الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
7

ثم دخلت سنة ست وثلاثين

الجزء الثالث 13 عنصر صفحة 90
4 ذكر تفريق علي عماله وخلاف معاوية ص 90

وفي هذه السنة فرق علي عماله علي الأمصار فبعث عثمان بن حنيف علي البصرة وعمارة بن شهاب علي الكوفة وكان له هجرة وعبيد الله بن عباس علي اليمن وقيس بن سعد علي اليمن وسهل بن حنيف علي الشام

فأما سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل فقالوا من أنت قال أمير

قالوا علي أي شيء قال علي الشام قالوا إذا كلن بعثك عثمان فحيهلا بك وإن كان بعثك غيره فارجع قال أو ما سمعتم بالذي كان قالوا بلي فرجع إلي علي

وأما قيس بن سعد فإنه لما انتهي إلي أيلة لقيته خيل فقالوا له من أت

قال من فالة عثمان فأنا أطلب من آوي إليه فأنتصر به لله قالوا من أنت قال قيس بن سعد قالوا امض

فمضي حتى دخل مصر فافترق أهل مصر فرقا فرقة دخلت في الجماعة فكانوا معه وفرقة اعتزلت بخرنبا وقالوا إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم وإلا فنحن علي جديلتنا حتى نحرك أو نصيب حاجتنا وفرقة قالوا نحن مع علي ما لم يقد من إخواننا وهم في ذلك مع الجماعة وكتب قيس إلي علي بذلك

وأما عثمان بن حنيف فسار ولم يرده أحد عن دخول البصرة ولم يجد لابن عامر في ذلك رأيا ولا استقلالا بحرب وافترق الناس بها فاتبعت فرقة القوم ودخلت فرقة في الجماعة وقالت فرقة ننظر ما يصنع أهل المدينة فنصنع كما صنعوا وأما عمارة بن شهاب فلما بلغ زبالة لقيه طليحة بن خويلد وكان خرج يطلب بثأر عثمان وهو يقول لهفي علي أمر لم يسبقني ولم أدركه وكان خروجه عند عود القعقاع من إغاثة عثمان فلما لقي عمارة قال له ارجع فإن القوم لا يريدون بأميرهم بدلا فإن أبيت ضربت عنقك فرجع عمارة إلي علي بالخبر

وانطلق عبيد الله بن عباس إلي اليمن فجمع يعلي بن منية كل شيء من الجباية وخرج به إلي مكة فقدمها بالمال ودخل عبيد الله اليمن ولما رجع سهل بن حنيف من الشام وأتت عليا الأخبار دعا طلحة والزبير فقال إن الأمر الذي كنت أحذركم قد وقع وإن الذي وقع لا يدرك إلا بإماتته وإنها فتنة كالنار كلما سعرت ازدادت واستشارت

فقالا له ائذن لنا نخرج من المدينة فإما إن نكاثر وإما أن تدعنا فقال سأمسك الأمر ما استمسك فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكي

وكتب إلي معاوية وإلي أبي موسى فكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم وبين الكاره منهم للذي كان والراضي ومن بين ذلك حتى كان علي كأنه يشاهدهم وكان رسول علي إلي أبى موسى معبدا الأسلمي وكان رسوله إلي معاوية سبرة الجهني فقدم عليه فلم يجبه معاوية بشيء كلما تنجز جوابه لم يزد علي قوله

( أدم إدامة حصن أو خذ بيدي % حربا ضروسا تشب الجزل والضرما )

( في جاركم وابنكم إذ كان مقتله % شنعاء شيبت الأصداغ واللمما )

( أعيا المسود بها والسيدون فلم % يوجد لنا غيرنا مولي ولا حكما )

حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر دعي معاوية رجلا من بني عبس يدعي قبيصة فدفع إليه طومارا مختوما عنوانه من معاوية إلي علي وقال له

إذا دخلت المدينة فاقبض علي أسفل الطومار ثم أوصاه بما يقول وأعاد رسول علي معه فخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول بغرته فدخلها العبسي كما أمره قد رفع الطومار فتبعه الناس ينظرون إليه وعلموا أن معاوية معترض ودخل الرسول علي على فدفع إليه الطومار ففض ختمه فلم يجد فيه كتابا فقال للرسول ما وراءك قال آمن أنا قال نعم إن الرسول لا يقتل

قال ورائي أني تركت قوما لا يرضون إلا بالقود قال ممن قال من خيط رقبتك وتركت ستين ألف شيخ تبكي تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم قد ألبسوه منبر دمشق قال أمني يطلبون دم عثمان ألست موتورا كترة عثمان اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان نجا والله قتلة عمان إلا أن يشاء الله فإنه إذا أراد أمرا أصابه أخرج قال وإني آمن قال وأنت آمن

فخرج العبسي وصاحت السبئية وقالت هذا الكلب رسول الكلاب اقتلوه

فنادي يا آل مضر يا آل قيس الخيل والنبل أقسم بالله ليردنها عليكم أربعة آلاف خصي فانظروا كم الفحول والركاب

وتعاووا عليه فمنعته مضر فجعلوا يقولون له اسكت فيقول لا والله لا يفلح هؤلاء أبدا أتاهم ما يوعدون لقد حل بهم ما يجدون انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل فيهم

وأحب أهل المدينة أن يعلموا رأي علي في معاوية وقتاله أهل القبلة أيجسر عليه أم ينكل عنه وقد بلغهم أن ابنه الحسن دعاه إلي القعود وترك الناس فدسوا زياد بن حنظلة التميمي وكان منقطعا إلي علي فجلي إليه ساعة فقال له علي يا زياد تيسر

فقال لأي شيء فقال لغزو الشام فقال زياد الأناة والرفق أمثل وقال

( ومن لم يصانع في أمور كثيرة % يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم )

فتمثل علي وكأنه لا يريده

( متي تجمع القلب الزكي وصارما % وأنفا حميا تجتنبك المظالم )

فخرج زياد والناس ينتظرونه وقالوا ما وراءك فقال السيف يا قوم فعرفوا ما هو فاعل

واستأذنه طلحة والزبير في العمرة فإذن لهما فلحقا بمكة

ودعا علي محمد بن الحنفية فدفع إليه اللواء وولي عبد الله بن عباس ميمنته وعمرو بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ولاه ميسرته ودعا أبا ليلي بن عمر بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح فجعله علي مقدمته واستخلف علي المدينة قثم بن العباس ولم يول ممن خرج علي عثمان أحدا وكتب إلي قيس بن سعد وإلي عثمان بن حنيف وإلي أبي موسى أن يندبوا الناس إلي أهل الشام ودعا أهل المدينة إلي قتالهم وقال لهم إن في سلطان الله عصمة أمركم فأعطوه طاعتكم غير ملوية ولا مستكره بها والله لتفعلن أو لينقلن الله عنكم سلطان الإسلام ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأزر الأمر إليها

انهضوا إلي هؤلاء القوم الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل للآفاق وتقضون الذي عليكم

خرنبا بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح النون والباء الموحدة وآخره ألف

| وقعة الجمل

ذكر ابتداء وقعة الجمل ص 98

فبينما هم كذلك علي التجهز لأهل الشام أتاهم الخبر عن طلحة والزبير وعائشة وأهل مكة بنحو آخر وأنهم علي الخلاف فأعلم علي الناس ذلك وأن عائشة وطلحة والزبير قد سخطوا علي إمارته ودعوا الناس إلي الإصلاح وقال لهم سأصبر ما لم أخف علي جماعتكم وأكف إن كفوا واقتصر علي ما بلغني

ثم أتاه أنهم يريدون البصرة فسره ذلك وقال إن الكوفة فيها رجال العرب وبيوتاتهم

فقال له ابن عباس إن الذي سرك من ذلك ليسؤني إن الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب ولا يحملهم عدة القوم ولا يزال فيها من يسمو إلي أمر لا يناله فإذا كان كذلك شغب علي الذي قد نال ما يريد حتى تكسر حدته فقال علي إن الأمر ليشبه ما تقول وتهيأ للخروج إليهم فندب أهل المدينة للمسير معهم فتثاقلوا فبعث إلي عبد الله بن عمر كميلا النخعي فجاء به فدعاه إلي الخروج معه فقال إنما أنا من أهل المدينة وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم فإن يخرجوا أخرج معهم وإن يقعدوا أقعد

قال فأعطني كفيلا قال لا أفعل

فقال له علي لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتني دعوه فأنا كفيله فرجع ابن عمر إلي المدينة وهم يقولون والله ما ندري كيف نصنع إن الأمر لمشتبه علينا ونحن مقيمون حتى يضئ لنا

فخرج من تحت ليلته وأخبر أم كلثوم ابنة علي وهي زوجة عمر بالذي سمع وأنه يخرج معتمرا مقيما علي طاعة علي ما خلا النهوض فأصبح علي فقيل له حدث الليلة حدث هو أشد من طلحة والزبير وعائشة ومعاوية

قال وما ذاك قالوا خرج ابن عمر إلي الشام فأتي السوق وأعد الظهر والرجال وأخذ لكل طريق طلابا وماج الناس فسمعت أم كلثوم فأتت عليا فأخبرته الخبر فطابت نفسه وقال انصرفوا والله ما كذبت ولا كذب والله إنه لعندي ثقة فانصرفوا

وكان سبب اجتماعهم بمكة أن عائشة كانت خرجت إليها وعثمان محصور ثم خرجت من مكة تريد المدينة فلما كانت بسرف لقيها رجل من أخوالها من بني ليث يقال له عبيد بن أبي سلمة وهو ابن أم كلاب فقالت له مهيم

قال قتل عثمان وبقوا ثمانيا قالت ثم صنعوا ماذا قال اجتمعوا علي بيعة علي فقالت ليت هذه انطبقت علي هذه إن تم الأمر لصاحبك ردوني ردوني فانصرفت إلي مكة وهي تقول قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه فقال لها ولم والله إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر قالت إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول فقال لها ابن أم كلاب

( فمنك البداء ومنك الغير % ومنك الرياح ومنك المطر )

( وأنت أمرت بقتل الإمام % وقلت لنا إنه قد كفر )

( فهبنا أطعناك في قتله % وقاتله عندنا من أمر )

( ولم يسقط السقف من فوقنا % ولم ينكسف شمسنا والقمر )

( وقد بايع الناس ذا تدرأ % يزيل الشبا ويقيم الصغر )

( ويلبس للحرب أثوابها % وما من وفي مثل ما قد غدر )

فانصرفت إلي مكة فقصدت الحجر فسترت فيه فاجتمع الناس حولها فقالت

أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا علي هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه وقد استعمل أمثالهم قبله ومواضع من الحمي حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام والله لأصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم ووالله لو أن الذي أعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء أي يغسل

فقال عبد اله بن عامر الحضرمي وكان عامل عثمان علي مكة ها أنا أول طالب فكان أول مجيب وتبعه بنو أمية علي ذلك وكانوا هربوا من المدينة بعد قتل عثمان إلي مكة ورفعوا رؤوسهم وكان أول ما تكلموا بالحجاز وتبعهم سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بني أمية وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلي بني أمية وهو ابن منية من اليمن ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف درهم فأناخ بالأبطح وقدم طلحة والزبير من المدينة فلقيا عائشة فقالت ما وراءكما

فقالا إنا تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب وفارقنا قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم فقالت انهضوا إلي هذه الغوغاء فقالوا نأتي الشام فقال ابن عامر قد كفاكم الشام معاوية فأتوا البصرة فإن لي بها صنائع ولهم في طلحة هوى

قالوا قبحك الله فوالله ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب فهلا أقمت كما أقام معاوية فنكفي بك ثم نأتي الكوفة فنسد علي هؤلاء القوم المذاهب فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا فاستقام الرأي علي البصرة وقالوا لها نترك المدينة فإنا خرجنا فكان معنا من لا يطيق من بها من الغوغاء ونأتي بلدا مضيعا سيحتجون علينا ببيعة علي فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة ثم تقعدين فإن أصلح الله الأمر كان الذي أردنا وإلا دفعنا بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد

فأجابتهم إلي ذلك ودعوا عبد الله بن عمر ليسير معهم فأبي وقال أنا من أهل المدينة أفعل ما يفعلون فتركوه وكان ازواج النبي معها علي قصد المدينة فلما تغير رأيها إلي البصرة تركن ذلك وأجابتهم حفصة إلي المسير معهم فمنعها أخوها عبد الله بن عمر وجهزهم يعلي بن منية بستمائة بعير وستمائة ألف درهم وجهزهم ابن عامر بمال كثير ونادي مناديها إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلي البصرة فمن أراد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان ومن ليس له مركب وجهاز فليأت

فحملوا ستمائة علي ستمائة بعير وساروا في ألف وقيل في تسعمائة من أهل المدينة ومكة ولحقهم الناس فكانوا في ثلاثة آلاف رجل وبعثت أم الفضل بنت الحارث أم عبد الله بن عباس رجلا من جهينة يدعي ظفرا فاستأجرته علي أن يأتي عليا بالخبر فقدم علي علي بكتابها وخرجت عائشة ومن معها من مكة فلما خرجوا منها أذن مروان بن الحكم ثم جاء حتى وقف علي طلحة والزبير فقال علي أيكما أسلم بالأمرة وأؤذن بالصلاة

فقال عبد الله بن الزبير علي أبي عبد الله يعني أباه الزبير وقال محمد بن طلحة علي أبي محمد يعني أباه طلحة فأرسلت عائشة إلي مروان وقالت له أتريد أن تفرق أمرنا ليصل بالناس ابن أختي تعني عبد الله بن الزبير

وقيل بل صلي بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد حتى قتل فكان معاذ بن عبيد الله يقول والله لو ظفرنا لاقتتلنا ما كان الزبير يترك طلحة والأمر ولا كان طلحة يترك الزبير والأمر

وتبعها أمهات المؤمنين إلي ذات عرق فبكوا علي الإسلام فلم ير يوم كان أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم فكان يسمي يوم النحيب فلما بلغوا ذات عرق لقي سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بها فقال أيت تذهبون وتتركون ثأركم علي أعجاز الإبل وراءكم يعني عائشة وطلحة والزبير اقتلوهم ثم ارجعوا إلي منازلكم

فقالوا نسير فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا فخلا سعيد بطلحة والزبير فقال إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر أصدقاني قالا نجعله لأحدنا أينا اختاره الناس قال بل تجعلونه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه

فقالا ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأيتام قال فلا أراني أسعى إلا لإخراجها من بني عبد مناف فرجع ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد وقال المغيرة بن شعبة الرأي ما قال سعيد من كان ههنا من ثقيف فليرجع فرجع ومضي القوم ومعهم أبان والوليد ابنا عثمان وأعطي يعلي بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بثمانين دينارا فركبته وقيل بل كان جملها لرجل من عرينة قال العرني بينما أنا أسير علي جمل إذ عرض لي راكب فقال أتبيع جملك قلت نعم قال بكم قلت بألف درهم قال أمجنون أنت قلت ولم والله ما طلبت عليه أحدا إلا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد إلا فته قال لو تعلم لمن نريده إنما نريده لأم المؤمنين عائشة فقلت خذه بغير ثمن قال بل ترجع معنا إلي الرحل فنعطيك ناقة ودراهم قال فرجعت معه فأعطوني ناقة مهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة وقالوا لي يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق قلت أنا من أدل الناس

قالوا فسر معنا فسرت معهم فلا أمر علي واد ولا ماء إلا سألوني عنه حتى طرقنا الحوأب وهو ماء فنبحتنا كلابه فقالوا أي ماء هذا فقلت هذا ماء الحوأب فصرخت عائشة بأعلي صوتها ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهية سمعت رسول الله يقول وعنده نساؤه ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب

فأناخوا حولها يوما وليلة فقال لها عبد الله بن الزبير إنه كذب ولم يزل بها وهي تتمنع فقال لها النجاء النجاء فقد أدرككم علي بن أبي طالب

فارتحلوا نحو البصرة فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي وقال يا أم المؤمنين أنشدك الله أن تقدمي اليوم علي قوم لم تراسلي منهم أحد فعجلي ابن عامر فإن له بها صنائع فليذهب إليهم ليلقوا الناس إلي أن تقدمي ويسمعوا ما جئتم به فأرسلته فاندس إلي البصرة فأتي القوم وكتبت عائشة إلي رجال من أهل البصرة وإلي الأحنف بن قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم وأقامت بالحفير تنتظر الجواب

ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين وكان رجل عامة وألزمه بأبي الأسود الدؤلي وكان رجل خاصة وقال لهما انطلقا إلي هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها

فخرجا فانتهيا إليها بالحفير فأذنت لهما فدخلا وسلما وقالا إن أميرنا بعثنا إليك لنسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا

فقالت والله ما مثلي يغطي لبنيه الخبر إن الغوغاء ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله وأحدثوا فيه وآووا المحدثين فاستوجبوا لعنة الله ولعنة رسول الله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام وسفكوه وانتهبوا المال الحرام وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتي هؤلاء وما الناس فيه وراءنا وما ينبغي لهم من إصلاح هذه القصة وقرأت لا خير في كثير من نجواهم الآية فهذا شأننا إلي معروف نأمركم به ومنكر ننهاكم عنه

فخرج عمران وأبو الأسود من عندها فأتيا طلحة وقالا ما أقدمك فقال الطلب بدم عثمان فقالا ألم تبايع عليا فقال بلي والسيف علي عنقي وما أستقيل عليا البيعة إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان

ثم أتيا الزبير فقالا له مثل قولهما لطلحة وقال لهما مثل قول طلحة فرجعا إلي عثمن بن حنيف ونادي مناديها بالرحيل فدخلا علي عثمان فبادر أبو الأسود عمران فقال

( يا بن حنيف قد أتيت فانفر % وطاعن القوم وجالد واصبر )

( وابرز لهم مستلئما وشمر )

فقال عثمان إنا لله وإنا إليه راجعون دارت رحي الإسلام ورب الكعبة فانظروا بأي زيفان تزيف فقال عمران أي والله لتعركنكم عركا طويلا فقال فأشر علي يا عمران فقال اعتزل فإني قاعد قال عثمان بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين

فانصرف عمران إلي بيته وقام عثمان في أمره فأتاه هشام بن عامر فقال إن هذا الأمر الذي تريده يسلم إلي شر مما تكره إن هذا فتق لا يرتق وصدع لا يجبر فارفق بهم وسامحهم حتى يأتي أمر علي فأبي ونادي عثمان في الناس وأمرهم بلبس السلاح فاجتمعوا إلي المسجد وأمرهم بالتجهز وأمر رجلا دسه إلي الناس خدعا كوفيا قيسيا فقام فقال أيها الناس أنا قيس بن العقدية الحميسي إن هؤلاء القوم إن كانوا جاءوا خائفين فقد أتوا من بلد يأمن فيه الطير وإن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلة عثمان فأطيعوني وردوهم من حيث جاءوا

فقام الأسود بن سريع السعدي فقال أوزعموا أنا قتلة إنما أتوا يستعينون بنا علي قتلة عثمان منا ومن غيرنا

فحصبه الناس فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا فكسره ذلك فأقبلت عائشة فيمن معها حتى انتهوا إلي المربد فدخلوا من أعلاه ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها فاجتمع القوم بالمربد فتكلم طلحة وهو في ميمنة المربد وعثمان في ميسرته فأنصتوا له فحمد الله وأثني عليه وذكر عثمان وفضله وما استحل منه ودعا إلي الطلب بدمه وحثهم عليه وكذلك الزبير فقال من في ميمنة المربد صدقا وبرا وقال من في ميسرته فجرا وغدرا وأمرا بالباطل فقد بايعا عليا ثم جاءا يقولان وتحاثي الناس وتحاصبوا وارهجوا فتكلمت عائشة وكانت جهورية الصوت فحمدت الله وقالت كان الناس يتجنون علي عثمان ويزرون علي عماله ويأتوننا بالمدينة فيستشيرونا فيما يخبروننا عنهم فننظر في ذلك فنجده بريئا تقيا وفيا ونجدهم فجرة غدرة كذبة وهم يحاولون غير ما يظهرون فلما قووا كاثروه واقتحموا عليه داره واستحلوا الدم الحرام والشهر الحرام والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر ألا أن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيرة أخذ قتلة عثمان وإقامة كتاب الله وقرأت ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله

فافترق أصحاب عثمان فرقتين فرقة قالت صدقت وبرت وقال الآخرون كذبتم والله ما نعرف ما جئتم به

فتحاثوا وتحاصبوا فلما رأت عائشة ذلك انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف حتى وقفوا في المربد في موضع الدباغين وبقي أصحاب عثمان علي حالهم ومال بعضهم إلي عائشة وبقي بعضهم مع عثمان وأقبل جارية بن قدامة السعدي وقال يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك علي هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك إنه من رأي قتالك يري قتلك لئن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلي منزلك وإن كنت أتيتنا مكرهة فاستعيني بالناس

وخرج غلام شاب من بني سعد إلي طلحة والزبير فقال أما أنت يا زبير فحواري رسول الله وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله بيدك وأري أمكما معكما فهل جئتما بنسائكما قالا لا

قال فما أنا منكم في شيء واعتزل وقال في ذلك

( صنتم حلالكم وقدتم أمكم % هذا لعمرك قلة الإنصاف )

( أمرت بجر ذيولها في بيتها % فهوت تشق البيد بالإيجاف )

( غرضا يقاتل دونها أبناؤها % بالنبل والخطي والأسياف )

( هتكت بطلحة والزبير ستورها % هذا المخبر عنهم والكافي

وأقبل حكيم بن جبلة العبدي وهو علي الخيل فأنشب القتال وأشرع أصحاب عائشة رماحهم وأمسكوا ليمسك حكيم وأصحابه فلم ينته وقاتلهم أصحاب عائشة كافون يدفعون عن أنفسهم وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها فاقتتلوا علي فم السكة وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا إلي مقبرة بني مازن وحجز الليل بينهم ورجع عثمان إلي القصر وأتي أصحاب عائشة إلي ناحية دار الرزق وباتوا يتأهبون وبات الناس يأتونهم واجتمعوا بساحة دار الرزق فغاداهم حكيم بن جبلة وهو يسب وبيده الرمح فقال له رجل من عبد القيس من هذا الذي تسبه قال عائشة قال يا بن الخبيثة ألأم المؤمنين تقول هذا فطعنه حكيم فقتله ثم مر بامرأة وهو يسبها أيضا فقالت له ألأم المؤمنين تقول هذا يا بن الخبيثة فطعنها فقتلها ثم سار فاقتتلوا بدار الرزق قتالا شديدا إلي أن زال النهار وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف وكثر الجراح في الفريقين فلما عضتهم الحرب تنادوا إلي الصلح وتوادعوا فكتبوا بينهم كتابا علي أن يبعثوا رسولا إلي المدينة يسأل أهلها فإن كان طلحة والزبير أكرها خرج عثمان بن حنيف عن البصرة وأخلاهما لها وإن لم يكونا أكرها خرج طلحة والزبير وكتبوا بينهم كتابا بذلك وسار كعب بن سور إلي أهل المدينة يسألهم فلما قدمها اجتمع الناس إليه وكان يوم جمعة فقام وقال يا أهل المدينة أنا رسول أهل البصرة نسألكم هل أكره طلحة والزبير علي بيعة علي أم أتياها طائعين فلم يجبه أحد إلا أسامة بن زيد فإنه قام وقال إنهما بايعا وهما مكرهان فأمر به تمام بن العباس فواثبه سهل بن حنيف والناس وثار صهيب وأبو أيوب في عدة من أصحاب النبي فيهم محمد بن مسلمة حين خافوا أن يقتل أسامة فقالوا اللهم نعم فتركوه وأخذ صهيب أسامة بيده إلي منزله وقال له أما وسعك ما وسعنا من السكوت قال ما كنت أظن أن الأمر كما أري

فرجع كعب وبلغ عليا الخبر فكتب إلي عثمان يحجزه وقال والله ما أكرها علي فرقة ولقد أكرها علي جماعة وفضل فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظروا

فقدم الكتاب علي عثمان وقدم كعب بن سور فأرسلوا إلي عثمان ليخرج فاحتج بالكتاب وقال هذا أمر آخر غير ما كنا فيه فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح ومطر ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء وكانوا يؤخرونها فأبطأ عثمان فقدما عبد الرحمن بن عتاب فشهر الزط والسيابجة السلاح ثم وضعوها فيهم فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا وهو أربعون رجلا فأدخلا الرجال علي عثمان فأخرجوه إليهما فما وصل إليهما وقد بقي في وجهه شعرة فاستعظما ذلك وأرسلا إلي عائشة يعلمانها الخبر فأرسلت إليهما أن خلوا سبيله

وقيل لما أخذ عثمان أرسلوا إلي عائشة يستشيرونها في أمره فقالت اقتلوه فقلت لها امرأة نشدتك الله في عثمان وصحبته لرسول الله فقالت لهم احبسوه فقال لهم مجاشع بن مسعود اضربوه ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه

فضربوه أربعين سوطا ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه ثم أطلقوه وجعلوا علي بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق

وقد قيل في إخراج عثمان غير ما تقدم وذلك أن عائشة وطلحة والزبير لما قدموا البصرة كتبت عائشة إلي زيد بن صوحان من عائشة أم المؤمنين حبيبة رسول الله إلي ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا فإن لم تفعل فخذل الناس عن علي

فكتب إليها أما بعد فأنا ابنك الخالص إن اعتزلت ورجعت إلي بيتك وإلا فأنا أول من نابذك

وقال زيد رحم الله أمير المؤمنين أمرت أن تلزم بيتها وأمرنا أن تقاتل فتركت ما أمرت به وأمرتنا به وصنعت ما أمرنا به ونهتنا عنه

وكان علي البصرة عند قدومها عثمان بن حنيف فقال لهم ما نقمتم علي صاحبكم

فقالوا لم نره أولي بها منا وقد صنع ما صنع قال فإن الرجل أمرني فاكتب إليه فأعلمه ما جئتم به علي أن أصلي أنا بالناس حتى يأتينا كتابه

فوقفوا عنه فكتب فلم يلبث إلا يومين أو ثلاثة حتى وثبوا علي عثمان عند مدينة الرزق فظفروا به وأرادوا قتله ثم خشوا غضب الأنصار فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه وضربوه وحبسوه وقام طلحة والزبير خطيبين فقالا يا أهل البصرة توبة لحوبة إنما أردنا أن نستعتب أمير المؤمنين عثمان فغلب السفهاء الحلماء فقتلوه

فقال الناس لطلحة يا أبا محمد قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا فقال الزبير هل جاءكم مني كتاب في شأنه ثم ذكر قتل عثمان وأظهر عيب علي فقام إليه رجل من عبد القيس فقال أيها الرجل انصت حتى نتكلم فأنصت فقال العبدي

يا معشر المهاجرين أنتم أول من أجاب رسول الله فكان لكم بذلك فضل ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم فلما توفي رسول الله بايعتم رجلا منكم فرضينا وسلمنا ولم تستأمرونا في شيء من ذلك فجعل الله للمسلمين في إمارته بركة ثم مات واستخلف عليكم رجلا فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلمنا فلما توفي جعل أمركم إلي ستة نفر فاخترتم عثمان وبايعتموه عن غير مشورتنا ثم أنكرتم منه شيئا فقتلتموه عن غير مشورة منا ثم بايعتم علي عن غير مشورة منا فما الذي نقمتم عليه فنقاتله هل استأثر بفيء أو عمل بغير الحق أو أتي شيئا تنكرونه فنكون معكم عليه وإلا فما هذا فهموا بقتل ذلك الرجل فمنعته عشيرته فلما كان الغد وثبوا عليه وعلي من معه فقتلوا منهم سبعين وبقي طلحة والزبير بعد أخذ عثمان بالبصرة ومعهم بيت المال والحرس والناس معهما ومن لم يكن معهما استتر

وبلغ حكيم بن جبلة ما صنع بعثمان بن حنيف فقال لست أخاف الله إن لم أنصره فجاء في جماعة من عبد القيس ومن تبعه من ربيعة وتوجه نحو دار الرزق وبها طعام أراد عبد الله بن الزبير أن يرزقه أصحابه فقال له عبد الله مالك يا حكيم

قال نريد أن نرتزق من هذا الطعام وأن تخلوا عثمان فيقيم في دار الإمارة علي ما كتبتم بينكم حتى يقدم علي وأيم الله لو أجد أعوانا عليكم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلكم بمن قتلتم ولقد أصبحتم وإن دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم أما تخافون الله بم تستحلون الدم الحرام قال بدم عثمان قال فالذين قتلتم هم قتلوا عثمان أما تخافون مقت الله

فقال له عبد الله لا نرزقكم من هذا الطعام ولا نخلي سبيل عثمان حتى تخلع عليا فقال حكيم اللهم إنك حكم عدل فاشهد وقال لأصحابه لست في شك من قتال هؤلاء القوم فمن كان في شك فلينصرف وتقدم فقاتلهم فقال طلحة والزيبير الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة اللهم لا تبق منهم أحدا

فاقتتلوا قتالا شديدا ومع حكيم أربعة قواد فكان حكيم بحيال طلحة وذريح بحيال الزبير وابن المحترش بحيال عبد الرحمن بن عتاب وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلاثمائة وجعل حكيم يضرب بالسيف ويقول

( أضربتم باليابس % ضرب غلام عابس )

( من الحياة آيس % في الغرفات نافس )

فضرب رجل رجله فقطعها فحبا حتى أخذها فرمي بها صاحبه فصرعه وأتاه فقتله ثم اتكأ عليه وقال

( يا ساقي لن تراعي % إن معي ذراعي )

( أحمي بها كراعي )

وقال أيضا

( ليس علي أن أموت عار % والعار في الناس هو الفرار )

( والمجد لا يفضحه الدمار )

فأتي عليه رجل وهو رثيث رأسه علي آخر فقال مالك يا حكيم

قال قتلت قال من قتلك قال وسادتي فاحتمله وضمه في سبعين من أصحابه وتكلم يومئذ حكيم وإنه لقائم علي رجل واحدة وإن السيوف لتأخذهم وما يتعتع ويقول إنا خلقنا هذان وقد بايعا عليا وأعطياه الطاعة ثم أقبلا مخالفين محاربين يطلبان بدم عثمان ففرقا بينهما ونحن أهل دار وجوار اللهم إنهما لم يريدا عثمان

فناداه مناد يا خبيث جزعت من نصبك وأصحابك حين عضك نكال الله بما ركبتم من الإمام المظلوم وفرقتم الجماعة وأصبتم من الدماء فذق وبال الله وانتقامه إلي كلام

وقتلوا وقتل معهم قتله يزيد بن الأسحم الحداني فوجد حكيم قتيلا بين يزيد وأخيه كعب

وقيل قتله رجل يقال له ضخيم وقتل معه ابنه الأشرف وأخوه الرعل بن جبلة

ولما قتل حكيم أرادوا قتل عثمان بن حنيف فقال لهم أما إن سهلا بالمدينة فإن قتلتموني انتصر فخلوا سبيله فقصد عليا وقتل ذريح ومن معه وأفلت حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه فلجأوا إلي قومهم فنادي منادي طلحة والزبير من كان فيهم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم فجيء بهم فقتلوا ولم ينج منهم إلا حرقوص بن زهير فإن عشيرته بني سعد منعوه وكان منهم فنالهم منذ لك أمر شديد وضربوا فيه أجلا وخشنوا صدور بني سعد وكانوا عثمانية فاعتزلوا وغضبت عبد القيس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ومن كان هرب إليهم إلي ما هم عليه من لزوم الطاعة لعلي فأمر طلحة والزبير للناس بأعطياتهم وأرزاقهم وفضلا أهل السمع والطاعة فخرجت عبد القيس وكثير من بكر بن وائل حيت منعوهم الفضول فبادروهم إلي بيت المال وأكب عليهم الناس فأصابوا منهم وخرجوا حتى نزلوا علي طريق علي وأقام طلحة والزبير وليس معهم ثار إلا حرقوص بن زهير وكتبوا إلي أهل الشام بما صنعوا وصاروا إليه

وكتبت عائشة إلي أهل الكوفة بما كان منهم وتأمرهم أن يثبطوا الناس عن علي وتحثهم علي طلب قتلة عثمان وكتبت إلي أهل اليمامة وإلي أهل المدينة بما كان منهم أيضا وسيرت الكتب وكانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين

وبايع أهل البصرة طلحة والزبير فلما بايعوهما قال الزبير إلا ألف فارس أسير بهم إلي علي أقتله بياتا أو صباحا قبل أن يصل إلينا فلم يجبه أحد فقال إن هذه للفتنة التي كنا نحدث عنها فقال له مولاه أتسميها فتنة وتقاتل فيها

قال ويلك إنا نبصر ولا تبصر ما كان أمر قط إلا وأنا أعلم موضع قدمي فيه غير هذا الأمر فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر

وقال علقمة بن وقاص الليثي لما خرج طلحة والزبير وعائشة رأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته علي صدره فقلت يا أبا محمد أري أحب المجالس إليك أخلاها وأنت ضارب بلحيتك علي صدرك إن كرهت شيئا فاجلس قال فقال لي يا علقمة بينا نحن يد واحدة علي من سوانا إذا صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضا إنه كان مني في عثمان شيء ليس توبتي إلا أن يسفك دمي في طلب دمه قال فقلت فرد ابنك محمدا فإن لك ضيعة وعيالا فإن يك شئ يخلفك قال فامنعه قال فأتيت محمدا ابنه فقلت له لو أقمت فإن حدث به حدث كنت تخلفه في عياله وضيعته قال ما أحب أن أسأل عنه الركبان

يعلي بن منية بضم الميم وسكون النون والياء المعجمة باثنتين من تحتها وهي أمه وأسم أبيه أمية

عبد الله بن خالد بن أسيد بفتح همزة أسيد

جارية بن قدامة بالجيم

حكيم بن جبلة بضم الحاء وفتح الكاف وكسر الكاف

وصوحان بضم الصاد وآخره نون

ذكر مسير علي إلي البصرة والوقعة ص 112

قد ذكرنا فيما تقدم تجهز علي إلي الشام فبينما هو علي ذلك أتاه الخبر عن طلحة والزبير وعائشة من مكة بما عزموا عليه فلما بلغه ذلك دعا وجوه أهل المدينة وخطبهم فحمد الله وأثني عليه ثم قال

إن آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح أوله فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم فتثاقلوا فلما رأي زياد بن حنظلة تثاقل الناس انتدب إلي علي وقال له من تثاقل عنك فإنا نخف معك فنقاتل دونك وقام رجلان صالحان من أعظم الأنصار أحدهما أبو الهيثم بن التيهان وهو بدري والثاني خزيمة بن ثابت قيل هو ذو الشهادتين وقال الحكيم ليس بذي الشهادتين أيام عثمان فأجابه إلي نصرته قال الشعبي ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة نفر بدريون ما لهم سابع وقال سعيد بن زيد ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي لخير يعملونه إلا وعلي أحدهم

قيل وقال أبو قتادة الأنصاري لعلي يا أمير المؤمنين إن رسول الله قلدني هذا السيف وقد أغمدته زمانا وقد حان تجريده علي هؤلاء القوم الظالمين الذين يألون الأمة غشا وقد أحببت أن تقدمني فقدمني

وقالت أم سلمة يا أمير المؤمنين لولا أن أعصي الله وأنك لا تقبله مني لخرجت معك وهذا ابن عمي وهو والله أعز علي من نفسي يخرج معك ويشهد مشاهدك فخرج معه واستعمله علي علي البحرين ثم عزله واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي

فلما أراد علي المسير إلي البصرة وكان يرجو أن يدرك طلحة والزبير فيردهما قبل وصولهما إلي البصرة أو يوقع بهما فلما سارا استخلف علي المدينة تمام بن العباس وعلي مكة قثم بن العباس وقيل أمر علي المدينة سهل بن حنيف

وسار علي من المدينة في تعبئته التي تعبأها لأهل الشام آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين فقالت أخت علي بن عدي من بني عبد شمس

( لا هم فاعقر بعلي جملة % ولا تبارك في بعير حمله )

( ألا علي بن عدي ليس له )

وخرج معه من نشط من الكوفيين والبصريين متخففين في تسعمائة وهو يرجو أن يدركهم فيحول بينهم وبين الخروج أو يأخذهم فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه وقال يا أمير المؤمنين لا تخرج منها فالله إن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا فسبوه فقال دعوا الرجل من أصحاب محمد حتى انتهي إلي الربذة فلما انتهي إليها أتاه خبر سبقهم فأقام بها يأتمر ما يفعل وأتاه ابنه إلي الربذة فلما انتهي إليها أتاه خبر سبقهم فأقام بها يأتمر ما يفعل وأتاه ابنه الحسن في الطريق فقال له لقد أمرتك فعصيتني فتقتل إذا بمضيعة لا ناصر لك فقال له علي إنك لا تزال تخن خنين الجارية وما الذي أمرتني فعصيتك قال أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة قيقتل ولست بها ثم أمرتك يوم قتل أن لا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة أهل مصر فإنهم لن يقطعوا أمرا دونك فأبيت علي

وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان علي يد غيرك فعصيتني في ذلك كله

فقال أي بني أما قولك لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به وأما قولك لا تبايع أهل الأمصار فإن الأمر أمر أهل المدينة وكرهنا أن يضيع هذا الأمر ولقد مات رسول الله وما أري أحدا أحق بهذا الأمر مني فبايع الناس أبو بكر الصديق فبايعته ثم أن أبا بكر انتقل إلي رحمة الله وما أري أحدا أحق بهذا الأمر مني فبايع الناس عمر فبايعته ثم أنن عمر انتقل إلي رحمة الله وما أري أحدا أحق بهذا الأمر مني فجعلني سهما من ستة أسهم فبايع الناس عثمان فبايعته ثم سار الناس إلي عثمان فقتلوه وبايعوني طائعين غير مكرهين فأنا مقاتل من خالفني بمن أطاعني حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين وأما قولك أن أجلس في بيتي حين خرج طلحة والزبير فكيف لي بما قد لزمني أو من تريدني أتريدني أن أكون كالضبع التي يحاط بها ويقال دباب دباب ليست ههنا حتى يحل عرقوباها حتى يخرج وإذا لم أنظر فيما يلزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه فكف عنك يا بني

ولما قدم علي الربذة وسمع بها خبر القوم أرسل منها إلي الكوفة محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن جعفر وكتب إليهم إني أخترتكم علي الأمصار وفزعت إليكم لما حدث فكونوا لدين الله أعوانا وأنصارا وانهضوا إلينا فالإصلاح نريد لتعود هذه الأمة أخوانا فمضينا وبقي علي بالربذة يتهيأ وأرسل إلي المدينة فأتاه ما يريده من دابة وسلاح وأمر أمره وقام في الناس فخطبهم وقال

إن الله تبارك وتعالي أعزنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا به إخوانا بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد فجري الناس علي ذلك ما شاء الله الإسلام دينهم والحق فيهم والكتاب إمامهم حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزع بين هذه الأمة ألا إن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلها فنعوذ بالله من شر ما هو كائن

ثم عاد ثانية وقال إنه لا بد مما هو كائن أن يكون ألا وإن هذه الأمة ستفترق علي ثلاث وسبعين فرقة شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي وقد أدركتهم ورأيتهم فالزموا دينكم وأهدوا بهديي فإنه هدي نبيكم واتبعوا سنته واعرضوا عما أشكل عليكم حتى تعرضوه علي القرآن فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردوه وارضوا بالله ربا وبالإسلام دينا ومحمد نبيا وبالقرآن حكما وإماما

فلما أراد المسير من الربذة إلي البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن رافع فقال يا أمير المؤمنين أي شيء تريد وأين تذهب بنا فقال أما الذي نريد وننوي فالإصلاح إن قبلوا منا وأجابونا إليه قال فإن لم يجيبونا إليه قال ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحق ونصبر قال فإن لم يرضوا قال ندعهم ما تركونا قال فإن لم يتركونا قال امتنعنا منهم قال فنعم إذن وقام الحجاج بن غزية الأنصاري فقال لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول وقال

( دراكها دراكها قبل الفوت % فانفر بنا واسم بنا نحو الصوت )

( لا وألت نفسي إن تكرهت الموت )

والله لننصرن الله كما سمانا أنصارا ثم أتاه جماعة من طيئ وهو بالربذة فقيل لعلي هذه جماعة قد أتتك منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك قال جزي الله كليهما خيرا وفضل الله المجاهدين علي القاعدين أجرا عظيما

فلما دخلوا عليه قال لهم ما شهدتمونا به قالوا شهدناك بكل ما تحب فقال جزاكم الله خيرا فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدين ووافيتم بصدقاتكم المسلمين فنهض سعيد بن عبيد الطائي فقال يا أمير المؤمنين إن من الناس من يعبر لسانه عما في قلبه وإني والله ما أجد لساني يعبر عما في قلبي وسأجهد وبالله التوفيق أما أنا فسأنصح لك في السر والعلانية وأقاتل عدوك في كل موطن وأري من الحق لك ما لا أراه لأحد غيرك من أهل زمانك لفضلك وقرابتك فقال رحمك الله قد أدي لسانك عما يجن ضميرك فقتل معه بصفين وسار علي من الربذة وعلي مقدمته أبو ليلي بن عمر بن الجراح والراية مع محمد بن الحنفية وعلي علي ناقة حمراء يقود فرسا كميتا

فلما نزل بفيد أتته أسد وطيئ فعرضوا عليه أنفسهم فقال الزموا قراركم في المهاجرين كفاية وأتاه رجل بفيد من الكوفة فقال له من الرجل قال عامر بن مطر الشيباني قال أخبر عما وراءك فأخبره فسأله عن أبي موسى فقال إن أردت الصلح فأبو موسى صاحبه وإن أردت القتال فليس بصاحبه فقال علي والله ما أريد إلا الصلح حتى يرد علينا ولما نزل علي الثعلبية أتاه الذي لقي عثمان بن حنيف وحرسه فأخبر أصحابه الخبر فقال اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير فلما انتهي إلي الإساد أتاه ما لقي حكيم بن جبلة وقتلة عثمان فقال الله أكبر ما ينجيني من طلحة والزبير إن أصابا ثأرهما وقال

( دعا حكيم دعوة الزماع % حل بها منزلة النزاع )

فلما انتهي إلي ذي قار أتاه فيها عثمان بن حنيف وليس في وجهه شعرة وقيل أتاه بالربذة وكانوا قد نتفوا شعر رأسه ولحيته علي ما ذكرناه فقال يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد فقال أصبت أجرا وخيرا إن الناس وليهم قبلي رجلان فعملا بالكتاب والسنة ثم وليهم ثالث فقالوا وفعلوا ثم بايعوني وبايعني طلحة والزبير ثم نكثا بيعتي وألبا الناس علي ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان وخلافهما علي والله إنهما ليعلمان أني لست بدون رجل ممن تقدم اللهم فاحلل ما عقدا ولا تبرم ما أحكما في أنفسهما وأرهما المساءة فيما قد عملا وأقام بذي قار ينتظر محمدا ومحمدا فأتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس فقال عبد القيس خير ربيعة وفي كل ربيعة خير وقال

( يا لهف نفسي علي ربيعة % ربيعة السامعة المطيعة )

( قد سبقتني فيهم الوقيعة % دعا علي دعوة سميعة )

( حلوا بها المنزلة الرفيعة )

وعرضت عليه بكر بن وائل فقال لها ما قال لطيئ وأسد

وأما محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فأتيا أبا موسى بكتاب على وقاما في الناس بأمره فلم يجابا إلي شيء فلما أمسوا دخل ناس من أهل الحجى علي أبي موسى فقالوا ما ترى في الخروج فقال كان الرأي بالأمس ليس اليوم إن الذي تهاونتم به فيما مضي هو الذي جر عليكم ما ترون إنما هما أمران القعود سبيل الآخرة والخروج سبيل الدنيا فاختاروا فلم ينفر إليه أحد فغضب محمد ومحمد وأغلظا لأبى موسى فقال لهما والله إن بيعة عثمان لفي عنقك وعنق صاحبكما فإن لم يكن بد من قتال لا نقاتل أحدا حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا

فانطلقا إلي علي فأخبراه الخبر وهو بذي قار فقال للأشتر وكان معه أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كل شيء اذهب أنت وابن عباس فأصلح ما أفسدت فخرجا فقدما الكوفة فكلما أبا موسى واستعانا عليه بنفر من أهل الكوفة فقام لهم أبو موسى وخطبهم وقال أيها الناس إن أصحاب النبي الذين صحبوه أعلم بالله وبرسوله ممن لم يصحبه وإن لكم علينا لحقا وأنا مؤد إليكم نصيحة كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله وأن لا تجترئوا علي الله وأن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا فهم أعلم بمن تصلح له الإمامة وهذه فتنة صماء النائم فيها خير من اليقظان واليقظان خير من القاعد والقاعد خير من القائم والقائم خير من الراكب والراكب خير من الساعي فكونوا جرثومة من جراثيم العرب فاغمدوا السيوف وانصلوا الأسنة واقطعوا الأوتار وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة

فرجع ابن عباس والأشتر إلي علي فأخبراه الخبر فأرسل ابنه الحسن وعمار بن يسار وقال لعمار انطلق فأصلح ما أفسدت فأقبلا حتى دخلا المسجد وكان أول من أتاهما المسروق بن الأجدع فسلم عليهما وأقبل على عمار فقال يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان قال علي شتم أعراضنا وضرب أبشارنا قال فوالله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لكان خيرا للصابرين فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه وأقبل علي عمار فقال يا أبا اليقظان أعدوت علي أمير المؤمنين فيمن عدا فأحللت نفسك مع الفجار فقال لم أفعل ولم يسؤني

فقطع الحسن عليهما الكلام وأقبل علي أبى موسى فقال له لم تثبط الناس عنا فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء فقال صدقت بأبي أنت وأمي ولكن المستشار مؤمن سمعت رسول الله يقول إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب وقد جعلنا الله إخوانا وقد حرم علينا دماءنا وأموالنا فغضب عمار وسبه وقام وقال يا أيها الناس إنما قال له وحده أنت فيها قاعد خير منك قائما

فقام رجل من بني تميم فسب عمارا وقال أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا وثار زيد بن صوحان وطبقته وثار الناس وجعل أبو موسى يكفكف الناس ووقف زيد علي باب المسجد ومعه كتاب إليه من عائشة تأمره فيه بملازمة بيته أو نصرتها وكتاب إلي أهل الكوفة بمعناه فأخرجهما فقرأهما علي الناس فلما فرغ منهما قال أمرت أن تقر في بيتها وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة فأمرتنا بما أمرت به وركبت ما أمرنا به

فقال له شبث بن ربعي يا عماني لأنه من عبد القيس وهم يسكنون عمان سرقت بجلولاء فقطعت يدك وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله وتهاوي الناس وقام أبو موسى وقال أيها الناس أطيعوني وكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوي إليكم المظلوم ويأمن فيكم الخائف إن الفتنة إذا أقبلت فقد شبهت فإذا أدبرت بينت وإن هذه الفتنة فاقرة كداء البطن تجري بها الشمال والجنوب والصبا والدبور تذر الحليم وهو حيران كابن أمس شيموا سيوفكم وقصدوا رماحكم وقطعوا أوتاركم والزموا بيوتكم خلوا قريشا إذا أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل علم بالأمراء استنصحوني ولا تستغشوني أطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم ويشقي بحر هذه الفتنة من جناها

فقام زيد فشال يده المقطوعة فقال يا عبد الله بن قيس رد الفرات علي أدراجه أردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ فإن قدرت علي ذلك فستقدر علي ما تريد فدع عنك ما لست مدركه سيروا إلي أمير المؤمنين وسيد المسلمين انفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق فقام القعقاع بن عمرو فقال إني لكم ناصح وعليكم شفيق أحب لكم أن ترشدوا ولأقولن لكم قولا وهو الحق أما ما قال الأمير فهو الحق لو أن إليه سبيلا وأما ما قال زيد فزيد عدو هذا الأمر فلا تستنصحوه والقول الذي هو الحق أنه لا بد من إمارة تنظم الناس وتزع الظالم وتعز المظلوم وهذا أمير المؤمنين ولي بما ولي وقد أنصف في الدعاء وإنما يدعو إلي الإصلاح فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع

وقال عبد الخير الخيواني يا أبا موسى هل بايع طلحة والزبير قال نعم قال هل أحدث علي ما يحل به نقض بيعته قال لا أدري قال لا دريت نحن نتركك حتى تدري هل تعلم أحدا خارجا من هذه الفتنة إنما الناس أربع فرق علي بظهر الكوفة وطلحة والزبير بالبصرة ومعاوية بالشام وفرقة بالحجاز لا غناء بها ولا يقاتل بها عدو فقال أبو موسى أولئك خير الناس وهى فتنة فقال عبد الخير غلب عليك غشك يا أبا موسى فقال سيحان بن صوحان أيها الناس لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع الظالم ويعز المظلوم ويجمع الناس وهذا واليكم يدعوكم لتنظروا فيما بينه وبين صاحبيه وهو المأمون علي الأمة الفقيه في الدين فمن نهض إليه فإنا سائرون معا

فلما فرغ سيحان قال عمار هذا ابن عم رسول الله يستنفركم إلي زوجة رسول الله وإلي طلحة والزبير وإني أشهد أنها زوجته في الدنيا والآخرة فانظروا ثم انظروا في الحق فقاتلوا معه فقال له رجل أنا مع من شهدت له بالجنة علي من لم تشهد له فقال له الحسن اكفف عنا فإن للإصلاح أهلا وقام الحسن بن علي فقال أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم وسيروا إلي إخوانكم فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه ووالله لأن يليه أولوا النهى أمثل في العاجل والآجل وخير في العاقبة فأجيبوا دعوتنا وأعينونا علي ما ابتليتم به وابتليتم وإن أمير المؤمنين يقول قد خرجت مخرجي هذا ظالما أو ظالما وإني أذكر الله رجلا رعي حق الله إلا نفر فإن كنت مظلوما أعانني وإن كنت ظالما أخذ مني والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني وأول من غدر فهل استأثرت بمال أو بدلت حكما فانفروا فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فسامح الناس وأجابوا ورضوا

وأتي قوم من طيئ عدي بن حاتم فقالوا ماذا تري وما تأمر فقال قد بايعنا هذا الرجل وقد دعانا إلي جميل وإلي هذا الحدث العظيم لننظر فيه ونحن سائرون وناظرون فقام هند بن عمرو فقال إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله حتى جاءنا ابنه فاسمعوا إلي قوله وانتهوا إلي أمره وانفروا إلي أميركم فانظروا معه في هذا الأمر وأعينوه برأيكم وقام حجر بن عدي فقال أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين وانفروا خفافا وثقالا مروا وأنا أولكم فأذعن الناس للمسير فقال الحسن أيها الناس إني غاد فمن شاء منكم أن يخرج معي علي الظهر ومن شاء في الماء فنفر معه قريب من تسعة آلاف أخذ في البرستة آلاف ومائتان وأخذ في الماء ألفان وأربعمائة

وقيل إن عليا أرسل الأشتر بعد ابنه الحسن وعمار إلي الكوفة فدخلها والناس في المسجد وأبو موسى يخطبهم ويثبطهم والحسن وعمار معه في منازعة وكذلك سائر الناس كما تقدم فجعل الأشتر لا يمر بقبيلة فيها جماعة إلا دعاهم ويقول اتبعوني إلي القصر فانتهي إلي القصر في جماعة الناس فدخله وأبو موسى في المسجد يخطبهم ويثبطهم والحسن يقول له اعتزل عملنا لا أم لك وتنح عن منبرنا وعمار ينازعه فأخرج الأشتر غلمان أبو موسى فدخل القصر فصاح به الأشتر اخرج لا أم لك أخرج الله نفسك فقال أجلني هذه العشية فقال هي لك ولا تبيتن في القصر الليلة ودخل الناس ينهبون متاع أبي موسى فمنهعم الأشتر وقال أنا له جار فكفوا عنه فنفر الناس في العدد المذكور

وقيل إن عدد من سار إلي الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل قال أبو الطفيل سمعت عليا يقول ذلك قبل وصولهم فقعدت فأحصيتهم فما زادوا رجلا ولا نقصوا رجلا وكان علي كنانة وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرياحي وكان علي سبع قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار وعلي بكر وتغلب وعلة بن محدوج الذهلي وكان علي مذحج والأشعريين حجر بن عدي وعلي بجيلة وأنمار وخثعم والأزد مخنف بن سليم الأزدي فقدموا علي أمير المؤمنين بذي قار فلقيهم في ناس معه فيهم ابن عباس فرحب بهم وقال يا أهل الكوفة أنتم قاتلتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم حتى صارت إليكم مواريثهم فمنعت حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فذاك الذي نريد وإن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بظلم ولم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه علي ما فيه الفساد إن شاء الله واجتمعوا عنده بذي قار وعبد القيس بأسرها في الطريق بين علي والبصرة ينتظرونه وهم ألوف

وكان رؤساء الجماعة من الكوفيين القعقاع بن عمرو وسعر بن مالك وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب وكان رؤساء النفار زيد بن صوحان والأشتر وعدي بن حاتم والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس وأمثال لهم ليسوا دونهم إلا أنهم لم يؤمروا منهم حجر بن عدي فلما نزلوا بذي قار دعا علي القعقاع فأرسله إلي أهل البصرة وقال ألق هذين الرجلين وكان القعقعاع من أصحاب النبي فادعهما إلي الألفة والجماعة وعظم عليهما الفرقة وقال له كيف تصنع فيما جاءك منهما وليس عندك فيه وصاة قال نلقاهم بالذي أمرت به فإذا جاء منهم ما ليس عندنا منك فيه رأي اجتهدنا رأينا وكلمناهم كما نسمع ونري أنه ينبغي قال أنت لها فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة فسلم عليها وقال أي أمة ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة قالت أي بني الإصلاح بين الناس قال فابعثي إلي طلحة حتى تسمعي كلامي وكلامها

فبعثت إليهما فجاءا فقال لهما إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت الإصلاح بين الناس فما تقولان أنتما أمتابعان أم مخالفان قالا متابعان قال فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح فوالله لئن عرفناه لنصلحن ولئن أنكرناه لا يصلح قالا قتلة عثمان فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن قال قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة وأنتم قبل قتلهم أقرب إلي الإستقامة منكم اليوم قتلتم ستمائة رجل فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون وإن قاتلتموهم والذي اعتزلوكم فأديلوا عليكم فالذي حذرتم وقويتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون وإن أنتم منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد اجتمعوا علي حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير

قالت عائشة فماذا تقول أنت قال أقول إن هذا الأمر دواؤه التسكين فإذا سكن اختلجوا فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا المال فآثروا العافية ترزقونها وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم ولا تعرضونا للبلاء فتعرضوا له فيصرعنا وإياكم وأيم الله إني لأقول هذا القول وأدعوكم إليه وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ونزل بها ما نزل فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يقدر وليس كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل قالوا قد أصبت وأحسنت فارجع فإن قدم علي وهو علي مثل أمرك صلح هذا الأمر

فرجع إلي علي فأخبره فأعجبه ذلك وأشرف القوم علي الصلح كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه وأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علي بذي قار قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأي إخوانهم من أهل الكوفة وعلي أي حال نهضوا إليهم وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ولا يخطر لهم قتالهم علي بال فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة قال لهم الكوفيون مثل مقالتهم وأدخلوهم علي علي فأخبروه بخبرهم وسأل علي جرير بن شرس عن طلحة والزبير فأخبره بدقيق أمرهما وجليلة وقال له أما الزيبر فيقول بايعنا كرها وأما طلحة فيتمثل الأشعار ويقول

( ألا أبلغ بني بكر رسولا % فليس إلي بني كعب سبيل )

( سيرجع ظلمكم منكم عليكم % طويل الساعدين له فضول )

فتمثل علي عندها

( ألم تعلم أبا سمعان أنا % نرد الشيخ مثلك ذا الصداع )

( ويذهل عقله بالحرب حتى % يقوم فيستجيب لغير داع )

( فدافع عن خزاعة جمع بكر % وما بك يا سراقة من دفاع )

ورجعت وفود أهل البصرة برأي أهل الكوفة ورجع القعقاع من البصرة فقام علي خطيبا فحمد الله وذكر الجاهلية وشقاءها والإسلام والسعادة وإنعام الله علي الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم حدث هذا الحدث الذي جره علي هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا حسدوا من أفاءها الله عليه وعلي الفضيلة وأرادوا رد الإسلام والأشياء علي أدبارها والله بالغ أمره ألا وإني راحل إذا فارتحلوا ولا يرتحلن أحد أعان علي عثمان بشيء من أمور الناس وليغن السفهاء عني أنفسهم

فاجتمع نفر منهم علباء بن الهيثم وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي وشريح بن أوفي والأشتر في عدة ممن سار إلي عثمان ورضي بيسير من سار وجاء معهم المصريون وابن السوداء وخالد بن ملجم فتشاوروا فقالوا ما الرأي وهذا علي وهو والله أبصر بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان وأقرب إلي العمل بذلك وهو يقول ما يقول ولم ينفر إليه سواهم والقليل من غيرهم فكيف به إذا شام القوم وشاموه ورأوا قلتنا في كثرتهم وأنتم والله ترادون وما أنتم بالحي من شيء

فقال الأشتر قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا وأما علي فلم نعرف رأيه إلي اليوم ورأي الناس فينا واحد فإن يصطلحوا مع علي فعلي دمائنا فهلموا بنا نثب علي علي وطلحة فنلحقهما بعثمان فتعود فتنة يرضي منا فيها بالسكون فقال عبد الله بن السوداء بئس الرأي رأيت أنتم يا قتلة بذي قار ألفان وخمسمائة أو نحو من ستمائة وهذا ابن الحنظلية يعني طلحة وأصحابه في نحو من خمسة آلاف بالأشواق إلي أن يجدوا إلي قتالكم سبيلا فقال علباء بن الهيثم انصرفوا بنا عنهم ودعوهم فإن قلوا كان أقوي لعدوهم عليهم وإن كثروا كان أحرى أن يصطلح عليكم دعوهم وارجعوا فتعلقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تقوون به وامتنعوا من الناس فقال ابن السوداء بئس ما رأيت ود والله الناس أنكم انفردتم ولم تكونوا مع أقوام براء ولو انفردتم لتخطفكم الناس كل شيء فقال عدي بن حاتم والله ما رضيت ولا كرهت ولقد عجبت من تردد من تردد عن قتله في خوض الحديث فإما إذا وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة فإن لنا عتادا من خيول وسلاح فإن أقدمتم أقدمنا وإن أمسكتم أمسكنا

فقال ابن السوداء أحسنت وقال سالم بن ثعلبة من كان أراد بما أتي الدنيا فإني لم أرد ذلك والله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلي شيء وأحلف بالله إنكم لتفرقن السيف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا إلي السيف فقال ابن السوداء قد قال قولا وقال شريح بن أوفي أبرموا أموركم قبل أن تحرجوا ولا تؤخروا أمرا ينبغي لكم تعجيله ولا تعجلوا أمرا ينبغي لكم تأخيره فإنا عند الناس بشر المنازل وما أدري ما الناس صانعون إذا ما هم التقوا وقال ابن السوداء يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فصانعوهم فإذا التقي الناس فانشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر فمن أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع ويشغل الله عليا وطلحة والزبير ومن رأي رأيهم عما تكرهون فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون

وأصبح علي علي ظهر ومضي ومضي معه الناس حتى نزل علي عبد القيس فانضموا إليه وسار من هناك فنزل الزاوية وسار من الزاوية يريد البصرة وسار طلحة والزبير وعائشة من الفرضة فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد فلما نزل الناس أرسل شقيق بن ثور إلي عمرو بن مرحوم العبدي أن أخرج فإذا خرجت فمل بنا إلي عسكر علي فخرجا في عبد القيس وبكر بن وائل فعدلوا إلي عسكر علي فقال الناس من كان هؤلاء معه غلب وأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال فكان يرسل علي إليهم يكلمهم ويدعوهم وكان نزولهم في النصف من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين ونزل بهم علي وقد سبق أصحابه وهو يتلاحقون به فلما نزل قال أبو الجرباء للزبير إن الرأي أن تبعث ألف فارس إلي علي قبل أن يوافي إليه أصحابه فقال إنا لنعرف أمور الحرب ولكنهم أهل دعوتنا وهذا أمر حدث لم يكن قبل اليوم من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة وقد فارقنا وفدهم علي أمر وأنا أرجو أن يتم لنا الصلح فأبشروا واصبروا

وأقبل صبرة بن شيمان فقال لطلحة والزبير انتهرا بنا هذا الرجل فإن الرأي في الحرب خير من الشدة فقالا إن هذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن أو يكون فيه سنة من رسول الله وقد زعم قوم أنه لا يجوز تحريكه وهم علي ومن معه وقلنا نحن إنه لا ينبغي لنا أن نتركه ولا نؤخره وقد قال علي ترك هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه وقد كاد يتبين لنا وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بأعمها منفعة وقال كعب بن سور يا قوم اقطعوا هذا العنق من هؤلاء القوم فأجابوه بنحو ما تقدم

وقام علي فخطب الناس فقام إليه الأعور بن بنان المنقري فسأله عن إقدامهم علي أهل البصرة فقال له علي علي الإصلاح وإطفاء النائرة لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم قال فإن لم يجيبونا قال تركناهم ما تركونا قال فإن لم يتركونا قال دفعناهم علي أنفسنا قال فهل لهم من هذا مثل الذي عليهم قال نعم وقام إليه أبو سلامة الدالاني فقال أتري لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك قال نعم قال أفتري لك حجة بتأخير ذلك قال نعم إن الشيء إذا كان لا يدرك إن الحكم فيه أحوطه وأعمه نفعا قال فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا قال إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد نقي قلبه لله إلا أدخله الله الجنة وقال في خطبته أيها الناس املكوا عن هؤلاء القوم أيديكم وألسنتكم وإياكم أن تسبقونا فإن المخصوم غدا من خصم اليوم وبعث إليهم حكيم بن سلامة ومالك بن حبيب إن كنتم علي ما فارقتم عليه القعقاع فكفوا حتى ننزل وننظر في هذا الأمر وخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين قد منعوا حرقوص بن زهير وهم معتنزلون

وكان الأحنف قد بايع عليا بعد قتل عثمان لأنه كان قد حج وعاد من الحج فبايعه قال الأحنف ولم أبايع عليا حتى لقيت طلحة والزبير وعائشة بالمدينة وأنا أريد الحج وعثمان محصور فقلت لكل منهم إن الرجل مقتول فمن تأمرونني أبايع فكلهم قال بايع عليا فقلت أترضونه لي فقالوا نعم فلما قضيت حجي ورجعت إلي المدينة رأيت عثمان قد قتل فبايعت عليا ورجعت إلي أهلي ورأيت الأمر قد استقام فبينما أنا كذلك إذ أتاني آت فقال هذه عائشة وطلحة والزبير بالخريبة يدعونك فقلت ما جاء بهم قال يستنصرونك علي قتال علي في دم عثمان فأتاني أفظع أمر فقلت إن خذلاني أم المؤمنين وحواري رسول الله لشديد وإن قتال ابن عم رسول الله وقد أمروني ببيعته أشد

فلما أتيتهم قالوا جئنا لكذا وكذا قال فقلت يا أم المؤمنين ويا زبير ويا طلحة نشدتكم الله أقلت لكم من تأمرونني أبايع فقلتم بايع عليا فقالوا نعم ولكنه بدل وغير فقلت والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين ولا أقاتل ابن عم رسول الله وقد أمرتموني ببيعته ولكني أعتزل فأذنوا له في ذلك فاعتزل بالجلحاء ومعه زهاء ستة آلاف وهي من البصرة علي فرسخين فلما قدم علي أتاه الأحنف فقال له إن قومنا بالبصرة يزعمون إنك إن ظهرت عليهم غدا قتلت رجالهم وسبيت نساءهم قال ما مثلي يخاف هذا منه وهل يحل هذا إلا لمن تولي وكفر وهم قوم مسلمون قال اختر مني واحدة من اثنتين إما أن أقاتل معك وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف قال فكيف بما أعطيت أصحابك من الإعتزال قال إن من الوفاء لله قتالهم قال فاكفف عنا عشرة آلاف سيف فرجع إلي الناس فدعاهم إلي القعود ونادي يا آل خندف فأجابه ناس ونادي يا آل تميم فأجابه ناس ثم نادي يا آل سعد فلم يبق سعدي إلا أجابه فاعتزل بهم ونظر ما يصنع الناس فلما كان القتال وظفر علي دخلوا فيما دخل فيه الناس وافرين فلما تراءى الجمعان خرج الزبير علي فرس عليه سلاح فقيل لعلي هذا الزبير فقال أما إنه أحرى الرجلين إن ذكر بالله تعالي أن يذكر وخرج طلحة فخرج إليهما علي حتى اختلفت أعناق دوابهم فقال علي لعمري قد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا فاتقيا الله ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما فهل من حدث أحل لكما دمي قال طلحة ألبت الناس علي عثمان قال علي يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق يا طلحة تطلب بدم عثمان فلعن الله قتلة عثمان يا طلحة أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت أما بايعتني قال بايعتك والسيف علي عنقي

فقال علي للزبير يا زبير ما أخرجك قال أنت ولا أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولي به منا فقال له علي ألست له أهلا بعد عثمان قد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرق بيننا وذكره أشياء وقال له تذكر يوم مررت مع رسول الله في بني غنم فنظر إلي وضحك وضحكت له فقلت له لا يدع ابن أبي طالب زهوة فقال لك رسول الله ليس بمزة لتقاتلنه وأنت ظالم له قال اللهم نعم ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا والله لا أقاتلك أبدا فانصرف علي إلي أصحابه فقال أما الزبير فقد أعطي الله عهدا أن لا يقاتلكم ورجع الزبير إلي عائشة فقال لها ما كنت في موطن عقلت إلا وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا قالت فما تريد أن تصنع قال أريد أن أدعهم وأذهب قال له ابنه عبد الله جمعت بين هذين الفئتين حتى إذا حدد بعضهم لبعضهم أردت أن تتركهم وتذهب لكنك خشيت رايات ابن أبي طالب وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد وأن تحتها الموت الأحمر فجبنت فأحفظه ذلك وقال إني حلفت أن لا أقاتله قال كفر عن يمينك وقاتله فأعتق غلامه مكحولا وقيل سرجس فقال عبد الرحمن بن سليمان التميمي

( لم أر كاليوم أخا إخوان % أعجب من مكفر الإيمان ) الأبيات

وقيل إنما عاد الزبير عن القتال لما سمع أن عمار بن ياسر مع علي فخاف أن يقتل عمارا وقد قال النبي يا عمار تقتلك الفئة الباغية فرده ابنه عبد الله كما ذكرناه

وافترق أهل البصرة ثلاث فرق فرقة مع طلحة والزبير وفرقة مع علي وفرقة لا تري القتال منهم الأحنف وعمران بن حصين وغيرهما وجاءت عائشة فنزلت في مسجد الحدان في الأزد ورأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان فقال له كعب بن سور إن الجموع إذا تراءت لم تستطع إنما هي بحور تدفق فأطعني ولا تشهدهم واعتزل بقومك فإني أخاف أن لا يكون صلح ودع مضر وربيعة فهما أخوان فإن أصطلحا فالصلح أردنا وإن اقتتلا كنا حكاما عليهم غدا وكان كعب في الجاهلية نصرانيا فقال له صبرة أخشي أن يكون فيك شيء من النصرانية أتأمرني أن أغيب عن إصلاح بين الناس وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردوا عليهم الصلح وأدع الطلب بدم عثمان والله لا أفعل هذا أبدا فأطبق أهل اليمن علي الحضور

وحضر مع عائشة المنجاب بن راشد في الرباب وهم تيم وعدي وثور وعكل بنو عبد مناف بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وضبة بن أد بن طابخة وحضر أيضا أبو الجرباء في بني عمرو بن تميم وهلال بن وكيع في بني حنظلة وصبرة بن شيمان علي الأزد ومجاشع بن مسعود السلمي علي سليم وزفر بن الحارث في بني عامر وغطفان ومالك بن مسمع علي بكر والخريت بن راشد علي بني ناجية وعلي اليمن ذو الآجرة الحميري

ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعا وهو لا يشكون في الصلح ونزلت ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح ونزلت اليمن أسفل منهم ولا يشكون في الصلح وعائشة في الحدان والناس بالزابوقة على رؤسائهم هؤلاء وهم ثلاثون ألفا وردوا حكيما ومالكا إلي علي إننا ما فارقنا عليه القعقاع ونزل علي بحيالهم فنزلت مضر إلي مضر وربيعة إلي ربيعة واليمن إلي اليمن فكان بعضهم يخرج إلي بعض لا يذكرون إلا الصلح وكان أصحاب علي عشرين ألفا وخرج علي وطلحة والزبير فتوافقوا فلم يروا أمثل من الصلح ووضع الحرب فافترقوا علي ذلك

وبعث علي من العشي عبد الله بن عباس إلي طلحة والزبير وبعثاها محمد بن أبي طلحة إلي علي وأرسل علي إلي رؤساء أصحابه وطلحة والزبير إلي رؤساء أصحابهما بذلك فباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية التي أشرفوا عليها والصلح

وقوع القتال ص 129

وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة وقد أشرفوا علي الهلكة وباتوا يتشاورون ليلتهم فاجتمعوا علي إنشاب الحرب في السر فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة فقصد مضرهم إلي مضرهم وربيعتهم إلي ربيعتهم ويمنهم إلي يمنهم فوضعوا فيهم السلاح فثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم وبعث طلحة والزبير إلي الميمنة وهم ربيعة أميرا عليها عبد الرحمن بن الحارث وإلي الميسرة عبد الرحمن بن عتاب وثبتا في القلب وقالا ما هذا قالوا طرقنا أهل الكوفة ليلا فقالا قد علمنا أن عليا غير منته حتى يسفك الدماء وأنه لن يطاوعنا فرد أهل البصرة أولئك الكوفيين إلي عسكرهم فسمع علي وأهل الكوفة الصوت وقد وضع السبئية رجلا قريبا منه يخبره بما يريد فلما قال علي ما هذا

قال ذلك الرجل ما شعرنا إلا وقوم منهم قد بيتونا فرددناهم فوجدنا القوم علي رجل فركبونا وثار الناس فأرسل علي صاحب الميمنة إلي الميمنة وصاحب الميسرة إلي الميسرة وقال لقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهين حتى يسفكا الدماء وأنهما لن يطاوعانا والسبئية لا تفتر

ونادي علي في الناس كفوا فلا شيء وكان من رأيهم جميعا في تلك الفتنة أن لا يقتتلوا حتى يبدأون يطلبون بذلك الحجة وأن لا يقتلوا مدبرا ولا يجهزوا علي جريح ولا يستحلوا سلبا ولا يرزأوا بالبصرة سلاحا ولا ثيابا ولا متاعا

وأقبل كعب بن سور حتى أتي عائشة فقال أدركي فقد أبي القوم ألا القتال لعل الله أن يصلح بك فركبت وألبسوا هودجها الأدراع فلما برزت من البيوت وهي علي الجمل بحيث يسمع الغوغاء وقفت واقتتل الناس وقاتل الزبير فحمل عليه عمار بن ياسر فجعل يحوزه بالرمح والزبير كاف عنه ويقول أتقتلني يا أبا اليقظان

فيقول لا يا أبا عبد الله وإنما كف الزبير عنه لقول رسول الله تقتل عمارا الفئة الباغية ولولا ذلك لقتله

وبينما عائشة واقفة إذ سمعت ضجة شديدة فقالت ما هذا قالوا ضجة العسكر قالت بخير أو بشر قالوا بشر فما فجأها إلا الهزيمة فمضي الزبير من وجهه إلي وادي السباع وإنما فارق المعركة لأنه قاتل تعذيرا لما ذكر له علي

وأما طلحة فأتاه سهم غرب فأصابه فشك رجله بصفحة الفرس وهو ينادي إلي إلي عباد الله الصبر الصبر

فقال له القعقاع بن عمرو يا أبا محمد إنك لجريح وإنك عما تريد لعليل فأدخل البيوت فدخل ودمه يسيل وهو يقول اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضي فلما امتلأ خفه دما وثقل قال لغلامه أردفني وأمسكني وأبلغني مكانا أنزل فيه

فدخل البصرة فأنزله في دار خربة فمات فيها

وقيل إنه اجتاز به رجل من أصحاب علي فقال له أنت من أصحاب أمير المؤمنين قال نعم قال أمدد يدك أبايعك له فبايعه فخاف أن يموت وليس في عنقه بيعة ولما قضي دفن في بني سعد وقال لم أر شيخا أضيع دما مني وتمثل عند دخول البصرة مثله ومثل الزبير

( فإن تكن الحوادث أقصدتني % وأخطأهن سهمي حين أرمي )

( فقد ضيعت حين تبعت سهما % سفاها ما سفهت وضل حلمي )

( ندمت ندامة الكسعي آل لأي فألقوا للسباع دمي ولحمي )

وكان الذي رمي طلحة مروان بن الحكم وقيل غيره

وأما الزبير فإنه مر بعسكر الأحنف بن قيس فقال والله ما هذا انحياز جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم بعضا لحق بيته

وقال الأحنف للناس من يأتيني بخبره فقال عمرو بن جرموز لأصحابه أنا فاتبعه فلما لحقه نظر إليه الزبير قال ما وراءك قال إنما أريد أن أسألك فقال غلام للزبير اسمه عطية إنه معد قال ما يهولك من رجل وحضرت الصلاة فقال ابن جرموز الصلاة فقال الزبير الصلاة

فلما نزلا استدبره ابن جرموز فطعنه في جربان درعه فقتله وأخذ فرسه وسلاحه وخاتمه وخلي عن الغلام فدفنه بوادي السباع ورجع إلي الناس بالخبر وقال الأحنف لابن جرموز والله ما أدري أحسنت أم أسأت

فأتي ابن جرموز عليا فقال لحاجبه استأذن لقاتل الزبير

فقال علي ائذن له وبشره بالنار

وأحضر سيف الزبير عند علي فأخذه فنظر إليه وقال طالما جلي به الكرب عن وجه رسول الله وبعث به إلي عائشة لما انجلت الوقعة وانهزم الناس يريدون البصرة فلما رأوا الخيل أطافت بالجمل عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا وعادوا في أمر جديد ووقفت ربيعة بالبصرة ميمنة وبعضهم ميسرة وقالت عائشة لما انجلت الوقعة وانهزم الناس لكعب بن سور خل عن الجمل وتقدم بالمصحف فادعهم إليه وناولته مصحفا فاستقبل القوم والسبئية أمامهم فرموه رشقا واحدا فقتلوه ورموا أم المؤمنين في هودجها فجعلت تنادي البقية البقية يا بني ويعلو صوتها كثرة الله الله اذكروا الله والحساب فيأبون إلا إقداما فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت أيها الناس ألعنوا قتلة عثمان وأشياعهم وأقبلت تدعو وضج الناس بالدعاء فسمع علي فقال ما هذه الضجة

قالوا عائشة تدعو علي قتلة عثمان وأشياعهم فقال علي اللهم ألعن قتلة عثمان

فأرسلت إلي عبد الرحمن بن عتاب وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أثبتا مكانكما وحرضت الناس حين رأت القوم يريدونها ولا يكفون فحملت مضر البصرة حتى قصفت مضر الكوفة حتى زحم علي فنخس علي قفا ابنه محمد وكانت الراية معه وقال له احمل فتقدم حتى لم يجد متقدما إلا على سنان رمح فأخذ علي الراية من يده وقال يا بني بين يدي

وحملت مضر الكوفة فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا والمجنبتان علي حالهما لا تصنع شيئا ومع علي قوم من غير مضر منهم زيد بن صوحان طلبوا ذلك منه فقال له رجل تنح إلي قومك مالك ولهذا الموقف الست تعلم أن مضر بحيالك والجمل بين يديك وأن الموت دونه

فقال الموت خير من الحياة الموت أريد

فأصيب هو وأخوه سيحان وأرتث صعصعة أخوهما واشتدت الحرب فلما رأي علي ذلك بعث إلي ربيعة وإلي اليمن أن أجمعوا من يليكم فقام رجل من عبد القيس من أصحاب علي فقال ندعوكم إلي كتاب الله فقالوا وكيف يدعونا إليه من لا يستقيم ولا يقيم حدود الله وقد قتل كعب بن سور داعي الله ورمته ربيعة رشقا واحدا فقتلوه فقام مسلم بن عبد الله العجلي مكانه فرشقوه رشقا واحدا فقتلوه ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم وأبي أهل الكوفة إلا القتال ولم يريدوا إلا عائشة فذكرت أصحابها فاقتتلوا حتى تنادوا فتحاجزوا ثم رجعوا فاقتتلوا وتزاحف الناس وظهرت يمن البصرة علي يمن الكوفة فهزمتهم وربيعة البصرة علي ربيعة الكوفة فهزمتهم ثم عاد يمن الكوفة فقتل علي رايتهم عشرة خمسة من همدان وخمسة من سائر اليمن فلما رأي ذلك يزيد بن قيس أخذها فثبتت في يده وهو يقول

( قد عشت يا نفسي وقد عشيت % دهرا فقدك اليوم ما بقيت )

( أطلب طول العمر ما حييت )

وإنما تمثلها وقال ابن أبي نمران الهمداني

( جردت سيفي في رجال الأزد % أضرب في كهولهم والمرد )

( كل طويل الساعدين نهد )

ورجعت ربيعة الكوفة فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل علي رايتهم وهم في الميسرة زيد وعبد الله بن رقبة وأبو عبيدة بن راشد بن سلمي وهو يقول اللهم أنت هديتنا من الضلالة واستنقذتنا من الجهالة وابتليتنا بالفتنة فكنا في شبهة وعلي ريبة وقتل

واشتد الأمر حتى لزقت ميمنة أهل الكوفة بقلبهم وميسرة أهل البصرة بقلبهم ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم وإن كانوا إلي جنبهم وفعل مثل ذلك ميسرة أهل الكوفة بميمنة أهل البصرة فلما رأي الشجعان من مضر الكوفة والبصرة الصبر تنادوا طرفوا إذا فرغ الصبر فجعلوا يقصدون الأطراف الأيدي والأرجل رؤي وقعة كانت أعظم منها قبلها ولا بعدها ولا أكثر ذراعا مقطوعة ولا رجلا مقطوعة وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب قبل قتله فنظرت عائشة من يسارها فقالت من القوم عن يساري قال صبرة بن شيمان بنوك الأزد فقالت يا آل غسان حافظوا اليوم فجلادكم الذي كنا نسمع به وتمثلت

( وجالد من غسان أهل حفاظها % وكعب وأوس جالدت وشبيب )

فكان الأزد يأخذون بعر الجمل يشمونه ويقولون بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك وقالت لمن عن يمينها من القوم عن يميني قال بكر بن وائل قالت لكم يقول القائل

( وجاؤوا إلينا في الحديد كأنهم % من العزة القعساء بكر بن وائل )

إنما بإزائكم عبد القيس فاقتتلوا أشد من قتالهم قبل ذلك

وأقبلت علي كتيبة بين يديها فقالت من القوم قالوا بنو ناجية قالت بخ بخ سيوف أبطحية قرشية فجالدوا جلادا يتفادى منه

ثم أطافت بها بنو ضبة فقالت ويها جمرة الجمرات فلما رقوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناة وكثروا حولها فقالت من أنتم قالوا بنو عدي خالطنا إخوتنا فأقاموا رأس الجمل وضربوا ضربا شديدا ليس بالتعذير ولا يعدلون بالتطريف حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكرين جميعا راموا الجمل وقالوا لا يزال القوم أو يصرع الجمل وصار مجنبتا علي إلي القلب وفعل ذلك أهل البصرة وكره القوم بعضهم بعضا وأخذ عميرة بن يثربي برأس الجمل وكان قاضي البصرة قبل كعب بن سور فشهد الجمل هو وأخوه عبد الله فقال علي من يحمل علي الجمل فانتدب له هند بن عمرو الجملي المرادي فاعترضه ابن يثربي فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربي ثم حمل علباء بن الهيثم فاعترضه ابن يثربي فقتله وقتل سيحان بن صوحان وارتث صعصعة وقال ابن يثربي

( أنا لمن ينكرني ابن يثربي % قاتل علباء وهند الجملي )

( وابن لصوحان علي دين علي )

وقال ابن يثربي أيضا

( أضربهم ولا أري أبا حسن % كفي بهذا حزنا من الحزن )

( إنا نمر الأمر إمرار الرسن )

فناداه عمار لقد عذت بحريز وما إليك من سبيل فإن كنت صادقا فاخرج من هذه الكتيبة إلي

فترك الزمام في يد رجل من بني عدي حتى إذا كان بين الصفين تقدم عمار وهو ابن تسعين سنة وقيل أكثر من ذلك عليه فرو قد شد وسطه بحبل ليف وهو أضعف من مبارزة واسترجع الناس وقالوا هذا لاحق بأصحابه وضربه ابن يثربي فاتقاه عمار بدرقته فنشب سيفه فيها فعالجه فلم يخرج وأسف عمار لرجليه فضربه فقطعهما فوقع علي إسته وأخذ أسيرا فأتي به إلي علي فقال استبقني فقال أبعد ثلاثة تقتلهم وأمر به فقتل وقيل إن المقتول عمرو بن يثربي وأن عميرة بقي حتى ولي قضاء البصرة مع معاوية ولما قتل ابن يثربي تولي ذلك العدوي الزمام فتركه بيد رجل من بني عدي وبرز فخرج إليه ربيعة العقيلي يرتجز ويقول

( يا أمنا أعق أم نعلم % والأم تغذو ولدا وترحم )

( ألا ترين كم شجاع يكلم % وتختلي منه يد ومعصم )

كذب فهي من أبر أم نعلم ثم اقتتلا فاثخن كل واحد منهما صاحبه فماتا جميعا وقام مقام العدوى الحارث الضبي فما رؤي أشد منه وجعل يقول

( نحن بنو ضبة أصحاب الجمل % نبارز القرن إذا القرن نزل )

( ننعي ابن عفان بأطراف الأسل % الموت أحلي عندنا من العسل )

( ردوا علينا شيخنا ثم بجل )

وقيل إن هذه الأبيات لوسيم بن عمرو الضبي وكان عمرو يحرض أصحابه يوم الجمل وقد أخذ الخطام ويقول

( نحن بنو ضبة لا نفر % حتى نرى جماجما تخر )

( يخر منها العلق المحمر )

ويقول

( يا أمتا يا عيش لن تراعي % كل بنيك بطل شجاع )

ويقول

( يا أمتا يا زوجة النبي % يا زوجة المبارك المهدي )

ولم يزل الأمر كذلك حتى قتل علي الخطام أربعون رجلا قالت عائشة ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بني ضبة

قال وأخذ الخطام سبعون رجلا من قريش كلهم يقتل وهو آخذ بخطام الجمل وكان ممن أخذ بزمام الجمل محمد بن طلحة وقال يا أمتاه مريني بأمرك قالت آمرك أن تكوني خير بني آدم إن تركت

فجعل لا يحمل عليه أحد إلا حمل عليه وقال حاميم لا ينصرون واجتمع عليه نفر كلهم ادعي قتله المكعبر الأسدي والمكعبر الضبي ومعاوية بن شداد العبسي وعفار السعدي النصري فأنفذه بعضهم بالرمح ففي ذلك يقول

( وأشعث قوام بآيات ربه % قليل الأذى فيما ترى العين مسلم )

( هتكت له بالرمح جيب قميصه % فخر صريعا لليدين والفم )

( يذكرني حاميم والرمح شاجر % فهلا تلا حاميم قبل التقدم )

( علي غير شيء غير أن ليس تابعا % عليا ومن لا يتبع الحق يندم )

وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه بالسيف فأقبل إليه الحارث بن زهير الأزدي وهو يقول

( يا أمنا يا خير أم نعلم % أما ترين كم شجاع يكلم )

( وتختلي هامته والمعصم )

فاختلفا ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة فكان لا يأخذ الخطام أحد إلا قتل وكان لا يأخذه والراية إلا معروف عند المطيفين بالجمل فينتسب أنا فلان بن فلان فوالله إن كان ليقاتلون عليه وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وعنت وما رامه أحد من أصحاب علي إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد وحمل عدي بن حاتم الطائي عليهم ففقئت عينه

وجاء عبد الله بن الزبير ولم يتكلم فقالت من أنت فقال ابنك ابن أختك قالت واثكل أسماء

وانتهي إليه الأشتر فاقتتلا فضربه الأشتر علي رأسه فجرحه جرحا شديدا وضربه عبد الله ضربة خفيفة واعتنق كل رجل منهما صاحبه وسقطا إلي الأرض يعتركان فقال ابن الزبير

( اقتلوني ومالكا % واقتلوا مالكا معي )

فلو يعلمون من مالك لقتلوه إنما كان يعرف بالأشتر فحمل أصحاب علي وعائشة فخلصوهما

قال الأشتر لقيت عبد الرحمن بن عتاب فلقيت أشد الناس وأخرقه ما لبثته أن قتلته ولقيت الأسود بن عوف فلقيت أشد الناس وأشجعه فما كدت أنجو منه فتمنيت أني لم أكن لقيته ولحقني جندب بن زهير الغامدي فضربته وقتلته قال ورأيت عبد الله بن حكيم بن حزام وعنده راية قريش وهو يقاتل عدي بن حاتم وهما يتصاولان تصاول الفحلين فتعاورناه فقتلناه يعني عبد الله قال وأخذ الخطام الأسود بن أبي البختري فقتل وهو قرشي أيضا وأخذه عمرو بن الأشرف فقتل وقتل معه ثلاثة عشر رجلا من أهل بيته وهو أزدي وجرح مروان بن الحكم وجرح عبد الله بن الزبير سبعا وثلاثين جراحة من طعنة ورمية قال وما رأيت مثل يوم الجمل ما ينهزم منا أحد وما نحن إلا كالجبل الأسود وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل حتى ضاع الخطام ونادي علي اعقروا الجمل فإنه إن عقر تفرقوا فضربه رجل فسقط فما سمعت صوتا أشد من عجيج الجمل وكانت راية الأزد من أهل الكوفة مع محنف بن سليم فقتل وأخذها الصقعب وأخوه عبد الله بن سليم فقتل وأخذها العلاء بن عروة فكان الفتح وهي بيده

وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن سليم فقتل وقتل معه زيد وسيحان ابنا صوحان وأخذها عدة نفر فقتلوا منهم عبد الله بن رقية ثم أخذها منقذ بن النعمان فدفعها إلي ابنه مرة بن منقذ فانقضي الحرب وهي في يده وكانت راية بكر بن وائل في بني ذهل مع الحارث بن حسان الذهلي فأقدم وقال يا معشر بكر لم يكن أحد له من رسول الله مثل منزلة صاحبكم فانصروه فتقدم وقاتلهم فقتل ابنه وخمسة من بني أهله وقتل الحارث فقيل فيه

( أنعى الرئيس الحارب بن حسان % لآل ذهل ولآل شيبان

وقال رجل من بنى ذهل

( تنعى لنا خير امريء من عدنان % عند الطعان ونزال الأقران )

وقال أخوه بشر بن حسان

( أنا ابن حسان بن خوط وأبي % رسول بكر كلها إلي النبي )

وقتل رجل من بني محدوج وقتل من بني ذهل خمسة وثلاثون رجلا

وقال رجل لأخيه وهو يقاتل يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنا علي الحق قال فإنا علي الحق إن الناس أخذوا يمينا وشمالا وإنا تمسكنا بأهل بيت نبينا فقاتلا حتى قتلا

وجرح يومئذ عمير بن الأهلب الضبي فمر به رجل من أصحاب علي وهو في الجرحى يفحص برجليه ويقول

( لقد أوردتنا حومة الموت أمنا % فلم ننصرف إلا ونحن رواء )

( لقد كان في نصر ابن ضبة أمه % وشيعتها مندوحة وغناء )

( أطعنا قريشا ضلة من حلومنا % ونصرتنا أهل الحجاز عناء )

( أطعنا بني تيم بن مرة شقوة % وهل تيم إلا أعبد وإماء )

فقال له الرجال قل لا إله إلا الله قال ادن مني فلقني فبي صمم فدنا منه الرجل فوثب عليه فعض أذنه فقطعها

وقيل في عقر الجمل إن القعقاع لقي الأشتر وقد عاد من القتال عند الجمل فقال هل لك في العود فلم يجبه فقال يا أشتر بعضنا أعلم بقتال بعض منك وحمل القعقاع والزمام مع زفر بن الحارث وكان آخر من أخذ الخطام فلم يبق شيخ من بني عامر إلا أصيب قدام الجمل وزفر بن الحارث يرتجز ويقول

( يا أمتا مثلك لا يراع % كل بنيك بطل شجاع )

( ليس بوهواه ولا براع )

وقال القعقاع

( إذا وردنا آجنا جهرناه % ولا يطاق ورد ما منعناه )

وزحف إلي زفر بن الحارث الكلاعي وتسرعت عامر إلي حربه فأصيبوا فقال القعقاع لبجير بن دلجة وهو من أصحاب علي يا بجير بن دلجة صح بقومك فليعقروا الجمل قبل أن تصابوا وتصاب أم المؤمنين

فقال بجير يا آل ضبة يا عمرو بن دلجة ادع بي إليك فدعاه فقال أنا آمن حتى أرجع عنكم قال نعم فاجتث ساق البعير فرمي نفسه علي شقه وجرجر البعير فقال القعقاع لمن يليه أنتم آمنون واجتمع هو وزفر علي قطع بطان البعير وحملا الهودج فوضعاه وإنه كالقنفذ لما فيه من السهام ثم أطافا به وفر من وراء ذلك من الناس

فلما انهزموا أمر علي مناديا فنادي ألا لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا علي جريح ولا تدخلوا الدور

وأمر علي نفرا أن يحملوا الهودج من بين القتلى وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة وقال انظر هل وصل إليها شيء من جراحة

فأدخل رأسه في هودجها فقالت من أنت فقال أبغض أهلك إليك قالت ابن الخثعمية قال نعم قالت الحمد لله الذي عافاك وقيل لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه عمار فاحتملا الهودج فنحياه فأدخل محمد يده فيه فقالت من هذا فقال أخوك البر قالت عقق قال يا أخية هل أصابك شيء قالت ما أنت وذاك قال فمن إذا الضلال قالت بل الهداة وقال لها عمار كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أمه قالت لست لك بأم قال بلي وإن كرهت قالت فخرتم إن ظفرتم وأتيتم مثل الذي نقمتم هيهات والله لن يظفر من كان هذا دأبه فأبرزوا هودجها فوضعوها ليس قربها أحد

وأتاها علي فقال كيف أنت يا أمه قالت بخير قال يغفر الله لك قالت ولك

وجاء أعين بن ضبيعة بن أعين المجاشعي حتى اطلع في الهودج فقالت إليك لعنك الله

فقال والله ما أري إلا حميراء فقالت له هتك الله سترك وقطع يدك وأبدي عورتك فقتل بالبصرة وقطعت يده ورمي به عريانا في خربة من خرابات الأزد

ثم أتي وجوه الناس عائشة وفيهم القعقاع بن عمرو فسلم عليها فقالت إني رأيت بالأمس رجلين اجتلدا وارتجزا بكذا فهل تعرف كوفيك

قال نعم ذاك الذي قال أعق أم نعلم وكذب إنك لأبر أم نعلم ولكن لم تطاعي قالت والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة

وخرج من عندها فأتي عليا فقال له علي والله لوددت أني مت من قبل هذا اليوم بعشرين سنة وكان علي يقول ذلك اليوم بعد الفراغ من القتال

( إليك أشكو عجزي وبجري % ومشرا أغشوا علي بصري )

( قتلت منهم مضرا بمضري % شفيت نفسي وقتلت معشري )

فلما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبي بكر البصرة فأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي علي صفية بنت الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وهي أم طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف وتسلل الجرحى من بين القتلى ليلا فدخلوا البصرة فأقام علي بظاهر البصرة ثلاثا

دفن القتلي ص 141

وإذن الناس في دفن موتاهم فخرجوا إليهم فدفنوهم وطاف علي في القتلى فلما أتي علي كعب بن سور قال أزعمتم أنه خرج معهم السفهاء وهذا الحبر قد ترون

وأتى علي عبد الرحمن بن عتاب فقال هذا يعسوب القوم يعني أنهم كانوا يطيفون به واجتمعوا علي الرضابة لصلاتهم

ومر علي طلحة بن عبيد الله وهو صريع فقال لهفي عليك يا أبا محمد إنا لله وإنا إليه راجعون والله لقد كنت أكره أن أري قريشا صرعى أنت والله كما قال الشاعر

( فتي كان يدنيه الغنى من صديقه % إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر )

وجعل كلما مر برجل فيه خير قال زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء وهذا العابد المجتهد فيهم

وصلي علي علي القتلي من أهل البصرة والكوفة وصلي علي قريش من هؤلاء وهؤلاء وأمر فدفنت الأطراف في قبر عظيم وجمع ما كان في العسكر شيء وبعث به إلي مسجد البصرة وقال من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان

عدد قتلى الواقعة ص 141

وكان جميع القتلى عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب عائشة وقيل غير ذلك

وقتل من ضبة ألف رجل وقتل من بني عدي حول الجمل سبعون رجلا كلهم قد قرأ القرآن سوى الشباب ومن لم يقرأ

ولما فرغ علي من الوقعة أتاه الأحنف بن قيس في بني سعد وكانوا قد اعتزلوا القتال فقال له علي تربصت

فقال ما كنت أراني إلا وقد أحسنت وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين فأرفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد وأنت إلي غدا أحوج منك فاعرف إحساني واستصف مودتي لغد ولا تقل مثل هذا فإني بم أزل لك ناصحا

ثم دخل علي البصرة يوم الأثنين فبايعه أهلها علي راياتهم حتى الجرحى والمستأمنة وأتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة في المستأمنين أيضا فقال له علي وما عمل المتربص المتقاعد بي أيضا يعني أباه أبا بكرة فقال والله إنه لمريض وإنه علي مسرتك لحريص

فقال علي امش أمامي فمشي معه إلي أبيه فلما دخل عليه علي قال له تقاعدت بي وتربصت ووضع يده علي صدره وقال هذا وجع بين واعتذر إليه فقبل عذره وأراده علي البصرة فامتنع وقال رجل من أهلك يسكن إليه الناس وسأشير عليه فافترقا علي ابن عباس

وولي زيادا علي الخراج وبيت المال وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع وكان زياد معتزلا ثم راح إلي عائشة وهي في دار عبد الله بن خلف وهي أعظم دار بالبصرة فوجد النساء يبكين علي عبد الله وعثمان ابني خلف وكان عبد الله قتل مع عائشة وعثمان قتل مع علي وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة تبكي فلما رأته قالت له يا علي يا قاتل الأحبة يا مفرق الجمع أيتم الله منك بنبيك كما أيتمت ولد عبد الله منه فلم يرد عليها شيئا ودخل علي عائشة فسلم عليها وقعد عنها ثم قال جبهتنا صفية أما إني لم أرها منذ كانت جارية فلما خرج علي أعادت عليه القول فكف بغلته وقال لقد هممت أن أفتح هذا الباب وأشار إلي باب في الدار وأقتل من فيه وكان فيه ناس من الجرحى فأخبر علي بمكانهم فتغافل عنهم فسكت وكان مذهبه أن لا يقتل مدبرا ولا يذفف علي جريح ولا يكشف سترا ولا يأخذ مالا

ولما خرج علي من عند عائشة قال له رجل من أزد والله لا تغلبنا هذه المرأة فغضب وقال مه لا تهتكن سترا ولا تدخلن دارا ولا تهيجن امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسفهن أمراءكم وصلحاءكم فإن النساء ضعيفات ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات فكيف إذا هن مسلمات

ومضى علي فلحقه رجل فقال له يا أمير المؤمنين قام رجلان علي الباب فتناولا من هو امض شتيمة لك من صفية

قال ويحك لعلها عائشة قال نعم قال أحدهما جزيت عنا أمنا عقوقا وقال الآخر يا أمي توبي فقد أخطأت

فبعث القعقاع بن عمرو إلي الباب فأقبل بمن كان عليه فأحالوا علي رجلين من أزد الكوفة وهم عجلان وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما

وسألت عائشة يومئذ عمن قتل من الناس منهم معها ومنهم عليها والناس عندها فكلما نعي واحد من الجميع قات يرحمه الله فقيل لها كيف ذلك

قالت كذلك قال رسول الله فلان في الجنة وفلان في الجنة وقال علي إني لأرجو أن لا يكون أحد نقي قلبه لله من هؤلاء إلا أدخله الله الجنة

ثم جهز علي عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة والمعروفات وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها وحضر الناس فخرجت وودعتهم وقالت يا بني لا يعتب بعضنا علي بعض إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وبين أحمائها وإنه علي معتبتي لمن الأخيار

وقال علي صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة

وخرجت يوم السبت غرة رجب وشيعها أميالا وسرح بنيه معها يوما فكان وجهها إلي مكة فأقامت إلي الحج ثم رجعت إلي المدينة وقال لها عمار حين ودعها ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك

قالت والله إنك ما علمت لقوال الحق قال الحمد لله الذي قضي علي لسانك لي

وأما المنهزمون فقد ذكرنا حالهم وكان منهم عتبة بن أبي سفيان فخرج هو وعبد الرحمن ويحيي ابنا الحكم فساروا في البلاد فلقيهم عصمة بن أبير التيمي فقال لهم هل لكم في الجوار فقالوا نعم فأجارهم وأنزلهم حتى برأت جراحهم وسيرهم نحو الشام في أربعمائة راكب فلما وصلوا إلي دومة الجندل قالوا قد وفيت ذمتك وقضيت ما عليك فرجع

وأما ابن عامر فإنه خرج أيضا فلقيه رجل من بني حرقوص يدعي مري فأجاره وسيره إلي الشام

وأما مروان بن الحكم فاستجار بمالك بن مسمع فأجاره ووفي له وحفظ له بنو مروان ذلك في خلافتهم وانتفع بهم وشرفوه بذلك

وقيل إن مروان نزل مع عائشة بدار عبد الله بن خلف وصحبها إلي الحجاز فلما سارت إلي مكة سار إلي المدينة

وأما عبد الله بن الزبير فإنه نزل بدار رجل من الأزد يدعي وزيرا فقال له ائت أم المؤمنين فأعلمها بمكاني ولا يعلم محمد بن أبي بكر فأتي عائشة فأخبرها فقالت علي بمحمد

فقال لها إنه قد نهاني أن يعلم محمد فلم تسمع قوله وأرسلت إلي محمد وقالت اذهب مع هذا الرجل حتى تأتيني بابن أختك فانطلق معه وخرج عبد الله ومحمد حتى أنتهيا إلى دار عائشة في دار عبد الله بن خلف

ولما فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال فرأي فيه ستمائة ألف وزيادة فقسمها علي من شهد معه فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة فقال لهم أن أظفركم الله بالشام فلكم مثلها إلي أعطياتكم فخاض في ذلك السبئية وطعنوا علي علي من وراء وراء وطعنوا فيه أيضا حين نهاهم عن أخذ أموالهم فقالوا ما يحل لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم فقال لهم علي القوم أمثالكم من صفح عنا فهو منا ومن لج حتى يصاب فقتاله مني علي الصدر والنحر

وقال القعقاع ما رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفين لقد رأيتنا ندافعهم بأسنتنا ونتكئ علي أزجتنا وهم مثل ذلك حتى لو أن الرجال مشت عليها لاستقلت بهم وقال عبد الله بن سنان الكاهلي لما كان يوم الجمل ترامينا بالنبل حتى فنيت وتطاعنا بالرماح حتى تكسرت وتشبكت في صدورنا وصدورهم حتى لو سيرت عليها الخيل لسارت ثم قال علي السيوف يا بني المهاجرين فما شبهت أصواتها إلا بضرب القصارين وعلم أهل المدينة بالوقعة يوم الحرب قبل أن تغرب الشمس من نسر مر بماء حول المدينة ومعه شيء معلق فسقط منه فإذا كف فيه خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب وعلم من بين مكة والمدينة والبصرة بالوقعة بما ينقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام

وأراد علي المقام بالبصرة لإصلاح حالها فأعجلته السبئية عن المقام فإنهم ارتحلوا بغير إذنه فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرا إن أرادوه

وقد قيل في سبب القتال يوم الجمل غير ما تقدم مع الاتفاق علي مسير أصحاب عائشة ونزولهم البصرة والوقعة الأولي مع عثمان بن حنيف وحكيم

وأما مسير علي وعزل أبي موسى فقال فيه إن عليا لما أرسل محمد بن أبي بكر إلي أبي موسى وجري له ما تقدم سار هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلي علي بالربذة فأعلمه الحال فأعاده علي إلي أبي موسى يقول له أرسل الناس فإني لم أولك إلا لتكون من أعواني علي الحق فامتنع أبو موسى فكتب هاشم إلي على إني قدمت علي رجل غال مشاقق ظاهر الشنئان وأرسل الكتاب مع المحل بن خليفة الطائي فبعث علي الحسن ابنه وعمار بن ياسر يستنفران الناس وبعث قرظة بن كعب الأنصاري أميرا وكتب معه إلي أبى موسى إني قد بعثت الحسن وعمارا يستنفران الناس وبعثت قرظة بن كعب واليا علي الكوفة فاعتزل عملنا مذموما مدحورا وإن لم تفعل فإني قد أمرته أن ينابذك فإن نابذته فظفر بك يقطعك أربا فلما قدم الكتاب علي أبي موسى اعتزل واستنفر الحسن الناس فنفروا نحو ما تقدم وسار علي عن نحو البصرة فقال جون بن قتادة كنت مع الزبير فجاء فارس يسير فقال السلام عليك أيها الأمير فرد عليه فقال إن هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا فلم أر أرث سلاحا ولا أقل عددا ولا أرعب قلوبا منهم ثم انصرف عنه وجاء فارس آخر فقال له إن القوم قد بلغوا مكان كذا وكذا فسمعوا بما جاء الله لكم من العدد والعدة فخافوا فولوا مدبرين

فقال الزبير أيها عنك فوالله لو لم يجد علي بن أبي طالب إلا العرفج لدب إلينا فيه فانصرف

وجاء فارس وقد كادت الخيل تخرج من الرهج فقال هؤلاء القوم قد أتوك فلقيت عمار فقلت له وقال لي فقال للزبير إنه ليس فيهم فقال الرجل بلي والله إنه لقيهم فقال الزبير والله ماجعله الله فيهم فقال الرجل بلي والله فلما كرر عليه أرسل الزبير رجلين ينظران فانطلقا ثم رجعا فقالا صدق الرجل فقال الزبير يا جدع أنفاه يا قطع ظهراه ثم أخذته رعدة فجعل السلاح ينتفض قال جون فقلت ثكلتني أمي هذا الذي كنت أريد أن أموت معه أو أعيش ما أخذه هذا الأمر إلا لشيء سمعه من رسول الله وانصرف جون فاعتزل وجاء علي فلما تواقف الناس دعا الزبير وطلحة فتوافقوا وذكر من أمر الزبير وعوده وتكفيره عن يمينه مثل ما تقدم فلما أبوا إلا القتال قال علي أيكم يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلي ما فيه فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى فإن قطعت أخذه بأسنانه وهو مقتول فقال شاب أنا فطاف به علي أصحابه فلم يجبه إلا ذلك الشاب ثلاث مرات فسلمه إليه فدعاهم فقطعت يده اليمني فأخذه باليسرى فقطعت فأخذه بصدره والدماء تسيل علي قبائه فقتل فقال علي الآن حل قتالهم فقالت أم الفتي

( لا هم إن مسلما دعاهم % يتلو كتاب الله لا يخشاهم )

( وأمهم قائمة تراهم % تأمرهم بالقتل لا تنهاهم )

( قد خضبت من علق لحاهم )

وحملت ميمنة علي علي ميسرتهم فاقتتلوا فلاذ الناس بعائشة وكان أكثرهم من ضبة والأزد وكان قتالهم من ارتفاع النهار إلي قريب من العصر ثم انهزموا ونادي رجل من الأزد كروا فضربه محمد بن علي فقطع يده فقال يا معشر الأزد فروا واستحر القتل في الأزد فنادوا نحن علي دين علي فقال رجل من بني ليث

( سائل بنا حين لقينا الأزدا % والخيل تعدو أشقرا ووردا )

( لما قطعنا كبدهم والزندا % سحقا لهم في رأيهم وبعدا )

وحمل عمار بن ياسر علي الزبير فجعل يحوزه بالرمح فقال أتريد أن تقتلني يا أبا اليقظان فقال لا يا أبا عبد الله انصرف فانصرف

وجرح عبد الله بن الزبير فألقي نفسه في الجرحى ثم برأ

وعقر الجمل واحتمل محمد بن أبي بكر عائشة فأنزلها وضرب عليها قبة فوقف علي عليها وقال لها استنفرت الناس وقد فروا وألبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضا في كلام كثير

فقالت عائشة ملكت فاسجع نعم ما ابتليت قومك اليوم فسرخها وأرسل معها جماعة من رجال ونساء وجهزها بما تحتاج

لم أذكر في وقعة الجمل إلا ما ذكره أبو جعفر إذ كان أوثق من نقل التاريخ فإن الناس قد حشوا تواريخهم بمقتضي أهوائهم

من قتلي يوم الجمل ص 147

وممن قتل يوم الجمل عبد الرحمن بن عبيد الله أخو طلحة له صحبة

وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس بن عامر بن لؤي له صحبة

وفيها قتل المحرز بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس له صحبة واستعمله عمر علي مكة ثم عزله وفيها قتل معرض بن علاط السلمي أخو الحجاج بن علاط قتل مع علي وفيها قتل مجاشع ومجالد ابنا مسعود السليمان مع عائشة لهما صحبة فأما مجاشع فلا شك أنه قتل في الجمل

وقتل عبد الله بن حكيم بن حزام الأسدي القرشي مع عائشة وكان إسلامه يوم الفتح وفيها قتل هند بن أبي هالة الأسيدي أمه خديجة بنت خويلد زوج النبي مع علي وقيل مات بالبصرة والأول أصح

الأسيدي بضم الهمزة منسوب إلي أسيد بتشديد الياء وهم بطن من تيم

وقتل هلال بن وكيع بن بشر التميمي مع عائشة له صحبة وفيها قتل معاذ بن عفراء أخو معوذ وهما ابنا الحارث بن رفاعة الأنصاريان وشهدا بدرا وقتل مع علي وقيل عاش وقتل في وقعة الحرة

التيهان بفتح التاء فوقها نقطتان وتشديد الياء تحتها نقطتان وآخره نون وشبث بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة وآخره ثاء مثلثة وسيحان بفتح السين المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الحاء المهملة وآخره نون ونجبة بفتح النون والجيم والباء الموحدة وعميرة بفتح العين وكسر الميم وأبير بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة والخريت بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها نقطتان وفي آخره تاء فوقها نقطتان

ذكر قصد الخوارج سجستان ص 149

في هذه السنة بعد الفراغ من وقعة الجمل خرج حسكة بن عتاب الحبطي وعمران بن الفضيل البرجمي في صعاليك من العرب حتى نزلوا زالق من سجستان وقد نكث أهلها فأصابوا منها مالا ثم أتوا زرنج وقد خافهم مرزبانها فصالحهم ودخلوها فقال الراجز

( بشر سجستان بجوع وحرب % بابن الفضيل وصعاليك الحرب )

( لا فضة تغنيهم ولا ذهب )

فبعث علي عبد الرحمن بن جرو الطائي فقتله حسكة فكتب علي إلي عبد الله بن العباس يأمره أن يولي سجستان قاتلهم حسكة وقتلوه وضبط ربعي البلاد وكان فيروز حصين ينسب إلي الحصين بن أبي الحر هذا وهو من سجستان

ذكر قتل محمد بن أبي حذيفة ص 149

في هذه السنة قتل محمد بن أبي حذيفة وكان أبوه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس قد قتل يوم اليمامة وترك ابنه محمدا هذا فكفله عثمان بن عفان وأحسن تربيته وكان فيما قيل أصاب شرابا فحده عثمان ثم تنسك محمد وأقبل علي العبادة وطلب من عثمان أن يوليه عملا فقال لو كنت أهلا لذلك لوليتك فقال له إني قد رغبت في غزو البحر فائذن لي في إتيان مصر فأذن له وجهزه فلما قدمها رأي الناس عبادته فلزموه وعظموه وغزا مع عبد الله بن سعد غزوة الصواري وكان محمد يعيبه ويعيب عثمان بتوليته ويقول استعمل رجلا أباح رسول الله دمه فكتب عبد الله إلي عثمان إن محمدا قد أفسد علي البلاد هو ومحمد بن أبي بكر

فكتب إليه أما أبن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه ولعائشة وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ قريش فكتب إليه إن هذا الفرخ قد استوي ريشه ولم يبق إلا أن يطير

فبعث عثمان إلي ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجمل عليه كسوة فوضعها محمد في المسجد ثم قال يا معشر المسلمين ألا ترون إلي عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا علي عثمان وبايعوه علي رياستهم فكتب إليه عثمان يذكره بره به وتربيته إياه وقيامه بشأنه ويقول إنك كفرت إحساني أحوج ما كنت إلي شكرك فلم يرده ذلك عن ذمه وتأليب الناس عليه وحثهم علي المسير إلي حصره ومساعدة من يريد ذلك

فلما سار المصريون إلي عثمان أقام هو بمصر وخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سرح فاستولي عليها وضبطها فلم يزل بها مقيما حتى قتل عثمان وبويع علي واتفق معاوية وعمرو بن العاص علي خلاف علي فسارا إلي مصر قبل قدوم قيس بن سعد إليها أميرا فأراد دخولها فلم يقدر علي ذلك فخدع محمدا حتى خرج منها إلي العريش في ألف رجل فتحصن بها فنصب عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتل

وهذا القول ليس بشيء لأن عليا استعمل قيسا علي مصر أول ما بويع له ولو أن ابن أبي حذيفة قتله معاوية وعمرو قبل وصول قيس إلي مصر لاستوليا عليها لأنه لم يكن بها أمير يمنعهما عنها ولا خلاف أن استيلاء معاوية وعمرو عليها كان بعد صفين والله أعلم

وقيل غير ذلك وهو أن محمد بن أبي حذيفة سير المصريين إلي عثمان فلما حصروه أخرج محمد بن عبد الله بن سعد عن مصر وهو عامل عثمان واستولي عليها فنزل عبد الله علي تخوم مصر وانتظر أمر عثمان فطلع عليه راكب فسأله فأخبره بقتل عثمان فاسترجع وسأله عما صنع الناس بعده فأخبره ببيعة علي فاسترجع فقال له كأن إمرة علي تعدل عندك قتل عثمان

قال نعم قال أظنك عبد الله بن سعد فقال نعم فقال له إن كانت لك في نفسك حاجة فالنجاء النجاء فإن رأي أمير المؤمنين علي فيك وفي أصحابك إن ظفر بكم أن يقتلكم أو ينفيكم وهذا بعدي أمير يقدم عليك فقال من هو قال قيس بن سعد بن عبادة قال عبد الله بن سعد أبعد الله محمد بن أبي حذيفة فإنه بغي علي ابن عمه وسعي عليه وقد كفله ورباه وأحسن إليه فأساء جواره وجهز إليه الرجال حتى قتل ثم ولي عليه من هو أبعد منه ومن عثمان ولم يمتعه بسلطان بلاده شهرا ولم يره لذلك أهلا

وخرج عبد الله هاربا حتى قدم علي معاوية وهذا القول يدل علي أن قيسا ولي مصر ومحمد بن أبي حذيفة حي وهو الصحيح

وقيل إن عمرا سار إلي مصر بعد صفين فلقيه محمد بن أبي حذيفة في جيش فلما رأي عمرو كثرة من معه أرسل إليه فالتقيا واجتمعا فقال له عمرو إنه قد كان ما تري وقد بايعت هذا الرجل يعني معاوية وما أنا براض بكثير من أمره وإني لأعلم أن صاحبك عليا أفضل من معاوية نفسا وقديما وأولي بهذا الأمر فواعدني موعدا ألتقي معك فيه في غير جيش تأتي في مائة وآتي في مثلها وليس معنا إلا السيوف في القرب فتعاهدا وتعاقدا علي ذلك واتعدا العريش ورجع عمرو إلي معاوية فأخبره الخبر فلما جاء الأجل سار كل واحد منهما إلي صاحبه في مائة وجعل عمرو له جيشا خلفه لينطوي خبره فلما التقيا بالعريش قدم جيش عمرو علي أثره فعلم محمد أنه قد غدر به فدخل قصرا بالعريش فتحصن به فحصره عمرو ورماه بالمنجنيق حتى أخذ أسيرا وبعث به عمرو إلي معاوية فسجنه وكانت ابنة قرظة امرأة معاوية ابنة عمه محمد بن أبي حذيفة أمها فاطمة بنت عتبة فكانت تصنع له طعاما ترسله إليه فأرسلت إليه يوما في الطعام مبارد فبرد بها قيوده وهرب فاختفي في غار فأخذ وقتل والله أعلم

وقيل إنه بقي محبوسا إلي أن قتل حجر بن عدي ثم إنه هرب فطلبه مالك بن هبيرة السكوني فظفر به فقتله غضبا لحجر وكان مالك قد شفع إلي معاوية في حجر فلم يشفعه وقيل إن محمد بن أبي حذيفة لما قتل محمد بن أبي بكر خرج في جمع كثير إلي عمرو فأمنه عمرو ثم غدر به وحمله إلي معاوية بفلسطين فحبسه ثم إنه هرب فأظهر معاوية للناس أنه كره هربه وأمر بطلبه فسار في إثره عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي فأدركه بحوران في غار وجاءت حمر تدخل الغار فلما رأت محمدا نفرت منه وكان هناك ناس يحصدون فقالوا والله إن لنفرة هذه الحمر لشأنا فذهبوا إلي الغار فرأوه فخرجوا من عنده فوافقهم عبيد الله فسألهم عنه ووصفه لهم فقالوا هو في الغار فأخرجه وكره أن يأتي به معاوية فيخلي سبيله فضرب عنقه وكان ابن خال معاوية

ذكر ولاية قيس بن سعد مصر ص 152

وفي هذه السنة في صفر بعث علي قيس بن سعد أميرا علي مصر وكان صاحب راية الأنصار مع رسول الله وكان من ذوي الرأي والبأس فقال له سر إلي مصر فقد وليتكها واخرج إلي رحلك وأجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتيها ومعك جند فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك وأحسن إلي المحسن واشتد علي المريب وأرفق بالعامة فإن الرفق يمن

فقال له قيس أما قولك أخرج إليها بجند فوالله لئن لم أدخلها إلا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدا فأنا أدع ذلك الجند لك فإن كنت احتجت إليهم كانوا منك قريبا وإن أردت أن تبعثهم إلي وجه من وجوهك كانوا عدة لك

فخرج قيس حتى دخل مصر في سبعة من أصحابه علي الوجه الذي تقدم ذكره فصعد المنبر فجلس عليه وأمر بكتاب أمير المؤمنين فقرئ علي أهل مصر بإمارته ويأمرهم بمبايعته ومساعدته وإعانته علي الحق

ثم قام قيس خطيبا وقال الحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل وكب الظالمين أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا فقوموا أيها الناس فبايعوه علي كتاب الله وسنة رسوله فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم فقام الناس فبايعوا واستقامت له مصر وبعث عليها عماله إلا قرية منها يقال لها خربتا فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان عليهم رجل من بني كنانة ثم من بني مدلج اسمه يزيد بن الحارث فبعث إلي قيس يدعو إلي الطلب بدم عثمان وكان مسلمة بن مخلد قد أظهر الطلب أيضا بدم عثمان فأرسل إليه قيس ويحك أعلي تثب فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلي مصر وأني قتلتك فبعث إليه مسلمة إني كاف عنك ما دمت وأنت والي مصر

وبعث قيس وكان حازما إلي أهل خربتا إني لا أكرهكم علي البيعة وإني كاف عنكم فهادنهم وجبي الخراج ليس أحد ينازعه وخرج أمير المؤمنين إلي الجمل ورجع وهو بمكانه فكان أثقل خلق الله علي معاوية مخافة أن يقبل علي في أهل العراق وقيس في أهل مصر فيقع بينهما معاوية فكتب معاوية إلي قيس سلام عليك أما بعد فإنكم نقمتم على عثمان ضربة بسوط أو شتيمة رجل أو تسيير آخر واستعمال فتي وقد علمتم أن دمه لا يحل لكم فقد ركبتم عظيما وجئتم أمرا إدا فتب إلي الله يا قيس فإنك من المجليين علي عثمان فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغري به الناس وحملهم حتى قتلوه وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطالب بدم عثمان فافعل وتابعنا علي أمرنا ولك سلطان العراقيين إذا ظهرت ما بقيت ولمن أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان وسلني ما شئت فإني أعطيك واكتب إلي برأيك

فلما جاءه الكتاب أحب أن يدافعه ولا يبدي له أمره ولا يتعجل إلي حربه فكتب إليه أما بعد فقد فهمت ما ذكرته من قتلة عثمان فذلك شيء لم أقاربه وذكرت أن صاحبي هو الذي أغري به حتى قتلوه وهذا مما لم أطلع عليه وذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فأول الناس كان فيه قياما عشيرتي وأما ما عرضته من متابعتك فهذا أمر لي فيه نظر وفكرة وليس هذا مما يسرع إليه وأنا كاف عنك وليس يأتيك من قبلي شيء تكرهه حتى تري ونري إن شاء الله تعالي

فلما قرأ معاوية كتابه رآه مقاربا مباعدا فكتب إليه أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سليما ولا متباعدا فأعدك حربا وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وبيده أعنة الخيل والسلام

فلما رأي قيس كتابه ورأي أنه لا يفيد معه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه فكتب إليه أما بعد فالعجب من اغترارك بي وطمعك في واستسقاطك إياي أسومني الخروج عن طاعة أولي الناس بالإمارة وأقولهم بالحق وأهدأهم سبيلا وأقربهم من رسول الله وسيلة وتأمرني بالدخول في طاعتك كطاعة أبعد الناس من هذا الأمر وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلا وأبعدهم من رسول الله وسيلة ولد ضالين مضلين طاغوت من طواغيت إبليس

وأما قولك إني ماليء عليك مصر خيلا ورجالا فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون أهم إليك إنك لذو جد والسلام

فلما رأي معاوية كتابه أيس منه وثقل عليه مكانه ولم تنجح حيله فيه فكاده من قبل علي فقال لأهل الشام لا تسبوا قيس بن سعد ولا تدعوا إلي غزوة فإنه لنا شيعة قد تأتينا كتبه ونصيحته سرا ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ويحسن إليهم وافتعل كتابا عن قيس إليه بالطلب بدم عثمان والدخول معه في ذلك وقرأه علي أهل الشام فبلغ ذلك عليا أبلغه ذلك محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر بن أبي طالب وأعلمته عيونه بالشام فأعظمه وأكبره فدعا ابنيه وعبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك فقال ابن جعفر يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلي ما لا يريبك اعزل قيسا عن مصر فقال علي إني والله ما أصدق بهذا عنه فقال عبد الله اعزله فإن كان هذا حقا لا يعتزل لك

فبينا هم كذلك إذ جاءهم كتاب من قيس يخبر أمير المؤمنين بحال المعتزلين وكفه عن قتالهم فقال ابن جعفر ما أخوفني أن يكون ذلك ممالأة منه فمره بقتالهم

فكتب إليه يأمره بقتالهم فلما قرأ الكتاب كتب جوابه أما بعد فقد عجبت لأمرك تأمرني بقتال قوم كافين عنك مفرغيك لعدوك ومتى حاددنهم ساعدوا عليك عدوك فأطعني يا أمير المؤمنين واكفف عنهم فإن الرأي تركهم والسلام

فلما قرأ علي الكتاب قال ابن جعفر يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر علي مصر واعزل قيسا فقد بلغني أن سقيسا يقول إن سلطانا لا يستقيم إلا بقتل مسلمة بن خالد لسلطان سوء وكان ابن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمه فبعث علي محمد بن أبي بكر إلي مصر وقيل بعث الأشتر النخعي فمات بالطريق فبعث محمدا فقدم محمد علي قيس بمصر فقال له قيس ما بال أمير المؤمنين ما غيره أدخل أحد بيني وبينه

قال لا وهذا السلطان سلطانك قال لا والله لا أقيم وخرج منها مقبلا إلي المدينة وهو غضبان لعزله فجاءه حسان بن ثابت وكان عثمانيا يشمت به فقال له قتلت عثمان ونزعك علي فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك الشكر فقال له قيس يا أعمي القلب والبصر والله لو ألقي بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك أخرج عني

ثم أخاف مروان بن الحكم قيسا بالمدينة فخرج منها هو وسهل بن حنيف إلى علي فشهدا معه صفين فكتب معاوية إلي مروان يتغيظ عليه ويقول له لو أمددت عليا بمائة ألف مقاتل لكان أيسر عندي من قيس بن عند في رأيه ومكانه

فلما قدم قيس علي علي وأخبره الخبر علم أنه كان يقاسي أمورا عظاما من المكايدة وجاءهم خبر قتل محمد بن أبي بكر فعظم محل قيس عنده وأطاعه في الأمر كله

ولما قدم محمد مصر قرأ كتاب علي علي أهل مصر ثم قام فخطب فقال الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق وبصرنا وإياكم لما اختلف فيه من الحق وبصرنا وإياكم كثيرا مما كان عمي عنه الجاهلون ألا أن أمير المؤمنين ولاني أمركم وعهد إلي ما سمعتم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله فاحمدوا الله علي ما كان من ذلك فإنه هو الهادي له وإن رأيتم عاملا لي بغير الحق فارفعوه لي وعاتبوني فيه فإني بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته

ثم نزل ولبث شهرا كاملا حتى بعث إلي أولئك القوم المعتزلين الذين كانوا قد وادعهم قيس فقال لهم إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا عن بلادنا فأجابوه إنا لا نفعل فدعنا حتى ننظر إلي ما يصير إليه أمرنا فلا تعجل لحربنا فأبي عليهم فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم فكانت وقعة صفين وهم هائبون لمحمد فلما رجع علي عن معاوية وصار الأمر إلي التحكيم طمعوا في محمد وأظهروا له المبارزة فبعث محمد الحارث بن جمهان الجعفي إلي أهل خربتا وفيها يزيد بن الحارث مع بني كنانة ومن معه فقاتلهم وقتلوه فبعث محمد إليهم أيضا ابن مضاهم الكلبي فقتلوه

وقد قيل إنه جري بين محمد ومعاوية مكاتبات كرهت ذكرها فإنها مما لا يحتمل سماعها العامة

وفيها قدم ابراز بن مرزبان مرو إلي علي بعد الجمل مقرا بالصلح فكتب له كتابا إلي دهاقين مرو والأساورة ومن بمرو ثم إنهم كفروا وأغلقوا نيسابور فبعث علي خليد بن قرة وقيل ابن طريف اليربوعي إلي خراسان

ذكر قدوم عمرو بن العاص ص 156

قيل كان عمرو بن العاص قد سار عن المدينة قبل أن يقتل عثمان نحو فلسطين وسبب ذلك أنه لما أحيط بعثمان قال يا أهل المدينة لا يقيم أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلا ضربه الله بذل من لم يستطع نصره فليهرب فسار وقيل غير ذلك وقد تقدم

وسار معه ابناه عبد الله ومحمد فسكن فلسطين فمر به راكب من المدينة فقال له عمرو ما اسمك

قال حصيرة قال عمرو حصر الرجل فما الخبر قال تركت عثمان محصورا ثم مر به آخر بعد أيام فقال له عمرو ما اسمك قال قتال قال قتل الرجل فما الخبر قال قتل عثمان ولم يكن معه شيء إلي أن سرت

ثم مر به راكب من المدينة فقال له عمرو ما اسمك قال حرب قال عمرو ليكون حرب وقال له ما الخبر فقال بايع الناس عليا فقال سلم بن زنباع يا معشر العرب كان بينكم وبين العرب باب فكسر فاتخذوا بابا غيره فقال عمرو ذلك الذي نريده ثم ارتحل عمرو راجلا معه ابناه يبكي كما تبكي المرأة وهو يقول واعثماناه انعي الحياء والدين حتى قدم دمشق وكان قد علم الذي يكون فعمل عليه لأن النبي كان قد بعثه إلي عمان فسمع من حبر هناك شيئا عرف مصداقه فسأله عن وفاة النبي ومن يكون بعده فأخبره بأبي بكر وأن مدته قصيرة ثم يلي بعده رجل من قومه مثله ثطول مدته ويقتل غيلة ثم يلي بعده رجل من قومه تطول مدته ويقتل عن ملأ قال ذلك أشد ثم يلي بعده رجل من قومه ينتشر الناس عليه ويكون علي رأسه حرب شديدة ثم يقتل قبل أن يجتمع الناس عليه ثم يلي بعده أمير الأرض المقدسة فيطول ملكه وتجتمع عليه أهل تلك الفرقة ثم يموت وقيل أن عمرا لما بلغه قتل عثمان قال أنا عبد الله أنا قتلته وأنا بوادي السباع إن يل هذا الأمر طلحة فهو فتي العرب سيبا وإن يله ابن أبي طالب فهو أكره من يليه لي فبلغه بيعة علي فاشتد عليه وأقام ينتظر ما يصنع الناس فأتاه مسير عائشة وطلحة والزبير فأقام ينتظر ما يصنعون فأتاه الخبر بوقعة الجمل فارتج عليه أمره فسمع أن معاوية بالشام لا يبايع عليا وأنه يعظم شأن عثمان وكان معاوية أحب إليه من علي فدعا ابنيه عبد الله ومحمدا فاستشارهما وقال ما تريان أما علي فلا خير عنده وهو يدل بسابقته وهو غير مشركي في شيء من أمره فقال له ابنه عبد الله توفي النبي وأبو بكر وعمر وهم عنك راضون فأري أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس علي إمام فتبايعه وقال له ابنه محمد أنت ناب من أنياب العرب ولا أري أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت فقال عمرو أما أنت يا عبد الله فامرتني بما هو خير لي في آخرتي وأسلم في ديني وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي وشر لي في آخرتي ثم خرج ومعه ابناه حتى قدم علي معاوية فوجد أهل الشام يحضون معاوية علي الطلب بدم عثمان وقال عمرو أنتم علي الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم ومعاوية لا يلتفت إليه فقال لعمرو ابناه ألا تري معاوية لا يلتفت إليك فانصرف إلي غيره فدخل عمرو علي معاوية فقال له والله لعجب لك أني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني أم والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس ما فيها حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا فصالحه معاوية وعطف عليه

ذكر ابتداء وقعة صفين ص 160

لما عاد علي من البصرة بعد فراغه من الجمل قصد الكوفة وأرسل إلي جرير بن عبد الله البجلي وكان عاملا علي همذان استعمله عثمان وإلي الأشعث بن قيس وكان علي أذربيجان استعمله عثمان أيضا يأمرهما بأخذ البيعة والحضور عنده فلما حضرا عنده أراد علي أن يرسل رسولا إلي معاوية قال جرير أرسلني إليه فإني له ود فقال الأشتر لا تفعل فإن هواه مع معاوية فقال علي دعه حتى ننظر ما الذي يرجع إلينا به

فبعثه وكتب معه كتابا إلي معاوية يعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار علي بيعته ونكث طلحة والزبير وحربه إياهما ويدعوه إلي الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته فسار جرير إلي معاوية فلما قدم عليه ماطله واستنظره واستشار عمر فأشار عليه أن يجمع أهل الشام ة ويلزم عليا دم عثمان ويقاتله بهم ففعل معاوية ذلك وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان الذي قتل فيه مخضوبا بالدم بأصابع زوجته نائلة أصبعان منها وشيء من الكف وأصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام وضع معاوية القميص علي المنبر وجمع الأجناد إليه فبكوا علي القميص مدة وهو علي المنبر والأصابع معلقة فيه وأقسم رجال من أهل الشام أن لا يمسهم الماء إلا للغسل من الجنابة وأن لا يناموا علي الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان ومن قام دونهم قتلوه فلما عاد جرير إلي أمير المؤمنين علي وأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشام معه علي قتالهم وأنهم يبكون علي عثمان ويقولون إن عليا قتله وآوي قتلته وأنهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه قال الأشتر لعلي قد كنت نهيتك أن ترسل جريرا وأخبرتك بعداوته وغشه ولو كنت أرسلتني لكان خيرا من هذا الذي أقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو فتحه إلا فتحه ولا بابا يخاف منه إلا أغلقه فقال جرير لو كنت ثم لقتلوك لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان فقال الأشتر والله لو أتيتهم لم يعييني جوابهم ولحملت معاوية علي خطة أعجله فيها عن الفكر ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين لحبستك وأشباهك حتى يستقيم هذا الأمر فخرج جرير إلي قرقيسيا وكتب إلي معاوية فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه وقيل كان الذي حمل معاوية علي رد جرير البجلي غير مقضي الحاجة شرحبيل بن السمط الكندي

وكان سبب ذلك إن شرحبيل كان قد سيره عمر بن الخطاب إلي العراق إلي سعد بن أبي وقاص وكان معه فقدمه سعد وقربه فحسده الأشعث بن قيس الكندي لمنافسه بينهما فوفد جرير البجلي علي عمر فقال له الأشعث إن قدرت أن تنال شرحبيل عند عمر فافعل فلما قدم علي عمر سأله عمر عن الناس فأحسن الثناء علي سعد قال وقد قال شعرا

( ألا ليتني والمرء سعد بن مالك % وزبرا وابن السمط في لجة البحر )

( فبغرق أصحابي وأخرج سالما % علي ظهر قرقور أنادي أبا بكر )

فيكتب عمر إلي سعد يأمره بإرساله زبرا وشرحبيلا إليه فأرسلهما فأمسك زبرا بالمدينة وسير شرحبيلا إلي الشام فشرف وتقدم وكان أبوه السمط من غزة الشام فلما قدم جرير بكتاب علي إلي معاوية في البيعة انتظر معاوية قدوم شرحبيل فلما قدم عليه أخبره معاوية بما قدم فيه جرير فقال كان أمير المؤمنين عثمان خليفتنا فإن قويت علي الطلب بدمه وإلا فاعتزلنا فانصرف جرير فقال النجاشي

( شرحبيل ما للدين فارقت أمرنا % ولكن لبغض المالكي جرير )

( وقولك ما قد قلت عن أمر أشعث % فأصبحت كالحادي بغير بعير )

جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك فنسب إلي جده مالك

وخرج علي فعسكر بالنخيلة وتخلف عنه نفر من أهل الكوفة منهم مرة الهمداني ومسروق أخذا أعطياتهما وقصدا قزوين فأما مسروق فإنه كان يستغفر الله من تخلفه عن علي بصفين وقدم عليه عبد الله بن عباس فيمن معه من أهل البصرة وبلغ ذلك معاوية فاستشار عمرا فقال أما إذا سار علي فسر إليه بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك فتجهز معاوية وتجهز الناس وحضهم عمرو وضعف عليا وأصحابه وقال إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم ووهنوا شوكتهم وقلوا حدهم وأهل البصرة مخالفون لعلي بمن قتل منهم وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل وإنما سار علي في شرذمة قليلة وقد قتل خليفتكم والله الله في حقكم إن تضيعوه وفي دمكم إن تطلبوه وكتب معاوية إلي أهل الشام وعقد لواء لعمرو ولواء لابنيه عبد الله ومحمد ولواء لغلامه وردان وعقد علي لواء لغلامه قنبر فقال عمرو

( هل يغنين وردان عني قنبرا % أو تغني السكون عني حميرا )

( إذا الكمأة لبسوا السنورا )

فبلغ ذلك عليا فقال

( لأصبحن العاصي ابن العاصي % سبعين ألفا عاقدي النواصي )

( مجنبين الخيل بالقلاص % مستحقبين حاق الدلاص )

فلما سمع معاوية ذلك قال ما أري عليا إلا وقد وفي ذلك وسار معاوية وتأني في مسيره فلما رأي ذلك الوليد بن عقبة بعث إليه يقول

( ألا أبلغ معاوية بن حرب % فإنك من أخي ثقة مليم )

( قطعت الدهر كالسدم المعني % تهدر في دمشق فما تريم )

( وإنك والكتاب إلي علي % كدابغة وقد حلم الأديم )

( يمنيك الإمارة كل ركب % لأنقاض العراق بها رسيم )

( وليس أخو الترات بمن تواني % ولكن طالب الترة الغشوم )

( ولو كنت القتيل وكان حيا % لجرد لا ألف ولا غشوم )

( ولا نكل عن الأوتار حتى % يبيء بها ولا برم جثوم )

( وقومك بالمدينة قد أبيروا % فهم صرعى كأنهم الهشيم )

فكتب إليه معاوية

( ومستعجب ما يري من أناتنا % ولو زبنته الحرب لم يترمرم )

وبعث علي زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف وبعث مع شريح بن هانئ أربعة آلاف وسار علي من النخيلة وأخذ معه من بالمدائن من المقاتلة وولي علي المدائن سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي لما سار علي كان معه نابغة بني جعدة فحدا به يوما فقال

( قد علم المصران والعراق % أن عليا فحلها العتاق )

( أبيض جحجاح له رواق % إن الأولي جاروك لا أفاقوا )

( لكم سباق ولهم سباق % قد علمت ذلكم الرفاق )

ووجه علي من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلف وأمره أن يأخذ علي الموصل حتى يوافيه علي الرقة فلما وصل إلي الرقة قال لأهلها ليعملوا له جسرا يعبر عليه إلي الشام فأبوا وكانوا قد ضموا سفنهم إليهم فنهض من عندهم ليعبر علي جسر منبج وخلف عليهم الأشتر فناداهم الأشتر وقال أقسم الله لئن لم تعملوا جسرا يعبر عليه أمر المؤمنين لأجردن فيكم السيف ولاقتلن الرجال ولآخذن الأموال فلقي بعضهم بعضا وقالوا إنه الأشتر وإنه قمن أن يفي لكم بما حلف عليه أو يأتي بأكثر منه فنصبوا له جسرا وعبر عليه علي وأصحابه وازدحموا عليه فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين الأزدي فنزل فأخذها ثم ركب وسقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج الأزدي فنزل فأخذها ثم قال لصاحبه

( فإن يك ظن الزاجري الطير صادقا % كما زعموا أقتل وشيكا ويقتل )

فقال ابن أبي الحصين ما شيء أحب إلي مما ذكرت فقتلا جميعا بصفين ولما بلغ علي الفرات دعا زياد بن النضر الحارثي وشريح بن هانئ فسرحهما أمامه في اثني عشر ألفا نحو معاوية علي حالهما التي خرجا عليها من الكوفة وكان سبب عودهما إليه أنهما حيث سيرهما علي من الكوفة أخذا علي شاطئ الفرات مما يلي البر فلما بلغا عانات بلغهما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام فقالا لا والله ما هذا لنا برأي نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر وما لنا خير في أن نلقي جنود الشام بقلة من معنا فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهلها فرجعوا فعبروا من هيت فلحقوا عليا دون قرقيسيا فلما لحقوا عليا قال مقدمتي تأتيني من ورائي فأخبره شريح وزياد بما كان فقال سددتما فلما عبر الفرات سيرهما أمامه فلما انتهيا إلي سور الروم لقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام فأرسلا إلي علي فأعلماه فأرسل علي إلي الأشتر وأمره بالسرعة وقال له

إذا قدمت فأنت عليهم وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدأوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع منهم ولا يحملك بغضهم علي قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة واجعل علي ميمنتك زيادا وعلي ميسرتك شريحا ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس حتى اقدم عليك فإني حثيث المسير في أثرك إن شاء الله تعالي

وكتب علي إلي شريح وزياد بذلك وأمرهما بطاعة الأشتر فسار الأشتر حتى قدم عليهم واتبع ما أمره وكف عن القتال ولم يزالوا متوافقين حتى كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمي فثبتوا له واضطربوا ساعة ثم أنصرف أهل الشام وخرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة المرقال وخرج إليه أبو الأعور فاقتتلوا يومهم وصبر بعضهم علي لبعض ثم أنصرفوا وحمل عليهم الأشتر وقال أروني أبا الأعور وتراجعوا ووقف أبو الأعور وراء المكان الذي كان فيه أول مرة وجاء الأشتر فصف أصحابه بمكان أبي الأعور بالأمس فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي انطلق إلي أبي الأعور فادعه إلي البراز فقال إلي مبارزتي أو مبارزتك فقال الأشتر لو أمرتك بمبارزته لفعلت قال نعم والله لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي لفعلت فدعا له وقال إنما تدعوه لمبارزتي

فخرج إليهم فقال أمنوني فإني رسول فأمنوه فانتهي إلي أبي الأعور وقال له إن الأشتر يدعوك إلي أن تبارزه فسكت طويلا ثم قال إن خفة الأشتر وسوء رأيه حملاه علي إجلاء عمال عثمان عن العراق وتقبيح محاسنه وعلي أن سار إليه في داره حتى قتله فأصبح متعبا بدمه لا حاجة لي في مبارزته قال له الرسول قد قلت فاسمع مني أجبك قال لا حاجة لي في جوابك اذهب عني فصاح به أصحابه فانصرف عنه ورجع إلي الأشتر فأخبره فقال لنفسه نظر فوقفوا حتى حجز الليل بينهم وعاد الشاميون من الليل

وأصبح علي غدوة عند الأشتر وتقدم الأشتر ومن معه فانتهي إلي معاوية فواقفه ولحق بهم علي فتواقفوا طويلا ثم أن عليا طلب لعسكره موضعا ينزل فيه وكان معاوية قد سبق فنزل منزلا اختاره بسيطا واسعا أفيح وأخذ شريعة الفرات وليس في ذلك الصقع شريعة غيرها وجعلها في حيزه وبعث عليها أبا الأعور السلمي يحميها ويمنعها فطلب أصحاب علي شريعة غيرها فلم يجدوا فأتوا عليا فأخبروه بفعلهم وبعطش الناس فدعا صعصعة بن صوحان فأرسله إلي معاوية يقول له إنا سرنا مسيرنا هذا ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم فقدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك وهذه أخري قد فعلتموها منعتم الماء عن الماء والناس غير منتهين فابعث إلي أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء وليكفوا لننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له فإن أردت أن نترك ما جئنا له ونقتتل علي الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا

فقال معاوية لأصحابه ما ترون فقال الوليد بن عقبة وعبد الله بن سعد امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان اقتلهم عطشا قتلهم الله فقال عمرو بن العاص خل بين القوم وبين الماء وإنهم لن يعطشوا وأنت ريان ولكن بغير الماء فانظر فيما بينك وبين الله فأعاد الوليد وعبد الله بن سعد مقالتهما وقالا امنعهم الماء إلي الليل فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا وكان رجوعهم هزيمة امنعهم الماء منعهم الله إياه يوم القيامة قال صعصعة إنما يمنعه الله الفجرة وشربة الخمر لعنك الله ولعن هذا الفاسق يعني الوليد بن عقبة فشتموه وهددوه

وقد قيل إن الوليد وابن أبي سرح لم يشهدا صفين فرجع صعصعة فأخبره بما كان وأن معاوية قال سيأتيكم رأيي فسرب الخيل إلي أبي الأعور ليمنعهم الماء فلما سمع علي ذلك قال قاتلوهم علي الماء فقال الأشعث بن قيس الكندي أنا أسير إليهم فلما دنوا منهم ثاروا في وجوههم فرموهم بالنبل فتراموا ساعة ثم تطاعنوا بالرماح ثم صاروا إلي السيوف فاقتتلوا ساعة وأرسل معاوية يزيد بن أسد البجلي القسري جد خالد بن عبد الله القسري في الخيل إلي أبي الأعور فأقبلوا فأرسل علي شبث بن ربعي الرياحي فازداد القتال فأرسل معاوية عمرو بن العاص في جند كثير فأخذ يمد أبا الأعور ويزيد بن أسد وأرسل علي الأشتر في جمع عظيم وجعل يمد الأشعث وشيئا فاشتد القتال فقال عبد الله بن عوف الأزدي الأحمري

( خلوا لنا ماء الفرات الجاري % أو اثبتوا لجحفل جرار )

( لكل قرم مستميت شاري % مطاعن برمحه كرار )

( ضراب هامات العدى مغوار % لم يخش غير الواحد القهار )

وقاتلوهم حتى خلوا بينهم وبين الماء وصار في أيدي أصحاب علي فقالوا والله لا نسقيه أهل الشام فأرسل علي إلي أصحابه أن خذوا من الماء حاجتكم وخلوا عنهم فإن الله نصركم ببغيهم وظلمهم

ومكث علي يومين لا يرسل إليهم أحدا ولا يأتيه أحد ثم أن عليا دعا أبا عمرو وبشير بن عمرو بن محصن الأنصاري و سعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي فقال لهم ائتوا هذا الرجل وادعوه إلي الله وإلي الطاعة والجماعة فقال له شبث يا أمير المؤمنين ألا تطمعه في سلطان توليه إياه أو منزلة تكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك قال انطلقوا إليه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه وهذا في أول ذي الحجة فأتوه فدخلوا عليه فابتدأ بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله وأثني عليه وقال يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلي الآخرة إن الله محاسبك بعملك ومجازيك عليه وإني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها بينها

فقطع عليه معاوية الكلام وقال هلا أوصيت بذلك صاحبك فقال أبو عمرو إن صاحبي ليس مثلك إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة بالرسول قال فماذا يقول قال يأمرك بتقوي الله وأن تجيب ابن عمك إلي ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في عاقبة أمرك

قال معاوية ونترك دم ابن عفان لا والله لا أفعل ذلك أبدا قال فذهب سعيد بن قيس يتكلم فبادره شبث بن ربيعي فحمد الله وأثني عليه ثم قال يا معاوية قد فهمت ما رددت علي ابن محصن إنه والله لا يخفي علينا ما تطلب إنك لم تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهوائهم وتستخلص به طاعتهم إلا قولك قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه فاستجاب لك سفهاء طغام وقد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ورب متمني وطالبه يحول الله دونه وربما أوتي المتمني أمنيته وفوق أمنيته ووالله ما لك في واحدة منهما خير ووالله أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله

قال فحمد الله معاوية ثم قال أما بعد فإن أول ما عرفت به سفهك وخفة حلمك إن قطعت علي هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ثم اعترضت بعد فيما لا علم لك به فقد كذبن ولؤمت أيها الأعرابي الجلف الجاف في كل ما ذكرت ووصفت انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا السيف وغضب وخرج القوم فقال له شبث بن ربيعى أتهول بالسيف أقسم بالله لنعجلنها إليك

فأتوا عليا فأخبروه بذلك فأخذ علي يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج ومعه جماعة من أصحابه ويخرج إليه آخر من أصحاب معاوية ومعه جماعة فيقتتلان في خيلهما ثم ينصرفان وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام لما خافوا أن يكون فيها من الاسئتصال والهلاك فكان علي يخرج مرة الأشتر ومرة حجر بن عدي الكندي ومرة شبث بن ربيعى ومرة خالد بن المعمر ومرة زياد بن النضر الحارثي ومرة زياد بن خصفة التيمي ومرة سعيد بن قيس الهمداني ومرة معقل بن قيس الرياحي ومرة قيس بن سعد الأنصاري وكان الأشتر أكثرهم خروجا

وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأبو الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة الفهري وابن ذي الكلاع الحميري وعبيد الله بن عمر بن الخطاب وشرحبيل بن السمط الكندي وحمزة بن مالك الهمذاني فاقتتلوا أيام ذي الحجة كلها وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين

ذكر عدة حوادث ص 168

في هذه السنة مات حذيفة بن اليمان بعد قتل عثمان بيسير ولم يدرك الجمل وقتل ابناه صفوان وسعيد مع علي بصفين بوصية أبيهما وقيل مات سنة خمس وثلاثين والأول أصح وفيها مات سلمان الفارسي في قول بعضهم وكان عمره مائتين وخمسين سنة هذا أقل ما قيل فيه وقيل ثلثمائة وخمسون سنة وكان قد أدرك بعض أصحاب المسيح عليه السلام وعبد الله بن سعد بن أبي سرح مات بعسقلان حيث خرج مع معاوية إلي صفين وكره الخروج معه ومات فيها عبد الرحمن بن عديس البلوي أمير القادمين من مصر لقتل عثمان وكان ممن بايع النبي تحت الشجرة وقيل بل قتل بالشام وفيها مات قدامة بن مظعون الجمحي وهو من مهاجرة الحبشة وشهد بدرا وفيها توفي عمرو بن أبي عمرو بن ضبة الفهري أبو شداد شهد بدرا وفيها استعمل علي علي الري يزيد بن حجة التيمي تيم اللات فكسر من خراجها ثلاثين ألفا فكتب إليه علي يستدعيه فحضر فسأله عن المال قال أين ما غللته من المال قال ما أخذت شيئا فخفقه بالدرة خفقات وحبسه ووكل به سعدا مولاه فهرب منه يزيدا إلي الشام فسوغه معاوية المال فكان ينال من علي وبقي بالشام إلي أن اجتمع الأمر لمعاوية فسار معه إلي العراق فولاه الري وقيل إنه شهد مع علي الجمل وصفين والنهروان ثم ولاه الري وهو الصحيح فكان ما تقدم ذكره

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.