الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
5

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين

الجزء الثالث 4 عنصر صفحة 38
ص 38

قيل فيها كانت غزوة الصواري في قول بعضهم وقد تقدم ذكرها

وفيها تكاتب المنحرفون عن عثمان للاجتماع لمناظرته فيما كانوا يذكرون أنهم نقموا عليه

ذكر الخبر عن ذلك وعن يوم الجرعة ص 38

قد ذكرنا خبر المسير من الكوفة ومقامهم عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ووفد سعيد بن العاص إلي عثمان سنة أحدى عشرة من خلافة عثمان وكان سعيد قد ولي قبل مخرجه إلي عثمان بسنة وبعض أخري الأشعث بن قيس أذربيجان وسعيد بن قيس الري والنسير العجلي همذان والسائب بن الأقرع أصبهان ومالك بن حبيب ماه وحكيم بن سلام الخزامي الموصل وجرير بن عبد الله قرقيسيا وسلمان بن ربيعة الباب وجعل القعقاع بن عمرو علي الحرب وعلي حلوان عتيبة بن النهاس وخلت الكوفة من الرؤساء فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان ومعه الذين كانوا ابن السوداء يكاتبهم فأخذه القعقاع بن عمرو فقال إنما نستعفي من سعيد فقال أما هذا فنعم فتركه

وكاتب يزيد المسيرين في القدوم عليه فسار الأشتر والذين عند عبد الرحمن بن خالد فسبقهم الأشتر فلم يفجأ الناس يوم الجمعة إلا والأشتر علي باب المسجد يقول جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان وتركت سعيدا يريده علي نقصان نسائكم علي مائة درهم ورد أهل البلاء منكم إلي ألفين ويزعم أن فيئكم بستان قريش

فاستخف النس وجعل أهل الرأي ينهونهم فلا يسمع منهم فخرج يزيد وأمر مناديا ينادي من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل فبقي أشراف الناس وحلماؤهم في المسجد وعمرو بن حريث يومئذ خليفة سعيد فصعد المنبر فحمد الله وأثني عليه وأمرهم بالاجتماع والطاعة فقال له القعقاع أترد السيل عن أدراجه هيهات لا والله لا يسكن الغوغاء إلا المشرفية ويوشك أن تنتضي ويعجون عجيج العتدان ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا يرده الله عليهم أبدا فاصبر

قال أصبر وتحول إلي منزله وخرج يزيد بن قيس فنزل الجرعة وهي قريب من القادسية ومعه الأشتر فوصل إليهم سعيد بن العاص فقالوا لا حاجة لنا بك قال إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلي أمير المؤمنين رجلا وإلي رجلا وهل يخرج الألف لهم عقول إلي رجل واحد

ثم انصرف عنهم واحسوا بمولى له علي بعير قد حسر فقال والله ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع فقتله الأشتر ومضي سعيد حتى قدم علي عثمان فأخبره بما فعلوا وأنهم يريدون البدل وأنهم يختارون أبا موسى فجعل أبا موسى الأشعري أميرا وكتب إليهم أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد ووالله لاقرضنكم عرضي ولأبذلن لكم صبري ولاستصلحنكم جهدي فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصي الله فيه إلا سألتموه ولا شيئا كرهتموه لا يعصي الله فيه الا ما استعفيتم منه انزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم علي الله حجة ولنصبرن كما أمرنا حتى تبلغوا ما تريدون

ورجع من الأمراء من قرب من الكوفة فرجع جرير من قرقيسيا وعتيبة بن النهاس من حلوان وخطبهم أبو موسى وأمرهم بلزوم الجماعة وطاعة عثمان فأجابوا إلي ذلك وقالوا صل بنا

فقال لا إلا علي السمع والطاعة لعثمان قالوا نعم فصلي بهم وأتاه ولاته فولاهم وقيل سبب يوم الجرعة أنه كان قد اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان فأجمع رأيهم فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ثم العنبري وهو الذي يدعي عامر بن عبد القيس فأتاه فدخل عليه فقال له إن ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله عز وجل وتب إليه فقال عثمان انظروا إلي هذا فإن الناس يزعمون أنه قارئ ثم هو يجئ يكلمني في المحقرات ووالله ما يدري أين الله فقال عامر إني لأدري أين الله قال نعم واله ما تدري أين الله قال عامر بلي والله إني لأدري إن الله بالمرصاد لك

فأرسل عثمان إلي معاوية وعبد الله بن سعد وإلي سعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعبد الله بن عامر فجمعهم فشاورهم وقال لهم

إن لكل امرء وزراء ونصحاء وإنكم لوزرائي ونصحائي وأهل ثقتي وقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إلي أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلي ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي

فقال له ابن عامر أري لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك حتى يذلوا لك ولا يكون همة أحدهم إلا في نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته وقال سعيد احسم عنك الداء فاقطع عنك الذي تخاف إن لكل قوم قادة متي تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر فقال عثمان إن هذا هو الرأي لولا ما فيه وقال معاوية أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله وأكفيك أنا أهل الشام وقال عبد الله بن سعد إن الناس أهل طمع فاعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم

ثم قام عمرو بن العاص فقال يا أمير المؤمنين إنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية فقلت وقالوا وزغت وزاغوا فاعتدل أو اعتزل فإن أبيت فاعتزم عزما واقدم قدما

فقال له عثمان مالك قمل فروك هذا الجد منك

فسكت عمرو حتى تفرقوا فقال والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك ولكني علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل رجل منا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيرا وأدفع عنك شرا

فرد عثمان عماله إلي أعمالهم وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث وعزم علي تحريم أعطياتهم ليطيعوه ورد سعيدا إلي الكوفة فلقيه الناس من الجرعة وردوه كما سبق ذكره

قال أبو ثور الحدائي جلست إلي حذيفة وأبي مسعود الأنصاري بمسجد الكوفة يوم الجرعة فقال أبو مسعود ما أري أن ترد علي عقبيها حتى يكون فيها دماء

فقال حذيفة والله لتردن علي عقبيها ولا يكون فيها محجمة دم وما أري اليوم شيئا إلا وقد علمته والنبي حي فرجع سعيد إلي عثمان ولم يسفك دم وجاء أبو موسى أميرا

وأمر عثمان حذيفة بن اليمان أن يغزو الباب فسار نحوه

ذكر ابتداء قتل عثمان ص 42

في هذه السنة تكاتب نفر من أصحاب رسول الله وغيرهم بعضهم إلي بعض أن أقدموا فإن الجهاد عندنا وعظم الناس علي عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد وليس أحد من الصحابة ينهي ولا يذب إلا نفر منهم زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت فاجتمع الناس فكلموا علي بن أبي طالب فدخل علي عثمان فقال له الناس ورائي وقد كلموني فيك وواله ما أدري ما أقول لك ولا أعرف شيئا تجهله ولا أدلك علي أمر لا تعرفه إنك لتعلم ما أعلم ما سبقناك إلي شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه وما خصصنا بأمر دونك وقد رأيت وصحبت رسول الله وسمعت منه ونلت صهره وما ابن أبي قحافة بأولي بالعمل منك بالحق ولا ابن الخطاب بأولي شيء من الخير منك وأنت أقرب إلي رسول الله رحما ولقد نلت من صهر رسول الله ما لم ينالاه وما سبقناك إلي شيء فالله الله في نفسك فإنك والله ما تبصر من عمي ولا تعلم من جهالة وإن الطريق لواضح بين وإن أعلام الدين لقائمة اعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدي فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة فوالله إن كلا لبين وإن السنن لقائمة لها أعلام وإن البدع قائمة لها أعلام وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة وإني سمعت رسول الله يقول يؤتي يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقي في جهنم فيدور في جهنم كما تدور الرحى ثم يرتطم في غمرة جهنم وإني أحذرك الله وسطواته ونقماته فإن عذابه شديد أليم وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلي يوم القيامة ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعا لا يبصرون الحق لعلو الباطل يموجون فيها موجا ويمرجون فيها مرجا

فقال عثمان قد علمت والله ليقولن الذي قلت أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ولا جئت منكرا أن وصلت رحما وسددت خلة وآويت ضائعا ووليت شبيها بمن كان عمر يولي أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك قال نعم قال فتعلم أن عمر ولاه قال نعم قال فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته قال علي إن عمر كان يطأ علي صماخ من ولي إن بلغه عنه حرف جلبة ثم بلغ به أقصي العقوبة وأنت لا تفعل ضعفت ورققت علي أقربائك

قال عثمان وهم أقرباؤك أيضا قال أجل إن رحمهم مني قريبة ولكن الفضل في غيرهم قال عثمان هل تعلم أن عمر ولي معاوية فقد وليته فقال علي أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من يرفأ غلام عمر له قال نعم قال علي فإن معاوية يقتطع الأمور دونك ويقول للناس هذا أمر عثمان وأنت تعلم ذلك فلا تغير عليه

ثم خرج علي من عنده وخرج عثمان علي أثره فجلس علي المنبر ثم قال أما بعد فإن لكل شيء آفة ولكل أمر عاهة وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسترون عنكم ما تكرهون يقولون لكم ويقولون أمثال النعام يتبعون أول ناعق أحب مواردهم إليهم البعيد لا يشربون إلا نغصا ولا يردون إلا عكرا لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور ألا فقد عبتم علي ما أقررتم لابن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له علي ما أحببتم وكرهتم ولنت لكم وأوطأتكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأحرى إن قلت هلم أتي إلي ولقد عددت لكم أقرانا وأفضلت عليكم فضولا وكشرت لكم عن نابي وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه ومنطقا لم أنطق به فكفوا عني ألسنتكم وعيبكم وطعنكم ولاتكم فإني كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا ألا فما تفقدون من حقكم والله ما قصرت عن بلوغ ما بلغ من كان قبلي ولم تكونوا تختلفون عليه فقام مروان بن الحكم فقال إن شئتم حكمنا والله ما بيننا وبينكم السيف نحن وأنتم والله كما قال الشاعر

( فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم % مغارسكم تبنون في دمن الثري )

فقال عثمان اسكت لا سكت دعني وأصحابي ما منطقك في هذا ألم تقدم إليك أن لا تنطق فسكت مروان ونزل عثمان عن المنبر فاشتد قوله علي الناس وعظم وزاد تألبهم عليه

ذكر عدة حوادث ص 44

وحج هذه السنة بالناس عثمان وفي هذه السنة توفي كعب الأحبار وهو كعب بن ماتع وأسلم أيام عمر وفيها مات أبو عبس عبد الرحمن بن جبر الأنصاري شهد بدرا وفيها مات مسطح بن أثاثة المطلبي وهو ابن ست وخمسين سنة وقيل بل عاش وشهد صفين مع علي وهو الأكثر وكان بدريا وفيها توفي عبادة بن الصامت الأنصاري وهو ممن شهد العقبة وكان نقيبا بدريا وعاقل بن البكير وهو بدري أيضا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.