ذكر تسيير من سير من أهل الكوفة إلي الشام
ص 29
وفي هذه السنة سير عثمان نفرا من أهل الكوفة إلي الشام وكان السبب في ذلك أن سعيد بن العاص لما ولاه عثمان الكوفة حين شهد علي الوليد بشرب الخمر أمره أن يسير الوليد إليه فقدم سعيد الكوفة وسير الوليد وغسل المنبر فنهاه رجال من بني أمية كانوا قد خرجوا معه عن ذلك فلم يجبهم واختار سعيد وجوه الناس وأهل القادسية وقراء أهل الكوفة فكان هؤلاء دخلته داخلا وأما إذا خرج فكل الناس يدخل عليه فدخلوا عليه يوما فبيناهم يتحدثون قال حبيش بن فلان الأسدي ما أجود طلحة بن عبيد الله
فقال سعيد إن من له مثل النشاستج لحقيق أن يكون جوادا والله لو أن لي مثله لأعاشكم الله به عيشا رغيدا فقال عبد الرحمن بن حبيش وهو حدث والله لو وددت أن هذا الملطاط لك يعني سعيد وهو ما كان للأكاسرة علي جانب الفرات الذي يلي الكوفة فقالوا فض الله فاك والله لقد هممنا بك فقال أبوه غلام فلا تجاوزه فقالوا يتمني له سوادنا قال ويتمني لكم أضعافه
فثار به الأشتر وجندب وابن ذي الحنكة وصعصعة وابن الكواء وكميل وعمير بن ضابيء فأخذوه فثار أبوه ليمنع عنه فضربوهما حتى غشي عليهما وجعل سعيد يناشدهم ويأبون حتى قضوا منهما وطرا فسمعت بذلك بنو أسد فجاؤوا وفيهم طليحة فأحاطوا بالقصر وركبت القبائل فعاذوا بسعيد فخرج سعيد إلي الناس فقال أيها الناس قوم تنازعوا وقد رزق الله العافية فردهم
فتراجعوا وأفاق الرجلان فقالا قاتلنا غاشيتك
فقال لا يغشوني أبدا فكفا ألسنتكما ولا تحزبا الناس ففعلا وقعد أولئك النفر في بيوتهم وأقبلوا يقعون في عثمان
وقيل بل كان السبب في ذلك أنه كان يسمر عند سعيد بن العاص وجوه أهل الكوفة منهم مالك بن كعب الأرحبي والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس النخعيان ومالك الأشتر وغيرهم فقال سعيد إنما هذا السواد بستان قريش فقال الأشتر أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك
وتكلم القوم معه فقال عبد الرحمن الأسدي وكان علي شرطة سعيد أتردون علي الأمير مقالته وأغلظ لهم
فقال الأشتر من ها هنا لا يفوتنكم الرجل
فوثبوا عليه فوطأوه وطأ شديدا حتى غشي عليه ثم جروا برجله فنضج بماء فأفاق فقال قتلني من انتخبت
فقال والله لا يسمر عندي أحد أبدا
فجعلوا يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيدا واجتمع إليهم الناس حتى كثروا فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلي عثمان في إخراجهم فكتب إليهم أن يلحقوهم بمعاوية وكتب إلي معاوية إن نفرا قد خلقوا للفتنة فأقم عليهم وأنههم فإن آنست منهم رشدا فاقبل وإن أعيوك فارددهم علي
فلما قدموا علي معاوية أنزلهم كنيسة مريم وأجري عليهم ما كان لهم بالعراق بأمر عثمان وكان يتغذى ويتعشى معهم فقال لهم يوما إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة وقد أدركتم بالإسلام شرفا وغلبتم الأمم وحويتم مواريثهم وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا ولو لم تكن قريش كنتم أذلة إن أئمتكم لكم جنة فلا تفترقوا عن جنتكم وإن أئمتكم يصبرون لكم علي الجور ويحتملون منكم المؤنة والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم السوء ولا يحمدكم علي الصبر ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم علي الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم
فقال رجل منهم وهو صعصعة أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا فقال معاوية
عرفتكم الآن وعلمت أن الذي أغراكم علي هذا قلة العقول وأنت خطيبهم ولا أري لك عقلا أعظم عليك أمر الإسلام وأذكرك به وتذكرني بالجاهلية أخزي الله قوما عظموا أمركم افقهوا عني ولا أظنكم تفقهون إن قريشا لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله تعالي لم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا وأمحضهم أنسابا وأكملهم مروءة ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضا إلا بالله فبوأهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم هل تعرفون عربيا أو عجميا أو أسود أو أحمر إلا وقد أصابه الدهر في بلده وحرمته إلا ما كان من قريش فإنهم لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل حتى أراد الله أن يستنقذ من أكرم واتبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة فارتضي لذلك خير خلقه ثم ارتضي له أصحابا فكان خيارهم قريشا ثم بني هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة فيهم فلا يصلح ذلك إلا عليهم فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم علي كفرهم افتراء لا يحوطهم وهم علي دينه أف لك ولأصحابك أما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر القرى أنتنها بيتا وأعمقها واديا وأعرفها بالشر وألأمها جيرانا لم يسكنها شريف قط ولا وضيع إلا سب بها ثم كانوا ألأم العرب ألقابا وأصهارا نزاع الأمم وأنتم جيران الخط وفعلة فارس حتى أصابتكم دعوة النبي لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوة النبي فأنت شر قومك حتى إذا أبرزك الإسلام وخلطك بالناس أقبلت تبتغي دين الله عوجا وتنزع إلي الذلة ولا يضر ذلك قريشا ولا يضعهم وإن يمنعهم من تأدية ما عليهم إن لشيطان عنكم غير غافل قد عرفكم بالشر فأغرى بكم الناس وهو صارعكم ولا تدركون بالشر أمرا أبدا إلا فتح الله عليكم شرا منه وأخزي
ثم قام وتركهم فتقاصرت إليهم أنفسهم فلما كان بعد ذلك أتاهم فقال إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم لا ينفع الله بكم أحدا ولا يضره ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا يبطرنكم الأنعام فإن البطر لا يعتري الخيار اذهبوا حيث شئتم فسأكتب إلي أمير المؤمنين فيكم
فلما خرجوا دعاهم وقال لهم إني معيد لكم أن رسول الله كان معصوما فولاني وأدخلني في أمره ثم استخلف أبو بكر فولاني ثم استخلف عمر فولاني ثم استخلف عثمان فولاني ولم يولني أحد إلا وهو عني راض وإنما طلب رسول الله للأعمال أهل الجزاء من المسلمين والغناء وإن الله ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به فلا تعرضوا الأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون فإن الله غير تارككم حتى يختبركم ويبدي للناس سرائركم
وكتب معاوية إلي عثمان إنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان أضجرهم العدل لا يريدون الله بشيء ولا يتكلمون بحجة إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم فانه سعيدا ومن عنده عنهم فإنهم ليسوا لأكثر من شغب ونكر
فخرجوا من دمشق فقالوا لا ترجعوا بنا إلي الكوفة فإنهم يشتمون بنا ولكن ميلوا إلي الجزيرة فسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان علي حمص فدعاهم فقال
يا آلة الشيطان لا مرحبا بكم ولا أهلا قد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد نشاط خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم يا معشر من لا أدري أعرب هو أم عجم لا تقولوا لي ما بلغني أنكم قلتم لمعاوية أنا ابن خالد بن الوليد أنا ابن من قد عجمته العاجمات أنا ابن فاقئ الردة والله لئن بلغني يا صعصعة أن أحدا ممن معي دق أنفك ثم غمصك لأطيرن بط طيرة بعيدة المهوى
فأقامهم شهرا كلما ركب أمشاهم فإذا مر به صعصعة قال يا بن الخطيئة أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر مالك لا تقول كما بلغني أنك قلت لسعيد ومعاوية فيقولون نتوب إلي الله أقلنا أقالك الله فما زالوا به حتى قال تاب الله عليكم وسرح الأشتر إلي عثمان فقدم إليه تائبا فقال له عثمان احلل حيث شئت
فقال مع عبد الرحمن بن خالد فقال ذلك إليك فرجع إليه قيل وقد روي أيضا نحو ما تقدم وزادوا فيه أن معاوية لما عاد إليهم من القابلة وذكرهم كان مما قال لهم وإني والله لا آمركم بشيء إلا وقد بدأت فيه بنفسي وأهل بيتي وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها إلا ما جعل الله لنبيه فإنه انتخبه وأكرمه وإني لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازما
فقال صعصعة قد كذبت قد ولدهم خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة فسجدوا له وكان فيهم البر والفاجر والأحمق والكيس
فخرج تلك الليلة من عندهم ثم أتاهم القابلة فتحدث عنده طويلا ثم قال أيها القوم ردوا خيرا أو اسكتوا وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهاليكم والمسلمين فاطلبوه
فقال صعصعة لست بأهل ذلك ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله فقال أليس أول ما ابتدأتم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعة نبيه وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا قالوا بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي فقال إني آمركم الآن إن كنت فعلت فأتوب إلي الله وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه ولزوم الجماعة وأن توقروا أئمتكم وتدلوهم علي أحسن ما قدرتم عليه فقال صعصعة فإنا نأمرك أن تعتزل عملك فإن في المسلمين من هو أحق به منك من كان أبوه أحسن قدما في الإسلام من أبيك وهو أحسن في الإسلام قدما منك فقال والله إن لي في الإسلام قدما ولغيري كان أحسن قدما مني ولكنه ليس في زماني أحد أقوي علي ما أنا فيه مني ولقد رأي ذلك عمر بن الخطاب فلو كان غيري أقوي مني لم تكن عند عمر هوادة لي ولا لغيري ولم أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي ولو رأي ذلك أمير المؤمنين لكتب إلي فاعتزلت عمله فمهلا فإن في ذلك وأشباهه ما يتمني الشيطان ويأمر ولعمري لو كانت الأمور تقضي علي رأيكم وأمانيكم ما استقامت لأهل الإسلام يوما ولا ليلة فعاودوا الخير وقولوه وإن لله لسطوات وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن فيحلكم ذلك دار الهوان في العاجل والآجل
فوثبوا عليه وأخذوا رأسه ولحيته
فقال مه هذه ليست بأرض الكوفة والله لو رأي أهل الشام ما صنعتم بي ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضا
ثم قام من عندهم وكتب إلي عثمان نحو الكتاب المتقدم فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلي سعيد بن العاص بالكوفة فردهم فأطلقوا ألسنتهم فضج سعيد منهم إلي عثمان فكتب إليه عثمان أن يسيرهم إلي عبد الرحمن بن خالد بحمص فسيرهم إليه فأنزلهم عبد الرحمن وأجري عليهم رزقا وكانوا الأشتر وثابت بن قيس الهمداني وكميل بن زياد وزيد بن صوحان وأخاه صعصعة وجندب بن زهير الغامدي وجندب بن كعب الأزدي وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعي وابن الكواء
قيل سأل معاوية ابن الكواء عن نفسه فقال أنت بعيد الثرى كثير المرعى طيب البديهة بعيد الغوري الغالب عليك الحلم ركن من أركان الإسلام سدت بك فرجة مخوفة
قال فأخبرني عن أهل الأحداث من الأمصار فإنك أعقل أصحابك قال أما أهل المدينة فهم أحرص الأمة علي الشر وأعجزهم عنه وأما أهل الكوفة فإنهم يردون جميعا ويصدرون شتي وأما أهل مصر فهم أوفي الناس بشر وأسرعهم ندامة وأما أهل الشام فهم أطوع الناس لمرشدهم وأعصاهم لمغويهم
ذكر تسيير من سير من أهل البصرة إلي الشام
ص 35
ولما مضت ثلاث سنين من إمارة عبد الله بن عامر بل أن رجلا نزل علي حكيم بن جبلة العبدي وكان عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء هو الرجل النازل عليه واجتمع إليه نفر فطرح إليهم ابن السوداء ولم يصرح فقبلوا منه فأرسل إليه ابن عامر فسأله من أنت
فقال رجل من أهل الكتاب رغبت في الإسلام وفي جوارك فقال ما يبلغني ذلك اخرج عني
فخرج حتى أتي الكوفة فأخرج منها فقصد مصر فاستقربها وجعل يكاتبهم ويكاتبونه وتختلف الرجال بينهم
وكان أحمر بن أبان قد تزوج امرأة في عدتها ففرق عثمان بينهما وضربه وسيره إلي البصرة فلزم ابن عامر فتذاكروا يوما المرور بعامر بن عبد القيس فقال حمران ألا أسبقكم فأخبره
فخرج فدخل عليه وهو يقرأ في المصحف فقال الأمير يريد المرور بك فأحببت أن أعلمك فلم يقطع قراءته فقام من عنده فلما انتهي إلي الباب لقيه ابن عامر فقال إنه لا يري لآل إبراهيم عليه فضلا
ودخل عليه ابن عامر فأطبق المصحف وحدثه فقال له ابن عامر ألا تغشانا
فقال سعد بن أبي القرحاء يحب الشرف فقال ألا نستعملك فقال حصين بن الحر يحب العمل فقال ألا نزوجك فقال ربيعة بن عسل يعجبه النساء فقال إن هذا يزعم أنك لا تري لآل إبراهيم عليك فضلا
ففتح المصحف فكان أول ما وقع عليه إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين
فسعي حمران وأقام بالبصرة ما شاء الله وأذن له عثمان فقدم المدينة ومعه قوم فسعوا بعامر بن عبد القيس أنه لا يري التزويج ولا يأكل اللحم ولا يشهد الجمعة
فألحقه بمعاوية فلما قدم عليه رأي عنده ثريدا فأكل أكلا عربيا فعرف أن الرجل مكذوب عليه فعرفه معاوية سبب إخراجه فقال أما الجمعة فإني أشهدها في مؤخر المجلس ثم أرجع في أوائل الناس وأما التزويج فإني خرجت وأنا يخطب علي وأما اللحم فقد رأيت ولكني لا آكل ذبائح القصابين منذ رأيت قصابا يجر شاة إلي مذبحها ثم وضع السكين علي حلقها فما زال يقول النفاق النفاق حتى ذبحها قال فارجع قال لا أرجع إلي بلد استحل أهله مني ما استحلوا فكان يكون في السواحل فكان يلقي معاوية فيكثر معاوية أن يقول ما حاجتك فيقول لا حاجة لي فلما أكثر عليه قال ترد علي من حر البصرة شيئا لعل الصوم أن يشتد علي فإنه يخف علي في بلادكم