ذكر وفد أهل المدينة إلي الشام
ص 448
لما ولي الوليد الحجاز أقام يريد غرة ابن الزبير فلا يجده إلا محترزا ممتنعا وثار نجده بن عامر النخعي باليمامة حين قتل الحسين وثار ابن الزبير بالحجاز وكان الوليد يفيض من المعرف ويفيض معه سائر الناس وابن الزبير واقف في أصحابه ثم يفيض ابن الزبير بأصحابه ونجدة بأصحابه وكان نجدة يلقي ابن الزبير فيكثر حتى ظن الناس أنه سيبايعه ثم إن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد فكتب إلي يزيد إنك بعثت إلينا رجلا أخرق لا ينجد لرشد ولا يرعوي لعظة الحكيم فلو بعثت رجلا سهل الخلق رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر منها وأن يجتمع ما تفرق فعزل يزيد الوليد وولي عثمان بن محمد بن أبي سفيان وهو فتي غر حدث لم يجرب الأمور ولم يحنكه السن لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله فبعث إلي يزيد وفدا من أهل المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي والمنذر بن الزبير ورجالا كثيرة من أشراف أهل المدينة فقدموا علي يزيد فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم فأعطي عبد الله بن حنظلة وكان شريفا فاضلا عابدا سيدا مائة ألف درهم وكان معه ثمانية بنين فأعطي كل ولد عشرة آلاف فلما رجعوا قدموا المدينة كلهم إلا المنذر بن الزبير فإنه قدم العراق علي ابن زياد وكان يزيد قد اجازه بمائة ألف فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويضرب بالطنابير ويعزف عنده القيان ويلعب الكلاب ويسمر عنده الخراب وهم اللصوص وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه وقام عبد الله بن حنظلة الغسيل فقال جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت منه عطاءه إلا لأتقوى به فخلعه الناس وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل علي خلع يزيد وولوه عليهم
وأما المنذر بن الزبير فإنه قدم علي ابن زياد فأكرمه وأحسن إليه وكان صديق زياد فأتاه كتاب يزيد حيث بلغه أمر المدينة يأمره بحبس المنذر فكره ذلك لأنه ضيفه وصديق أبيه فدعاه وأخبره بالكتاب فقال له إاذ اجتمع الناس عندي فقم وقل ائذن لي لأنصرف إلي بلادي فإذا قلت بل تقم عندي فلك الكرامة والمواساة فقل إن لي ضيعة وشغلا ولا أجد بدا لي من الانصراف فتلحق بأهلك فلما اجتمع الناس علي ابن زياد فعل المنذر ذلك فأذن له في الانصراف فقدم المدينة فكان ممن يحرض الناس علي يزيد وقال إنه قد أجازني بمائة ألف ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره وأصدقكم عنه والله إنه ليشرب الخمر والله إنه ليسكر حتى يدع الصلاة وعابه بمثل ما عابه به أصحابه وأشد فبعث يزيد النعمان بن بشير الأنصاري وقال له إن عدد الناس بالمدينة قومك فإنهم ما يمنعهم شيء عما يريدون فإنهم إن لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترئ الناس علي خلافي فأقبل النعمان فأتي قومه فأمرهم بلزوم الطاعة وخوفهم الفتنة وقال لهم إنكم لا طاقة لكم بأهل الشام فقال عبد الله بن مطيع العدوي يا نعمان ما عملك علي فساد ما أصلح الله من أمرنا وتفريق جماعتنا فقال النعمان والله كأني بك لو نزل بك الجموع ودارت رحى الموت بين الفريقين قد ركبت بغلتك إلي مكة وخلفت هؤلاء المساكين يعني الأنصار يقتلون في سككهم ومساجدهم وعلي أبواب دورهم فعصاه الناس وانصرف وكان الأمر كما قال
ذكر ولاية عقبة بن نافع إفريقية ثانية وما افتتحه فيها وقتله
ص 449
قد ذكرنا عزل عقبة عن إفريقية وعوده إلي الشام فلما وصل إلي معاوية وعده بإعادته إلي إفريقيا وتوفي معاوية وعقبة بالشام فاستعمله يزيد علي إفريقية في هذه السنة وأرسله إليها فوصل إلي القيروان مجدا وقبض أبا المهاجر أميرها وأوثقه في الحديد وترك بالقيروان جندا مع الذراري والأموال واستخلف بها زهير بن قيس البلوي وأحضر أولاده فقال لهم إني قد بعثت نفسي من الله عز وجل فلا أزال مجاهدا من كفر بالله وأوصي بما يفعل بعده ثم سار في عسكر عظيم حتى دخل مدينة باغاية وقد اجتمع بها خلق كثير من الروم فقاتلوه قتالا شديدا وانهزموا عنه وقتل فيهم قتلا ذريعا وغنم منهم غنائم كثيرة ودخل المنهزمون المدينة وحاصرهم عقبة ثم كره المقام عليهم فسار إلي بلاد الزاب وهي بلاد واسعة فيها عدة مدن وقري كثيرة فقصد مدينتها العظمي واسمها أربة فامتنع بها من هناك من الروم والنصارى عدة دفعات ثم انهزم النصارى وقتل كثير من فرسانهم ورحل إلي تاهرت فلما بلغ الروم خبره استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم فاجتمعوا في جمع كثير والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا واشتد الأمر علي المسلمين لكثرة العدو ثم إن الله تعالي نصرهم فانهزمت الروم والبربر وأخذهم السيف وكثر فيهم القتل وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم
ثم سار حتى نزل علي طنجة فلقيه بطريق من الروم اسمه يليان فأهدي له هدية حسنة ونزل علي حكمه ثم سأله عن الأندلس فعظم الأمر عليه فسأله عن البربر فقال هم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله وهم بالسوس الأدنى وهم كفار لم يدخلوا في النصرانية ولهم بأس شديد فسار عقبة إليهم نحو السوس الأدنى وهم كفار لم يدخلوا في النصرانية ولهم بأس شديد فسار عقبة إليهم نحو السوس الأدنى وهو مغرب طنجة فانتهي إلي أوائل البربر فلقوه في جمع كثير فقتل فيهم قتلا ذريعا وبعث خيله في كل مكان هربوا إليه وسار هو حتى وصل إلي السوس الأقصى وقد اجتمع له البربر في عالم لا يحصي فلقيهم وقاتلهم وهزمهم وقتل المسلمون فيهم حتى ملوا وغنموا منهم وسبوا سبيا كثيرا وسار حتى بلغ ماليان ورأي البحر المحيط فقال يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك ثم عاد فنفر الروم والبربر عن طريقه خوفا منه واجتاز بمكان يعرف اليوم بماء الفرس فنزله ولم يكن به ماء فلحق الناس عطش كثير أشرفوا علي الهلاك فصلي عقبة ركعتين ودعا فبحث فرس له في الأرض بيديه فكشف له عن صفاة فانفجر الماء فنادي عقبة في الناس فحفروا أحساء كثيرة وشربوا فسمي ماء الفرس فلما وصل إلي مدينة طبنة وبينها وبين القيروان ثمانية أيام أمر أصحابه أن يتقدموا فوجا فوجا ثقة منه بما نال من العدو وأنه لم يبق أحد يخشاه وسار إلي تهوذا لينظر إليها في نفر يسير فلما رآه الروم في قلة طمعوا فيه فأغلقوا باب الحصن وشتموه وقاتلوه وهو يدعوهم إلي الإسلام فلم يقبلوا منه
ذكر خروج كسيلة بن كمرم البربري علي عقبة
ص 451
هذا كسيلة بن كمرم البربري كان قد أسلم لما ولي أبو المهاجر إفريقية وحسن إسلامه وهو من أكابر البربر وأبعدهم صوتا وصحب أبا المهاجر فلما ولي عقبة عرفه أبو المهاجر محل كسيلة وأمره بحفظه فلم يقبل واستخف به وأتي عقبة بغنم فأمر كسيلة بذبحها وسلخها مع السلاخين فقال كسيلة هؤلاء فتياني وغلماني يكفونني المؤنة فشتمه وأمره بسلخها ففعل فقبح أبو المهاجر هذا عند عقبة فلم يرجع فقال له أوثق الرجل فإني أخاف عليك منه فتهاون به عقبة فأضمر كسيلة الغدر
فلما كان الآن ورأي الروم قلة من مع عقبة فأرسلوا إلي كسيلة وأعلموه حاله وكان في عسكر عقبة مضمرا للغدر وقد أعلم الروم ذلك وأطمعهم فلما راسلوه أظهر ما كان يضمره وجمع أهله وبني عمه وقصد عقبة فقال أبو المهاجر عاجله قبل أن يقوي جمعه وكان أبو المهاجر موثقا في الحديد مع عقبة فزحف عقبة إلي كسيلة فتنحي كسيلة عن طريقه ليكثر جمعه فلما رأي أبو المهاجر ذلك تمثل بقول أبي محجن الثقفي
( كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا % وأترك مشدودا علي وثاقيا )
( إذا قمت عناني الحديد وأغلقت % مصارع من دوني تصم المناديا )
فبلغ عقبة ذلك فأطلقه فقال له الحق بالمسلمين وقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة فلم يفعل وقال وأنا أيضا أريد الشهادة فكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم وتقدموا إلي البربر وقاتلوهم فقتل المسلمون جميعهم لم يفلت منهم أحد وأسر محمد بن أوس الأنصاري في نفر يسير فخلصهم صاحب قفصة وبعث بهم إلي القيروان فعزم زهير بن قيس البلوي علي القتال فخالفه جيش الصنعاني وعاد إلي مصر فتبعه أكثر الناس فاضطر زهير إلي العود معهم فسار إلي برقة وأقام بها وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع أهل إفريقية وقصد إفريقية وبها أصحاب الأنفال والذراري من المسلمين فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنهم ودخل القيروان واستولي علي إفريقية وأقام بها إلي أن قوي أمر عبد الملك بن مروان فاستعمل علي إفريقية زهير بن قيس البلوي وكان مقيما ببرقة مرابطا
ذكر ولاية زهير بن قيس إفريقية وقتله وقتل كسيلة
ص 452
لما ولي عبد الملك بن مروان ذكر عنده من بالقيروان من المسلمين وأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إلي أفريقية لاستنقاذهم فكتب إلي زهير بن قيس البلوى بولاية إفريقية وجهز له جيشا كثيرا فسار سنة تسع وستين إلي أفريقية فبلغ خبره إلي كسيلة فاحتفل وجمع وحشد البربر والروم وأحضر أشراف أصحابه وقال قد رأيت أن أرحل إلي ممش فأنزلها فإن بالقيروان خلقا كثيرا من المسلمين ولهم علينا عهد فلا نغدر بهم ونخاف إن قاتلنا زهيرا أن يثب هؤلاء من وراءنا فإذا نزلنا ممش أمناهم وقاتلنا زهيرا فإن ظفرنا بهم تبعناهم إلي طرابلس وقطعنا أثرهم من إفريقية وإن ظفروا بنا تعلقوا بالجبال ونجونا فأجابوه إلي ذلك ورحل إلي ممش وبلغ ذلك زهيرا فلم يدخل القيروان بل أقام ظاهرها ثلاثة أيام حتى أراح واستراح ورحل في طلب كسيلة فلما قاربه نزل وعبي أصحابه وركب إليه فالتقي العسكران واشتد القتال وكثر القتل في الفريقين حتى أيس الناس من الحياة فلم يزالوا كذلك أكثر النهار ثم نصر الله المسلمين وانهزم كسيلة وأصحابه وقتل هو وجماعة من أعيان أصحابه بممش وتبع المسلمون البربر والروم فقتلوا من أدركوا منهم فأكثروا وفي هذه الوقعة ذهب رجال البربر والروم وملوكهم وأشرافهم وعاد زهير إلي القيروان
ثم إن زهيرا رأي بإفريقية ملكا عظيما فأبي أن يقيم وقال إنما قدمت للجهاد فأخاف أن أميل إلي الدنيا فأهلك وكان عابدا زاهدا فترك بالقيروان عسكرا وهم آمنون لخلو البلاد من عدو أو ذي شوكة ورحل في جمع كثير إلي مصر وكان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسير زهير من برقة إلي إفريقية لقتال كسيلة فاغتنموا خلوها فخرجوا إليها في مراكب كثيرة وقوة قوية من جزيرة صقلية وأغاروا علي برقة فأصابوا منها سبيا كثيرا وقتلوا ونهبوا ووافق ذلك قدوم زهير من إفريقية إلي برقة فأخبر الخبر فأمر العسكر بالسرعة والجد في قتالهم ورحل هو ومن معه وكان الروم خلقا كثيرا فلما رآه المسلمون استغاثوا به فلم يمكنه الرجوع وباشر القتال واشتد الأمر وعظم الخطب وتكاثر الروم عليهم فقتلوا زهيرا وأصحابه ولم ينج منهم أحد وعاد الروم بما غنموا إلي القسطنطينية ولما سمع عبد الملك بن مروان بقتل زهير عظم عليه واشتد ثم سير إلي إفريقية حسان بن النعمان الغساني وسنذكره سنة أربع وسبعين إن شاء الله وكان ينبغي أن نذكر ولاية زهير وقتله سنة تسع وستين وإنما ذكرناه ههنا ليتصل خبر كسيلة ومقتله فإن الحادثة واحدة وإذا تفرقت لم تعلم حقيقتها
ذكر عدة حوادث
ص 453
حج بالناس هذه السنة الوليد بن عتبة وفيها ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس والد السفاح والمنصور وفيها توفي عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي وله صحبة ومسلمة بن مخلد الأنصاري وكان عمره لما مات النبي عشر سنين وتوفي بمصر مسروق بن الأجدع وقيل توفي سنة ثلاث وستين مخلد بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وفتح اللام وتشديدها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.