الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
6

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين

الجزء الثالث 11 عنصر صفحة 45
ذكر مسير من سار إلي حصر عثمان ص 45

قيل في هذه السنة كان مسير من سار من أهل مصر إلي ذي خشب ومسير من سار من أهل العراق إلي ذي المروة وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا من أهل صنعاء أمة سوداء وأسلم أيام عثمان ثم تنقل في الحجاز ثم بالبصرة ثم بالكوفة ثم بالشام يريد إضلال الناس فلم يقدر منهم علي ذلك فأخرجه أهل الشام فأتي مصر فأقام فيهم وقال لهم العجب ممن يصدق إن عيسى يرجع ويكذب أن محمدا يرجع وقد قال الله عز وجل إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد محمد أحق بالرجعة من عيسى فوضع لهم الرجعة فقبلت منه

ثم قال بعد ذلك إنه كان لكل نبي وصي وعلي وصي محمد فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ووثب علي وصيه وإن عثمان أخذها بغير حق فانهضوا في هذا الأمر وابدؤا الطعن علي أمرائكم وإظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس وبث دعاته وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلي ما عليه رأيهم وصاروا يكتبون إلي الأمصار بكتب يضعونها في عيب ولاتهم ويكتب أهل مصر منهم إلي مصر آخر بما يصنعون حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا بذلك الأرض إذاعة فيقول أهل كل مصر إنا لفي عافية مما ابتلي منه به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس فأتوا عثمان فقالوا يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا فقال لا والله ما جاءني إلا السلامة وأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي قالوا نشير عليك أن تبعث رجالا من تثق بهم إلي الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلي الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلي البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلي مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلي الشام وفرق رجالا سواهم فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا ما أنكرنا شيئا أيها الناس ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم وتأخر عمار حتى ظنوا أنه قد أغتيل فوصل كتاب من عبد الله بن أبي سرح يذكر سرح يذكر سرح يذكر سرح يذكر سرح يذكر سرح يذكر أن عمارا قد استماله قوم وانقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر فكتب عثمان إلي أهل الأمصار

أما بعد فإني آخذ عمالي بموافاتي كل موسم وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون ويضربون فمن ادعي شيئا من ذلك فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو من عمالي أو تصدقوا فالله يجزي المتصدقين

فلما قرئ في الأمصار بكي الناس ودعوا لعثمان وبعث إلي عمال الأمصار فقدموا عليه في الموسم عبد الله بن عامر وعبد الله بن سعد ومعاوية وأدخل معهم في المشورة سعيد بن العاص وعمرا فقال ويحكم ما هذه الشكاية والإذاعة إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي فقالوا له ألم نبعث ألم يرجع إليك الخبر عن العوام ألم يرجع رسلك ولم يشافههم أحد بشيء والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا ولا يحل الأخذ بهذه الإذاعة فقال أشيروا علي فقال سعيد هذا أمر مصنوع يلقي في السر فيتحدث به الناس ودواء ذلك طلب هؤلاء وقتل الذين يخرج هذا من عندهم وقال عبد الله بن سعد خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم وقال معاوية قد وليتني فوليت قوما ولا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتهما والرأي حسن الأدب وقال عمرو أري أنك قد لنت لهم ورخيت عليهم وزدتهم علي ما كان يصنع عمر فأري أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة وتلين في موضع اللين

فقال عثمان قد سمعت كل ما أشرتم به علي ولكل أمر باب يؤتي منه إن هذا الأمر الذي يخاف علي هذه الأمة كائن وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن فنكفكفه باللين والمواتاه إلا في حدود الله فإن فتح فلا يكون لأحد علي حجة وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا وإن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها سكنوا الناس وهبوا لهم حقوقهم فإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها فلما نفر عثمان وشخص معاوية والأمراء معه واستقل علي الطريق رجز به الحادي فقال

( قد علمت ضوامر المطي % وضامرات عوج القسي )

( أن الأمير بعده علي % وفي الزبير خلف رضي )

( طلحة الحامي لها ولي )

فقال كعب كذبت بل يلي بعده صاحب البغلة الشهباء يعني معاوية فطمع فيها من يومئذ فلما قدم عثمان المدينة دعا عليا وطلحة والزبير وعنده معاوية فحمد الله معاوية ثم قال أنتم أصحاب رسول الله وخيرته من خلقه وولاة أمر هذه الأمة لا يطمع فيه أحد غيركم أخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع وقد كبر وولي عمره ولو انتظرتم به الهرم لكان قريبا مع أني أرجو أن يكون أكرم علي الله أن يبلغه ذلك وقد فشت مقالة خفتها عليكم فما عتبتم فيه من شيء فهذه يدي لكم به ولا تطمعوا الناس في أمركم فوالله إن طمعوا فيه لا رأيتم منها أبدا إلا إدبارا

قال علي مالك ولذلك لا أم لك قال دع أمي فإنها ليست بشر أمهاتكم وقد أسلمت وبايعت النبي وأجبني عما أقول لك

فقال عثمان صدق ابن أخي أنا أخبركم عني وعما وليت إن صاحبي اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابا وإن رسول الله كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش فبسطت يدي في شيء من ذلك المال لما أقوم به فيه فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه فأمري لأمركم تبع فقالوا له قد أصبت وأحسنت قد أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا وأعطيت مروان خمسة عشر ألفا فأخذ منهما ذلك فرضوا وخرجوا راضيين

وقال معاوية لعثمان اخرج معي إلي الشام فإنهم علي الطاعة قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به فقال لا أبيع جوار رسول الله بشيء وإن كان فيه خبط عنقي قال إن بعثت إليك جندا منهم يقيم معك لنائبة إن نابت قال لا أضيق علي جيران رسول الله فقال والله لتغتالن ولتغزين فقال حسبي الله ونعم الوكيل

ثم خرج معاوية فمر علي نفر من المهاجرين فيهم علي وطلحة والزبير وعليه ثياب السفر فقام عليهم وقال إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان الناس يتغالبون عليه حتى بعث الله نبيه وكانوا يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم والناس لهم تبع وإن طلبوا الدنيا بالتغالب سلبوا ذلك ورده الله إلي غيرهم وإن الله علي البدل لقادر وإني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا وكاتفوه تكونوا أسعد منه بذلك ثم ودعهم ومضي فقال علي ما كنت أري في هذا خيرا فقال الزبير والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه اليوم واتعد المنحرفون عن عثمان يوما يخرجون فيه بالأمصار جميعها إذا سار عنها الأمراء فلم يتهيأ لهم ذلك ولما رجع الأمراء ولم يتم لهم الوثوب صاروا يكاتبون في القدوم إلي المدينة لينظروا فيما يريدون ويسألوا عثمان عن أشياء لتطير في الناس وكان بمصر محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة يحرضان علي عثمان

فلما خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة وقيل في ألف وفيهم كنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني وعليهم جميعا الغافقي بن حرب العكي وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبدي والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم العامري وهم في عداد أهل مصر وعليهم جميعا عمرو بن الأصم وخرج أهل البصرة فيهم حكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد وبشر بن شريح القيسي وابن المحترش وهم بعداد أهل مصر وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي فخرجوا جميعا في شوال وأظهروا أنهم يريدون الحج فلما كانوا من المدينة علي ثلاث تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب وكان هواهم في طلحة وتقدم ناس من أهل الكوفة وكان هواهم في الزبير ونزلوا الأعوص وجاءهم ناس من أهل مصر وكان هواهم في علي ونزلوا عامتهم بذي المروة ومشي فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم وقالا لهم لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ونرتاد لكم فقد بلغنا أنهم عسكروا لنا فوالله إن كان هذا حقا واستحلوا قتالنا بعد علم حالنا إن أمرنا لباطل وإن كان الذي بلغنا رجعنا إليكم بالخبر

قالوا اذهبا فذهبا فدخل المدينة فلقيا أزواج النبي وعليا وطلحة والزبير فقالا إنما نريد هذا البيت ونستعفي من بعض عمالنا واستأذنهم في الدخول فكلمهما أبي ونهاهما فرجعا إلي أصحابهما فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا عليا ونفر من أهل البصرة فأتوا طلحة ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير وقال كل فريق منهم إن بايعنا صاحبنا وإلا كذبناهم وفرقنا جماعتهم ثم رجعنا عليهم حتى نبغتهم

فأتي المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت متقلدا سيفه وقد أرسل ابنه الحسن إلي عثمان فيمن اجتمع إليه فسلموا عليه وعرضوا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وجيش ذي خشب والأعوص ملعونون علي لسان محمد فانصرفوا عنه وأتي البصريون طلحة فقال لهم مثل ذلك وكان قد أرسل ابنيه إلي عثمان وأتي الكوفيون الزبير فقال لهم مثل ذلك وكان قد أرسل ابنه عبد الله إلي عثمان فرجعوا وتفرقوا عن ذي خشب وذي المروة والأعوص إلي عسكرهم ليتفرق أهل المدينة ثم يرجعوا إليهم فلما بلغوا عسكرهم تفرق أهل المدينة فرجعوا بهم فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها ونزلوها وأحاطوا بعثمان وقالوا من كف يده فهو آمن

وصلي عثمان بالناس أياما ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا الناس من كلامه وأتاهم أهل المدينة وفيهم علي فقال لهم ما ردكم بعد ذهابكم فقالوا أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا وأتي طلحة الكوفيين فسألهم عن عودهم فقالوا مثل ذلك وأتي الزبير البصريين فقالوا مثل ذلك وكل منهم يقول نحن نمنع أخواننا وننصرهم كأنما كانوا علي ميعاد فقال لهم علي كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل حتى رجعتم علينا هذا والله أمر أبرم بليل فقالوا ضعوه كيف شئتم ولا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزل عنا وعثمان يصلي بهم وهو يصلون خلفه وهم أدق في عينه من التراب وكانوا لا يمنعون الناس من الاجتماع

وكتب عثمان إلي أهل الأمصار يستنجدهم ويأمرهم بالحث للمنع عنه ويعرفهم ما الناس فيه فخرج أهل الأمصار علي الصعب والذلول فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو وقام بالكوفة نفر يحضون علي إعانة أهل المدينة منعم عقبة بن عامر وعبد الله بن أبي أوفي وحنظلة الكاتب وغيرهم من أصحاب النبي ومن التابعين مسروق والأسود وشريح وعبد الله بن عكيم وغيرهم وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام بن عامر وغيرهم من الصحابة ومن التابعين كعب بن سور وهرم بن حيان وغيرهما وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين وكذلك بمصر

ولما جاءت الجمعة التي علي أثر دخولهم المدينة خرج عثمان فصلي بالناس ثم قام علي المنبر فقال يا هؤلاء الله الله فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون علي لسان محمد فامحوا الخطأ بالصواب فقام محمد بن مسلمة فقال أنا أشهد بذلك فأقعده حكيم بن جبلة وقام زيد بن ثابت فأقعده محمد بن أبي قتيرة وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه فأدخل داره واستقتل نفر من أهل المدينة مع عثمان منهم سعد بن أبي وقاص والحسين بن علي وزيد بن ثابت وأبو هريرة فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالإنصراف فانصرفوا وأقبل علي وطلحة والزبير فدخلوا علي عثمان يعودونه من صرعته ويشكون إليه ما يجدون وكان عند عثمان نفر من بني أمية فيهم مروان بن الحكم فقالوا كلهم لعلي أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا فقام مغضبا وعاد هو والجماعة إلي منازلهم وصلي عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ثم منعوه الصلاة وصلي بالناس أميرهم الغافقي ودان له المصريون والكوفيون والبصريون وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه ليتمنع به وكان الحصار أربعين يوما ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح

وقد قيل إن محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة كانا بمصر يحرضان علي عثمان وسار محمد بن أبي بكر مع من سار إلي عثمان وأقام ابن أبي حذيفة بمصر وغلب عليها لما سار عنها عبد الله بن سعد علي ما يأتي فلما خرج المصريون إلي قصد عثمان أظهروا أنهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب وعليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي وبعث عبد الله بن سعد رسولا إلي عثمان يخبره بحالهم وأنهم قد أظهروا العمرة وقصدهم خلعه أو قتله فخطب عثمان الناس وأعلمهم حالهم وقال لهم إنهم قد أسرعوا إلي الفتنة واستطالوا عمري والله لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة بما يرون من الدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة

وكان عبد الله بن سعد خرج إلي عثمان في أثار المصريين بإذنه له فلما كان بأيلة بلغه أن المصريين رجعوا إلي عثمان فحصروه وأن محمد بن أبي حذيفة غلب علي مصر واستجابوا له فعاد عبد الله إلي مصر فمنع عنها فأتي فلسطين فأقام بها حتى قتل عثمان

فلما نزل القوم ذا خشب يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عما يكرهون ولما رأي عثمان ذلك جاء إلي علي فدخل عليه بيته فقال له يا بن عم إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم وقد جاء ما تري من هؤلاء القوم وهم مصبحي ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني فإن في دخولهم علي توهينا لأمري وجرأة علي فقال علي على أي شيء أردهم عنك قال علي أن أصير إلي ما أشرت إليه ورأيته لي فقال علي إني قد كلمتك مرة بعد أخري فكل ذلك نخرج ونقول ثم ترجع عنه وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد فإنك أطعتهم وعصيتني قال عثمان فأنا أعصيهم وأطيعك فأمر الناس فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلا فيهم سعيد بن زيد وأبو جهم العدو وجبير بن مطعم وحكيم بن حزام ومروان وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد وزيد بن ثابت وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ومن العرب نيار بن مكرز فكلموهم وكان الذي يكلمهم علي ومحمد بن مسلمة فسمعوا مقالتهما ورجعوا إلي مصر فقال ابن عديس لمحمد بن مسلمة أتوصينا بحاجة قال نعم تتقي الله وترد من قبلك عن إمامهم فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع قال ابن عديس أفعل إن شاء الله ورجع علي ومن معه إلي المدينة فدخل علي عثمان فأخبره برجوعهم وكلمه بما في نفسه ثم خرج من عنده فمكث عثمان ذلك اليوم وجاء مروان بكرة الغد فقال له تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ويأتيك ما لا تستطيع دفعه ففعل عثمان فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص اتق الله يا عثمان فإنك قد ركبت أمورا وركبناها معك فتب إلي الله نتب فناداه عثمان وإنك هنا يا بن النابغة قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل

فنودي من ناحية أخري تب إلي الله فرفع يديه وقال اللهم إني أول تائب ورجع إلي منزله وخرج عمرو بن العاص إلي منزله بفلسطين وكان يقول والله إني كنت لألقي الراعي فأحرضه علي عثمان وأتي عليا وطلحة والزبير فحرضهم علي عثمان فبينما هو بقصره بفلسطين ومعه ابناه محمد وعبد الله وسلامة بن روح الجذامي إذ مر بهم راكب من المدينة فسأله عمرو عن عثمان فقال هو محصور قال عمرو أنا عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار

ثم مر به راكب آخر فسأله فقال قتل عثمان فقال عمرو أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها فقال له سلامة بن روح يا معشر قريش كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه فما عملكم علي ذلك فقال أردنا أن نخرج الحق من خاصرة الباطل ليكون الناس في الحق شرعا سواء

وقيل إن عليا لما رجع من عند المصريين بعد رجوعهم إلي عثمان فقال له تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليك ويشهد اله علي ما قلبك من النزوع والأمانة فإن البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن أن يجيء ركب آخر من الكوفة والبصرة فتقول يا علي اركب إليهم فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقك فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطي الناس من نفسه التوبة وقال أنا أول من اتعظ استغفر الله مما فعلت وأتوب إليه فمثلي نزع وتاب فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروا في رأيهم فوالله لئن ردني الحق عبدا لأستن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد وما عن الله مذهب إلا إليه فوالله لأعطينكم الرضا ولأنحين مروان وذويه ولا احتجب عنكم فرق الناس وبكوا حتى أخضلوا لحاهم وبكي هو أيضا

فلما نزل عثمان وجد مروان وسعيدا ونفرا من بني أمية في منزله لم يكونوا شهدوا خطبته فلما جلس قال مروان يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت فقالت نائلة بنت الفرافضة امرأة عثمان لا بل أصمت فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها فقال لها مروان ما أمن وذاك فوالله قد مات أبوك وما يحسن يتوضأ فقالت مهلا يا مروان عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أما والله لولا أنه عمه وأنه يناله غمه لأخبرتك عنه ما لن أكذب عليه قالت فأعرض عنها مروان فقال يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت قال تكلم فقال مروان بأبي أنت وأمي والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع فكنت أول من رضى بها وأعان عليها ولكنك قلت ما قلت وقد بلغ الحزام الطبيين وبلغ السيل الزبي وحين أعطي الخطة الذليلة الذليل والله لإقامة علي خطيئة ويستغفر منها أجمل من توبة يخوف عليها وأنت إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة وقد اجتمع بالباب أمثال الجبال من الناس فقال عثمان فاخرج إليهم فكلمهم فإني أستحي أن أكلمهم فخرج مروان إلي الباب والناس يركب بعضهم بعضا فقال ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب شاهت الوجوه إلي من أريد جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا أخرجوا عنا والله لئن رمتمونا ليمون عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم ارجعوا إلي منازلكم فإنا والله ما نحن بمغلوبين علي ما في أيدينا

فرجع الناس وأتي بعضهم عليا فأخبره الخبر فأقبل علي علي عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فقال أحضرت خطبة عثمان قال نعم قال أفحضرت مقالة مروان للناس قال نعم فقال علي أي عباد الله يا للمسلمين إني إن قعدت في بيتي قال لي تركتني وقرابتي وحقي وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله وقام مغضبا حتى دخل علي عثمان فقال له أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يشاء ربه والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه وأيم الله لأراه يوردك ولا يصدرك وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك أذهبت شرفك وغلبت علي رأيك

فلما خرج علي دخلت عليه امرأته نائلة بنت الفرافصة فقالت قد سمعت قول علي لك وليس يعاودك وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء قال فما أصنع قالت تتقي الله وتتبع سنة صاحبيك من قبلك فإنك متي أطعت مروان قتلك ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة وإنما تركك الناس لمكانه فأرسل إلي علي فاستصلحه فإن له قرابة منك وهو لا يعصي فأرسل عثمان إلي علي فلم يأته وقال قد أعلمته أني غير عائد فبلغ مروان مقالة نائلة فيه فجلس بين يدي عثمان فقال يا ابنة الفرافضة فقال عثمان لا تذكرنها بحرف فأسود وجهك فهي والله أنصح لي منك فكف مروان

وأتي عثمان إلي علي بمنزله ليلا وقال له إني غير عائد وإني فاعل فقال له علي بعد ما تكلمت علي منبر رسول الله وأعطيت من نفسك ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلي الناس يشتمهم علي بابك ويؤذيهم

فخرج عثمان من عنده وهو يقول قطعت رحمي وخذلتني وجرأت الناس علي فقال علي والله إني لأكثر الناس دبا عنك ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي ولم يعد علي يعمل ما كان يعمل إلي أن منع عثمان الماء فقال علي لطلحة أريد أن تدخل عليه الروايا وغضب غضبا شديدا حتى دخلت الروايا علي عثمان قال وقد قيل إن عليا كان عند حصر عثمان بخيبر فقدم المدينة والناس مجتمعون عند طلحة وكان ممن له فيه أثر فلما قدم علي أتاه عثمان وقال له أما بعد فإن لي حق الإسلام وحق الإخاء والقرابة والصهر ولو لم يكن من ذلك شيء وكنا في الجاهلية لكان عارا علي بني عبد مناف أن ينتزع أخو بني تيم يعني طلحة أمرهم فقال له علي سيأتيك الخبر ثم خرج إلي المسجد فرأي أسامة فتوكأ علي يده حتى دخل دار طلحة وهو في خلوة من الناس فقال له يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه فقال يا أبا الحسن بعد ما مس الحزام الطبيين

فانصرف علي حتى أتي بيت المال فقال افتحوه فلم يجدوا المفاتيح فكسر الباب وأعطي الناس فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده وسر بذلك عثمان وجاء طلحة فدخل علي عثمان وقال له يا أمير المؤمنين أردت أمرا فحال الله بيني وبينه فقال عثمان والله ما جئت تائبا ولكن جئت مغلوبا الله حسيبك يا طلحة

ذكر مقتل عثمان ص 57

قد ذكرنا سبب مسير الناس إلي قتل عثمان وقد تركنا كثيرا من الأسباب التي جعلها الناس ذريعة إلي قتله لعلل دعت إلي ذلك ونذكر الآن كيف قتل وما كان بدء ذلك وابتداء الجرأة عليه قبل قتله فكان من ذلك أن أبلا من إبل الصدقة قدم بها علي عثمان فوهبها لبعض بني الحكم فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأخذوها وقسمها بين الناس وعثمان في الدار

قيل وكان أول من اجترأ علي عثمان بالمنطق جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو في نادي قومه وبيده جامعه فسلم فرد القوم فقال جبلة لم تردون علي رجل فعل كذا وكذا ثم قال لعثمان والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة مروان وابن عامر وابن سعد منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول الله دمه فاجترأ الناس عليه وقد تقدم قول عمرو بن العاص له في خطبته

قيل وخطب يوما وبيده عصا كان النبي وأبو بكر وعمر يخطبون عليها فأخذها جهجهاه الغفاري من يده وكسرها علي ركبته اليمني فرمي في ذلك المكان بأكلة

وقيل كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم إلي من بالآفاق منهم إن أردتم الجهاد فهلموا إليه فإن دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه فاختلفت قلوب الناس علي ما تقدم ذكره وجاء المصريون كما ذكرنا إلي المدينة فخرج إليهم علي ومحمد بن مسلمة كما تقدم فكلماهم فعادوا ثم رجعوا فلما رجعوا انطلق إليهم محمد بن مسلمة يسألهم عن سبب عودهم فأخرجوا صحيفة في أنبوبة رصاص وقالوا وجدنا غلام عثمان بالبويب علي بعير من إبل الصدقة ففتشنا متاعه فوجدنا فيه هذه الصحافة يأمر فيها بجلد عبد الرحمن بن عديس وعمرو بن الحمق وعروة بن البياع وحبسهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وصلب بعضهم

وقيل إن الذي أخذت منه الصحيفة أبو الأعور السلمي فلما رأوه سألوه عن مسيره وهل معه كتاب فقال لا فسألوه في أي شيء هو فتغير كلامه فأنكروه وفتشوه وأخذوا الكتاب منه وعادوا وعاد الكوفيون والبصريون

فلما عاد أهل مصر أخبروا بذلك محمد بن سلمة وقالوا له قد كلمنا عليا ووعدنا أن يكلمه وكلمنا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فقالا لا ندخل في أمركم وقالوا لمحمد بن مسلمة لتحضر مع علي عند عثمان بعد الظهر فوعدهم بذلك فدخل علي ومحمد بن مسلمة علي عثمان فاستأذنا للمصريين عليه وعنده مروان فقال دعني أكلمهم فقال عثمان اسكت فض الله فاك ما أنت وهذا الأمر أخرج عني فخرج مروان وقال علي ومحمد لعثمان ما قال المصريون فأقسم بالله ما كتبته ولا علم لي به فقال محمد صدق هذا من عمل مروان

ودخل عليه المصريون فلم يسلموا عليه بالخلافة فعرفوا الشر فيهم وتكلموا فذكر ابن عديس ما فعل عبد الله بن سعد بالمسلمين وأهل الذمة والاستئثار في الغنائم فإذا قيل له في ذلك قال هذا كتاب أمير المؤمنين إلي وذكروا شيئا مما أحدث بالمدينة وقال له وخرجنا من مصر ونحن نريد قتلك فردنا علي ومحمد بن مسلمة وضمنا لنا النزوع عن كل ما تكلمنا فيه فرجعنا إلي بلادنا فرأينا غلامك وكتابك وعليه خاتمك تأمر عبد الله بجلدنا والمثلة بنا وطول الحبس

فحلف عثمان أنه ما كتب ولا أمر ولا علم فقال علي ومحمد صدق عثمان قال المصريون فمن كتبه قال لا أدري قالوا فيجترأ عليك ويبعث غلامك وجمل من الصدقة وينقش علي خاتمك ويبعث إلي عاملك بهذه الأمور العظيمة وأنت لا تعلم قال نعم قال ما أنت إلا صادق أو كاذب فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا بغير حق وإن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع نفسك لضعفك عن هذا الأمر وغفلتك وخبث بطانتك ولا ينبغي لنا أن نترك هذا الأمر بيد من تقطع الأمور دونه لضعفه وغفلته فاخلع نفسك منه كما خلعك الله فقال لا أنزع قميصا ألبسنيه الله ولكني أتوب وأنزع قالوا لو كان هذا أول ذنب تبت منه قبلنا ولكنا رأيناك تتوب ثم تعود ولسنا منصرفين حتى نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله تعالي وإن منعك أصحابك وأهلك قاتلناهم حتى نخلص إليك فقال أما أن أتبرأ من خلافة الله فالقتل أحب إلي من ذلك وأما قولكم تقاتلون من منعني فإني لا آمر أحدا بقتالكم فمن قاتلكم فبغير أمري قاتل ولو أردت قتالكم لكتبت إلي الأجناد فقدموا علي أو لحقت بعض أطرافي

وكثرت الأصوات واللغط فقام علي فخرج وأخرج المصريين ومضي علي إلي منزله وحصر المصريون عثمان وكتب إلي معاوية وابن عامر وأمراء الأجناد يستنجدهم ويأمرهم بالعجل وإرسال الجنود إليه فتربص به معاوية فقام في أهل الشام يزيد بن أسد القسري جد خالد بن عبد الله القسري فتبعه خلق كثير فسار بهم إلي عثمان فلما كانوا بوادي القري بلغهم قتل عثمان فرجعوا

وقيل بل سار من الشام حبيب بن مسلمة الفهري وسار من البصرة مجاشع بن مسعود السلمي فلما وصلوا الربذة ونزلت مقدمتهم صرارا بناحية المدينة أتاهم قتل عثمان فرجعوا وكان عثمان قد استشار نصحاءه في أمره فأشاروا عليه أن يرسل إلي علي يطلب إليه أن يردهم ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه إمداده فقال إنهم لا يقبلون التعلل وقد كان مني في المرة الأولي ما كان فقال مروان أعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك فإنهم قوم بغوا عليك ولا عهد لهم فدعا عليا فقال له قد تري ما كان من الناس ولست آمنهم علي دمي فارددهم عني فإني أعطيهم ما يريدون من الحق من نفسي وغيري فقال علي الناس إلي عدلك أحوج منهم إلي قتلك ولا يرضون إلا بالرضا وقد كنت أعطيتهم أولا عهدا فلم تف به فلا تعوزني هذه المرة فإني معطيهم عليك الحق فقال أعطهم فوالله لأفين لهم

فخرج علي إلي الناس فقال لهم إنما طلبتم الحق وقد أعطيتموه وقد زعم أنه منصفكم من نفسه فقال الناس قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا لا نرضي بقول دون فعل فدخل عليه علي فأعلمه فقال اضرب بيني وبينهم أجلا فإني لا أقدر علي أن أرد ما كرهوا في يوم واحد فقال علي أما ما كان بالمدينة فلا أجل فيه وما غاب فأجله وصول أمرك قال نعم فإجلني فيما في المدينة ثلاثة أيام فأجابه إلي ذلك وكتب بينهم كتابا علي رد كل مظلمة وعزل كل عامل كرهوه فكف الناس عنه فجعل يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح واتخذ جندا

فلما مضت الأيام الثلاثة ولم يتغير شيئا ثار به الناس وخرج عمرو بن حزم الأنصاري إلي المصريين فأعلمهم الحال وهم بذي خشب فقدموا المدينة وطلبوا منه عزل عماله ورد مظالمهم فقال إن كنت مستعملا من أردتم وعازلا من كرهتم فلست في شيء والأمر أمركم فقالوا والله لتفعلن أو لتخلعن أو لتقتلن فأبي عليهم وقال لا أنزع سربالا سربلينه الله فحصروه واشتد الحصار عليه فأرسل إلي علي وطلحة والزبير فحضروا فأشرف عليهم فقال يا أيها الناس اجلسوا فجلسوا المحارب والمسالم فقال لهم يا أهل المدينة استودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي

ثم قال أنشدكم بالله هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم علي خيركم أتقولون أن الله لم يستجب لكم وهنتم عليه وأنتم أهل حقه أم تقولون هان علي الله دينه فلم يبال من ولي والدين لم يتفرق أهله يومئذ أم تقولون لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان مكابرة فوكل الله الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة أم تقولون إن الله لم يعلم عاقبة أمري وأنشدكم بالله أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه الله لي يحق علي كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها فمهلا لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة رجل زني بعد إحصانه أو كفر بعد إيمانه أو قتل نفسا بغير حق فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف علي رقابكم ثم لم يرفع الله عنكم الإختلاف أبدا

قالوا أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر ثم ولوك فإن كل ما صنع الله خيرة ولكن الله جعلك بلية ابتلي بها عباده وأما ما ذكرت من قدمك وسلفك مع رسول الله فقد كنت كذلك وكنت أهلا للولاية ولكن أحدثت ما علمته ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما قابلا وأما قولك إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت قتل من سعي في الأرض فسادا وقتل من بغي ثم قاتل علي بغيه وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه وقد بغيت ومنعت وحلت دونه وكابرت عليه ولم تقد من نفسك من ظلمت وقد تمسكت بالإمارة علينا فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليها فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك فسكت عثمان ولزم الدار وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن بن علي وابن عباس ومحمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وأشباها لهم واجتمع إليه ناس كثير فكانت مدة الحصار أربعين يوما

فلما مضت ثمان عشرة ليلية قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخبر من تهيأ إليهم من الجنود وشجعوا الناس فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء فأرسل عثمان إلي علي سرا وإلي طلحة وإلي الزبير وأزواج النبي أنهم قد منعوني الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا ماءا فافعلوا فكان أولهم اجابة علي وأم حبيبة زوج النبي فجاء علي في الغلس فقال يا أيها الناس إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي فقالوا لا والله ولا نعمة عين فرمي بعمامته في الدار بأني قد نهضت ورجعت وجاءت أم حبيبة علي بغلة لها مشتملة علي إدواة فضربوا وجه بغلتها فقالت إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل

فقالوا كاذبة وقطعوا حبل البغلة بالسيف فنفرت وكادت تسقط عنها فتلقاها الناس فأخذوها وذهبوا بها إلي بيتها فأشرف عثمان يوما فسلم عليهم ثم قال أنشدكم بالله هل تعلمون إني قد اشتريت بئر رومة بمالي ليستعذب بها فجعلت رشائي فيها كرجل من المسلمين قالوا نعم قال فلم تمنعوني أن أشرب منها حتى أفطر علي ماء البحر

ثم قال أنشدكم بالله هل تعلمون أني قد اشتريت أرض كذا فزدتها في المسجد قيل نعم قال فهل علمتم أن أحدا منع أن يصلي فيه قبلي ثم قال أنشدكم بالله أتعلمون أن النبي قال عني كذا وكذا أشياء في شأنه ففشي النهي في الناس يقولون مهلا عن أمير المؤمنين فقام الأشتر فقال لعله مكر به وبكم

وخرجت عائشة إلي الحج واستتبعت أخاها محمدا فأبي فقالت ووالله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن فقال له حنظلة الكاتب تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها وتتبع ذؤبان العرب إلي ما لا يحل وإن هذا الأمر إن صار إلي التغالب غلبك عليه بنو عبد مناف ثم رجع حنظلة إلي الكوفة وهو يقول

( عجبت لما يخوض الناس فيه % يرومون الخلافة أن تزولا )

( ولو زالت لزال الخير عنهم % ولاقوا بعدها ذلا ذليلا )

( وكانوا كاليهود والنصاري % سواء كلهم ضلوا السبيلا )

وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة فلزموا بيوتهم وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات فأشرف عثمان علي الناس فاستدعي ابن عباس فأمره أن يحج بالناس وكان ممن لزم الباب فقال جهاد إلي أحب إلي من الحج فأقسم عليه فانطلق

قال عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة دخلت علي عثمان فأخذ بيدي فأسمعني كلام من علي بابه فمنهم من يقول ما تنتظرون به ومنهم من يقول أنظروا عسي أن يراجع قال فبينما نحن واقفون إذ مر طلحة فقال أين ابن عديس فقام إليه فناجاه ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه لا تتركوا أحدا يدخل علي عثمان ولا يخرج من عنده فقال لي عثمان هذا ما أمر به طلحة اللهم اكفني طلحة فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم علي والله إني لأرجو أن يكون منها صفرا وأن يسفك دمه قال فأردت أن أخرج فمنعوني حتى أمرهم محمد بن أبي بكر فتركوني أخرج

وقيل إن الزبير خرج من المدينة قبل أن يقتل عثمان وقيل أدرك قتله

ولما رأي المصريون أن أهل الموسم يريدون قصدهم وأن يجمعوا ذلك إلي حجهم مع ما بلغهم من مسير أهل الأمصار قالوا لا يخرجنا من هذا الأمر الذي وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل فيشتغل الناس عنا بذلك فراموا الباب فمنعهم الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان وسعيد بن العاص ومن معهم من أبناء الصحابة واجتلدوا فزجرهم عثمان وقال أنتم في حل من نصرتي فأبوا ففتح الباب لمنعهم فلما خرج ورآه المصريون رجعوا فركبهم هؤلاء وأقسم عثمان علي أصحابه ليدخلن فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين فقام رجل من أسلم يقال له نيار بن عياض وكان من الصحابة فنادي عثمان فبينا هو يناشده أن يعتزلهم إذ رماه كثير بن الصلت الكندي بسهم فقتله

فقالوا لعثمان عند ذلك ادفع إلينا قاتله لنقتله به قال لم أكن لأقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي فلما رأوا ذلك ثاروا إلي الباب فلم يمنعهم أحد منه والباب مغلق لا يقدرون علي الدخول منه فجاؤوا بنار فأحرقوه والسقيفة التي علي الباب وثار أهل الدار وعثمان يصلي قد افتتح طه فما شغله ما سمع ما يخطئ وما يتعتتع حتى أتي عليها فلما فرغ جلس إلي المصحف يقرأ فيه وقرأ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فقال لمن عنده بالدار إن رسول الله قد عهد عهدا فأنا صابر عليه ولم يحرقوا الباب إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه فأحرج علي رجل أن يستقتل أو يقاتل وقال للحسن إن أباك الآن لفي أمر عظيم من أمرك فأقسمت عليك لما خرجت إليه فتقدموا فقاتلوا ولم يسمعوا قوله فبرز المغيرة بن الأخنس بن شريق وكان قد تعجل من الحج في عصابة لينصروا عثمان وهو معه في الدار وارتجز يقول

( قد علمت ذات القرون الميل % والحلي والأنامل الطفول )

( لتصدقن بيعتي خليلي % بصارم ذي رونق مصقول )

( لا أستقيل إذا أقلت قيلي )

وخرج الحسن بن علي وهو يقول

( لا دينهم ديني ولا أنا منهم % حتى أسير إلي طمار شمام ) وخرج محمد بن طلحة وهو يقول

( أنا ابن من حامي عليه بأحد % ورد أحزابا علي رغم معد ) وخرج سعيد بن العاص وهو يقول

( صبرنا غداة الدار والموت واقف % بأسيافنا دون ابن أروي نضارب )

( وكنا غداة الروع في الدار نصرة % نشافههم بالضرب والموت نائب )

وكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير فكان يحدث عن عثمان بأخر ما كان عليه وأقبل أبو هريرة والناس محجمون فقال هذا يوم طاب فيه الضرب ونادي يا قوم مالي أدعوكم إلي النجاة وتدعونني إلي النار وبرز مروان وهو يقول

( قد علمت ذات القرون الميل % والكف والأنامل الطفول )

( أني أروع أول الرعيل % بغارة مثل القطا الشليل )

فبرز إليه رجل من بني ليث يدعي النباع فضربه مروان وضرب هو مروان علي رقبته فأثبته وقطع أحد علباويه فعاش مروان بعد ذلك أوقص وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ليذفف عليه فقامت فاطمة أم إبراهيم بن عدي وكانت أرضعت مروان وأرضعت له فقالت إن كنت تريد قتله فقد قتل وإن كنت تريد أن تلعب بلحمه فهذا قبيح وادخلته بيتها فعرف لها بنوه ذلك واستعملوا ابنها إبراهيم بعد ونزل إلي المغيرة بن الأخنس بن شريق رجل فقتل المغيرة قال فلما سمع الناس يذكرونه قال إنا لله وإنا إليه لراجعون

فقال له عبد الرحمن بن عديس مالك فقال رأيت فيما يري النائم هاتفا يهتف فقال بشر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار فابتليت به واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها ودخلوا من دار عمرو بن حزم إلي دار عثمان حتى ملؤها ولا يشعر من بالباب وغلب الناس علي عثمان وندبوا رجلا يقتله فانتدب له رجل فدخل عليه البيت فقال اخلعها وندعك فقال ويحك والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني علي عورتي منذ بايعت رسول الله ولست خالعا قميصا كسانيه الله تعالي وأنا علي مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاوة فخرج عنه فقالوا ما صنعت فقال والله لا ينجينا من الناس إلا قتله ولا يحل لنا قتله

فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث فقال ممن الرجل فقال ليثي فقال له لست بصاحبي لأن النبي دعا لك أن تحفظ يوم كذا وكذا ولن تضيع فرجع عنه وفارق القوم ودخل عليه رجل من قريش فقال له إن رسول الله استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارف دما حراما فرجع وفارق أصحابه وجاء عبد الله بن سلام ينهاهم عن قتله فقال يا قوم لا تسلوا سيف الله فيكم فوالله إن سللتموه لا تغمدوه ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف ويلكم إن مدينتكم محفوفة بالملائكة فإن قتلتموه لتتركنها فقالوا يا بن اليهودية ما أنت وهذا فرجع عنهم

وكان آخر من دخل عليه ممن رجع محمد بن أبي بكر فقال له عثمان ويلك أعلي الله تغضب هل لي إليك جرم إلا حقة أخذتها منك فأخذ محمد لحيته وقال قد أخزاك الله يا نعثل فقال لست بنعثل ولكتني عثمان وأمير المؤمنين وكانوا يلقبون به عثمان فقال محمد ما أغني عنك معاوية وفلان وفلان فقال عثمان يا بن أخي فما كان أبوك ليقبض عليها فقال محمد لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك والذي أريد بك أشد من قبضي عليها فقال عثمان أستنصر الله عليك واستعين به فتركه وخرج وقيل بل طعن جبينه بمشقص كان في يده والأول أصح

قال فلما خرج محمد وعرفوا إنكساره ثار قتيرة وسودان بن حمران والغافقي فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف واستقر بين يديه وسالت عليه الدماء وجاء سودان ليضربه فأكبت عليه امرأته واتقت السيف بيدها فنفح أصابعها فأطن أصابع يديها وولت فغمز أوراكها وقال إنها لكبيرة العجز وضرب عثمان فقتله

وقيل الذي قتله كنانة بن بشر التجيبي وكان عثمان رأي النبي تلك الليلة يقول له إنك تفطر الليلة عندنا فلما قتل سقط من دمه علي قوله تعالي فسيكفيكهم الله ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه وكان عثمان قد اعتق من كف يده منهم فلما ضربه سودان ضرب بعض الغلمان رقبة سودان فقتله ووثب قتيرة علي الغلام فقتله وانتهبوا ما في البيت وخرجوا ثم أغلقوه علي ثلاثة قتلي فلما خرجوا وثب غلام لعثمان علي قتيرة فقتله وثار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى أخذوا ما علي النساء وأخذ كلثوم التجيبي ملاءة من علي نائلة فضربه غلام لعثمان فقتله وتنادوا أدركوا بيت المال ولا تسبقوا إليه فسمع أصحاب بيت المال كلامهم وليس فيه إلا غرارتان فقالوا النجاة فإن القوم إنما يحاولون الدنيا فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه وماج الناس

وقيل إنهم ندموا علي قتله وأما عمرو بن الحمق فوثب علي صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات قال فأما ثلاث منها فإني طعنتهن إياه لله تعالي وأما ست فلما كان في صدري عليه وأرادوا قطع رأسه فوقعت نائلة عليه وأم البنين فصحن وضربن الوجوه فقال ابن عديس اتركوه وأقبل عمير بن ضابيء فوثب عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال سجنت أبي حتى مات في السجن

وكان قتله لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين يوم الجمعة وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أثني عشر يوما وقيل إلا ثمانية أيام وقيل بل كان قتله سنة ست وثلاثين لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين وقيل بل قتل أيام التشريق وكان عمره اثنتين وثمانين سنة وقيل ثمانيا وثمانين سنة وقيل تسعين سنة وقيل خمسا وسبعين سنة وقيل ستا وثمانين سنة

ذكر الموضع الذي دفن فيه ومن صلي عليه ص 68

قيل بقي عثمان ثلاثة أيام لا يدفن ثم أن حكيم بن حزام القرشي وجبير بن مطعم كلما عليه في أن يأذن في دفنه ففعل فلما سمع من قصده بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة وخرج به ناس يسير من أهله وغيرهم وفيهم الزبير والحسن وأبو جهم بن حذيفة ومروان بين المغرب والعشاء فأتوا به حائطا من حيطان المدينة يسمي حش كوكب وهو خارج البقيع فصلي عليه جبير بن مطعم وقيل حكيم بن حزام وقيل مروان وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة عليه ثم تركوهم خوفا من الفتنة وأرسل علي إلي من أراد أن يرجم سريره ممن جلس علي الطريق لما سمع بهم فمنعهم عنه ودفن في حش كوكب فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان علي الناس أمر بذلك الحائط فهدم وأدخل في البقيع وأمر الناس فدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل الدفن بمقابر المسلمين وقيل إنما دفن بالبقيع مما يلي حش كوكب وقيل شهد جنازته علي وطلحة وزيد بن ثابت وكعب بن مالك وعامة من ثم من أصحابه قال وقيل لم يغسل وكفن في ثيابه

ذكر بعض سيرة عثمان ص 69

قال الحسن البصري دخلت المسجد فإذا أنا بعثمان متكئا علي ردائه فأتاه سقاءان يختصمان إليه فقضي بينهما وقال الشعبي لم يمت عمر بن الخطاب حتى ملته قريش وقد كان حصرهم بالمدينة فامتنع عليهم وقال أخوف ما أخاف علي هذه الأمة انتشاركم في البلاد فإن جاء الرجل منهم ليستأذنه في الغزو فيقول قد كان لك في غزوك مع رسول الله ما يبلغك وخير لك من غزوك اليوم أن لا تري الدنيا ولا تراك وكان يفعل هذا بالمهاجرين من قريش ولم يكن يفعله بغيرهم من أهل مكة فلما ولي عثمان خلي عنهم فانتشروا في البلاد وانقطع إليهم الناس وكان أحب إليهم من عمر قيل وحج عثمان بالناس سنوات خلافته كلها وحج بأزواج النبي كما كان يصنع عمر وكتب إلي الأمصار أن يوافيه العمال في الموسم ومن يشكو منهم وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وأنه مع الضعيف علي القوي ما دام مظلوما وقيل كان أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا طيران الحمام والرمي علي الجلاهقات وهي قوس البندق واستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان من خلافته فقص الطيور وكسر الجلاهقات

قيل وسأل رجل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة ما دعاه إلي الخروخ علي عثمان فقال كان يتيما في حجر عثمان وكان والي أيتام أهل بيته ومحتملا كلهم فسأل عثمان العمل فقال يا بني لو كنت رضا لاستعملتك قال فاذن لي فأخرج فأطلب الرزق قال اذهب حيث شئت وجهزه من عنده وحمله وأعطاه فلما وقع إلي مصر كان فيمن أعان عليه حيث منعه الإمارة قيل وعمار بن ياسر كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام فضربهما عثمان فأورث ذلك تعاديا بين أهل عمار وأهل عباس وكان تقاذفا

قيل سئل سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر ما دعاه إلي ركوب عثمان قال الغضب والطمع كان من الإسلام بمكان فغره أقوام فطمع وكانت له دالة فلزمه حق فأخذه عثمان من ظهره فاجتمع هذا إلي ذلك فصار مذمما بعد أن كان محمدا قيل واستخف رجل بالعباس بن عبد المطلب فضربه عثمان فاستحسن منه ذلك وقال أيفخم رسول الله عمه وأرخص في الاستخفاف به لقد خالف رسول الله من فعل ذلك ورضي به قيل وكان كعب بن ذي الحبكة النهدي يلعب بالنارنجيات فبلغ عثمان فكتب إلي الوليد أن يوجعه ضربا فعزره وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان وفيه إنه قد جد بكم فجدوا وإياكم والهزل فغضب كعب وكان في الذين خرجوا عليه وكان سيره إلي دنباوند فقال في ذلك للوليد

( لعمري لئن طردتني ما إلي التي % طمعت بها من سقطتي لسبيل )

( رجوت رجوعي يا ابن أروي ورجعتي % إلي الحق دهرا غال ذلك غول )

( فإن اغترابي في البلاد وجفوتي % وشتمي في ذات الإله قليل )

وإن دعائي كل يوم وليلة % عليك بدنباوندكم لطويل )

قال وأما ضابئ بن الحارث البرجمي فإنه استعار في زمن الوليد بن عقبة من قوم من الأنصار كلبا يدعي قرحان يصيد الضباء فحبسه عنهم فانتزعه الأنصاريون منه قهرا فهجاهم وقال

( تجشم دوني وفد فرحان خطة % تضل لها الوجناء وهي حسير )

( فباتوا شباعا طامعين كأنما % حباهم بيت المرزبان أمير )

( فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم % فإن عقوق الأمهات كبير )

فاستعدوا عليه عثمان فعزره وحبسه فما زال في السجن حتى مات فيه وقال في الفتك معتذرا إلي أصحابه

( هممت ولم أفعل وكدت وليتني % تركت علي عثمان تبكي حلائله )

( وقائلة قد مات في السجن ضابئ % ألا من لخصم لم يجد من يحاوله )

فلذلك صار ابنه عمير سبئيا قال وأما كميل بن زياد وعمير بن ضابئ فإنهما سارا إلي المدينة لقتل عثمان فأما عمير فإنه نكل عنه وأما كميل فإنه جسر وثاوره فوجأ عثمان وجهه فوقع علي إسته فقال أوجعتني يا أمير المؤمنين قال أولست بفاتك قال لا والله فقال عثمان فاستقد مني فقال عثمان ودونك فعفا عنه وبقيا إلي أيام الحجاج فقتلهما وسيرد ذكر ذلك إن شاء الله تعالي

قيل وكان لعثمان علي طلحة بن عبيد الله خمسون ألفا فقال له يوما قد تهيأ مالك فاقبضه قال هو لك معونة علي مروءتك قيل فلما حصر عثمان قال علي لطلحة أنشدك الله إلا رددت الناس عن عثمان قال لا والله حتى تعطيني بنو أمية الحق من أنفسها وكان عثمان يلقب بذي النورين لأنه جمع بين ابنتي النبي قال الأصمعي استعمل عبد الله بن عامر قطن بن عبد عوف علي كرمان فأقبل جيش للمسلمين فمنعهم سيل في واد من العبور وخشي قطن الفوات فقال من عبر له ألف درهم فحملوا أنفسهم وعبروا وكانوا أربعة آلاف فأعطاهم أربعة آلاف درهم فأبي ابن عامر أن يجري ذلك وكتب إلي عثمان فكتب عثمان أن أحسبها له فإنه إنما أعان في سبيل الله فلذلك سميت الجوائز لإجازة الوادي وقال حسان بن زيد سمعت عليا وهو يخطب الناس ويقول بأعلى صوته يا أيها الناس أنكم تكثرون في وفي عثمان فإن مثلي ومثله كما قال الله تعالي ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين وقال أبو حميد الساعدي وهو بدري وكان مجانبا لعثمان فلما قتل عثمان قال والله ما أردنا قتله اللهم لك علي أن لا أفعل كذا وكذا ولا أضحك حتى ألقاك

ذكر نسبه وصفته وكنيته ص 73

أما نسبه فهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وأمه أروي بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف وأمها أم حكيم بنت عبد المطلب وأما صفته فإنه كان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير حسن الوجه رقيق البشرة بوجهه أثر جدري كبير اللحية عظيمها أسمر اللون أصلع عظيم الكراديس عظيم ما بين المنكبين يصفر لحيته وقيل كان كثير شعر الرأس أروح الرجلين

وأما كنيته فإنه كان يكني أبا عبد الله بولد جاءه من رقية بنت رسول الله اسمه عبد الله توفي وعمره ست سنين نقره ديك في عينه فمرض فمات في جمادى الأولي سنة أربع من الهجرة وقيل كان يكني أبا عمرو

ذكر أزواجه وأولاده ص 74

تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله فولدت له رقية عبد الله وتزوج فاختة بنت غزوان فولدت له عبد الله الأصغر هلك وتزوج أم عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة الدوسية ولدت له عمرا وخالدا وأبانا وعمر ومريم وتزوج فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية ولدت له الوليد وسعيدا وأم سعيد وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية ولدت له عبد الملك هلك وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة ولدت له عائشة وأم أبان وأم عمرو وتزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية ولدت له مريم بنت عثمان وقيل ولدت له أم البنين بنت عيينة عبد الملك وعتبة وولدت له نائلة عنبسة وكان له منها ابنه تدعي أم البنين وكانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان وقتل عثمان وعنده رملة بنت شيبة ونائلة وأم البنين ابنة عيينة وفاختة بنت غزوان غير أنه طلق أم البنين وهو محصور فهؤلاء أزواجه في الجاهلية والإسلام وأولاده

ذكر أسماء عماله في هذه السنة ص 74

كان عماله في هذه السنة علي مكة عبد الله بن الحضرمي وعلي الطائف القاسم بن ربيعة الثقفي وعلي صنعاء يعلي بن منية وعلي الجند عبد الله بن ربيعة وعلي البصرة عبد الله بن عامر خرج منها ولم يول عثمان عليها أحدا وعلي الشام معاوية بن أبي سفيان وعامل معاوية علي حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وعلي قنسرين حبيب بن مسلمة الفهري وعلي الأردن أبو الأعور السلمي وعلي فلسطين علقمة بن حكيم الكناني وعلي البحر عبد الله بن قيس الفزاري وعلي القضاء أبو الدرداء في قول بعضهم والصحيح أنه كان قد توفي قبل قتل عثمان وكان عامل عثمان علي الكوفة أبو موسى علي الصلاة وعلي خراج السواد جابر بن فلان المزني وهو صاحب المسناة إلي جانب الكوفة وسماك الأنصاري وعلي حربها القعقاع بن عمرو وعلي قرقيسيا جرير بن عبد الله وعلي أذربيجان الأشعث بن قيس الكندي وعلي حلوان عتيبة بن النهاس وعلي ماه مالك بن حبيب وعلي همذان النسير وعلى الري سعد بن قيس وعلي أصبهان السائب بن الأقرع وعلى ماسبذان حبيش وعلي بيت المال عقبة بن عامر وكان علي قضاء عثمان زيد بن ثابت

عتبة بن النهاس بالتاء فوقها نقطتان وبعدها ياء تحتها نقطان وآخره باء موحدة عيينة بن حصن بالياء تحتها نقطتان وياء ثانية وآخره نون تصغير عين والنسير بالنون والسين المهملة تصغير نسر

ذكر الخبر عمن كان يصلي في مسجد النبي حين حصر عثمان ص 75

قيل وجاء ذلك اليوم الذي منع فيه عثمان الصلاة سعد القرظ وهو المؤذن إلي علي بن أبي طالب فقال من يصلي بالناس فقال ادع خالد بن زيد فدعاه يصلي بالناس فهو أول يوم عرف أن اسم أبي أيوب الأنصاري خالد بن زيد فصلي أياما ثم صلي بعد ذلك بالناس وقيل بل أمر علي سهل بن حنيف فصلي بالناس من أول ذي الحجة إلي يوم العيد ثم صلي علي بالناس العيد ثم صلي بهم حتى قتل عثمان وقد تقدم غير ذلك في ذكر قتله

ذكر ما قيل فيه من الشعر ص 75

قال حسان بن ثابت الأنصاري

( أتركتم غزو الدروب وراءكم % وغزوتمونا عند قبر محمد )

( فلبئس هدي المسلمين هديتم % ولبئس أمر الفاجر المتعمد )

( إن تقدموا نجعل قرى سرواتكم % حول المدينة كل لين مذود )

( أو تدبروا فلبئس ما سافرتم % ولمثل أمر أميركم لم يرشد )

( وكأن أصحاب النبي عشية % بدن تذبح عند باب المسجد )

( أبكي أبا عمرو لحسن بلائه % أمسي ضجيعا في بقيع الغرقد )

وقال أيضا

( إن تمس دار ابن أروي اليوم خاوية % باب صريع وباب محرق خرب )

( فقد يصادف باغي الخير حاجته % فيها ويهوي إليها الذكر والحسب )

( يا أيها الناس أبدوا ذات أنفسكم % لا يستوي الصدق عند الله والكذب )

( قوموا بحق مليك الناس تعترفوا % بغارة عصب من خلفها عصب )

( فيهم حبيب شهاب الموت يقدمهم % مستلئما قد بدا في وجهه الغضب )

وقال أيضا

( من سره الموت صرفا لا مزاج له % فليأت مأسدة في دار عثمانا )

( مستشعري حلق الماذي قد شفعت % قبل المخاطم بيض زان أبدانا )

( صبرا فدي لكم أمي وما ولدت % قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا )

( لقد رضينا بأهل الشام نافرة % وبالأمير وبالإخوان إخوانا )

( إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا % ما دمت حيا وما سميت حسانا )

( لتسمعن وشيكا في ديارهم % الله أكبر يا ثارات عثمانا )

( ضحوا بأشمط عنوان السجود به % يقطع الليل تسبيحا وقرآنا )

وقال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر بعض هذه الأبيات وقد زاد فيها أهل الشام ولم أر لذكره وجها يعني ما فيها من ذكر علي وهو

( يا ليت شعري وليت الطير تخبرني % ما كان بين علي وابن عفانا )

وقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط يحرض أخاه عمارة

( ألا إن خير الناس بعد ثلاثة % قتيل التجيبي الذي جاء من مصر )

( فإن يك ظني بابن أمي صادقا % عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر )

( يبيت أوتار ابن عفان عنده % مخيمة بين الخورنق والقصر )

فأجابه الفضل بن العباس

( أتطلب ثأرا لست منه ولإله % وأين ابن ذكوان الصفوري من عمرو )

( كما اتصلت بنت الحمار بأمها % وتنسي أباها إذ تسامي أولي الفخر )

( ألا أن خير الناس بعد ثلاثة % وصي النبي المصطفي عند ذي الذكر )

( وأول من صلي وصنو نبيه % وأول من أردي الغواة لدي بدر )

( فلو رأت الأنصار ظلم ابن أمكم % بزعمكم كانوا له حاضري النصر )

( كفي ذاك عيبا أن يشيروا بقتله % وأن يسلموه للأحابيش من مصر )

قوله وأين ابن ذكوان فإن الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو اسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس ويذكر جماعة من النسابين أن ذكوان مولي لأمية فتبناه وكناه أبا عمرو ويعني أنك مولي لست من بني أمية حتى تكون ممن يطلب بثأر عثمان وقال بعضهم من الشعراء أيضا غيرهم بعد مقتله فمن بين مادح وهاج ومن ناع وباك ومن سار فرح فممن مدحه حسان كما تقدم وكعب بن مالك في آخرين غيرهم كذلك

| خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه

ذكر بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص 78

وفي هذه السنة يويع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقد اختلفوا في كيفية بيعته فقيل إنه لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليا فقالوا له إنه لا بد للناس من إمام قال لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به

فقالوا ما نختار غيرك وترددوا إليه مرارا وقالوا له في آخر ذلك إننا لا نعلم أحدا أحق به منك ولا أقدم سابقة ولا أقرب قرابة من رسول الله فقال لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خيرا من أن أكون أميرا

فقالوا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك قال ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفية ولا تكون إلا في المسجد وكان في بيته وقيل في حائط لبني عمرو بن مبذول فخرج وعليه إزار وطاق وعمامة خز ونعلاه في يده متوكئا علي قوس فبايعه الناس وكان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيد الله فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال إنا لله أول من بدأ بالبيعة يد له شلاء لا يتم هذا الأمر

وبايعه الزبير وقال لهما علي إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما فقالا بل نبايعك وقالا بعد ذلك إنما فعلنا ذلك خشية علي علي نفوسنا وعرفنا أنه لا يبايعنا وهربا إلي مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر

وبايعه الناس وجاؤوا بسعد بن أبي وقاص فقال علي بايع فقال حتى يبايع الناس والله ما عليك مني بأس فقال خلوا سبيله

وجاؤوا بابن عمر فقالوا بايع قال لا حتى يبايع الناس قال ائتني بكفيل قال لا أري كفيلا قال الأشتر دعني أضرب عنقه قال علي دعوه أنا كفيله إنك ما علمت لسئ الخلق صغيرا وكبيرا

وبايعت الأنصار إلا نضرا يسيرا منهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك ومسلمة بن مخلد وأبو سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة وكانوا عثمانية فأما حسان فكان شاعرا لا يبالي ما يصنع وأما زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان وبيت المال فلما حصر عثمان قال يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين فقال له أبو أيوب ما تنصره إلا لأنه أكثر لك من العبدان

وأما كعب بن مالك فاستعمله علي صدقة مزينة وترك له ما أخذ منهم ولم يبايعه عبد الله بن سلام وصهيب بن سنان وسلمة بن سلامة بن وقش وأسامة بن زيد وقدامة بن مظعون والمغيرة بن شعبة

فأما النعمان بن بشير فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي قتل فيه وهرب به فلحق بالشام فكان معاوية يعلق قميص عثمان وفيه الأصابع فإذا رأي ذلك أهل الشام ازدادوا غيظا وجدا في أمرهم ثم رفعه فإذا أحس بفتور يقول له عمرو بن العاص حرك لها حوارها تحن فيعلوها

وقد قيل إن طلحة بن الزبير إنما بايعا عليا كرها وقيل لم يبايعه الزبير ولا صهيب ولا سلمة بن سلامة بن وقش وأسامة بن زيد

فأما علي قول من قال أن طلحة والزبير بايعا كرها فقال إن عثمان لما قتل بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلي القيام بالأمر فلا يجدونه ووجدوا طلحة في حائط له ووجدوا سعدا والزبير قد خرجا من المدينة ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب وهرب سعيد والوليد ومروان إلي مكة وتبعهم غيرهم

فأتي المصريون عليا فباعدهم وأتي الكوفيون الزبير فباعدهم وأتي المصريون طلحة فباعدهم وكانوا مجتمعين علي قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة فأرسلوا إلي سعد يطلبونه فقال إني وابن عمر لا حاجة لنا فيها فأتوا ابن عمر فلم يجبهم فبقوا حيارى قال بعضهم لبعض لئن رجع الناس إلي أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الأمة فجمعوا أهل المدينة فقالوا لهم يا أهل المدينة أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون الإمامة وحكمكم جائز علي الأمة فانظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم تبع وقد أجلناكم يومكم فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة والزبير وأناسا كثيرا فغشي الناس عليا فقالوا نبايعك فقد تري ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى

فقال علي دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وله ألوان لا تقوم به القلوب ولا تثبت عليه العقول فقالوا ننشدك الله ألا تري ما نحن فيه ألا تري الإسلام ألا تري الفتنة ألا تخاف الله فقال قد أجبتكم وأعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه

ثم افترقوا علي ذلك واتعدوا الغد وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت فبعث البصريون إلي الزبير حكيم بن جبلة وقالوا احذر لا تحابه ومعه نفر فجاؤوا به يحذونه بالسيف فبايع وبعثوا إلي طلحة الأشتر ومعه نفر فأتي طلحة فقال دعني أنظر ما يصنع الناس فلم يدعه فجاء به يتله تلا عنيفا وصعد المنبر فبايع وكان الزبير يقول جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت والسيف علي عنقي وأهل مصر فرحون فلما اجتمع عليه أهل المدينة وقد خشع أهل الكوفة والبصرة أن كانوا اتباعا لأهل مصر وازدادوا بذلك علي طلحة والزبير غيظا

ولما أصبحوا يوم البيعة وهو يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي فصعد المنبر وقال أيها الناس عن ملأ وإذن إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم وقد افترقنا بالأمس علي أمر وكنت كارها لأمركم فأبيتم إلا أن أكون عليكم ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح مالكم معي وليس لي أن آخذ درهما دونكم فإن شئتم قعدت لكم وإلا فلا آخذ علي أحد

فقالوا نحن علي ما فارقناك عليه بالأمس فقال اللهم أشهد

ولما جاؤوا بطلحة ليبايع فقال إنما أبايع كرها فبايع وكان به شلل فقال رجل يعتاف إنا لله وإنا إليه راجعون أول يد بايعت يد شلاء لا يتم هذا الأمر

ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك وبايع وفي الزبير اختلاف ثم جيء بعده بقوم كانوا قد تخلفوا فقالوا نبايع علي إقامة كتاب الله في القريب والبعيد والعزيز والذليل فبايعهم ثم قام العامة فبايعوا وصار الأمر أمر أهل المدينة وكأنهم كما كانوا فيه وتفرقوا إلي منازلهم

وبويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة والناس يحسبون بيعته من قتل عثمان وأول خطبة خطبها علي حين استخلف حمد الله وأثني عليه ثم قال إن الله أنزل كتابا هاديا يبين فيه الخير والشر فخذوا بالخير ودعوا الشر الفرائض أدوها إلي الله تعالي يؤدكم إلي الجنة إن الله حرم حرمات غير مجهولة وفضل حرمة المسلم علي الحرم كلها وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق لا يحل دم امرئ مسلم إلا بما يجب بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم الموت فإن الناس أمامكم وإن ما خلفكم الساعة تحدوكم فخففوا تلحقوا فإنما ينتظر بالناس أخراهم اتقوا الله عباد الله في بلاده وعباده إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم أطيعوا الله عز وجل فلا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر فدعوه واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض

ولما فرغ من الخطبة وهو علي المنبر قالت السبئية

( خذها إليك واحذرن أبا حسن % إنا نمر الأمر إمرار الرسن )

( صولة أقوام كأشداد السفن % بمشرفيات كغدران اللبن )

( ونطعن الملك بلين كالشطن % حتى يمرن علي غير عنن ) فقال علي

( إني عجزت عجزة لا أعتذر % سوف أكيس بعدها وأستمر )

( أرفع من ذيلي ما كنت أجر % وأجمع الأمر الشتيت المنتشر )

( إن لم يشاغبني العجول المنتصر % أن تتركوني والسلاح يبتدر )

ورجع علي إلي بيته فدخل عليه طلحة والزبير في عدد من الصحابة فقالوا يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم

فقال يا أخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلاطكم يسومونكم ما شاؤوا فهل ترون موضعا لقدرة علي شيء مما تريدون

قالوا لا

قال فلا والله أري إلا رأيا ترونه أبدا إلا أن يشاء الله إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض آخذ بها أبدا إن الناس من هذا الأمر إن حرك علي أمور فرقة تري ما ترون وفرقة تري ما لا ترون وفرقة لا تري هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق فاهدأوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا

واشتد علي قريش وحال بينهم وبين الخروج وتركها علي حالها وإنما هيجه علي ذلك هرب بنى أمية وتفرق القوم فبعضهم يقول ما قال علي وبعضهم يقول نقضي الذي علينا ولا نؤخره والله أن عليا لمستغن برأيه وليكونن أشد علي قريش من غيره فسمع ذلك بخطبهم وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم وقيامه دونهم وأنه ليس له من سلطانهم إلا ذاك والأجر من الله عليه ونادي برئت الذمة من عبد لا يرجع إلى مولاه فتذامرت السبئية والأعراب وقالوا لنا إذا مثلها ولا نستطيع نحتج فيهم بشئ وقال أيها الناس أخرجوا عنكم الأعراب فليلحقوا بمياههم فأبت السبئية وأطاعهم الأعراب فدخل علي بيته ودخل عليه طلحة والزبير وعدة من أصحاب رسول الله فقال دونكم ثأركم فاقتلوه فقالوا عتوا عن ذلك فقال هم والله بعد اليوم أعتى وقال

( ولو أن قومي طاوعتني سراتهم % امرتهم أمرا يديخ الأعاديا )

وقال طلحة دعني آتي البصرة فلا يفجؤك إلا وأنا في خيل وقال الزبير دعني آتي الكوفة فلا يفجؤك إلا وأنا في خيل فقال حتى أنظر في ذلك

قيل وقال ابن عباس أتيت عليا بعد قتل عثمان عند عودي من مكة فوجدت المغيرة بن شعبة مستخليا به فخرج من عنده فقلت له ما قال لك هذا

فقال قال لي قبل مرته هذه إن لك حق الطاعة والنصيحة وإن الرأي اليوم تحرز به ما في غد وإن الضياع اليوم يضيع به ما في غد أقرر معاوية وابن عامر وعمال عثمان علي أعمالهم حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس ثم اعزل من شئت فأبيت عليه ذلك وقلت لا أداهن في ديني ولا أعطي في الدنية أمري

قال فإن كنت أبيت علي فانزع من شئت واترك معاوية فإن في معاوية جرأة وهو في أهل الشام يستمع منه ولك حجة في إثباته كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشام

فقلت لا والله لا أستعمل معاوية يومين ثم انصرف من عندي وأنا أعرف فيه أنه يود أني مخطئ ثم عاد إلي الآن فقال إني أشرت عليك أول مرة بالذي أشرت وخالفتني فيه ثم رأيت بعد ذلك أن تصنع الذي رأيت فتعزلهم وتستعين بمن تثق به فقد كفي الله وهو أهون شوكة مما كان قال ابن عباس فقلت لعلي أما المرة الأولي فقد نصحك وأما المرة الثانية فقد غشك قال ولم نصحني

قلت لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتي ثبتهم لا يبالون من ولي هذا الأمر ومتي تعزلهم يقولون أخذ هذا الأمر بغير شوري وهو قتل صاحبنا ويؤلبون عليك فتنتقض عليك الشام وأهل العراق مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يكرا عليك وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله وقال علي والله لا أعطيه إلا السيف ثم تمثل

( وما ميتة أن متها غير عاجز % بعار إذا ما غالت النفس غولها )

فقلت يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لست صاحب رأي في الحرب أما سمعت رسول الله يقول الحرب خدعة فقال بلي فقلت أما والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورد ولأتركنهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك ولا إثم لك فقال يا بن عباس لست من هناتك ولا من هنات معاوية في شيء

قال ابن عباس فقلت له أطعني والحق بمالك بينبع وأغلق بابك عليك فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدا

فأبي علي فقال تشير علي وأري فإذا عصيتك فأطعني

قال فقلت أفعل إن أيسر مالك عندي الطاعة فقال له علي تسير إلي الشام فقد وليتكها

فقال ابن عباس ما هذا برأي معاوية رجل من بني أمية وهو ابن عم عثمان وعامله ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان وإن أدني ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم علي لقرابتي منك وإن كل ما حمل عليك حمل علي ولكن أكتب إلي معاوية فمنه وعده فقال لا والله لا كان هذا أبدا

وكان المغيرة يقول نصحته فلما لم يقبل غششته وخرج فلحق بمكة

ذكر عدة حوادث ص 87

وفي هذه السنة أعني سنة خمس وثلاثين سار قسطنطين بن هرقل في ألف مركب يريد أرض المسلمين قبل قتل عثمان فسلط الله عليهم ريحا عاصفا فغرقهم ونجا قسطنطين فأتي صقلية فصنعوا له حماما فقتلوه فيه وقالوا قتلت رجالنا

هكذا قال أبو جعفر وهذا قسطنطين هو الذي هزمه المسلمون في غزوة الصواري سنة إحدى وثلاثين وقتله أهل صقلية في الحمام وإن كانوا قد اختلفوا في السنة التي كانت الوقعة فيها فلولا قوله إن المراكب غرقت لكانت هذه الحادثة هي تلك فإنها في قول بعضهم كانت خمس وثلاثين

وفي خلافة عثمان مات أوس بن خولي الأنصاري وفي خلافة عثمان أيضا مات الجلاس بن سويد الأنصاري وكان من المنافقين علي عهد رسول الله وحسنت توبته

وفيها مات الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهو الملقب ببه وفي آخرها مات الحكم بن أبي العاص وهو والد مروان وعم عثمان وفيها مات حبان بن منقذ الأنصاري وهو والد يحيى بن حبان بفتح الحاء المهملة وبالباء الموحدة وفيها مات عبد الله بن قيس بن خالد الأنصاري وقيل بل قتل بأحد شهيدا

وفي خلافته مات قطبة بن عامر الأنصاري وهو عقبي بدري وفي خلافته مات زيد بن خارجة بن زيد الأنصاري وهو الذي تكلم بعد موته

وفيها قتل معبد بن العباس بن عبد المطلب بإفريقية في آخر خلافة عثمان

وفيها مات معيقيب بن أبي فاطمة وكان من مهاجرة الحبشة وكان علي خاتم رسول الله وقيل بل مات سنة أربعين في خلافة علي وفيها مات مطيع بن الأسود العدوي وكان إسلامه يوم الفتح

وفي خلافته مات نعيم بن مسعود الأشجعي وقيل بل قتل في وقعة الجمل مع مجاشع بن مسعود وفي خلافته مات عبد الله بن حذافة السهمي وهو بدري وكان فيه دعابة

وفيها مات عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي والد عمر الشاعر وكان قد جاء من اليمن لينصر عثمان لما حصر فسقط عن راحلته فمات

وأبو رافع مولي رسول الله وقيل مات في خلافة علي وهو أصح

وفي خلافته توفي أبو سبرة بن أبي رهم العامري من عامر بن لؤي وهو بدري

وفيها مات هاشم بن عتبة بن ربيعة خال معاوية أسلم يوم الفتح وكان صالحا وفيها مات أبو الدرداء وقيل عاش بعده والأول أصح

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.