أصحابه أن انزلوا فذهبوا لينزلوا فلم يلبثوا أن حمل عليهم الأسود بن قيس المرادي وجاءتهم الخيل من نحو علي فأهلكوا في ساعة فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا

وجاء أبو أيوب الأنصاري إلي علي فقال يا أمير المؤمنين قتلت زيد بن حصين الطائي طعنته في صدره خرج السنان من ظهره وقلت له أبشر يا عدو الله بالنار فقال ستعلم غدا أينا أولي بها صليا

فقال له علي وأولي بها صليا

وجاءه هانئ بن خطاب الأزدي وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد الله بن وهب فقال كيف صنعتما

قالا لما رأيناه عرفناه فابتدرناه وطعناه برمحينا فقال كلاكما قاتل

وحمل جيش بن ربيعة الكناني علي حرقوص بن زهير فقتله وحمل عبد الله بن زحر الخولاني علي عبد الله بن شجرة السلمي فقتله ووقع شريح بن أوفي إلي جانب جدار فقاتل عليه وكان جل من يقاتله همدان فقال

( قد علمت جارية عبسية % ناعمة في أهلها مكفية % أني سأحمي ثلمتي العشية )

فحمل عليه قيس بن معاوية فقطع رجله فجعل يقاتلهم وهو يقول

( القرم يحمي شوله معقولا )

فحمل عليه قيس أيضا فقتله فقال الناس

( أقتلت همدان يوما ورجل % اقتتلوا من غدوة حتى الأصل )

( ففسح الله لهمدان الأجل )

ذكر مقتل ذي الثدية ص 221

قد روى جماعة أن عليا كان يحدث أصحابه قبل ظهور الخوارج أن قوما يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل مخدج اليد سمعوا ذلك منه مرارا فلما خرج أهل النهروان سار بهم إليهم علي وكان منه معهم ما كان فلما فرغ أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فالتمسوه فقال بعضهم ما نجده حتى قال بعضهم ما هو فيهم وهو يقول والله إنه لفيهم والله ما كذبت ولا كذبت ثم إنه جاءه رجل فبشره فقال يا أمير المؤمنين قد وجدناه وقيل بل خرج علي في طلبه قبل أن يبشره الرجل ومعه سليم بن ثمامة الحنفي والريان بن صبرة فوجدوه في حفرة علي شاطيء النهر في خمسين قتيلا فلما استخرجه نظر إلي عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمة عليها شعرات سود فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولي ثم تترك فنعود إلي منكبيه

فلما رآه قال الله أكبر ما كذبت ولا كذبت لولا أن تتكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قص الله علي لسان نبيه لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم عار فاللحق الذي نحن عليه وقال حين مر بهم وهم صرعى بؤسا لكم لقد ضركم من غركم قالوا يا أمير المؤمنين من غرهم قال الشيطان وأنفس أمارة بالسوء غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي ونبأتهم أنهم ظاهرون قيل وأخذ ما في عسكرهم من شيء فأما السلاح والدواب وما شهر عليه فقسمه بين المسلمين وأما المتاع وأما الإماء والعبيد فإنه رده علي أهله حين قدم وطاف عدي بن حاتم في القتلى علي ابنه طرفة فدفنه ودفن رجال من المسلمين قتلاهم فقال علي حين بلغه أتقتلونهم ثم تدفنوهم ارتحلوا فارتحل الناس من أصحاب علي إلا سبعة وقيل كانت الوقعة سنة ثمان وثلاثين وكان فيمن قتل من أصحابه يزيد بن نويرة الأنصاري وله صحبة وسابقة وشهد له رسول الله بالجنة وكان أول من قتل

ذكر رجوع علي إلي الكوفة ص 222

ولما فرغ علي من أهل النهر حمد الله وأثني عليه وقال إن الله قد أحسن بكم وأعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلي عدوكم قالوا يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا وكلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصدا فرجع إلي مصرنا فلنستعد ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا فإنه أقوي لنا علي عدونا وكان الذي تولي كلامه الأشعث بن قيس فأقبل حتى نزل النخيلة فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم ويوطنوا علي الجهاد أنفسهم وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلي عدوهم فأقاموا فيه أياما ثم تسللوا من معسكرهم فدخلوا إلا رجالا من وجوه الناس وترك المعسكر خاليا فلما رأي ذلك دخل الكوفة وانكسر عليه رأيه في المسير وقال لهم أيضا أيها الناس استعدوا للمسير إلي عدوكم ومن في جهاده القربة إلي الله عز وجل ودرك الوسيلة عنده حيارى عن الحق جفاة عن الكتاب يعمهون في طغيانهم فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وتوكلوا علي الله وكفي بالله وكيلا وكفي بالله نصيرا فلم ينفروا ولا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذي يبطئ بهم فمنهم المعتل ومنهم المتكره وأقلهم من نشط فقام فيهم فقال

عباد الله ما بالكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلي الأرض أرضيتم بالحياة من الآخرة وبالذل والهوان من العز خلفا وكلما ناديتكم إلي الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة وكأن قلوبكم مألوسة وأنتم لا تعقلون فكأن أبصاركم كمه وأنتم لا تبصرون لله أنتم ما أنتم إلا أسد الشرى في الدعة وثعالب رواغة حين تدعون إلي البأس ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ما أنتم بركب يصال به لعمر الله لبئس حشاش الحرب أنتم إنكم تكادون ولا تكيدون وينتقص أطرافكم وأنتم لا تتحاشون ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون

ثم قال أما بعد فإن لي عليكم حقا وإن لكم علي حقا فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كي لا تجهلون وتأديبكم كي تعلموا وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصح لي في المغيب والمشهد والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم فإن يريد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره وترجعوا إلي ما أحب تنالوا ما تطلبون وتدركوا ما تأملون

ذكر عدة حوادث ص 224

قيل وحج بالناس هذه السنة عبيد الله بن عباس وكان عامل علي علي اليمن وكان علي مكة والطائف قثم بن العباس وكان علي المدينة سهل بن حنيف وقيل تمام بن العباس وكان علي البصرة عبد الله بن عباس وعلي مصر محمد بن أبي بكر ولما سار علي إلي صفين استخلف علي الكوفة أبا مسعود الأنصاري وكان علي خراسان خليد بن قرة اليربوعي وكان بالشام معاوية بن أبي سفيان

وفيها قتل حازم بن أبي حازم أخو قيس الأحمسي البجلي بصفين مع علي

وفيها مات خباب بن الأرت شهد بدرا وما بعدها وشهد صفين مع علي والنهروان

وقيل لم يشهدها كان مريضا ومات قبل قدوم علي إلي الكوفة وقد تقدم ذكره وقيل مات سنة تسع وثلاثين وكان عمره ثلاثا وستين سنة

وفيها قتل أبو الهيثم بن التيهان بصفين مع علي وقيل عاش بعدها يسيرا وقتل بها أخوه عبيد بن التيهان وكان أبو الهيثم أول من بايع رسول الله ليلة العقبة في قول وهو بدري وفيها قتل يعلي بن منية وهي أمه وأسم أبيه أمية التميمي وهو ابن أخت عتبة بن غزوان وقيل ابن عمته وكان قد شهد الجمل مع عائشة ثم شهد صفين مع علي فقتل بها وكان إسلامه يوم الفتح وشهد حنينا وقتل بصفين مع علي أبو عمرة الأنصاري النجاري والد عبد الرحمن وهو أيضا بدري وفيها قتل أبو فضالة الأنصاري في قول وهو بدري وفيها توفي سهل بن حنيف الأنصاري في قول وهو بدري وشهد مع علي حروبه وتوفي بها صهيب بن سنان وصفوان بن بيضاء وهو بدري وفي هذه السنة توفي عبد الله بن سعد بن أبي سحر بعسقلان فجأة وهو في الصلاة وكره الخروج مع معاوية إلي صفين وقيل شهدها ولا يصح

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.