ذكر مسير مسلم لحصار ابن الزبير وموته
ص 461
فلما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها شخص بمن معه نحو مكة يريد ابن الزبير ومن معه واستخلف علي المدينة روح بن زنباع الجذامي وقيل استخلف عمرو بن مخرمة الأشجعي فلما انتهي إلي المسلل نزل به الموت وقيل بثينة هرشي فلما حضره الموت أحضر الحصين بن نمير وقال له يا ابن برذعة الحمار لو كان الأمر إلي ما وليتك هذا الجند ولكن أمير المؤمنين ولاك بعدي خذ عني أربعا أسرع السير وعجل المناجزة وعم الأخبار ولا تمكن قريشا من أذنك ثم قال اللهم إني لم أعمل قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله عملا أحب إلي من قتلي أهل المدينة ولا أرجي عندي في الآخرة فلما مات سار الحصين بالناس فقدم مكة لأربع بقين من المحرم سن أربع وستين وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير واجتمعوا عليه ولحق به المنهزمون من أهل المدينة وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في الناس من الخوارج يمنعون البيت وخرج ابن الزبير إلي لقاء أهل الشام ومعه أخوه المنذر فبارز رجلا من أهل الشام فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة مات منها ثم حمل أهل الشام عليهم حملة انكشفت منها أصحاب عبد الله وعثرت بغلة عبد الله فقال تعسا ثم نزل فصاح بأصحابه إلي فأقبل إليه المسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف فقاتلا حتى قتلا جميعا وضاربهم ابن الزبير إلي الليل ثم انصرفوا عنه هذا في الحصر الأول ثم أقاموا عليه يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين رموا بالبيت بالمجانيق وحرقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون
( خطارة مثل الفنيق المزبد % نومي بها أعواد هذا المسجد )
وقيل إن الكعبة احترقت من نار كان يوقدها أصحاب عبد الله حول الكعبة وأقبلت شرارة هبت بها الريح فاحترقت ثياب الكعبة واحترق خشب البيت والأول أصح لأن البخاري قد ذكر في صحيحه ان ابن الزبير ترك الكعبة ليراها الناس محترقة يحرضهم علي أهل الشام وأقام أهل الشام يحاصرون ابن الزبير حتى بلغهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر
ذكر وفاة يزيد بن معاوية
ص 462
وفي هذه السنة توفي يزيد بن معاوية بحوارين من أرض الشام لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول وهو ابن ثمان وثلاثين سنة في قول بعضهم وقيل تسع وثلاثين وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر وقيل ثمانية أشهر وقيل توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وستين وكان عمره خمسا وثلاثين سنة وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر والأول أصح وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف الكلبية وكان له من الولد معاوية وكنيته أبو عبد الرحمن وأبو ليلي وهو الذي ولي بعده وخالد ويكني أبا هاشم يقال إنه أصاب علم الكيمياء ولا يصح ذلك لأحد وأبو سفيان وأمهم أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة تزوجها بعده مروان بن الحكم وله أيضا عبد الله بن يزيد كان أرمي العرب وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر وهو الأسوار وعبد الله الأصغر وعمر وأبو بكر وعتبة وحرب وعبد الرحمن ومحمد لأمهات شتي
ذكر بعض سيرته وأخباره
ص 464
قال محمد بن عبيد الله بن عمرو العتبي نظر معاوية ومعه امرأته ابنة قرظة إلي يزيد وأمه ترجلة فلما فرغت منه قبلته بين عينيه فقالت ابنة قرظة لعن الله سواد ساقي أمك فقال معاوية أما والله لما تفرجت عنه وركاها خير مما تفرجت عنه وركاك وكان لمعاوية من ابنة قرظة عبد الله وكان أحمق فقالت لا والله ولكنك تؤثر هذا عليه فقال سوف أبين لك ذلك فأمر فدعي له عبد الله فلما حضر قال أي بني إني أردت أن أعطيك ما أنت أهله ولست بسائل شيئا إلا أجبتك له فقال حاجتي أن تشتري كلبا فارها وحمارا فقال أي بني أنت حمار واشتري لك حمار قم فاخرج ثم أحضر يزيد وقال له مثل قوله لأخيه فخر ساجدا ثم قال حين رفع رأسه الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة وأراه في هذا الرأي حاجتي أن تعتقني من النار لأن من ولي أمر الأمة ثلاثة أيام اعتقه الله من النار فتعقد لي العهد بعدك وتوليني العام الصائفة وتأذن لي في الحج إذا رجعت وتوليني الموسم وتزيد لأهل الشام كل رجل عشرة دنانير وتفرض لأيتام بني جمح وبني سهم وبني عدي لأنهم حلفائي فقال معاوية قد فعلت وقبل وجهه فقال لامرأته ابنة قرظة كيف رأيت قالت أرصه به يا أمير المؤمنين ففعل وقال عمر بن سبيئة حج يزيد في حياة أبيه فلما بلغ المدينة جلس علي شراب له فاستأذن عليه أبن عباس والحسين فقيل له ان ابن عباس إو وجد ريح الشراب مع الطيب فقال لله در طيبك ما أطيبه فما هذا قال هو طيب يصنع بالشام ثم دعا بقدح فشربه ثم دعا بآخر فقال أسق أبا عبد الله فقال له الحسين عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني فقال يزيد
( ألا يا صاح للعجب % دعوتك ذا ولم تجب )
( إلي الفتيات والشهوا % ت والصهباء والطرب )
( وباطية مكللة % عليها سادة العرب )
( وفيهن التي تبلت % فؤادك ثم لم تتب )
فنهض الحسين وقال بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت وقال شقيق بن سلمة لما قتل الحسين ثار عبد الله بن الزبير فدعا ابن عباس إلي بيعته فامتنع وظن يزيد أن امتناعه تمسك منه ببيعته فكتب إليه أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلي بيعته وأنك اعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا فجزاك الله منذي رحم خير ما يجزي المواصلين لأرحامهم الموفين بعهودهم فما أنسي من الأشياء فلست بناس برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل فانظر من طلع عليك من الآفاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه فأعلمهم بحاله فإنهم منك أسمع الناس ولك أطوع منهم للمحل
فكتب إليه ابن عباس أما بعد فقد جاءني كتابك فأما تركي بيعة ابن الزبير فوالله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك ولكن الله بالذي أنوي عليم وزعمت أنك لست بناس بري فاحبس أيها الانسان برك عني فإني حابس عنك بري وسألت أن أحبب الناس إليك وأبغضهم وأخذلهم لابن الزبير فلا ولا سرور ولا كرامة كيف وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدي ونجوم الأعلام غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرملين بالدماء مسلوبين بالعراء مقتولين بالظماء لا مكفنين ولا مسودين تسفي عليهم الرياح وينشي بهم عرج البطاح حتى أتاح الله بقوم لم يشركوا في دمائهم كفنوهم وأجنوهم وبي وبهم لو عززت وجلست مجلسك الذي جلست فما أنسي من الأشياء فلست بناس اطرادك حسينا من حرم رسول الله إلي حرم الله وتسييرك الخيول إليه فما زلت بذلك حتى أشخصته إلي العراق فخرج خائفا يترقب فنزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته اللذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته وتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك والكفر فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثاري ولا يعجبك ان ظفرت بنا اليوم فلنظفرن بك يوما والسلام
قال الشريف أبو يعلي حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر العلوي وقد جري عنده ذكر يزيد أنا لا أكفر يزيد لقول رسول الله إني سألت الله أن لا يسلط علي بني أحدا من غيرهم فأعطاني ذلك
ذكر بيعة معاوية بن يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير
ص 466
في هذه السنة بويع لمعاوية بن يزيد بالخلافة بالشام ولعبد الله بن الزبير بالحجاز ولما هلك يزيد بلغ الخبر عبد الله بن الزبير بمكة قبل أن يعلم الحصين بن نمير ومن معه من عسكر الشام وكان الحصار قد اشتد من الشاميين علي ابن الزبير فناداهم ابن الزبير وأهل مكة علام تقاتلون وقد هلك طاغيتكم فلم يصدقوهم فلما بلغ الحصين خبر موته بعث إلي ابن الزبير فقال موعد ما بيننا الليلة الأبطح فالتقيا وتحادثا فراث فرس الحصين فجاء حمام الحرم يلتقط روث الفرس فكف الحصين فرسه عنهم وقال أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم فقال ابن الزبير تتحرجون من هذا وأنتم تقتلون المسلمين في الحرم فكان فيما قال له الحصين أنت أحق بهذا الأمر هلم فلنبايعك ثم اخرج معنا إلي الشام فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه الشام وفرسانهم فوالله لا يختلف عليك اثنان وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك وبين أهل الحرم فقال له أنا لا أهدر الدماء والله لا أرضي أن أقتل بكل رجل منهم عشرة منكم وأخذ الحصين يكلمه سرا وهو يجهر ويقول والله لا أفعل فقال له الحصين قبح الله من يعدك بعد ذاهبا وآيبا قد كنت أظن أن لك رأيا وأنا أكلمك سرا وتكلمني جهرا وأدعوك إلي الخلافة وأنت لا تريد إلا القتل والهلكة ثم فارقه ورحل هو وأصحابه نحو المدينة وندم ابن الزبير علي ما صنع فأرسل إليه أما المسير الي الشام فلا أفعله ولكن بايعوا لي هناك فإني مؤمنكم وعادل فيكم فقال الحصين إن لم تقدم بنفسك لا يتم الأمر فإن هناك ناسا من بني أمية يطلبون هذا الأمر
ثم سار الحصين إلي المدينة فاجترأ أهل المدينة علي أهل الشام فكان لا ينفرد منهم أحد إلا أخذت دابته فلم يتفرقوا وخرج معهم بنو أمية من المدينة إلي الشام ولو خرج معهم ابن الزبير لم يختلف عليه أحد فوصل أهل الشام دمشق وقد بويع معاوية بن يزيد فلم يمكث إلا ثلاثة أشهر حتى هلك وقيل بل ملك أربعين يوما ومات وعمره احدى وعشرون سنة وثمانية عشر يوما ولما كان في آخر امارته أمر فنودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس فحمد الله وأثني عليه ثم قال أما بعد فإني ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم فأنتم أولي بأمركم فاختاروا له من أحببتم ثم دخل منزله وتغيب حتى مات وقيل إنه مات مسموما وصلي عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ثم أصابه الطاعون من يومه فمات أيضا وقيل لم يمت وكان معاوية أوصي أن يصلي الضحاك بن قيس بالناس حتى يقوم لهم خليفة وقيل لمعاوية لو استخلفت فقال لا أتزود مرارتها واترك لبني أمية حلاوتها
ذكر حال ابن زياد بعد موت يزيد
ص 467
لما مات يزيد وأتي الخبر عبيد الله بن زياد مع مولاه حمران وكان رسوله إلي معاوية بن أبي سفيان ثم إلي يزيد بعده فلما أتاه الخبر أسره إليه وأخبره باختلاف الناس في الشام فأمر فنودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس وصعد المنبر فنعي يزيد وثلبه فقال الأحنف انه قد كانت ليزيد في أعناقنا بيعة ويقال في المثل أعرض عن ذي فترة فأعرض عنه عبيد الله وقال يا أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم ودارنا فيكم ومولدي فيكم ولقد وليتكم وما يحصي ديوان مقاتليكم إلا سبعين ألفا ولقد أحصي اليوم مائة ألف وما كان يحصي ديوان عمالكم إلا تسعين ألفا ولقد أحصي اليوم مائة وأربعين ألفا وما تركت لكم قاطبة من أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم وإن يزيد قد توفي وقد اختلف الناس بالشام وأنتم اليوم أكثر الناس عددا وأعرضهم فناء وأغني عن الناس وأوسعهم بلادا فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم وجماعتكم فانا أول راض من رضيتموه فإن اجتمع أهل الشام علي رجل ترضونه لدينكم وجماعتكم دخلتم فيما دخل فيه المسلمون وإن كرهتم ذلك كنتم علي أحد يليكم حتى تقضوا حاجتكم فما بكم إلي أحد من أهل البلدان حاجة ولا يستغني الناس عنكم فقام خطباء أهل البصرة وقالوا قد سمعنا مقالتك وما نعلم أحدا أقوي عليها منك فهلم فلنبايعك فقال لا حاجة لي في ذلك فكرروا عليه فأبي عليهم ثلاثا ثم بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا ومسحوا أيديهم بالحيطان وقالوا أيظن ابن مرجانة اننا ننقاد له في الجماعة والفرقة
فلما بايعوه أرسل إلي أهل الكوفة مع عمرو بن مسمع وسعد بن القرحاء التميمي يعلمهم ما صنع أهل البصرة ويدعوهم إلي البيعة له فلما وصلا إلي الكوفة وكان خليفته عليها عمرو بن حريث جمع الناس وقام الرسولان فخطبا أهل الكوفة وذكرا لهم ذلك فقال يزيد بن الحرث بن يزيد الشيباني وهو ابن رويم فقال الحمد لله الذي أراحنا من ابن سمية أنحن نبايعه لا ولا كرامة وحصبهما أول الناس ثم حصبهما الناس بعده فشرفت تلك الفعلة يزيد بن رويم في الكوفة ورفعته ورجع الرسولان إلي البصرة فأعلماه الحال فقال أهل البصرة أيخلعه أهل الكوفة ونوليه نحن فضعف سلطانه عندهم فكان يأمر بالأمر فلا يقضي ويري الرأي فيرد عليه ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه ثم جاء إلي البصرة سلمة بن ذؤيب الحنظلي التميمي فوقف في السوق وبيده لواء وقال أيها الناس هلموا إلي إني أدعوكم إلي ما لم يدعكم إليه أحد أدعوكم إلي العائذ بالحرم يعني عبد الله بن الزبير فاجتمع إليه ناس وجعلوا يصفقون علي يديه يبايعونه فبلغ الخبر ابن زياد فجمع الناس فخطبهم وذكر لهم أمره معهم وأنه دعاهم إلي من يرتضونه فبايعه منهم أهل البصرة وأنهم أبوا غيره وقال إني بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار وقلتم ما قلتم وإني آمر بالأمر فلا ينفذ ويرد علي رأيي ويحال بين أعواني وبين طلبتي ثم إن هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلي الخلاف عليكم ليفرق جماعتكم ويضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف فقال الأحنف والناس نحن نأتيك بسلمة فأتوه بسلمة فإذا جمعه قد كثف والفتق قد اتسع فلما رأوا ذلك قعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه فدعا عبيد الله رؤساء محاربة السلطان وأرادهم ليقاتلوا معه قالوا إن أمرنا قوادنا فعلنا فقال له إخوته ما لنا خليفة فنقاتل عنه فإن هزمت رجعت إليه فأمدك ولعل الحرب تكون عليك وقد اتخذنا بين هؤلاء القوم أموالا فإن ظفروا بنا أهلكونا وأهلكوها فلم تبق لك بقية
فلما رأى ذلك أرسل إلى الحرث بن قيس بن صهباء الجهضمي الأزدي فأحضره وقال له يا حرث إن أبي أوصاني أني إن احتجت إلى العرب يوما أن اختاركم فقال الحرث إن قومي قد اختبروا أباك فلم يجدوا عنده مكانا ولا عندك مكافأة ولا أردك إذا اخترتنا ما أدري كيف أماني لك إن أخرجتك نهارا أخاف أن تقتل وأقتل ولكني أقيم معك إلى الليل ثم أردفك خلفي لئلا تعرف فقال عبيد الله نعم ما رأيت فأقام عنده فلما كانالليل حمله خلفه وكانفي بيت المال تسعة عشر ألف ألف ففرق ابن زياد بعضها في موإلى ه وادخر الباقي لآل زياد وسار الحرث بعبيد الله بن زياد فكان يمر به على الناس وهم يتحارسون مخافة الحرورية وعبيد الله يسأله أين نحن والحرث يخبره فلما كانوا في بني سليم قال أين نحن قال في بني سليم فقال سلمنا إن شاء الله فلما أتي بني ناجية قال أين نحن قال فى بنى ناجية قال نجونا إن شاء الله فقال بنو ناجية من أنت قال الحرث بن قيس وكان يعرف رجل منهم عبيد الله فقال ابن مرجانه وأرسل سهما فوقع فى عمامته ومضي به الحرث فانزلة فى داره نفسه فى الجهاضم فقال له ابن زياد يا حرث إنك أحسنت فاصنع ما أشير به عليك قد علمت منزلة مسعود بن عمرو فى قومة وشرفه وسنة وطاعة قومه له فهل لك أن تذهب بي إلى ه فأكون فى داره فهي فى وسط الأزد فإنك إن لم تفعل فرق عليك أمر قومك فأخذه الحرث ودخلا على مسعود ولم يشعر وهو جالس يصلح خفا له فلما رآهما عرفهما فقال للحرث أعوذ باللة من شر ما طرقتني به قال ما طرقتك إلا بخير قد علمت ان قومك أنجوا زيادا ووفوا له فصارت مكرمة يفتخرون بها على العرب وقد بايعتم عبيد الله بيعة الرضي من مشورة وبيعة أخري قبل هذه يعنى بيعة الجماعة فقال مسعود أتري لنا أن نعادي أهل مصرنا فى عبيد الله ولم نجد من أبيه مكافاة ولا شكرا فيما صنعنا معه فقال الحرث إنه لا يعاديك أحد على الوفاء على بيعتك حتى تبلغه مأمنه أفتخرجه من بيتك بعدما دخله عليك فأمره مسعود فدخل بيت أخيه عبد الغافر بن عمرو
ثم ركب مسعود من ليلته ومعة الحرث وجماعة من قومه فطافوا فى الأزد فقالوا إن ابن زياد فقد وإنا لا نأمن إن تلطخوا به فاصبحوا فى السلاح وفقد الناس ابن زياد فقالوا ما هو إلا فى الأزد وقيل إن الحرث لم يكلم مسعودا بل أمر عبيد الله فحمل معه مائة ألف وأتي بها أم بسطام امرأة مسعود وهى بنت عمرو بن الحرث ومعه عبيد الله فاستأذن عليها فأذنت له فقال لها قد أتيتك بأمر تسودين به نساء العرب وتتعجلين به الغنى وأخبرها الخبر وأمرها أن تدخل ابن زياد البيت وتلبسيه ثوبا من ثياب مسعود ففعلت فلما جاء مسعود أخذ برأسها يضربها فخرج عبيد الله والحرث عليه وقال له قد أجارتني وهذا ثوبك علي وطعامك فى بطني وشهد الحرث وتلطفوا به حتى رضي فلم يزل ابن زياد فى بيته حتي قتل مسعود فسار إلى الشام ولما فقد ابن زياد بقى أهل البصرة في غير أمير فاختلفوا فيمن يؤمرون عليهم ثم تراضوا بقيس بن الهيثم السلمي وبالنعمان بن سفيان الراسبي الحرمي ليختارا من يرضيان لهم وكان رأي قيس فى بني أمية ورأي النعمان فى بنى هاشم فقال النعمان ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من فلان لرجل من بنى أمية وقيل بل ذكر له عبد الله بن الأسود الزهري وكان هوى قيس فيه وإنما قال النعمان ذلك خديعة ومكرا بقيس فقال قيس قد قلدتك أمري ورضيت من رضيت ثم خرجا إلى الناس فقال قيس قد رضيت من رضي النعمان
ذكر ولاية عبد الله بن الحرث البصرة
ص 470
لما اتفق قيس والنعمان ورضي قيس بمن يؤمره النعمان أشهد عليه النعمان بذلك وأخذ على قيس وعلى الناس العهود بالرضا ثم أتى عبد الله بن الأسود وأخذ بيده واشترط عليه حتى ظن الناس أنه بايعه ثم تركه وأخذ بيده واشترط عليه حتى ظن الناس إنه بايعه ثم تركه وأخذ بيد عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب الملقب بببة واشترط عليه مثل ذلك ثم حمد الله وأثني عليه وذكر النبي وحق أهل بيته وقرابته وقال أيها الناس ما تنقمون من رجل من بنى عم نبيكم وأمة هند بنت أبي سفيان فقد كان الأمر فيهم فهو ابن أختكم ثم أخذ بيده وقال رضيت لكم به فنادوه قد رضينا وبايعوه وأقبلوا به إلى دار الإمارة حتى نزلها وذلك أول جمادي الآخرة سنة أربع وستين وقال الفرزدق فى بيعته
( وبايعت أقواما وفيت بعهدهم % وببة قد بايعته غير نادم )
ذكر هرب ابن زياد إلى الشام
ص 470
ثم إن الأزد وربيعة جددوا الحلف الذي كان بينهم وبين الجماعة وأنفق ابن زياد مالا كثيرا فيهم حتى تم الحلف وكتبوا بذلك بينهم كتابين فكان أحدهما عند مسعود بن عمرو فلما سمع الأحنف أن الأزد طلبت إلى ربيعة ذلك قال لا يزالون لهم اتباعا إذا أتوهم فلما تحالفوا اتفقوا على أن يردوا ابن زياد إلى دار إلامارة فساروا ورئيسهم مسعود بن عمرو وقالوا لابن زياد سر معنا فلم يفعل وأرسل معه موإلى ه على الخيل وقال لهم لا تتحدثوا بخير ولا بشر إلا أتيتموني به فجعل مسعود لا يأتي سكة ولا يتجاوز قبيلة إلا أتي بعض أولئك الغلمإن ابن زياد بالخبر وسارت ربيعة وعليهم مالك بن مسمع فأخذوا سكة المربد وجاء مسعود فدخل المسجد فصعد المنبر وعبدالله بن الحرث فى دار إلامارة فقيل له إن مسعودا وأهل إلى من وربيعة قد ساروا وسيهيج بين الناس شر فلو أصلحت بينهم وركبت فى بني تميم فقال أبعدهم الله لا والله لا أفسد نفسي فى اصلاحهم وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول
( لإنكحن ببه % جارية فى قبه % تمشط رأس لعبه )
هذا قول الأزد وأما مضر فيقولون إن أمة كانت ترقصه وتقول هذا
وصعد مسعود المنبر وسار مالك بن مسمع نحو دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدوية فحرق دورهم لما فى نفسه لاستعراض ابن خازم ربيعة بهراة وجاء بنو تميم إلى الأحنف فقالوا يا أبا بحر إن ربيعة والأزد قد تحالفوا وقد ساروا إلى الرحبة فدخلوها فقال لستم بأحق بالمسجد منهم فقالوا قد دخلوا الدار فقال لستم بأحق بالدار منهم فأتته امرأة بمجمر وقالت له مالك وللرياسة إنما أنت امراة تتجمر فقال است امرأه أحق بالمجمر منك فما سمع منه كلمة أسوأ منها ثم أتوه فقالوا إن امرأة منا قد نزعت خلخالها وقد قفلوا الضياع الذى على طريقك وقفلوا المقعد الذي على باب المسجد وقد دخل مالك بن مسمع سكة بني العدوية فحرق فقال الأحنف أقيموا البينة على هذا ففى دون هذا ما يحل قتالهم فشهدوا عنده على ذلك فقال الأحنف أجاء عباد بن الحصين قالوا لاوهو عباد بن الحصين بن يزيد بن عمرو بن أوس من بني عمرو بن تميم ثم قال أجاء عباد قالوا لا قال أههنا عبس بن طلق بن ربيعة الصريمي من بنى سعد بن زيد مناه بن تميم قالوا نعم فدعاه فانتزع معجرا فى رأسه فعقده فى رمح ثم دفعة إلى ه وقال سر فلما ولي قال اللهم إن لم تخزها إلى وم فإنك لم تخزها فيما مضي وصاح الناس هاجت زبرا وهي أمة الأحنف كنوا بها عنه فسار عبس إلى المسجد فلما سار عبس جاء عباد فقال ما صنع الناس فقيل سار بهم عبس فقال لا أسير تحت لواء عبس وعاد إلى بيته ومعه ستون فارسا فلما وصل عبس إلى المسجد قاتل الأزد على أبوابه ومسعود على المنبر يحضض الناس فقاتل غطفان بن أنيف التميمي وهو يقول
( يال تميم إنها مذكورة % إن فات مسعود بها مشهوره % فاستمسكوا بجانب المقصورة )
أي لا يهرب فيفوت وأتوا مسعودا وهو على المنبر فاستنزلوه وقتلوه وذلك أول شوال سنة أربع وستين وانهزم أصحابه وهرب أشيم بن شقيق بن ثور فطعنه أحدهم فنجا بها فقال الفرزدق
( لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا % وأخطأ الباب إذ نيراننا تقد )
( إذا لصاحب مسعودا وصاحبه % وقد تهافتت الأعفاج والكبد )
ولما صعد مسعود المنبر أتي ابن زياد فقيل له ذلك فتهيأ ليجيء إلى دار إلامارة فأتوه وقالوا له إنه قتل مسعود فركب ولحق بالشام فأما مالك بن مسمع فأتاه ناس من مضر فحضروه فى داره وحرقوا داره ولما هرب ابن زياد تبعوه فاعجزهم فنهبوا ما وجدوا له وفى ذلك يقول واقد بن خليفة التميمي
( يارب جبار شديد كلبه % قد صار فينا تاجه وسلبه )
( منهم عبيد الله يوم نسلبه % جياده وبزه وننهبه )
( يوم التقي مقنبناومقنبه % لو لم ينج ابن زياد هربه )
وقد قيل فى قتل مسعود ومسير ابن زياد غير ما تقدم وهو إنه لما استجار ابن زياد بمسعود بن عمرو وأجاره ثم سار ابن زياد إلى الشام وأرسل معه مسعود مائة من الأزد عليهم قرة بن عمرو بن قيس حتى قدموا به إلى الشام فبينما هو يسير ذات ليلة قال قد ثقل على ركوب إلابل فوطئوا لي على ذي حافر فجعلوا له قطيفة على حمار فركبة ثم سار وسكت طويلا قال مسافر بن شريح إلى شكري فقلت فى نفسي لئن كان نائما لأوقظن عليه نومه فقلت أنائم أنت قال لا كنت أحدث نفسي قلت أفلا أحدثك بما كنت تحدث به نفسك قال هات قلت كنت تقول ليتني كنت لم أقتل حسينا قال وماذا قلت تقول ليتني لم أكن قتلت من قتلت قال وماذا قلت تقول ليتني لم أكن لمست البيضاء قال وماذا قلت تقول ليتني لم أكن استعملت الدهاقين قال وماذا قلت تقول ليتني كنت أسخي مما كنت قال والله ما نطقت بصواب ولا سكت عن خطأ أما قتلي الحسين فإنه أشار علي يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبداللة بن عثمان الثقفي وأرسل إلى يزيد بألف ألف فإنفقتها عليها فإن بقيت فلأهلي وإن هلكت لم آس عليها وأما استعمال الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة أراد إن يروج فوقع فى عند معاوية وبلغ خراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية بين العزل والضمان فكرهت العزل فكنت إذا استعملت العربي كسر الخراج فإن اغرمت عشيرته أو طالبته أوغرت صدورهم وإن تركته تركت مال الله و وأنا أعرف مكانه فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفي بالأمانة وأهون بالمطالبة منكم مع إني قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحدا وأما قولك فى السخاء فما كان لى مال فأجود به عليكم ولو شئت لأخذت بعض ما لكم فخصصت به بعضكم دون بعض فيقولون ما أسخاه وأما قولك ليتني لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد كلمة إلاخلاص عملا هو أقرب إلى الله عندي من قتل من قتلت من الخوارح ولكني سأخبرك بما حدثت به نفسي قلت ليتني كنت قاتلت أهل البصرة فإنهم بايعوني طائعين ولقد حرصت على ذلك ولكن بني زياد قالوا إن قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحدا وإن تركتهم يغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره فرفقت بهم وكنت أقول ليتني أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم وأما إذ فاتت هاتان فليتني أقدم الشام ولم يبرموا أمرا قال فقدم الشام ولم يبرموا أمرا فكان معه صبيان وقيل بل قدم وقد أبرموا فنقض عليهم ما أبرموا فلما سار من البصرة استخلف مسعودا عليها فقال بنو تميم وقيس لا نرضي به ولا نولي إلا رجلا ترضاه جماعتنا فقال مسعود قد استخلفني ولا أدع ذلك أبدا وخرج حتي انتهي إلى القصر ودخله واجتمعت تميم إلى الأحنف فقالوا له إن الأزد قد دخلوا المسجد قال إنما هو لهم ولكم قالوا قد دخلوا القصر وصعد مسعود المنبر وكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا نهر إلاساورة حين خرج عبيد الله إلى الشام فزعم الناس إن الأحنف بعث إلى هم إن هذا الرجل الذي قد دخل القصر هو لنا ولكم عدو فما يمنعكم عنه إن تبدؤوا به فجاءت عصابه منهم حتى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه فرماه علج يقال له مسلم من أهل فارس دخل البصرة فأسلم ثم دخل فى الخوارج فأصاب قلبه فقتله فقال الناس قتله الخوارج فخرجت الأزد إلى تلك الخوارج فقتلوا منهم وجرحوا فطردوهم عن البصرة ثم قيل للأزد إن تميما قتلوا مسعودا فأرسلوا يسألون فإذا ناس من تميم تقوله فاجتمعت الأزد عند ذلك فرأسوا عليهم زياد بن عمرو أخا مسعود بن عمرو ومعهم مالك بن مسمع فى ربيعة
وجاءت تميم إلى الأحنف يقولون قد خرج القوم وهو يتمكث لا يخف للفتنة فجاءته امرأة بمجمر فقالت اجلس على هذا أي إنما أنت امرأة فخرج الأحنف فى بني تميم ومعهم من بالبصرة من قيس فالتقوا فقتل بينهم قتلي كثيرة فقال لهم بنو تميم الله الله يا معشر الأزد فى دمائنا ودمائكم بيننا وبينكم القران ومن شئتم من أهل إلاسلام فإن كان لكم علينا بينة فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه وإن لم تكن لكم بينة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم له قاتلا وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندي صاحبكم بمائة ألف درهم وأتاهم الأحنف واعتذر إلى هم مما قيل وسفر بهم عمر بن عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام فطلبوا عشر ديات فأجابهم إلى ذلك واصطلحوا عليه وأما عبدالله بن الحرث ببه فإنه أقام يصلي بينهم حتى قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر أميرا من قبل ابن الزبير وقيل بل كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة فأتاه الكتاب وهو متوجه إلى العمرة فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره إن يصلي بالناس فصلي بهم حتي قدم عمر فبقي عمر أميرا شهرا حتي قدم الحرث بن عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي بعزله ووليها الحرث وهو القباع وقيل اعتزل عبيد الله بن الحرث ببه أهل البصرة بعد قتل مسعود بسبب العصبية وانتشار الخوارج فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير فكتب ابن الزبير إلى أنس بن مالك يأمرة إن يصلي بالناس فصلي بهم أربعين يوما وكان عبيد الله بن الحرث يقول ما أحب أن أصلح الناس بفساد نفسي وكان يتدين وفى أيامة سار نافع بن الأزرق إلى الأهواز من البصرة
وأما أهل الكوفة فإنهم لما ردوا رسل ابن زياد على ما ذكرناه قبل عزلوا خليفته عليهم وهو عمرو بن حريث واجتمع الناس وقالوا نؤمر علينا رجلا إلى أن يجتمع الناس على خليفة فاجتمعوا على عمر بن سعد فجاءت نساء همدان يبكين الحسين ورجالهم متقلدو السيوف فأطافوا بالمنبر فقال محمد بن إلاشعث جاء أمر غير ما كنا فيه وكانت كندة تقوم بأمر عمر بن سعد لأنهم أخواله فاجتمعوا على عامر بن مسعود ابن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة الجمحي فخطب أهل الكوفة فقال إن لكل قوم اشربه ولذات فاطلبوها فى مظانها وعليكم بما يحل ويحمد واكسروا شرابكم بالماء وتواروا عني بهذه الجدران فقال ابن همام
( اشرب شرابك وانعم غير محسود % واكسره بالماء لا تعص ابن مسعود )
( إن الأمير له في الخمر مأربة % فاشرب هنيئا مريئا غير مرصود )
( من ذا يحرم ماء المزن خالطه % في قعر خابية ماء العناقيد )
( إني لأكره تشديد الرواة لنا % فيها ويعجبني قول ابن مسعود )
ولما بايعه أهل الكوفة وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير أقره عليها وكان يلقب دحروجة الجعل وكان قصيرا فمكث ثلاثة اشهر من مهلك يزيد بن معاوية ثم قدم عليهم عبد الله بن يزيد الخطمي الآنصاري على الصلاة وابراهيم بن محمد بن طليحة على الخراج من عند ابن الزبير واستعمل محمد بن الأشعث بن قيس على الموصل فاجتمع لابن الزبير أهل الكوفة والبصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الجزيرة وأهل الشام إلا أهل الاردن فى امارة عمر بن عبيدالله بن معمر و وكان طاعون الجارف بالبصرة فماتت أمة فما وجد لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها
ذكر خلاف أهل الري
ص 475
فى هذه السنة بعد موت يزيد خالف أهل الري وكان عليهم الفرخان الرازي فوجه إلى هم عامر بن مسعود وهو أمير الكوفة محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زارارة بن عدس التميمي فلقيه أهل الري فانهزم محمد فبعث إلى هم عامر عتاب بن ورقاء الرياحي التميمي فاقتتلوا قتإلا شديدا فقتل الفرخان وانهزم المشركون وكان محمد بن عمير هذا مع علي بصفين على تميم الكوفة ثم عاش بعد ذلك فلما ولي الحجاج الكوفة فارقها وسار إلى الشام لكراهته ولاية الحجاج
ذكر بيعة مروان بن الحكم
ص 476
فى هذه السنة بويع مروان بن الحكم بالشام وكان السبب فيها إن ابن الزبير لما بويع له بالخلافة ولي عبيد الله بن الزبير المدينة وعبد الرحمن بن جحدم الفهري مصر وأخرج بني أمية ومروان بن الحكم إلى الشام وعبد الملك بن مروان يومئذ ابن ثمان وعشرين سنة فلما قدم الحصين بن نمير ومن معه إلى الشام أخبر مروان بما كان بينه وبين ابن الزبير وقال له ولبني أمية نراكم فى اختلاط فأقيموا أميركم قبل أن يدخل عليكم شأنكم فتكون فتنة عمياء صماء
وكان من رأي مروان أن يسير إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة فقدم ابن زياد من العراق وبلغه ما يريد مروان أن يفعل فقال له قد استحييت لك من ذلك أنت كبير قريش وسيدها تمضي إلى أبي خبيب فتبايعه يعني ابن الزبير لإنه كان يكنى بابنه خبيب فقال ما فات شيء بعد فقام إلى ه بنو أمية وموإلى هم وتجمع إلى ه أهل إلى من فسار إلى دمشق وهو يقول ما فات شيء بعد فقدم دمشق والضحاك بن قيس قد بايعه أهلها على أن يصلي بهم ويقيم لهم أمرهم حتي يجتمع الناس وهو يدعو إلى ابن الزبير سرا وكان زفر بن الحرث الكلابي بقنسرين يبايع لابن الزبير والنعمان بن البشير بحمص يبايع له أيضا وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين عاملا لمعاوية ولابنه يزيد وهو يريد بني أمية فسار إلى إلاردن واستخلف على فلسطين روح بن زنباع الجذامي فثار ناتل بن قيس بروح فأخرجه من فلسطين وبايع لابن الزبير وكان حسان فى الأردن يدعو إلى بني أمية فقال لأهل الأردن ما شهادتكم على ابن الزبير وقتلي الحرة قالوا نشهد إنه منافق وإن قتلي الحرة فى النار قال فما شهادتكم على يزيد وقتلاكم بالحرة قالوا نشهد أنه على الحق وإن قتلانا فى الجنة قال فأنا أشهد لئن كان يزيد وشيعته على حق إنهم إلى وم على حق ولئن كان ابن الزبير وشيعته على باطل إنهم إلى وم عليه قالوا له صدقت نحن نبايعك على أن نقاتل من خالفك وأطاع ابن الزبير على أن تجنبنا هذين الغلامين يعنون ابني يزيد عبدالله وخالدا فإنا نكره أن يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي
وكتب حسان إلى الضحاك كتابا يعظم فيه حق بني أمية وحسن بلائهم عنده ويذم ابن الزبير وأنه خلع خليفتين وأمره أن يقرأ كتابه على الناس وكتب كتابا آخر وسلمه إلى الرسول واسمه ناغضة وقال له إن قرأ كتابي على الناس وإلا فاقرأ هذا الكتاب عليهم وكتب حسان إلى بني أمية يأمرهم إن يحضروا ذلك فقدم ناغضة فدفع كتاب الضحاك إلى ه وكتاب بني أمية إلى هم فلما كانت الجمعة صعد الضحاك المنبر فقال له ناغضة لتقرأ كتاب حسان علي الناس فقال له الضحاك اجلس فقام إلى ه الثانية والثالثة وهو يقول له اجلس فأخرج ناغضة الكتاب وقرأه على الناس فقال الوليد بن عتبه بن أبي سفيان صدق حسان وكذب ابن الزبير وشتمه وقيل كان الوليد قد مات بعد موت معاوية بن يزيد وقام يزيد بن أبي الغمس الغساني وسفيان بن الأبرد الكلبي فصدقا حسانا وشتما ابن الزبير وقام عمرو بن يزيد الحكمي فشتم حسانا واثني على ابن الزبير فأمر الضحاك بالوليد ويزيد بن أبي الغمس وسفيان فحبسوا وحال الناس ووثبت كلب على عمرو بن يزيد الحكمي فضربوه ومزقوا ثيابه وقام خالد بن يزيد فصعد مرقاتين من المنبر وسكن الناس ونزل الضحاك فصلي الجمعة ودخل القصر فجاءت كلب فأخرجوا سفيان وجاءت غسان فاخرجوا يزيد وجاء خالد بن يزيد وأخوه عبدالله معهما اخوالهما من كلب فأخرجوا الوليد بن عتبه وكان أهل الشام يسمون ذلك إلى وم يوم جيرون إلاول ثم خرج الضحاك إلى المسجد فجلس فيه وذكر يزيد بن معاوية فسبه فقام إلى ه شاب من كلب فضربه بعصا فقام الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا قيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد لإنه ابن أختهم ودخل الضحاك دار إلامارة ولم يخرج من الغد إلى صلاه الفجر وبعث إلى بني أمية فاعتذر إلى هم وإنه لا يريد ما يكرهون وأمرهم أن يكتبوا إلى حسان ويكتب معهم ليسير من الأردن إلى الجابية ويسيروا هم من دمشق فيجتمعوا معه بالجابية ويبايعوا الرجل من بني أمية فرضوا وكتبوا إلى حسان
وسار الضحاك وبنو أمية نحو الجابية فأتاه ثور بن معن السلمي فقال دعوتنا إلى ابن الزبير فبايعناك على ذلك وأنت تسير إلى هذا الأعرابي من كلب تستخلف ابن أخته خالد بن يزيد فقال الضحاك فما الرأي قال الرأي أن تظهر ما كنا نكتم وتدعو إلى ابن الزبير فرجع الضحاك ومن معه من الناس فنزل بمرج راهط ودمشق بيده واجتمع بنو أمية وحسان وغيرهم بالجابية فكان حسان يصلي بهم أربعين يوما والناس يتشاورون وكان مالك بن هبيرة السكوني يهوي خالد بن يزيد والحصين بن نمير يميل إلى مروان فقال مالك للحصين هل نبايع هذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه وقد عرفت منزلتنا من أبيه فإنه يحملنا على رقاب العرب غدا يعني خالدا فقال الحصين لا والله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيها بصبي فقال مالك واللة لئن استخلفت مروان ليحسدك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تستظل بها إن مروان أبو عشيرة وأخو عشيرة فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم ولكن عليكم بابن أختكم فقال الحسين إني رأيت فى المنام قنديلا معلقا من السماء وإن من يلي الخلافة يتناوله فلم ينله أحد إلا مروان والله لنستخلفه وقام روح بن زنباع الجذامي فقال أيها الناس إنكم تذكرون عبدالله بن عمر وصحبته وقدمه فى إلاسلام وهو كما تذكرون ولكنه ضعيف وليس بصاحب أمر أمة محمد الضعيف وتذكرون ابن الزبير وهو كما تذكرون إنه ابن حواري رسول الله ابن ذات النطاقين ولكنه منافق قد خلع خليفتين يزيد وابنه معاوية وسفك الدماء وشق عصا المسلمين وليس المنافق بصاحب أمة محمد وأما مروان بن الحكم فوالله ما كان فى إلاسلام صدع إلا كان ممن يشعبه وهو الذي قاتل على بن أبي طالب يوم الجمل وإنا نري للناس أن يبايعوا الكبير ويستشيروا الصغير يعني بالكبير مروان وبالصغير خالد بن يزيد فاجتمع رأيهم على البيعة لمروان بن الحكم ثم لخالد بن يزيد ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد على إن امرة دمشق لعمرو وإمرة حمص لخالد بن يزيد فدعا حسان خالدا فقال يا ابن أختي إن الناس قد أبوك لحداثة سنك وإني والله ما أريد هذا إلامر إلا لك ولأهل بيتك وما أبايع مروان إلا نظرا لكم فقال خالد بل عجزت عنا قال والله ما عجزت عنكم ولكن الرأي لك ما رأيت ثم بايعوا مروان لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين وقال مروان حين بويع له
( لما رايت الأمرأمرا نهبا % يسرت غسانا لهم وكلبا )
( والسكسكيين رجالا غلبا % وطيئا يأباه إلا ضربا )
( والقين يمشي فى الحديد نكبا % ومن تنوخ مشمخرا صعبا )
( لا يأخذون الملك إلا غصبا % فإن دنت قيس فقل لا قربا ) خبيب بضم الخاء المعجمه وفتح الباء الموحدة وسكون الباء تحتها نقطتان وآخرة باء موحدة
ذكروقعة مرج راهط وقتل الضحاك والنعمان بن بشير
ص 479
ثم إن مروان لما بايعه الناس سار من الجابية إلى مرج راهط وبه الضحاك بن قيس ومعه ألف فارس وكان قد استمد الضحاك النعمان بن بشير وهو على حمص فأمده بشرحبيل بن ذي الكلاع واستمد أيضا زفر بن الحرث وهو على قنسرين فأمده بأهل قنسرين وأمده ناتل بأهل فلسطين فاجتمعوا عنده واجتمع على مروان كلب وغسان والسكاسك والسكون وجعل على ميمنته عمرو بن سعيد وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد وكان يزيد بن أبي الغمس الغساني مختفيا بدمشق لم يشهد الجابيه فغلب على دمشق وأخرج عامل الضحاك بن قيس وغلب على الخزائن وبيت المال وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح فكان أول فتح على بني أمية وتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة واقتتلوا قتالا شديدا فقتل الضحاك قتله دحيه بن عبدالله وقتل معه ثمانون رجلا من أشراف أهل الشام وقتل أهل الشام مقتله عظيمة وقتلت قيس مقتلة لم يقتل مثلها فى موطن قط وكان فيمن قتل هانئ بن قبيصة النميري سيد قومه كان مع الضحاك قتله وازع بن ذؤالة الكلبي فلما سقط جريحا قال
( تعست ابن ذات النوف أجهز على امرئ % يري الموت خيرا من فرار وألزما )
( ولا تتركني بالحشاشة إنني % صبور إذا ما النكس مثلك أحجما ) فعاد إليه وازع فقتله وكانت الوقعة فى المحرم سنة خمس وستين وقيل بل كانت فى آخر سنة أربع وستين ولما رأي مروان رأس الضحاك ساءه ذلك وقال الآن حين كبرت سني ودق عظمي وصرت فى مثل طم الحمار أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض ولما انهزم الناس من المرج لحقوا بأجنادهم فانتهى أهل حمص إلى ها وعليها النعمان بن بشير فلما بلغة الخبر خرج هاربا ليلا ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية وثقله وأولاده فتحير ليلته كلها واصبح أهل حمص فطلبوه وكان الذي طلبه عمرو بن الجلي الكلاعي فقتله ورد أهله والرأس معه وجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها معها ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين هرب منها فلحق بقرقيسيا وعليها عياض الحرسي كان يزيد ولاه إياها فطلب منه أن يدخل الحمام ويحلف له بالطلاق والعتاق على أنه لما يخرج من الحمام لا يقيم بها فأذن له فدخلها فغلب عليها وتحصن بها ولم يدخل حمامها فاجتمعت إلى ه قيس وهرب ناتل بن قيس الجذامي من فلسطين فلحق بابن الزبير بمكة واستعمل مروان بعده على فلسطين روح بن زنباع واستوثق الشام لمروان واستعمل عماله عليها وقيل إن عبيد بن زياد إنما جاء إلى بنى أمية وهم بتدمر ومروان يريد أن يسير إلى ابن الزبير ليبايعه ويأخذ منه الأمان لبني أمية فرده عن ذلك وأمره أن يسير بأهل تدمر إلى الضحاك فيقاتله ووافقه عمرو بن سعيد وأشار على مروان بأن يتزوج أم خالد بن يزيد ليسقط من أعين الناس فتزوجها وهي فاختة ابنة أبي هشام بن عتبة ثم جمع بني أمية فبايعوه وبايعه أهل تدمر وسار إلى الضحاك في جمع عظيم فخرج الضحاك إليه فتقاتلا فانهزم الضحاك ومن معه وقتل الضحاك وسار زفر بن الحرث إلى قرقيسيا واجتمعت عليه قيس وصحبه فى هزيمته إلى قرقيسيا شابان من بني سليم فجائت خيل مروان تطلبهم فقال الشابان لزفر انج بنفسك فإنا نحن نقتل فمضي زفر وتركهما فقتلا وقال زفر فى ذلك
( أريني سلاحي لا أبالك إنني % أري الحرب لا تزداد إلا تماديا ) ( أتاني عن مروان بالغيب إنه % مقيد دمي أو قاطع من لسانيا ) ( ففي العيش منجاة وفى الأرض مهرب % إذا نحن رفعنا لهن المثانيا ) ( فلا تحسبوني إن تغيبت غافلا % ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا ) ( فقد ينبت المرعي على دمن الثري % له ورق من تحته الشر باديا ) ( وتمضي ولا يبقي على الأرض دمنه % وتبقي حزازات النفوس كما هيا ) ( لعمري لقد أبقت وقيعه راهط % لحسان صدعا بينا متنائيا ) ( فلم تر مني نبوة قبل هذه % فراري وتركي صاحبي ورائيا ) ( عشية أدعو فى القران فلا أري % من الناس إلا من علي ولا ليا ) ( أيذهب يوم واحد إن أسأته % بصالح أيامي وحسن بلائيا ) ( فلا صلح حتي تشحط الخيل بالقنا % وتثأر من نسوان كلب نسائيا ) ( ألا ليت شعري هل تصيبن غارتي % تنوخا وحيي طيئ من شقائيا )
فأجابه جواس بن القعطل
( لعمري لقد أبقت وقيعة راهط % على زفر مرا من الداء باقيا )
( مقيما ثوي بين الضلوع محله % وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا )
( تبكي على قتلي سليم وعامر % وذبيان معذورا وتبكي البواكيا )
( دعا بالسلاح ثم أحجم إذ رأي % سيوف جناب والطوال المذاكيا )
( عليها كأسد الغاب فتيان نجدة % إذا شرعوا نحو الطوال العواليا )
وقال عمرو بن الجلي الكلبي
( بكي زفر القيسي من هلك قومه % بعبرة عين ما يجف سجومها )
( يبكي على قتلي أصيبت براهط % تجاوبها هام القفار وبومها )
( أبحنا حمى للحي قيس براهط % وولت شلالا واستبيح حريمها )
( يبكيهم حران تجري دموعه % ترجي نزارا أن تؤوب حلومها )
( فمت كمدا أو عش ذليلا مهضما % بحسرة نفس لا تنام همومها )
فى أبيات
يزيد بن أبي الغمس بالسين المهملة وقيل بالشين المعجمة وكان قد ارتد عن الإسلام ودخل الروم مع جبلة بن الأيهم ثم عاود إلاسلام وشهد صفين مع معاوية وعاش إلى أيام عبد الملك بن مروان و ناتل بالنون والتاء المعجمة من فوق باثنتين
ذكر فتح مروان مصر
ص 482
فلما قتل الضحاك وأصحابه واستقر الشام لمروان سار إلى مصر فقدمها وعليها عبد الرحمن بن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير فخرج إلى مروان فيمن معه وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائة حتي دخل مصر فقيل لابن جحدم ذلك فرجع وبايع الناس مروان ورجع إلى دمشق فلما دنا منه بلغه أن ابن الزبير قد بعث إليه أخاه مصعبا فى جيش فارسل إليه مروان عمرو بن سعيد قبل أن يدخل الشام فقاتله فانهزم مصعب وأصحابه وكان مصعب شجاعا ثم عاد مروان إلى دمشق واستقر بها وقد كان الحصين بن نمير ومالك بن هبيرة قد اشترطا على مروان شروطا لهما ولخالد بن يزيد فلما توطن ملكه قال ذات يوم ومالك عنده إن قوما يدعون شروطا منهم عطارة مكحلة يعني مالكا وكان يتطيب ويتكحل قال مالك هذا ولما تردي تهامة ويبلغ الحزام الطبيين فقال مروان مهلا يا أبا سليمان إنما داعبناك فقال هو ذاك
ذكر بيعة أهل خراسان سلم بن زياد وأمر عبدالله بن خازم
ص 482
ولما بلغ سلم بن زياد وهو بخراسان موت يزيد كتم ذلك فقال ابن عرادة
( يا أيها الملك المغلق بابه % حدثت أمور شأنهن عظيم )
( قتلي بحرة والذين بكابل % ويزيد أغلق بابه المكتوم )
( أبني أمية إن آخر ملككم % جسد بحوارين ثم مقيم )
( طرقت منيته وعند وساده % كوب وزق راعف مرثوم )
( ومرنة تبكي على نشوانه % بالصبح تقعد مرة وتقوم ) فلما أظهر شعره أظهر سلم موت يزيد بن معاوية بن يزيد ودعا الناس إلى البيعة على الرضا حتي يستقيم أمر الناس على خليفه فبايعوه ثم نكثوا به بعد شهرين وكان محسنا إليهم محبوبا فيهم فلما خلع عنهم استخلف عليهم المهلب بن أبي صفرة ولما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد أحد بني قيس بن ثعلبه بن ربيعه فقال له ضاقت عليك نزار حتى خلفت على خراسان رجلا من اليمن يعني المهلب وكان أزديا والأزد من اليمن فولاه مرو الروذ والفارياب والطالقان والجوزجان وولي أوس بن ثعلبه بن زفر وهو صاحب قصر أوس بالبصرة هراة فلما وصل إلى نيسابور لقيه عبداللة بن خازم فقال من وليت خراسان فأخبرة فقال أما وجدت فى المصر من تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل واليمن اكتب لي عهدا على خراسان فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم وسار ابن خازم إلى مرو وبلغ خبره المهلب فاقبل واستخلف رجلا من بني جشم بن سعد بن زياد مناة بن تميم فلما وصلها ابن خازم منعه الجشمي وجرت بينهما مناوشة فاصابت الجشمي رمية بحجر فى جبهته وتحاجزوا ودخلها ابن خازم ومات الجشمي بعد ذلك بيومين
ثم سار ابن خازم إلى سليمان بن مرثد بمرو الروذ فقاتله أياما فقتل سليمان ثم سار إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان فاقتتلوا طويلا فقتل عمرو بن مرثد وانهزم أصحابه فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة ورجع ابن خازم إلى مرو وهرب من كان بمرو الروذ من بكر بن وائل إلى هراة وانضم إليها من كان بكور خراسان من بكر وكثر جمعهم وقالوا لأوس بن ثعلبة نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم وتخرج مضر من خراسان فأبي عليهم فقال له بنو صهيب وهم موالى بني جحدم لا نرضي أن نكون نحن فأبي عليهم فقال له بنو صهيب وهم موالى بني جحدم لا نرضي أن نكون نحن ومضر فى بلد واحد وقد قتلوا سليمان وعمرا ابني مرثد فإما أن تبايعنا على هذا وإلا بايعنا غيرك فأجابهم فبايعوه فسار إليهم ابن خازم فنزل على واد بينه وبين هراة فأشار البكريون بالخروج من هراة وعمل خندق فقال أوس بل نلزم المدينة فإنها حصينة ونطاول ابن خازم ليضجر ويعطينا ما نريد فأبوا عليه فخرجوا وخندقوا خندقا وقاتلهم ابن خازم نحو سنة وقال له هلال الضبي إنما تقاتل إخوتك وبني أبيك فإن نلت منهم الذي تريد فما في العيش خير فلو أعطيتهم شيئا يرضون به وأصلحت هذا الأمر وقال والله لو خرجنا لهم من خراسان ما رضوا قال هلال والله لا أقاتل معك أنا ولا رجل أو تطعيني حتي تعذر إليهم قال فأنت رسولي إليهم فأرضهم فأتي هلال أوس بن ثعلبة فناشده الله والقرابه فى نزار وأن يحفظ ولاءها فقال هل لقيت بني صهيب قال لا قال فالقهم قال فخرج فلقي جماعة من رؤساء أصحابه فأخبرهم ما أتي له فقالوا له هل لقيت بني صهيب فقال لقد عظم أمر بني صهيب عندكم فأتاهم فكلمهم فقالوا لولا أنك رسول لقتلناك قال فهل يرضيكم شئ قالوا واحدة من اثنتين اما أن تخرجوا من خراسان وإما إن تقيموا وتخرجوا لنا عن كل سلاح وكراع وذهب وفضة فرجع إلى ابن خازم فقال ما عندك فأخبره فقال إن ربيعة لم تزل غضابا على ربها منذ بعث نبيه من مضر وأقام من خازم يقاتلهم فقال يوما لأصحابه قد طال مقامنا وناداهم يا معشر ربيعة أرضيتم من خراسان بخندقكم فأحفظهم ذلك فتنادوا للقتال فنهاهم أوس بن ثعلبة عن الخروج بجماعتهم وأن يقاتلوا كما كانوا يقاتلون فعصوه فقال ابن خازم لأصحابه اجعلوه يومكم فيكون الملك لمن غلب وإذا لقيتم الخيل فاطعنوها فى مناخرها فاقتتلوا ساعة وانهزمت بكر بن وائل حتي انتهوا إلي خندقهم وتفرقوا يمينا وشمالا وسقط الناس فى الخندق وقتلوا قتلا ذريعا وهرب أوس بن ثعلبه إلى سجستان فمات بها أو قريبا منها
وقتل من بكر يومئذ ثمانية آلاف وغلب ابن خازم على هراة واستعمل عليها ابنه محمدا وضم إليه شماس بن دثار العطاري وجعل بكير بن وشاح الثقفي على شرطته ورجع ابن خازم إلى مرو وأغارت الترك على قصر أسفاد وابن خازم على هراه وكان فيه ناس من الأزد فحصروهم فأرسلوا إلى ابن خازم فوجه إليهم زهير بن حيان فى بني تميم وقال له إياك مشاولة الترك إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم فوافاهم فى يوم بارد فلما التقوا حمل عليهم فانهزمت الترك واتبعوهم حتي مضى عامة الليل فرجع زهير وقد يبست يده على رمحه من البرد فجعلوا يسخنون الشحم فيضعه على يده ودهنوه وأوقدوا له نارا فانتفخت يده ثم رجع إلى هراة فقال فى ذلك ثابت قطنة
( فدت نفسي فوارس من تميم % على ما كان من ضنك المقام )
( بقصر الباهلي وقد أراني % أحامي حين قل به المحامي )
( بسيفي بعد كسر الرمح فيهم % أذودهم بذي شطب حسام )
( أكر عليهم اليحموم كرا % ككر الشرب آنيه المدام )
( فلولا الله ليس له شريك % وضربي قونس الملك الهمام )
( إذا فاضت نساء بني دثار % أمام الترك بادية الخدام )
ذكر أمر التوابين
ص 485
قيل لما قتل الحسين ورجع ابن زياد من معسكرة بالنخيلة ودخل الكوفة تلاقته الشيعة بالتلاوة والمنادمة ورأت أن قد اخطات خطأ كبيرا بدعائهم الحسين وتركهم نصرتة وإجابته حتى قتل إلى جانبهم ورأوا أنه لا يغسل عارهم وإلاثم عليهم إلا قتل من قتله والقتل فيهم فاجتمعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤساء الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعي وكانت لة صحبة وإلى المسيب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب علي وإلى عبدالله بن سعد بن نفيل الأزدي وإلى عبدالله بن وأل التيمي تيم بكر بن وائل وإلى رفاعة بن شداد البجلي وكانوا من خيار أصحاب علي فاجتمعوا فى منزل سليمان بن صرد الخزاعي فبدأهم المسيب بن نجبة فقال بعد حمد الله أما بعد فإنا ابتلينا بطول العمر والتعرض لأنواع الفتن فنرغب إلى ربنا أن لا يجعلنا ممن يقول له غدا أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فإن أمير المؤمنين عليا قال العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة وليس فينا رجل إلا وقد بلغه وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا فوجدنا الله كاذبين فى كل موطن من مواطن ابن بنت نبيه وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله واعذر إلينا فسألنا نصره عودا وبدءا وعلانية فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا ولا قويناه بأموالنا ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا فما عذرنا عند ربنا وعند لقاء نبينا وقد قتل فينا ولد حبيبه وذريته ونسله لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه أو تقتلوا فى طلب ذلك فعسي ربنا أن يرضى عنا عند ذلك ولا أنا بعد لقائة لعقوبته بآمن أيها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فإنه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه وراية تحفون بها
وقام رفاعة بن شداد وقال أما بعد فإن الله قد هداك لأصوب القول وبدأت بأرشد الأمور بدعائك إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم فمسموع منك مستجاب إلى قولك وقلت ولوا أمركم رجلا تفزعون إليه وتحفون برايته وقد رأينا مثل الذي رأيت فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا منتصحاوفي جماعتنا محبوبا ورأي اصحابنا ذلك ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة وصاحب رسول الله السابقة والقدم سليمان بن صرد الخزاعي المحمود فى بأسه ودينه الموثوق بحزمه وتكلم عبدالله بن سعد بنحو ذلك وأثنيا على المسيب وسليمان فقال المسيب قد أصبتم فولوا أمركم سليمان بن صرد فتكلم سليمان فقال بعد حمد الله أما بعد فإني لخائف أن لا يكون أخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة وعظمت فيه الرزية وشمل فيه الجور أولى الفضل من هذه الشيعة لما هو خير إنا كنا نمد اعناقنا إلى قدوم أل بيت نبينا محمد النصر ونحثهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وأدهنا وتربصنا حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمة ودمه إذا جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطي اتخذه الفاسقون غرضا للنبل ودريئة للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه ألا انهضوا فقد سخط عليكم ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والابناء حتي يرضي الله والله ما أظنه راضيا دون أن تناجزوا من قتله ألا لا تهابوا الموت فما هابه أحد قط إلا ذل وكونوا كبني اسرائيل إذ قال لهم نبيهم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم ففعلوا وجثوا على الركب ومدوا الأعناق حين علموا أنهم لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا القتل فكيف بكم لو دعيتم إلى ما دعوا أحدوا السيوف وركبوا الأسنة وأعدوا لهم ما استطعتم من القوه ومن رباط الخيل حتى تدعوا وتستنفروا فقال خالد بن سعد بن نفيل أما أنا فوالله لو أعلم إنه ينجيني من ذنبي ويرضي ربي عني قتلي نفسي لقتلتها وأنا أشهد كل من حضر أن كل ما أصبحت أملكة سوي سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال الفاسقين قال أبو المعتمر بن حنش بن ربيعة الكناني مثل ذلك فقال سليمان حسبكم من أراد من هذا شيئا فليأت به عبدالله بن وأل التيمي فإذا اجتمع عنده كل ما تريدون اخراجه جهزنا به ذوي الخلة والمسكنة من أشياعكم وكتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يعلمه بما عزموا عليه ويدعوه إلى مساعدتهم ومن معه من الشيعة بالمدائن فقرأ سعد بن حذيفة الكتاب على من بالمدائن من الشيعة فأجابوا إلى ذلك فكتبوا إلى سليمان بن صرد يعلمونه أنهم على الحركة إليه والمساعدة له وكتب سليمان أيضا كتابا إلى المثني بن مخربة العبدي بالبصرة مثل ما كتب إلى سعد بن حذيفة فأجابه المثني اننا معشر الشيعة حمدنا الله على ما عزمتم عليه ونحن موافوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت وكتب فى أسفل الكتاب
( تبصر كأني قد أتيتك معلما % على أتلع الهادي أجش هزي )
( طويل القري نهد الشواء مقلص % ملح على فأس اللجام أزوم )
( بكل فتى لا يملأ الروع قلبه % محش لنار الحرب غير سؤوم )
( أخي ثقة ينوي الإله بسعيه % ضروب بنصل السيف غير أثيم )
فكان أول ما ابتدؤوا به أمرهم بعد قتل الحسين سنة إحدي وستين فما زالوا بجمع آلة الحرب ودعاء الناس فى السر إلى الطلب بدم الحسين فكان يجيبهم النفر بعد النفر ولم يزالوا على ذلك إلى أن هلك يزيد بن معاوية سنة أربع وستين فلما مات يزيد جاء إلى سليمان أصحابه فقالوا قد هلك هذا الطاغية والأمر ضعيف فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث وكان خليفة ابن زياد على الكوفة ثم اظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا قتلته ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم المدفوعين عن حقهم فقال سليمان بن صرد لا تعجلوا إني قد نظرت فيما ذكرتم فرأيت أن قتلة الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه ومتى علموا ما تريدون كانوا أشد الناس عليكم ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم ولم يشفوا نفوسهم وكانوا جزرا لعدوهم ولكن بثوا دعاتكم فى المصر وادعوا إلى أمركم هذا شيعتكم وغير شيعتكم ففعلوا واستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد
ثم ان أهل الكوفة أخرجوا عمرو بن حريث وبايعوا لابن الزبير وسليمان وأصحابه يدعون الناس فلما مضت سته أشهر بعد هلاك يزيد قدم المختار بن أبي عبيد الكوفة فى النصف من رمضان وقدم عبدالله بن يزيد الأنصاري أميرا على الكوفة من قبل ابن الزبير لثمان بقين من رمضان وقدم إبراهيم بن محمد بن طلحة معه على خراج الكوفة فأخذ المختار يدعو الناس إلى قتال قتلة الحسين ويقول جئتكم من عند المهدي محمد بن الحنفية وزيرا أمينا فرجع إليه طائفة من الشيعة وكان يقول إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه ومن معه وليس له بصرة بالحرب وبلغ الخبر عبد الله بن يزيد بالخروج عليه بالكوفة فى هذه الأيام وقيل له ليحبسه وخوف عاقبة أمره إن تركه فقال عبدالله إن هم قاتلونا قاتلناهم وإن تركونا لم نطلبهم إن هؤلاء القوم يطلبون بدم الحسين بن علي فرحم الله هؤلاء القوم آمنون فليخرجوا ظاهرين وليسيروا إلى من قاتل الحسين فقد أقبل إليهم يعني ابن زياد وأنا لهم ظهير هذا ابن زياد قاتل الحسين وقاتل أخياركم وأمثالكم قد توجه إليكم وقد فارقوه على ليله من جسر منبج فالقتال والاستعداد إليه أولي من أن تجعلوا بأسكم بينكم فيقتل بعضكم بعضا فيلقاكم عدوكم وقد ضعفتم وتلك أمنيته وقد قدم عليكم أعدي خلق الله لكم من ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين هو الذي من قبله أتيتم والذي قتل من تنادون بدمه قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم إني لكم ناصح وكان مروان قد سير ابن زياد إلى الجزيرة ثم إذا فرغ منها سار إلى العراق فلما فرغ عبدالله بن يزيد من قوله قال إبراهيم بن محمد بن طلحة أيها الناس لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا الداهن والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه ولئن استيقنا ان قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده والمولود بولده والحميم بالحميم والعريف بما فى عرافته حتى يدينوا للحق ويذللوا للطاعة فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه ثم قال يا ابن الناكثين أنت تهددنا بسيفك وغشمك أنت والله أذل من ذلك إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك وأما أنت أيها إلامير فقد قلت قولا سديدا فقال إبراهيم والله لتقتلن وقد أدهن هذا يعني عبدالله بن يزيد فقال له عبدالله بن وأل ما اعتراضك فيما بيننا وبين أميرنا ما أنت علينا بأمير إنما أنت أمير هذه الجزية فأقبل على خراجك ولئن أفسدت أمر هذه الأمة فقد أفسده والداك وكانت عليهما دائرة السوء فشتمهم جماعة ممن مع إبراهيم فشاتموه فنزل الأمير من على المنبر وتهدده إبراهيم بأنه يكتب إلى ابن الزبير يشكوه فجاءه عبدالله فى منزله واعتذر إليه فقبل عذره ثم إن أصحاب سليمان خرجوا يشترون السلاح ظاهرين ويتجهزون
ذكر فراق الخوارج عبدالله بن الزبير وما كان منهم
ص 489
وفى هذة السنة فارق الخوارج الذين كانوا قدموا مكة عبدالله بن الزبير وكانوا قد قاتلوا معه أهل الشام وكان سبب قدومهم عليه أنهم لما اشتد عليهم ابن زياد بعد قتل أبي بلال اجتمعوا فتذاكروا ذلك فقال لهم نافع بن الأزرق إن الله قد أنزل عليكم الكتاب وفرض عليكم الجهاد واحتج عليكم بالبيان وقد جرد أهل الظلم فيكم السيوف فاخرجوا بنا إلى هذا الذي قد ثار بمكة فإن كان على رأينا جاهدنا معه وإن يكن علي غير رأينا دافعناه عن البيت وكان عسكر الشام قد سار نحو ابن الزبير فسار الخوارج حتى قدموا على ابن الزبير فسر بمقدمهم وأخبرهم أنه على مثل رأيهم من غير تفتيش فقاتلوا معه أهل الشام حتى مات يزيد بن معاوية وانصرف أهل الشام ثم انهم اجتمعوا وقالوا إن الذي صنعتم أمس لغير رأي تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله ليس على مثل رأيكم وقد كان أمس يقاتلكم هو وأبوه وينادي يا ثارات عثمان فأئتوه واسألوه عن عثمان فإن برئ منه كان وليكم وإن أبى كان عدوكم فأتوه فسألوه فنظر فإذا اصحابه حوله قليل فقال إنكم أتيتموني حين أردت القيام ولكن روحوا العشية حتى أعلمكم فانصرفوا وبعث إلى أصحابه فجمعهم حوله بالسلاح وجاءت الخوارج وأصحابه حوله وعلى رأسه وبأيديهم العمد فقال ابن الأزرق لأصحابه إن الرجل قد أزمع خلافكم فتقدم إليه نافع بن الأزرق وعبيدة بن هلال فقال عبيدة بعد حمد الله أما بعد فإن الله بعث محمدا يدعو إلى عبادته وإخلاص الذي له فدعا إلى ذلك فأجابه المسلمون فعمل فيهم بكتاب الله حتى قبضه الله واستخلف الناس أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر فكلاهما عملا بكتاب الله وسنة نبيه ثم ان الناس استخلفوا عثمان فحمى الاحماء وآثر القربي واستعمل الغني ورفع الدرة ووضع السوط ومزق الكتاب وضرب منكر الجور وآوي طريد رسول الله السابقين بالفضل وحرمهم واخذ فيء الله الذي أفاء عليهم فقسمه فى فساق قريش ومجان العرب فسارت إليه طائفة فقتلوه فنحن لهم أولياء ومن ابن عفان وأوليائه برآء فما تقول أنت يا ابن الزبير فقال قد فهمت الذي ذكرت به النبي فوق ما ذكرت وفوق ما وصفت وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر وقد وفقت وأصبت وفهمت الذي ذكرت به عثمان وإني لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني كنت معه حيث نقم القوم عليه واستعتبوه فلم يدع شيئا إلا أعتبهم ثم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه يأمر فيه بقتلهم فقال لهم ما كتبته فإن شئتم فهاتوا بينتكم فإن لم تكن حلفت لكم فوالله ما جاؤوه ببينة ولا استحلفوه ووثبوا عليه فقتلوه وقد سمعت ما عبته به فليس كذلك بل هو لكل خير أهل وأنا أشهدكم ومن حضرني إني ولي لابن عفان وعدو أعدائه فبرئ الله منكم
وتفرق القوم فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي وعبدالله بن الصفار السعدي وعبدالله بن أباض وحنظله بن بيهس وبنو الماحوز و عبيدالله والزبير من بني سليط بن يربوع وكلهم من تميم حتي أتوا البصرة وانطلق أبو طالوت من بني بكر بن وائل وأبو فديك عبدالله بن ثور بن قيس بن ثعلبة وعطيه بن الأسود اليشكري إلى اليمامة فوثبوا بها مع أبي طالوت ثم أجمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي وتركوا أبا طالوت فأما نافع وأصحابه فإنهم قدموا البصرة وهم على رأي أبي بلال واجتمعوا وتذاكروا فضيله الجهاد فخرج نافع على ثلاثمائة وذلك عند وثوب الناس بابن زياد وكسر الخوارج باب السجن وخرجوا واشتغل الناس عنهم بحرب الأزد وربيعة وتميم
فلما خرج نافع تبعوه واصطلح أهل البصرة على عبدالله بن الحرث فتجرد الناس للخوارج وأخافوهم فلحق نافع بالأهواز فى شوال سنة أربع وستين وخرج من بقي منهم بالبصرة إلى ابن الأزرق إلا من لم يرد لخروج يومه ذلك منهم عبدالله بن الصفار وعبدالله بن أباض ورجال معهما على رأيهما ونظر نافع فرأي أن ولاية من تخلف عن الجهاد من الذين قعدوا من الخوارج لا تحل له وإن من تخلف عنه لا نجاة له فقال لأصحابه ذلك ودعاهم إلى البراءة منهم وأنهم لا يحل لهم مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا يجوز قبول شهادتهم وأخذ علم الدين عنهم ولا يحل ميراثهم ورأى قتل الأطفال والاستعراض وأن جميع المسلمين كفار مثل كفار العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل فأجابه إلى ذلك بعضهم وفارقه بعضهم وممن فارقه نجدة بن عامر وسار إلى اليمامة فأطاعه الخوارج الذين بها وتركوا أبا طالوت فكتب نافع إلى ابن أباض وابن الصفار يدعوهما ومن معهما إلى ذلك فقرأ ابن الصفار الكتاب ولم يقرأه على أصحابه خشية أن يتفرقوا ويختلفوا فأخذه ابن أباض فقرأه وقال قاتله الله أي رأي رأي صدق نافع لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيا وكانت سيرته كسيرته فى المشركين ولكنه قد كذب فيما يقول إن القوم برآء من الشرك ولكنهما كفار بالنعم والأحكام ولا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوي ذلك فهو حرام علينا فقال له ابن الصفار برئ الله منك فقد قصرت وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا فقال الآخر برئ الله منك ومنه فتفرق القوم واشتدت شوكة ابن الأزرق وكثرت جموعه وأقام بالأهواز يجبي الخراج ويتقوى به ثم أقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر فبعث إليه عبدالله بن الحرث مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة من أهل البصرة عبيس بالعين المهملة المضمومة والباء الموحدة والياء المثناة من تحت وبالسين المهملة وعبيد بن بلال بضم العين المهملة والباء الموحدة
ذكر قدوم المختار الكوفة
ص 491
كانت الشيعة تسب المختار وتعيبه لما كان منه فى أمر الحسن بن علي حين طعن فى ساباط وحمل إلى أبيض المدائن حتى كان زمن الحسين وبعث الحسين مسلم بن عقيل إلى الكوفة كان المختار فى قرية له تدعى لفغا فجاءه خبر ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر ولم يكن خروجه عن ميعاد كما سبق فأقبل المختار فى مواليه فانتهى إلى باب الفيل بعد المغرب وقد أقعد عبيدالله بن زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه راية فوقف المختار لا يدري ما يصنع فبلغ خبره عمرا فاستدعاه وآمنه فحضر عنده فلما كان الغد ذكر عمارة بن الوليد بن عقبة أمره لعبيدالله فأحضره فيمن دخل وقال له أنت المقبل فى الجموع لتنصر ابن عقيل قال لم أفعل ولكنى أقبلت ونزلت تحت راية عمرو فشهد له عمرو فضرب وجه المختار فشتر عينه وقال لولا شهادة عمرو لقتلتك ثم حبسه حتى قتل الحسين ثم أن المختار بعث إلى عبدالله بن عمر بن الخطاب يسأله أن يشفع فيه وكان ابن عمر تزوج أخت المختار صفيه بنت أبي عبيد فكتب ابن عمر إلى يزيد يشفع فيه فأرسل يزيد إلى ابن زياد يأمره بإطلاقه فأطلقه وأمره أن لا يقيم غير ثلاث فخرج المختار إلى الحجاز فلقيه ابن العرق وراء واقصة فسلم عليه وسأله عن عينه فقال خبطها ابن الزانية بالقضيب فصارت كما تري ثم قال قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأعضاءه إربا إربا
ثم سأله المختار عن ابن الزبير فقال إنه عائذ بالبيت وإنه يبايع سرا ولو اشتدت شوكته وكثرت رجاله لظهر فقال المختار إنه رجل العرب اليوم وإن اتبع رأيي أكفه أمر الناس إن الفتنه أرعدت وأبرقت وكان قد انبعث فإذا سمعت بمكان قد ظهرت به فى عصابه من المسلمين أطلب بدم الشهيد المظلوم المقتول بالطف سيد المسلمين وابن بنت سيد المرسلين وابن سيدها الحسين بن علي فوربك لأقتلن بقتله عدة من قتل على دم يحي بن زكريا ثم سار وابن العرق يعجب من قوله قال ابن العرق فوالله لقد رأيت ما ذكره وحدثت به الحجاج بن يوسف فضحك وقال لله دره أي رجل دنيا ومسعر حرب ومقارع أعداء كان ثم قدم المختار على ابن الزبير فكتم عنه ابن الزبير أمره ففارقه وغاب عنه سنة ثم سأل عنه ابن الزبير فقيل إنه بالطائف وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ومسير الجبارين فقال ابن الزبير ماله قاتله الله لقد انبعث كذابا متكهنا ان يهلك الله الجبارين يكن المختار أولهم فهو في حديثه إذ دخل المختار المسجد فطاف وصلي ركعتين وجلس فأتاه معارفه يحدثونه ولم يأت ابن الزبير فوضع ابن الزبير عليه عباس بن سهل بن مسعر فأتاه وسأله عن حاله ثم قال له مثلك يغيب عن الذي اجتمع عليه الأشراف من قريش والأنصار وثقيف ولم تبق قبيلة إلا و قد أتاه زعيمها فبايع هذا الرجل فقال إني أتيته العام الماضي وكتم عني خبره فلما استغني عني أحببت أن أريه أنى مستغن عنه فقال له العباس القه الليلة وأنا معك فأجابه إلى ذلك ثم حضر عند ابن الزبير بعد العتمة فقال المختار أبايعك على أن لا تقضي الأمور دوني وعلي أن اكون أول داخل وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك فقال ابن الزبير أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله فقال وشر غلماني تبايعه على ذلك والله لا أبايعك أبدا إلا على ذلك فبايعه فأقام عنده وشهد معه قتال الحصين بن نمير وأبلى أحسن بلاء وقاتل أشد قتال وكان أشد الناس على أهل الشام فلما هلك يزيد بن معاوية وأطاع اهل العراق ابن الزبير أقام عنده خمسة أشهر فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحد من أهل الكوفة إلا سأله عن حال الناس فأخبره هانئ بن جبه الوداعي باتساق أهل الكوفة على طاعة ابن الزبير إلا أن طائفة من الناس هم عدد اهلها لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يوم ما فقال المختار أنا أبو إسحاق أنا والله لهم أن اجمعهم على الحق وألقى بهم ركبان الباطل وأهلك بهم كل جبار عنيد ثم ركب راحلته نحو الكوفة فوصل إلى نهر الحيرة يوم الجمعة فاغتسل ولبس ثيابه ثم ركب فمر بمسجد السكون وجبانه كندة لا يمر على مجلس إلا وسلم على اهله وقال ابشروا بالنصرة والفلج أتاكم ما تحبون ومر ببني بدء فلقي عبيدة بن عمرو البدئي من كندة فسلم عليه وقال له ابشر بالنصر والفلج أنك أبو عمرو على رأي حسن لن يدع الله لك معه إثما إلا غفره لك ولا ذنبا إلا ستره وكان عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم وأشدهم تشيعا وحبا لعلي وكان لا يصبر عن الشراب فقال له بشرك الله بالخير فهل أنت مبين لنا قال نعم القني الليلة ثم مر ببني هند فلقي اسماعيل بن كثير فرحب به وقال له القني أنت وأخوك الليلة فقد أتيتكم بما تحبون ومر على حلقة من همدان فقال قد قدمت عليكم بما يسركم ثم أتي المسجد واستشرف له الناس فقام إلى سارية فصلي عندها حتى أقيمت الصلاة وصلي مع الناس ثم صلي ما بين الجمعة والعصر ثم انصرف إلى داره واختلف إليه الشيعة وأتي اسماعيل بن كثيروأخوه وعبيد بن عمرو فسألهم فأخبروه خبر سليمان بن صرد وأنه على المنبر فحمد الله ثم قال إن المهدي بن الوصي بعثني إليكم أمينا ووزيرا ومشيحا وأميرا وأمرني بقتل الملحدين والطلب بدم أهل بيته والدفع عن الضعفاء فكونوا أول خلق الله إجابة فضربوا على يده وبايعوه وبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن صرد وقال لهم نحو ذلك وقال لهم إن سليمان ليس له بصر بالحرب ولا تجربة بالأمور وإنما يريد أن يخرجكم فيقتلكم ويقتل نفسه وأنا أعمل على مثال مثل لي وأمر بين لي اعين وليكم وأقتل عدوكم وأشفي صدوركم فاسمعوا قولي وأطيعوا امري ثم انتشروا وما زال بهذا ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة وصاروا يختلفون إليه ويعظمونه وعظماء الشيعة مع سليمان لا يعدلون به أحدا وهو أثقل خلق الله على المختار وهو ينظر إلى ما يصير إليه أمر سليمان
فلما خرج سليمان نحو الجزيرة قال عمرو بن سعد وشبث بن ربعي وزيد بن الحرث بن رويم لعبدالله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة إن المختار أشد عليكم من سليمان إنما خرج يقاتل عدوكم وإن المختار يريد أن يثب عليكم فى مصركم فسيروا إليه فأوثقوه واسجنوه حتى يستقيم أمر الناس فأتوه فاخذوه بغته فلما رآهم قال مالكم فوالله ما ظفرت أكفكم فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة لعبدالله شده كتافا ومشه حافيا فقال عبدالله ما كنت لأفعل هذا برجل لم يظهر لنا غدره إنما أخذناه على الظن فقال إبراهيم ليس هذا بعشك فادرجي ما هذا الذي بلغنا عنك يا ابن أبي عبيد فقال ما بلغك عني إلا باطل وأعوذ بالله من غش كغش أبيك وجدك ثم حمل إلى السجن غير مقيد وقيل بل كان مقيدا فكان يقول فى السجن أما ورب البحار والنخيل والأشجار والمهامة والقفار والملائكة الأبرار والمصطفين الأخيار لأقتلن كل جبار بكل لدن خطار ومهند بتار بجموع الأنصار ليس بمثل أغمار ولا بعزل أشرار حتى إذا أقمت عمود الدين وزايلت شعب صدع المسلمين وشفيت غليل صدور المؤمنين وأدركت ثار النبيين لم يكبر على زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى وقيل فى خروج المختار إلى الكوفة وسببه غير ما تقدم وهو أن المختار قال لابن الزبير وهو عنده إني لأعلم قوما لو أن لهم رجلا له فقه وعلم بما يأتي ويذر لاستخرج لك منهم جندا تقاتل بهم أهل الشام قال من هم قال شيعة على بالكوفة قال فكن أنت ذلك الرجل فبعثه إلى الكوفه فنزل ناحيه منها يبكي على الحسين ويذكر مصابه حتى لقوه وأحبوه فنقلوه إلى وسط الكوفة وأتاه منهم بشر كثير فلما قوي أمره سار إلى ابن مطيع
ذكر عدة حوادث
ص 495
حج بالناس هذه السنة عبداللة بن الزبير وكان عامله على المدينة فيها أخوه عبيدة بن الزبير وعلى الكوفة عبدالله بن يزيد الخطمي وعلى قضائها هشام بن هبيرة وعلى البصرة عمر بن عبدالله بن عمر التيمي وعلى خراسان عبدالله بن خازم وفيها مات شداد بن أوس بن ثابت وهو ابن أخي حسان بن ثابت وفيها توفي المسور بن مخرمة بمكة فى اليوم الذي ورد فيه خبر موت يزيد بن معاوية وكان سبب موته أن أصابته فلقه حجر منجنيق فى جانب وجهه فمرض أياما ومات وفيها توفي أبو برزه الأشهلي بخراسان وفيها توفي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فى قول وفى أيام يزيد مات أبو ثعلبه الخشني وقيل مات سنة خمس وسبعين له صحبة وفى أيامة أيضا مات عائذ بن عمرو المزني بالبصرة وشهد بيعة الرضوان وفى أيام ابن زياد بالكوفة مات قيس بن خرشة وهو صحابي وخبر موته عجيب مع ابن زياد لأنه كان قوالا بالحق وفى أيامة مات نوفل بن معاوية بن عمرو الدؤلي وفى أيامة مات أبو خيثمة الأنصاري شهد أحدا وذكره فى تبوك مشهور وفى أيامه مات عتبان بن مالك وهو بدري وفى هذه السنة توفي شقيق بن ثور السدوسي
| بسم الله الرحمن الرحيم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.