الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
32

ثم دخلت سنة إحدى وستين

الجزء الثالث 12 عنصر صفحة 406
ذكر مقتل الحسين رضي الله عنه ص 406

وسار الحسين من شراف فلما انتصف النهار كبر رجل من أصحابه فقال له مم كبرت قال رأيت النخل فقال رجلان من بني أسد ما بهذه الأرض نخلة قط فقال الحسين فما هو فقالا لا نراه إلا هوادي الخيل فقال وأنا أيضا أراه ذلك وقال لهما أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد فقالا بلي هذا ذو حسم إلي جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد فمال إليه فما كان بأسرع من أن طلعت الخيل وعدلوا إليهم فسبقهم الحسين إلي الجبل فنزل وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ثم اليربوعي فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر الظهيرة فقال الحسين لأصحابه وفتيانه اسقوا القوم ورشفوا الخيل ترشيفا ففعلوا وكان مجيء الحر من القادسية أرسله الحصين بن نمير التميمي في هذه الألف يستقبل الحسين فلم يزل موافقا الحسين حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين مؤذنه بالأذان فأذن وخرج الحسين إليهم فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس إنها معذرة إلي الله وإليكم إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أن أقدم إلينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجعلنا بك علي الهدي فقد جئتكم فإن تعطوني ما اطمئن إليه من عهودكم اقدم مصركم وإن لم تفعلوا أو كنتم بمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلي المكان الذي أقبلت منه فسكتوا وقالوا للمؤذن أقم فأقام وقال الحسين للحر أتريد أن تصلي أنت بأصحابك فقال بل صل أنت ونصلي بصلاتك فصلي بهم الحسين ثم دخل واجتمع إليه أصحابه وانصرف الحر إلي مكانه ثم صلي بهم الحسين العصر ثم استقبلهم بوجهه فحمد الله وأثني عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفت عنكم

فقال الحر إنا والله ما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرها بين أيديهم فقال الحر فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا أنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد فقال الحسين الموت أدني إليك من ذلك ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا فمنعهم الحر من ذلك فقال له الحسين ثكلتك أمك ما تريد قال له أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي ما تركت أمه بالثكل كائنا من كان ولكني والله ما لي إلي ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه فقال له الحسين ما تريد قال الحر أريد أن انطلق بك إلي ابن زياد قال الحسين إذن والله لا أتبعك قال الحر إذن والله لا أدعك فترادا الكلام ثلاث مرات فقال له الحر إني لم أؤمر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلي المدينة حتى أكتب إلي ابن زياد وتكتب أنت إلي يزيد أو إلي ابن زياد فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك

فتياسر عن طريق العذيب والقادسية والحر يسايره ثم أن الحسين خطبهم فحمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس إن رسول الله قال من رأي سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا علي الله أن يدخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غيري وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن أقمتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم وأنا الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله نفسي مع نفسكم وأهلي مع أهلكم فلكم في أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكير لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم بن عقيل والمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ومن انكث فإنما ينكث علي نفسه وسيغني الله عنكم والسلام فقال له الحر إني أذكرك الله في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن فلئن قوتلت لتهلكن فيما أري فقال له الحسين ابالموت تخوفني وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وما أدري ما أقول لك ولكني أقول كما قال أخو الأوسي لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله أين تذهب فإنك مقتول فقال

( سأمضي وما بالموت عار علي الفتي % إذا ما نوي خيرا وجاهد مسلما )

( وواسي رجالا صالحين بنفسه % وخالف مثبورا وفارق مجرما )

( فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم % كفي بك ذلا أن تعيش وترغما )

فلما سمع ذلك الحر تنحي عنه فكان يسير ناحية عنه حتى انتهي إلي عذيب الهجانات كان به هجائن النعمان ترعي هناك فنسب إليها فإذا هو بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة علي رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل ومعهم دليلهم طرماح بن عدي فانتهوا إلي الحسين فأقبل إليهم الحر وقال إن هؤلاء النفر من أهل الكوفة وأنا حابسهم أو رادهم فقال الحسين لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي إنما هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة من جاء معي فإن تممت علي ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك

فكف الحر عنهم فقال لهم الحسين أخبروني خبر الناس خلفكم فقال له مجمع بن عبيد الله العامري وهو أحدهم أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم فهم الب واحد عليك وأما سائر الناس فقد أعظمت قلوبهم تهوي إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك

وسألهم عن رسوله قيس بن مسهر فأخبروه بقتله وما كان منه قترقرقت عيناه بالدموع ولم يملك دمعته ثم قرأ فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) اللهم اجعل لنا ولهم الجنة واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك وغائب مذخور ثوابك

وقال له الطرماح بن عدي والله ما أري معك كثير أحد ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفي بهم ولقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي جمعا في صعيد واحد أكثر منه قط ليسيروا إليك فأنشدك الله إن قدرت علي أن تقدم إليهم شبرا فافعل فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى تري رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك جبلنا أجأ فهو والله جبل امتنعنا به من ملوك غسان وحمير والنعمان بن المنذر ومن الأحمر والأبيض والله ما إن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية ثم تبعث إلي الرجال ممن بأجأ وسلمي من طئ فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طئ رجالا وركبانا ثم أقم فينا ما بدا لك فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم فوالله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف

فقال له جزاك الله وقومك خيرا إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه علي الانصراف ولا ندري علي ما تتصرف بنا وبهم الأمور فودعه وسار إلي أهله ووعده أن يوصل الميرة إلي أهله ويعود إلي نصره ففعل ثم عاد إلي الحسين فلما بلغ عذيب الهجانات لقيه خبر قتله فرجع إلي أهله

ثم سار إلي الحسين حتى بلغ قصر بني مقاتل فنزل به فرأي فسطاطا مضروبا فقال لمن هذا فقيل لعبيد الله بن الحر الجعفي فقال ادعوه لي فلما أتاه الرسول يدعوه قال إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها والله ما أريد أن أراه ولا يراني

فعاد الحسين إلي الحسين فأخبره فلبس الحسين نعليه ثم جاء فسلم عليه ودعاه إلي نصره فأعاد عليه ابن الحر تلك المقالة قال فإلا تنصرني فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا فوالله لا يسمع داعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك فقال له أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله تعالي

ثم قام الحسين إلي رحله ثم سار ليلا ساعة فخفق برأسه خفقة ثم انتبه وهو يقول إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين

فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال يا أبت جعلت فداك مم حمدت واسترجعت قال يا بني إني خفقت برأسي خفقة فعن لي فارس علي فرس فقال القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم فعلمت أن أنفسنا نعيت إلينا فقال يا أبت لا أراك الله سوءا ألسنا علي الحق قال بلي والذي يرجع إليه العباد قال إذن لا نبالي أن نموت محقين

فقال له جزاك الله من ولد خيرا ما جزي ولد عن والده

فلما أصبح نزل فصلي ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فأتي الحر فرده وأصحابه فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه وارتفعوا فلم يزالوا يتياسرون حتى انتهوا إلي نينوي المكان الذي نزل به الحسين فلما نزلوا إذا راكب مقبل من الكوفة فوقفوا ينتظرونه فسلم علي الحر ولم يسلم علي الحسين وأصحابه ودفع إلي الحر كتابا من ابن زياد فإذا فيه أما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلي غير ماء وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري والسلام

فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر هذا كتاب الأمير يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابي وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره وأخذهم الحر بالنزل علي غير ماء ولا في قرية فقالوا دعنا ننزل في نينوى أو الغاضرية أو شفية فقال لا أستطيع هذا الرجل قد بعث عينا علي فقال زهير بن القين للحسين إنه لا يكون والله بعد ما ترون إلا ما هو أشد منه يا بن رسول الله وإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري ليأتيننا من بعدهم ما لا قبل لنا به فقال الحسين ما كنت لأبدأهم بالقتال فقال له زهير سر بنا إلي هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وهي علي شاطئ الفرات فإن منعونا قاتلناهم فقتالهم أهون علينا من قتال من يجئ بعدهم فقال الحسين ما هي قال العقر قال اللهم إني أعوذ بك من العقر ثم نزل وذلك يوم الخميس الثاني من محرم سنة إحدى وستين

فلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف وكان سببه مسيره إليه أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه علي أربعة آلاف إلي دستبي وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها وكتب له عهده علي الري فعسكر بالناس في حمام أعين فلما كان من أمر الحسين ما كان دعا ابن زياد عمر بن سعد وقال له سر إلي الحسين فإذا فرغنا مما بينا وبينه سرت إلي عملك فاستعفاه فقال نعم علي أن ترد عهدنا فلما قال له ذلك قال أمهلني اليوم حتى أنظر فاستشار نصحاءه فكلهم نهاه وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة وهو ابن أخته فقال أنشدك الله يا خالي أن لا تسير إلي الحسين فتأثم وتقطع رحمك فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقي الله بدم الحسين فقال أفعل وبات ليلته مفكرا في أمره فسمع وهو يقول

( أأترك ملك الري والري رغبة % أم أرجع مذموما بقتل حسين )

( وفي قتله النار التي ليس دونها % حجاب وملك الري قرة عين )

ثم أتي ابن زياد فقال له إنك وليتني هذا العمل وسمع الناس به فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلي الحسين من أشراف الكوفة من لست أغني في الحرب منه وسمي أناسا فقال له ابن يزيد لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث فإن سرت بجندنا وإلا فابعث غلينا بعهدنا قال فإني سائر

فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين فلما نزل به بعث إليه رسولا يسأله ما الذي جاء به فقال الحسين كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم فأما إذ كرهوني فإني أنصرف عنهم فكتب عمر إلي ابن زياد يعرفه ذلك فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال

( الآن إذ علقت مخالبنا به % يرجو النجاة ولات حين مناص )

ثم كتب إلي عمر يأمره أن يعرض علي الحسين بيعة يزيد فإذا فعل ذلك رأينا رأينا وأن يمنعه ومن معه الماء فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج علي خمسمائة فارس فنزلوا علي الشريعة وحالوا بن الحسين وبين الماء وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام ونادي عبد الله بن أبي الحصين الأزدي وعداده في بجيلة يا حسين أما تنظر إلي الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا فقال الحسين اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا قال فمرض فيما بعد فكان يشرب ماء القلة ثم يقيء ثم يعود فيشرب حتى يتغرغر ثم يقيء ثم يشرب فما يروي فما زال كذلك حتى مات

فلما اشتد العطش علي الحسين وأصحابه أم أخاه العباس بن علي فسار في عشرين راجلا يحملون القرب وثلاثين فارسا فدنوا من الماء فقاتلوا عليه وملأوا القرب وعادوا

ثم بعث الحسين إلي عمرو بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك فخرج إليه عمر فاجتمعا وتحادثا طويلا ثم انصرف كل واحد منهما إلي عسكره وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد اخرج معي إلي يزيد بن معاوية وندع العسكرين فقال عمر أخشي أن تهدم داري قال أبنيها لك خيرا منها قال تؤخذ ضياعي قال أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز فكره ذلك عمر وتحدث الناس بذلك ولم يسمعوه

وقيل بل قال له اختاروا مني واحدة من ثلاث إما إن أرجع إلي المكان الذي أقبلت منه وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيري فيما بيني وبين رأيه وإما أن تسيروا بي إلي أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم

وقد روي عن عقبة بن سمعان أنه قال صحبت من المدينة إلي مكة ومن مكة إلي العراق ولم أفارقه حتى قتل وسمعت جميع مخاطباته الناس إلي يوم مقتله فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر به الناس من أنه يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيروه إلي ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني أرجع إلي المكان الذي أقبلت منه أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلي ما يصير إليه أمر الناس فلم يفعلوا

ثم التقي الحسين وعمر بن سعد مرارا ثلاثا أو أربعا فكتب عمر بن سعد إلي عبيد الله بن زياد أما بعد فإن الله أطفأ النائرة وجمع الكلمة وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلي المكان الذي أقبل منه أو أن نسيره إلي أي ثغر من الثغور شئنا أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده وفي هذا لكم رضا وللأمة صلاح

فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق علي قومه نعم قد قبلت فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلي جنبك والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولي بالقوة والعزة ولتكونن أولي بالضعف والعجز فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ولكن لينزل علي حكمك هو وأصحابه فإن عاقبت كنت ولي العقوبة وإن عفوت كان ذلك لك والله لقد بلغني أن الحسي وعمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين فقال ابن زياد نعم ما رأيت اخرج بهذا الكتاب إلي عمر فليعرض علي الحسين وأصحابه النزول علي حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلما وإن أبوا فليقاتلهم وإن فعل فاسمع له وأطع وإن أبي فأنت الأمير عليه وعلي الناس واضرب عنقه وابعث إلي برأسه

وكتب معه إلي عمر بن سعد أما بعد فإني لم أبعثك إلي الحسين لتكف عنه ولتمنيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعا انظر فإن نزل الحسين وأصحابه علي الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق شاق قاطع ظلوم فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر وبين العسكر والسلام

فلما أخذ شمر الكتاب كان معه عبد الله بن أبي المحل بن حزام عند ابن زياد وكانت عمته أم البنين بنت حزام عند علي فولدت له العباس وعبد الله وجعفرا وعثمان فقال لابن زياد إن رأيت أن تكتب لبني أختنا أمانا فافعل فكتب لهم أمانا فبعث به مع مولي له إليهم فلما رأوا الكتاب قالوا لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير من أمان ابن سمية

فلما أتي شمر بكتاب ابن زياد إلي عمر قال له ما لك ويلك قبح الله ما جئت به والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كنت كتبت إليه به أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح والله لا يستسلم الحسين أبدا والله إن نفس أبيه لبين جنبيه فقال له شمر ما أنت صانع قال أتولي ذلك ونهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم وجاء شمر فدعا العباس بن علي وإخوته فخرجوا إليه فقال أنتم يا بني أختي آمنون فقالوا له لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا اتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له

ثم ركب عمرو والناس معه بعد العصر والحسين جالس أمام بيته محتبيا برأسه إذ خفق برأسه علي ركبته وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته فرفع رأسه فقال إني رأيت رسول الله في المنام فقال إنك تروح إلينا قال فلطمت أخته وجهها وقالت يا ويلتاه قال ليس لك الويل يا أخية اسكتي رحمك الله قال له العباس أخوه يا أخي أتاك القوم فنهض فقال يا أخي أركب بنفسي فقال له العباس بل أروح أنا فقال أركب أنت حتى تلقاهم فتقول ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاء بهم فأتاهم في نحو عشرين فارسا فيهم زهير بن القين فسألهم فقالوا جاء أمر الأمير بكذا وكذا قال فلا تعجلوا حتى أرجع إلي أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم فوقفوا ورجع العباس إليه بالخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويذكرونهم الله فلما أخبره العباس بقولهم قال له الحسين ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلي غدوة لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار وأراد الحسين أيضا أن يوصي أهله فرجع إليهم العباس وقال لهم انصرفوا عنا العشية حتى ننظر في هذا الأمر فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله فإما رضيناه وإما رددناه فقال عمر بن سعد ما تري يا شمر قال أنت الأمير فأقبل علي الناس فقال ما ترون فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي سبحان الله والله لو كان من الديلم ثم سألكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوهم وقال قيس بن الأشعث بن قيس أجبهم لعمري ليصبحنك بالقتال غدوة فقال لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم العشية ثم رجع عنهم فجمع الحسين أصحابه بعد رجوع عمر فقال أثني علي الله أحسن الثناء احمده علي السراء والضراء اللهم إني أحمدك علي أن أكرمتنا بالنبوة وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين فاجعلنا لك من الشاكرين أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفي ولا أخير من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعا عني خيرا ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا وإني قد أذنت لكم جميعا فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعا خيرا ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم يطلبوني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري فقال له أخوته وأبناؤه وأبناء إخوته وأبناء عبد الله بن جعفر لم نفعل هذا لنبقي بعدك لا أرانا الله ذلك أبدا فقال الحسين يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا فقد أذنت لكم قالوا وما نقول للناس نقول تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا لا والله لا نفعل ولنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك

وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال أنحن نتخلي عنك ولم نعذر إلي الله في أداء حقك أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي والله لو لم يكن معي سلاحي لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك

وتكلم أصحابه بنحو ذلك فجزاهم الله خيرا وسمعته أخته تلك العشية وهو في خباء له يقول وعنده حوي مولي أبي ذر الغفاري يعالج سيفه

( يا دهر أف لك من خليل % كم لك بالإشراق والأصيل )

( من صاحب أو طالب قتيل % والدهر لا يقنع بالبديل )

( وإنما الأمر إلي الجليل % وكل حي سالك السبيل )

فأعادها مرتين أو ثلاثا فلما سمعته لم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه ونادت واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسن أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي فذهب فنظر إليها وقال

يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان قال بأبي أنت وأمي استقلت نفسي لنفسك الفداء فردد غصته وترقرقت عيناه ثم قال لو ترك القطا ليلا لنام فلطمت وجهها وقالت واويلتاه أفتغصبك نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي وأشد علي نفسي ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها فقام إليها الحسين فصب الماء علي وجهها وقال اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأن كل شيء هالك إلا وجه الله أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني لي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة

فعزاها بهذا ونحوه وقال لها يا أخية إني أقسم عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي وجها ولا تدعي علي بالويل والثبور إن أنا هلكت

ثم خرج إلي أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض ويكونوا بين يدي البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت علي أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم فلما أمسوا قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويتضرعون ويدعون

المعركة ص 416

فلما صلي عمر بن سعد الغداة يوم السبت وقيل الجمعة يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس وعبأ الحسين أصحابه وصلي بهم صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه وحبيب بن مطهر في ميسرتهم وأعطي رايته العباس أخاه وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان منخفض من ورائهم كأنه ساقية عملوه في ساعة من الليل لئلا يؤتوا من ورائهم واضرم نارا فنفعهم ذلك وجعل عمر بن سعد علي ربع أهل المدينة عبد الله بن زهير الأزدي وعلي ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس وعلي ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي وعلي ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فإنه عدل إلي الحسين وقتل معه

وجعل عمر علي ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي وعلي ميسرته شمر بن ذي الجوشن وعلي الخيل عروة بن قيس الأحمسي وعلي الرجال شبت بن ربعي اليربوعي التميمي وأعطي الراية دريدا مولاه فلما دنوا من الحسين أمر فضرب له فسطاط ثم أمر بمسك فميث في جفنة ثم دخل الحسين فاستعمل النورة ووقف عبد الرحمن بن عبد ربة وبرير بن حضير الهمداني علي باب الفسطاط وازدحما أيهما يطلي بعده فجعل يزيد يهازل عبد الرحمن فقال له والله ما هذه بساعة باطل فقال يزيد والله إن قومي لقد علموا أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ولكني مستبشر بما نحن لاقون والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء بأسيافهم

فلما فرغ الحسين دخلا ثم ركب الحسين دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه واقتتل أصحابه بين يديه فرفع يديه ثم قال اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت به العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة إليك عمن سواك ففرجته وكشفته وكفيتنيه فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة

فلما رأي أصحاب عمر النار تلتهب في القصب نادي شمر الحسين تعجلت النار في الدنيا قبل القيامة

فعرفه الحسين فقال أنت أولي بها صليا ثم ركب الحسين راحلته وتقدم إلي الناس ونادي بصوت عال يسمعه كل الناس فقال أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظكم بما يجب لكم علي وحتي اعتذر إليكم من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل وأن لم تقبلوا مني العذر فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين

قال فلما سمع أخواته قوله بكين وصحن وأرتفعت أصواتهن فأرسل إليهم أخاه العباس وابنه عليا ليسكتاهن وقال لعمري ليكثرن بكاؤهن فلما ذهبا قال لا يبعد ابن عباس وإنما قالها حين سمع بكاءهن لأنه كان نهاه أن يخرج بهن معه

فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلي علي محمد وصلي علي الملائكة والأنبياء وقال ما لا يحصي كثرة فما سمع أبلغ منه ثم قال

أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأولي المؤمنين بالله والمصدق لرسوله أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي أوليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة عمي أو لم يبلغكم قول مستفيض أن رسول الله قال لي ولأخي أنتما سيد شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله أو أبا سعيد أو سهل بن سعد أو زيد بن أرقم أو أنسا يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي

فقال شمر وهو يعبد الله علي حرف إن كان يدري ما يقول فقال له حبيب بن مطهر والله إني أراك تعبد الله علي سبعين حرفا وإن الله قد طبع علي قلبك فلا تدري ما تقول ثم قال الحسين فإن كنتم في شك مما أقول أو تشكون في أني ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو بمال لكم استهلكته أو قصاص من جراحة فلم يكلموه فنادي يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا زيد بن الحارث ألم تكتبوا لي في القدوم عليكم قالوا لم نفعل ثم قال بلي والله قد فعلتم ثم قال أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلي مأمني من الأرض قال فقال له قيس بن الأشعث أولا تنزل علي حكم ابن عمك يعني ابن زياد فإنك لن تري إلا ما تحب فقال له الحسين أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل لا والله ولا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبد عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجموني أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب

ثم أناخ راحلته ونزل عنها وخرج زهير بن القين علي فرس له في السلاح فقال يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله نذار إن حقا علي المسلم نصيحة المسلم ونحن حتى الآن أخوة علي دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف وأنتم للنصيحة منا أهل فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا نحن أمة وأنتم أمة إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد لينظر ما نحن فاعلون وأنتم عاملون إنا ندعوكم إلي نصره وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد فإنكم لا تدركون منهما إلا سوءا يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرفعانكم علي جذوع النخل ويقتلان أمثالكم وقراءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهانئ بن عروة وأشباهه قال فسبوه وأثنوا علي ابن زياد وقالوا والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلي الأمير عبيد الله بن زياد سلما فقال لهم يا عباد الله إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية فإن كنتم لا تنصرون فأعيذكم بالله أن تقتلوهم خلوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية فلعمري إن يزيد ليرضي من طاعتكم بدون قتل الحسين فرماه شمر بسهم وقال اسكت أسكت الله نأمتك أبرمتنا بكثرة كلامك فقال زهير يا بن البوال علي عقبيه ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين وأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم فقال شمر إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة قال أفبالموت تخوفني والله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم ثم رفع صوته وقال عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي فوالله لا تنال شفاعة محمد قوما أهرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم فأمره الحسين فرجع

انضمام الحر بن يزيد إلي الحسين عليه السلام ص 419

ولما زحف عمر نحو الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له أصلحك الله أمقاتل أنت هذا الرجل قال له أي أي والله قتالا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي قال أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضا فقال عمر بن سعد والله لو كان الأمر إلي لفعلت لكن أميرك قد أبي ذلك

فأقبل يدنو نحو الحسين قليلا قليلا وأخذته رعدة فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس والله إن أمرك لمريب والله ما رأيت منك في موقف قط مثل ما أراه الآن ولو قيل من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فقال له إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ولا أختار علي الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فقال له جعلني الله فداك يا بن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في الطريق وجعجعت بك في هذا المكان ووالله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبدا فقلت في نفسي لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ووالله لو طننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك وإني قد جئتك تائبا مما كان مني إلي ربي مواسيا لك بنفسي حتى أموت بين يديك أفتري ذلك توبة قال نعم يتوب الله عليك ويغفر لك وتقدم الحر أمام أصحابه ثم قال أيها القوم ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله فقال عمر لقد حرصت لو وجدت إلي ذلك سبيلا

فقال يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر ادعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه وأحطتم به ومنعتموه من التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا ومنعتموه ومن معه عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي ويتمرغ فيه كلاب السواد وكلابه وها هو وأهله قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه فرموه بالنبل فرجع حتى وقف أمام الحسين

المعركة ص 420

ثم قدم عمر بن سعد برايته وأخذ سهما فرمي به وقال اشهدوا لي أني أول رام ثم رمي الناس وبرز يسار مولى زياد وسالم بن مولى عبيد الله وطلبا البراز فخرج إليهما عبد الله بن عمير الكلبي وكان قد أتي الحسين من الكوفة وسارت معه امرأته فقالا له من أنت فنتسب لهما فقالا لا نعرفك ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مطهر أو برير بن خضير وكان بسار أمام سالم فقال له الكلبي يا بن الزانية وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ولا يخرج إليك أحد إلا وهو خير منك ثم حمل عليه فضربه بسيفه حتى برد فاشتغل به يضربه فحمل عليه سالم فلم يأبه له حتى غشيه فضربه فاتقاه الكلبي بيده فأطار أصابع كفه اليسرى ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله وأخذت امرأته عمودا وكانت تسمي أم وهب وأقبلت نحو زوجها وهي تقول فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد فردها نحو النساء فامتنعت وقالت لن أدعك دون أن أموت معك فناداها الحسين فقال جزيتم من أهل بيت خيرا ارجعي رحمك الله ليس الجهاد إلي النساء فرجعت

فزحف عمرو بن الحجاج في ميمنة عمر فلما دنا من الحسين جثوا له علي الركب واشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيولهم علي الرماح فذهبت الخيل لترجع فرشقوهم بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا آخرين وتقدم رجل منهم يقال له ابن حوزة فقال أفيكم الحسين فلم يجبه أحد فقالها ثلاثا فقالوا نعم فما حاجتك قال يا حسين أبشر بالنار قال له كذبت بل أقدم علي رب رحيم وشفيع مطاع فمن أنت قال ابن حوزة

فرفع الحسين يديه فقال اللهم حزه إلي النار فغضب ابن حوزة فأقحم فرسه في نهر فتعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس فسقط عنها فانقطعت فخده وساقه وقدمه وبقي جنبه الآخر متعلقا بالركاب يضرب به كل حجر وشجر حتى مات

وكان مسروق بن وائل الحضرمي قد خرج معهم وقال لعلي أصيب رأس الحسين فأصيب به منزلة عند ابن زياد فلما رأي ما صنع الله بابن حوزة بدعاء الحسين رجع وقال لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا أقاتلهم أبدا

ونشب القتال وخرج يزيد بن معقل حليف عبد القيس فقال يا برير بن خضير كيف تري الله صنع بك قال والله لقد صنع بي خيرا وصنع بك شرا فقال كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا وأنا أشهد أنك من الضالين فقال له ابن خضير هل لك أن أباهلك أن يلعن الله الكاذب ويقتل المبطل ثم أخرج أبارزك فخرجا فتباهلا أن يلعن الله الكاذب ويقتل المحق المبطل ثم تبارزا فاختلفا ضربتين فضرب يزيد بن معقل برير بن خضير فلم يضره شيئا وضربه ابن خضير ضربة قدت المغفر وبلغت الدماغ فسقط والسيف في رأسه فحمل عليه رضي بن منقذ العبدي فاعتنق ابن خضير فاعتركا ساعة ثم إن ابن خضير قعد علي صدره فحمل كعب بن جابر الأزدي عليه بالرمح فوضعه في ظهره حتى غيب السنان فيه فلما وجد مس الرمح نزل عن رضي فعض أنفه وقطع طرفه وأقبل إليه كعب بن جابر فضربه بسيفه حتى قتله وقام رضي ينفض التراب عن قبائه فلما رجع كعب قالت له امرأته أعنت علي ابن فاطمة وقتلت بريرا سيد القراء لا أكلمك أبدا

وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري وقاتل دون الحسين فقتل وكان أخوه مع عمر بن سعد فنادي يا حسين يا كذاب ابن الكذاب أضللت أخي وغررته حتى قتلته

فقال إن الله لم يضل اخاك بل هداه وأضلك قال قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك فحمل واعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه فحمل أصحابه فاستنقذوه فدووي بعد فبرأ

وقاتل الحر بن يزيد مع الحسين قتالا شديدا وبرز إليه يزيد بن سفيان فقتله الحر وقاتل نافع بن هلال مع الحسين أيضا فبرز إليه مزاحم بن حريث فقتله نافع فصاح عمرو بن الحجاج بالناس أتدرون من تقاتلون فرسان المصر قوما مستميتين لا يبرز إليهم منكم أحد فإنهم قليل وقلما يبقون والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام فقال عمر الرأي ما رأيت ومنع الناس من المبارزة قال وسمعه الحسين فقال يا عمرو بن الحجاج أعلي تحرض الناس أنحن مرقنا من الدين أم أنتم والله لتعلمن لو قبضت أرواحكم ومتم علي أعمالكم أينا المارق

ثم حمل عمرو بن الحجاج علي الحسين من نحو الفرات فاضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي وانصرف عمرو ومسلم صريع فمشي إليه الحسين وبه رمق فقال رحمك الله يا مسلم بن عوسجة منهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر ودنا منه حبيب بن مطهر وقال عز علي مصرعك أبشر بالجنة ولولا أني أعلم أنني في أثرك لاحق بك لأحببت أن توصيني حتى أحفظك بما أنت له أهل

فقال أوصيك بهذا رحمك الله وأومأ بيده نحو الحسين أن تموت دونه فقال أفعل ثم مات مسلم وصاحت جارية له فقالت يا بن عوسجة فنادي أصحاب عمرو قتلنا مسلما فقال شبث لبعض من حوله ثكلتكم أمهاتكم إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلون أنفسكم لغيركم أتفرحون بقتل مثل مسلم أما والذي أسلمت له لرب موقف له قد رأيته في المسلمين فلقد رأيته يوم سلق أذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تنام خيول المسلمين أفيقتل مثله وتفرحون

وكان من الذين قتلهم مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي

وحمل شمر في الميسرة فثبتوا له وحملوا علي الحسين وأصحابه من كل جانب فقتل الكلبي وقد قتل رجلين بعد الرجلين الأولين وقاتل قتالا شديدا فقتله هانئ بن ثبيت الحضرمي وبكير بن حي التميمي من تيم الله بن ثعلبة وقاتل أصحاب الحسين قتالا شديدا وهم اثنان وثلاثون فارسا فلم تحمل علي جانب من خيل الكوفة إلا كشفته فلما رأي ذلك عروة بن قيس وهو علي خيل الكوفة بعث إلي عمر فقال ألا تري ما تلقي خيلي هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة ابعث إليهم الرجال والرماة فقال لشبث بن ربعي ألا تقدم إليهم فقال سبحان الله شيخ مضر وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة لم تجد لهذا غيري ولم يزالوا يرون من شبث الكراهة للقتال حتى أنه كان يقول في إمارة مصعب لا يعطي الله أهل هذا المضر خيرا أبدا ولا يسددهم لرشد ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه الحسن آل أبي سفيان خمس سنين ثم عدونا علي ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية ضلال يالك من ضلال

فلما قال شبث ذلك دعا عمر بن سعد الحصين بن نمير فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية فلما دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم وقاتل الحر بن يزيد راجلا قتالا شديدا فقاتلوهم إلي أن انتصف النهار أشد قتال خلقه الله لا يقدرون أن يأتوهم إلا من وجه واحد لاجتماع مضاربهم فلما رأي ذلك عمر أرسل رجالا يقوضون البيوت عن أيمانهم وشمائلهم ليحيطوا بهم فكان النفر من أصحاب الحسين الثلاثة والأربعة يتخللون البيوت فيقتلون الرجل وهو يقوض وينهب ويرمونه من قريب أو يعقرونه فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت فقال لهم الحسين دعوهم فليحرقوها فإنهم إذا أحرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا إليكم منها فكان كذلك

وخرجت امرأة الكلبي تمشي إلي زوجها فجلست عند رأسه تمسح التراب عن وجهه وتقول هنيئا لك الجنة فأمر شمر غلاما اسمه رستم فضرب رأسها بالعمود فشدخه فماتت مكانها

وحمل شمر حتى بلغ فسطاط الحسين ونادي علي بالنار حتى أحرق هذا البيت علي أهله فصاحت النساء وخرجن وصاح به الحسين أنت تحرق بيتي علي أهلي أحرقك الله بالنار

فقال حميد بن مسلم لشمر إن هذا لا يصلح تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء والله إن في قتل الرجال لما يرضي به أميرك فلم يقبل منه فجاءه شبث بن ربعي فنهاه فانتهي وذهب لينصرف فحمل عليه زهير بن القين في عشرة فكشفهم عن البيوت وقتلوا أبا عزة الضبابي وكان من أصحاب شمر وعطف الناس عليهم فكثروهم وكانوا إذا قتل منهم الرجل والرجلان يبين فيهم لقلتهم وإذا قتل في أولئك لا يبين فيهم لكثرتهم

ولما حضر وقت الصلاة قال أبو ثمامة الصائدي للحسين نفسي لنفسك الفداء أري هؤلاء قد اقتربوا منك والله لا تقتل حتى أقتل دونك وأحب أن ألقي ربي وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها فرفع الحسين رأسه وقال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا أول وقتها ثم قال سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي ففعلوا فقال لهم الحصين إنها لا تقبل

فقال له حبيب بن مطهر زعمت أن لا تقبل الصلاة من آل رسول الله وتقبل منك يا حمار فحمل عليه الحصين وخرج إليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب فسقط عنه الحصين فاستنقذه أصحابه وقاتل حبيب قتالا شديدا فقتل رجلا من بني تميم اسمه بديل بن صريم وحمل عليه آخر من تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين علي رأسه بالسيف فوقع ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه فقال له الحصين أنا شريكك في قتله

فقال الآخر لا والله فقال له الحصين اعطنيه أعلقه في عنق فرسي كيما يري الناس أني شركت في قتله ثم خذه وامض به إلي ابن زياد فلا حاجة لي فيما تعطاه ففعل وجال به في الناس ثم دفعه إليه فلما رجعوا إلي الكوفة أخذ الرأس وجعله في عنق رأسه ثم أقبل به إلي ابن زياد في القصر فبصر به القاسم بن حبيب وقد راهق فأقبل مع الفارس لا يفارقه فارتاب به الرجل فسأله عن حاله فأخبره وطلب الرأس ليدفنه فقال إن الأمير لا يرضي أن يدفن وأرجو أن يثيبني الأمير

فقال له لكن الله لا يثيبك إلا أسوأ الثواب ولم يزل يطلب غرة قاتل أبيه حتى كان زمان مصعب وغزا مصعب باخميرا دخل القاسم عسكره فإذا قاتل أبيه في فسطاطه فدخل عليه نصف النهار فقتله

فلما قتل حبيب هد ذلك الحسين وقال عند ذلك احتسب حماة أصحابي وحمل الحر وزهير بن القين فقاتلا قتالا شديدا وكان إذا حمل أحدهما وغاص فيهم حمل الآخر حتى يخلصه فعلا ذلك ساعة ثم إن رجالة حملت علي الحر بن يزيد فقتلته وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدوه

ثم صلوا الظهر صلي بهم الحسين صلاة الخوف ثم اقتتلوا بعد الظهر فاشتد قتالهم ووصلوا إلي الحسين فاستقدم الحنفي أمامه فاستهدف لهم يرمونه بالنبل وهو بين يديه حتى سقط وقاتل زهير بن القيم قتالا شديدا فحمل عليه كثير بن عبيد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه

وكان نافع بن هلال البجلي قد كتب اسمه علي فوق نبله وكانت مسمومة فقتل بها اثني عشر رجلا سوي من جرح فضرب حتى كسرت عضداه وأخذ أسيرا فأخذه شمر بن ذي الجوشن فأتي به عمر بن سعد والدم علي وجهه وهو يقول لقد قتلت منكم اثني عشر رجلا سوي من جرحت ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني فانتضي شمر سيفه ليقتله فقال له نافع والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقي الله بدمائنا فالحمد لله الذي جعل منايانا علي يدي شرار خلقه فقتله شمر ثم حمل علي أصحاب الحسين فلما رأوا أنهم قد كثروا وأنهم لا يقدرون أن يمنعوا الحسين ولا أنفسهم تنافسوا أن يقتلوا بين يديه فجاء عبد الله وعبد الرحمن ابنا عروة الغفاريان إليه فقالا قد حازنا الناس إليك فجعلا يقاتلان بين يديه وأتاه الفتيان الجابريان وهما سيف بن الحارث بن سريع ومالك بن عبد بن سريع وهما ابنا عم وأخوان لأم وهما يبكيان فقال لهما ما يبكيكما إني لأرجو أن تكونوا عن ساعة قريري عين فقالا والله ما علي أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك

فقال جزاكما الله جزاء المتقين

وجاء حنظلة بن أسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين وجعل ينادي يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد يا قوم لا تقتلوا الحسين فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افتري

فقال له الحسين رحمك الله إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا ليستبيحوك وأصحابك فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين

فسلم علي الحسين وصلي عليه وعلي أهل بيته وتقدم وقاتل حتى قتل

وتقدم الفتيان الجابريان فودعا الحسين وقاتلا حتى قتلا

وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري وشوذب مولي شاكر إلي الحسين فسلما عليه وتقدما فقاتلا حتى قتلا فقتل شوذب وأما عابس فطلب البراز فتحاماه الناس لشجاعته فقال لهم عمر ارموه بالحجارة فرموه من كل جانب فلما رأي ذلك ألقي درعه ومغفره وحمل علي الناس فهزمهم بين يديه ثم رجعوا عليه فقتلوه وادعي قتله جماعة

وجاء الضحاك بن عبد الله المشرفي إلي الحسين فقال يا بن رسول الله قد علمت إني قلت أني أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا فإذا لم أر مقاتلا فأنا في حل من الانصراف فقال له الحسين صدقت وكيف لك بالنجاة إن قدرت عليه فأنت في حل قال فأقبلت في فرسي وكنت قد تركته في خباء حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر وقاتلت راجلا وقتلت رجلين وقطعت يد آخر ودعا إلي الحسين مرارا قال واستخرجت فرسي واستويت عليه وحملت علي عرض القوم فأفرجوا لي وتبعني منهم خمسة عشر رجلا ففتهم وسلمت

وجثا أبو الشعثاء الكندي وهو يزيد بن أبي زياد بين يدي الحسين فرمي بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم وكلما رمي يقول له الحسين اللهم سدد رميته واجعل ثوابة الجنة وكان يزيد هذا فيمن خرج مع عمر بن سعد فلما ردوا الشروط علي الحسين عدل إليه فقاتل بين يديه وكان أول من قتل وأما الصيداوي عمرو بن خالد وجبار بن حارث السلماني وسعد مولي عمرو بن خالد ومجمع بن عبيد الله العائذي فإنهم قاتلوا أول القتال فلما وغلوا فيهم عطفوا إليهم فقطعوهم عن أصحابهم فحمل العباس بن علي فاستنقذهم وقد جرحوا فلما دنا منهم عدوهم حملوا عليهم فقاتلوا فقتلوا في أول الأمر في مكان واحد

وكان آخر من بقي من أصحاب الحسين سويد بن أبي المطاع الخثعمي

مقتل آل بني أبي طالب مع الحسين رضي الله عنهم ص 427

وكان أول من قتل من آل بني أبي طالب يومئذ علي الأكبر بن الحسين وأمة ليلي بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية وذلك أنه حمل عليهم وهو يقول

( أنا علي بن الحسين بن علي % نحن ورب البيت أولي بالنبي )

( تالله لا يحكم فينا ابن الدعي )

ففعل ذلك مرارا فحمل عليه مرة بن منقذ العبدي فطعنه فصرع وقطعه الناس بسيوفهم فلما رآه الحسين قال قتل الله قوما قتلوك يا بني ما أجرأهم علي الله وعلي انتهاك حرمة الرسول علي الدنيا بعدك العفاء وأقبل الحسين إليه ومعه فتيانه فقال احملوا أخاكم فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه ثم إن عمرو بن صبيح الصدائي رمي عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه علي جبهته فلم يستطع أن يحركها ثم رماه بسهم آخر فقتله

وحمل الناس عليهم من كل جانب فحمل عبد الله بن قطبة الطائي علي عون بن عبد الله بن جعفر فقتله وحمل عثمان بن خالد بن أسير الجهني وبشر بن سوت الهمداني علي عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتلاه ورمي عبد الله بن عروة الخثعمي جعفر بن عقيل فقتله ثم حمل القاسم بن الحسن بن علي وبيده السيف فحمله عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأسدي فضرب رأسه بالسيف فسقط القاسم إلي الأرض لوجهه وقال يا عماه فانقض الحسين إليه كالصقر ثم شد شدة ليث أغضب فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بيده فقطع يده من المرفق فصاح فحملت خيل الكوفة ليستنقذوا عمرا فاستقبلته بصدورها فجالت عليه فوطئته حتى مات

وانجلت الغبرة والحسين واقف علي رأس القاسم وهو يفحص برجليه والحسين يقول

بعدا لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ثم قال عز والله علي عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك صوته والله هذا يوم كثر واتره وقل ناصره

ثم احتمله علي صدره حتى ألقاه مع ابنه علي ومن قتل معه من أهل بيته ومكث الحسين طويلا من النهار كلما انتهي إليه رجل من الناس رجع وكره أن يتولي قتله وعظم إثمه ثم إن رجلا من كندة يقال له مالك بن النسير أتاه فضربه علي رأسه بالسيف فقطع البرنس وأدمي رأسه وامتلأ البرنس دما فقال له الحسين لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين وألقي البرنس ولبس القلنسوة وأخذ الكندي البرنس فلما قدم علي أهله أخذ البرنس يغسل الدم عنه فقالت له امرأته أسلب ابن رسول الله تدخله بيتي أخرجه عني فقال فلم يزل ذلك الرجل فقيرا بشر حتى مات

ودعا الحسين بابنه عبد الله وهو صغير فأجلسه في حجره فرماه رجل من بني أسد فذبحه فأخذ الحسين من دمه فصبه في الأرض ثم قال

رب إن تكن حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم من هؤلاء الظالمين

ورمي عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي بسهم فقتله

وقال العباس بن علي لأخوته من أمه عبد الله وجعفر وعثمان تقدموا حتى أرثكم فإنه لا ولد لكم ففعلوا فقتلوا

وحمل هانئ بن ثبيت الحضرمي علي عبد الله بن علي فقتله ثم حمل علي جعفر بن علي فقتله ورمي خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي ثم حمل عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وجاء برأسه ورمي رجل من بني أبان أيضا محمد بن علي بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه

وخرج غلام من خباء من تلك الأخبية فأخذ بعود من عيدانه وهو ينظر كأنه مذعور فحمل عليه رجل قيل إنه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله

مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه ص 429

واشتد عطش الحسين فدنا من الفرات ليشرب فرماه حصين بن نمير بسهم فوقع في فمه فجعل يتلقي الدم بيده ورمي به إلي السماء ثم حمد الله وأثني عليه ثم قال

اللهم أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك اللهم أحصهم عددا وأقتلهم بددا ولا تبقي منهم أحدا

وقيل الذي رماه رجل من بني أبان بن دارم فمكث ذلك الرجل يسيرا ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى فكان يروح عنه ويبرد له الماء فيه السكر وعساس فيها اللبن ويقول اسقوني فيعطي القلة أو العس فيشربه فإذا شربه اضطجع هنيهة ثم يقول اسقوني قتلني الظمأ فما لبث إلا يسيرا حتى انقدت بطنه انقداد بطن البعير

ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو عشرة من رجالهم نحو منزل الحسين فحالوا بينه وبين رحله فقال لهم الحسين المسلمين وزرع في قلوبهم العداوة فأبغضني البر والفاجر بما استعظموه من قتل الحسين مالي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه

ولما أراد أن يسيرهم إلي المدينة أمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم ويسير معهم رجلا أمينا من أهل الشام ومعه خيل يسير بهم إلي المدينة ودعا عليا ليودعه وقال له لعن الله ابن مرجانة أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا إلا أعطيته إياها ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ولكن قضي الله ما رأيت يا بني كاتبني حاجة تكون لك

وأوصي بهم هذا الرسول فخجر بهم فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه فإذا نزلوا تنحوا عنهم هو وأصحابه فكانوا حولهم كهيئة الحرس وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة فقالت فاطمة بنت علي لأختها زينب لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء فقالت والله ما معنا ما نصله به إلا حلينا فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا به إليه واعتذرتا فرد الجميع وقال لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ودونه ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله

وكان مع الحسين امرأته الرباب بنت امرئ القيس وهي أم ابنته سكينة وحملت إلي الشام فيمن حمل من أهله ثم عادت إلي المدينة فخطبها الأشراف من قريش فقالت ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول الله وبقيت بعده سنة لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمدا وقيل إنها أقامت علي قبره سنة وعادت إلي المدينة فماتت أسفا عليه

وأرسل عبيد الله بن زياد مبشرا إلي المدينة بقتل الحسين إلي عمرو بن سعيد فلقيه رجل من قريش فقال ما الخبر فقال الخبر عند الأمير فقال القرشي إنا لله وإنا إليه راجعون

ودخل البشير علي عمرو بن سعيد فقال ما وراءك قال ما سر الأمير قتل الحسين بن علي فقال ناد بقتله فنادي فصاح نساء بني هاشم وخرجت ابنه عقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها حاسرة تلوي بثيابها وهي تقول

( ماذا تقولون إن قال النبي لكم % ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم )

( بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي % منهم أسارى وقتلي ضرجوا بدم )

( ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم % أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي )

فلما سمع عمرو أصواتهم ضحك وقال

( عجت نساء بني زياد عجة % كعجيج نسوتنا غداة الأرانب )

والأرنب وقعة كانت لبني زبيد علي بني زياد من بني الحارث بن كعب وهذا البيت لعمرو بن معد يكرب ثم قال عمرو ناعية كناعية عثمان ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله

ولما بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنيه مع الحسين دخل عليه بعض مواليه يعزيه والناس يعزونه فقال مولاه هذا ما لقيناه من الحسين فحذفه ابن جعفر بنعله وقال يا بن اللخناء أللحسين تقول هذا والله لو شهدته لاحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه والله إنه لمما يسخي بنفسي عنهما ويهون علي المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه ثم قال إن لم تكن آست الحسين يدي فقد آساه ولدي ولما وفد أهل الكوفة بالرأس إلي الشام ودخلوا مسجد دمشق أتاهم مروان بن الحكم فسألهم كيف صنعوا فأخبروه فقام عنهم ثم أتاهم أخوه يحيي بن الحكم فسألهم فأعادوا عليه الكلام فقال حجبتم عن محمد يقوم القيامة لن أجامعكم علي أمر أبدا ثم انصرف عنهم فلما دخلوا علي يزيد قال يحيي بن الحكم

( لهام بجنب الطف أدني قرابة % من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل )

( سمية أمسي نسلها عدد الحصي % وليس لآل المصطفي اليوم من نسل )

فضرب يزيد في صدره وقال اسكت قيل وسمع بعض أهل المدينة ليلة قتل الحسين مناديا ينادي

( أيها القاتلون جهلا حسينا % أبشروا بالعذاب والتنكيل )

( كل أهل السماء يدعو عليكم % من نبي وملأك وقبيل )

( قد لعنتم علي لسان ابن داو % د وموسي صاحب الإنجيل )

ومكث الناس شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع قال رأس جالوت ذلك الزمان ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركض دابتي حتى أخلف المكان لانا كنا نتحدث أو ولد نبي يقتل بذلك المكان فكنت أخاف فلما قتل الحسين آمنت فكنت أسير ولا أركض قيل وكان عمر الحسين يوم قتل خمسا وخمسين سنة وقيل قتل وهو ابن إحدى وستين وليس بشيء وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين

برير بن خضير بضم الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وآخره راء وخضير بالخاء والضاد المعجمتين وثبيت بضم الثاء المثلثة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وآخره تاء مثناة من فوقها محفر بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الفاء المكسورة وآخره راء وقال التيمي تيم مرة يرثي الحسين وأهله وكان منقطعا إلي بني هاشم

مررت علي أبيات آل محمد % فلم أرها أمثالها يوم حلت )

( فلا يبعد الله الديار وأهلها % وإن اصبحت من أهلها قد تخلت )

( وإ ن قتيل الطف من آل هاشم % أذل رقاب المسلمين فذلت )

( وكانوا رجاء ثم أضحوا رزية % لقد عظمت تلك الرزايا وجلت )

( وعند غني قطرة من دمائنا % سنجزيهم يوما بها حيث حلت )

( إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها % وتقتلنا قيس إذا النعل زلت )

ذكر أسماء من قتل معه ص 441

قال سليمان لما قتل الحسين ومن معه حملت رؤوسهم إلي ابن زياد فجاءت كندة بثلاث عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الأشعث وجاءت هوازن بعشرين رأسا وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن الضبابي وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأسا وجاءت بنو أسد بستة رؤوس وجاءت مذحج بسبعة رؤوس وجاء سائر الجيش بسبعة رؤوء فذلك سبعون رأسا وقتل الحسين وقتله سنان بن أنس النخعي لعنه الله وقتل العباس بن علي وأمه أم البنين بنت حزام قتله زيد بن داود الجنبي وحكيم بن الطفيل السنبسي وقتل جعفر بن علي وأمه أم البنين أيضا وقتل عبد الله بن علي وأمه أم البنين أيضا وقتل عثمان بن علي وأمه أم البنين أيضا رماه خولي بن يزيد بسهم فقتله وقتل محمد بن علي وأمه أم ولد قتله رجل من بني دارم وقتل أبو بكر بن علي وأمه ليلي بنت مسعود الدارمية وقد شك في قتله وقتل علي بن الحسين بن علي وأمه ليلي ابنة أبي مرة بن عروة الثقفي وأمها ميمونة ابنة أبي سفيان بن حرب قتله منقذ بن النعمان العبدي وقتل عبد الله بن الحسين بن علي وأمه الرباب ابنة امرئ القيس الكلبي قتله هانئ بن ثبيت الحضرمي وقتل أبو بكر ابن أخيه الحسن أيضا وأمه أم ولد قتله حرملة بن الكاهن رماه بسهم وقتل القاسم بن الحسن أيضا قتله سعد بن عمرو بن نفيل الأزدي وقتل عون بن أبي جعفر بن أبي طالب وأمه جمانة بنت المسيب بن نجية الفزاري قتله عبد الله بن قطبة الطائي وقتل محمد بن عبد الله بن جعفر وأمه الخوصاء بنت خصفة بن تيم الله بن ثعلبة قتله عامر بن نهشل التيمي وقتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب وأمه أم بنين ابنة الشقر بن الهضاب قتله بشر بن الخوط الهمداني وقتل عبد الرحمن بن عقيل وأمه أو ولد قتله عثمان بن خالد الجهني وقتل عبد الله بن عقيل وأمه أم ولد رماه عمرو بن صبيح الصيداوي بسهم فقتله وقتل مسلم بن عقيل بالكوفة وأمه أو ولد وقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل وأمه رقية ابنة علي بن أبي طالب قتله عمرو بن صبيح الصيداوي ويقال قتله مالك بن أسيد الحضرمي وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل وأمه أو ولد قتله لقيط بن ياسر الجهني واستصغر الحسن بن الحسن بن علي وأمه خولة بنت منظور بن زياد الفزاري واستصغر عمرو بن الحسن وأمه أم ولد فلم يقتلا وقتل من الموالي سليما مولي الحسين قتله سليمان بن عوف الحضرمي وقتل منجح مولي الحسين أيضا وقتل عبد الله بن بقطر رضيع الحسين قال ابن عباس رأيت النبي الليلة التي قتل فيها الحسين وبيده قارورة وهو يجمع فيها دما فقلت يا رسول الله ما هذا قال هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلي الله تعالي فاصبح ابن عباس فاعلم الناس بقتل الحسين وقص رؤياه فوجد قد قتل في ذلك اليوم وروي أن النبي أعطي أم سلمة ترابا من تربة الحسين حمله إليه جبريل فقال النبي لأم سلمة إذا صار هذا التراب دما فقد قتل الحسين فحفظت أم سلمة ذلك التراب في قارورة عندها فلما قتل الحسين صار التراب دما فأعلمت الناس بقتله أيضا وهذا يستقيم علي قول من يقول أم سلمة توفيت بعد الحسين ثم إن ابن زياد قال لعمر بن سعد بعد عوده من قتل الحسين يا عمر ائتي بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين قال مضيت لأمرك وضاع الكتاب قال لتجئني به قال ترك والله يقرأ علي عجائز قريش بالمدينة اعتذارا إليهن أما والله لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله صدق والله لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلي يوم القيامة وأن الحسين لم يقتل فما أنكر ذلك عبيد الله بن زياد آخر المقتل

ذكر قتل أبي بلال مرداس بن حدير الحنظلي ص 443

قد تقدم ذكر سبب خروجه وتوجيه عبيد الله بن زياد العساكر إليه في الفي رجل فالتقائهم بآسك وهزيمة عسكر ابن زياد فلما هزمهم أبو بلال وبلغ ذلك ابن زياد أرسل إليه ثلاث ألاف عليهم عباد بن الأخضر والأخضر زوج أمه نسب إليه وهو عباد بن علقمة بن عباد التميمي فاتبعه حتى لحقه بتوج فصف له عباد وحمل عليهم أبو بلال فيمن معه فثبتوا واشتد القتال حتى دخل وقت العصر فقال أبو بلال هذا يوم جمعة وهو يوم عظيم وهذا وقت العصر فدعونا حتى نصلي فاجابهم ابن الأخضر وتحاجزوا فعجل ابن الأخضر الصلاة وقيل قطعها والخوارج يصلون فشد عليهم هو وأصحابه وهم ما بين قائم وراكع وساجد لم يتغير منهم أحد من حاله فقتلوا من آخرهم وأخذ رأس أبي بلال ورجع عباد إلي البصرة فرصد بها عبيدة بن هلال ومعه ثلاثة نفر فأقبل عباد يريد قصر الإمارة وهو مردف ابنا صغيرا له فقالوا له قف حتى نستفتيك فوقف فقالوا نحن أخوة أربعة قتل أخونا فما تري قال استعدوا الأمير قالوا قد استعديناه فلم يعدنا قال فاقتلوه قتله الله فوثبوا عليه وحكموا به فالقي ابنه فنجا وقتل هو فاجتمع الناس علي الخوارج فقتلوا غير عبيدة ولما قتل ابن عباد كان ابن زياد بالكوفة ونائبه بالبصرة عبيد الله بن أبي بكرة فكتب إليه يأمره أن يتبع الخوارج ففعل ذلك وجعل يأخذهم فإذا شفع في أحدهم ضمنه إلي أن يقدم ابن زياد ومن لم يكفله أحد حبسه وأتي بعروة بن أدية فاطلقه وقال أنا كفيلك فلما قدم ابن زياد أخذ من في الحبس من الخوارج فقتلهم وطلب الكفلاء بمن كفلوا به فمن أتي بخارجي أطلقه وقتل الخارجي ومن لم يأت بالخارجي قتله ثم طلب عبيد الله بن أبي بكرة بعروة بن أدية قال لا أقدر عليه فقال اذن أقتلك به فلم يزل يبحث عنه حتى ظفر به وأحضره عند ابن زياد فقال له ابن زياد لأمثلن بك فقال اختر لنفسك من القصاص ما شئت به فامر به فقطعت يداه ورجلاه وصلبه وقيل إنه قتل سنة ثمان وخمسين

ذكر ولاية سلم بن زياد علي خراسان وسجستان ص 444

قيل في هذه السنة استعمل يزيد سلم بن زياد علي خراسان وسبب ذلك أن سلما قدم علي يزيد فقال له يزيد يا أبا حرب أوليك عمل أخويك عبد الرحمن وعباد فقال ما أحب أمير المؤمنين فولاه خراسان وسجستان فوجه سلم الحرث بن معاوية الحارثي جد عيسي بن شبيب إلي خراسان وقدم سلم البصرة فتجهز منها فوجه أخاه يزيد إلي سجستان فكتب عبيد الله بن زياد إلي أخيه عباد يخبره بولاية سلم فقسم عباد ما في بيت المال علي عبيده وفضل فضل فنادي من أراد سلفا فليأخذ فأسلف كل من أتاه وخرج عباد من سجستان فلما كان بجيرفت بلغه مكان سلم وكان بينهما جبل فعدل عنه فذهب لعباد تلك الليلة ألف مملوك أقل ما مع أحدهم عشرة آلاف وسار عباد علي فارس فقدم علي يزيد فسأله عن المال فقال كنت صاحب ثغر فقسمت ما أصبت بين الناس ولما سار سلم إلي خراسان كتب معه يزيد إلي أخيه عبيد الله بن زياد ينتخب له ستة آلاف فارس وقيل ألفي فارس وكان سلم ينتخب الوجوه فخرج معه عمران بن الفضيل البرجمي والمهلب بن أبي صفرة وعبد الله بن خازم السلمي وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وحنظلة بن عرادة ويحيي بن يعمر العدواني وصلة بن أشيم العدوي وغيرهم وسار سلم إلي خراسان وعبر النهر غازيا وكان عمال خراسان قبله يغزون فإذا دخل الشتاء رجعوا إلي مرو الشاهجان فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان بمدينة مما يلي خوارزم فيتعاقدون أن لا يغزو بعضهم بعضا ويتشاورون في أمورهم فكان المسلمون يطلبون إلي أمرائهم غزو تلك المدينة فيأبون عليهم فلما قدم سلم غزا فشتا في بعض مغازيه فألح عليه المهلب بن أبي صفرة وسأله التوجه إلي تلك المدينة فوجهه في ستة آلاف وقيل أربعة آلاف فحاصرهم فطلبوا أن يصالحهم علي أن يفدوا أنفسهم فأجابهم إلي ذلك وصالحوه علي نيف وعشرين ألف ألف وكان في صلحهم أن يأخذ منهم عروضا فكان يأخذ الرأس والدابة والمتاع بنصف ثمنه فبلغت قيمته ما أخذ منهم خمسين ألف ألف فحظي بها المهلب عند سلم وأخذ سلم من ذلك ما أعجبه وبعث به إلي يزيد وغزا سلم سمرقند وعبرت معه النهر امرأته أم محمد ابنة عبيد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفية وهي أول امرأة من العرب قطع بها النهر فولدت له ابنا سماه صغدي واستعارت امرأه من امرأة صاحب الصغد حليها فلم تعده إليها وذهبت به ووجه جيشا إلي خجندة فيهم أعشي همدان فهزموا فقال أعشي

( ليت خيلي يوم الخجندة لم ته % زم وغودرت في المكر سليبا )

( تحضر الطير مصرعي وتروح % ت إلي الله بالدماء خضيبا )

ذكر ولاية يزيد بن زياد وطلحة الطلحات سجستان ص 445

ولما استعمل يزيد بن معاوية سلم بن زياد علي خراسان استعمل أخاه يزيد علي سجستان فغدر أهل كابل فنكثوا وأسروا أبا عبيدة بن زياد فسار إليهم يزيد بن زياد في جيش فاقتتلوا وانهزم المسلمون وقتل منهم كثير فممن قتل يزيد بن عبد الله بن أبي مليكو وصلة بن أشيم أبو الصهباء العدوي زوج معاذة العدوية فلما بلغ الخبر سلم بن زياد سير طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وهو طلحة الطلحات ففدي أبا عبيدة بن زياد بخمسمائة ألف درهم وسار طلحة من كابل إلي سجستان واليا عليها فجبي المال وأعطي زواره ومات بسجستان واستخلف رجلا من بني يشكر فأخرجته المضرية ووقعت العصبية فطمع فيهم رتبيل

ذكر ولاية الوليد بن عتبة المدينة والحجاز وعزل عمرو بن سعيد ص 445

قيل وفي هذه السنة عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وولاها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان سبب ذلك أن عبد الله بن الزبير أظهر الخلاف علي يزيد وبويع بمكة بعد قتل الحسين فإنه لما بلغه قتل الحسين قام في الناس فعظم قتله وعاب أهل الكوفة خاصة وأهل العراق عامة فقال بعد حمد الله والصلاة علي رسول الله إن أهل العراق غدراء فجراء إلا قليلا وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق وإنهم دعوا الحسين لينصروه ويولوه عليهم فلما قدم عليهم ثاروا عليهم ثاروا عليه فقالوا إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلي ابن زياد بن سمية فيمضي فيك حكمه وإما أن تحارب فرأي والله أنه هو وأصحابه قليل في كثير فإن كان الله لم يطلع علي الغيب أحدا أنه مقتول ولكنه اختار الميتة الكريمة علي الحياة الذميمة فرحم الله الحسين وأخزي قاتله لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم بما كان في مثله واعظ وناه عنهم ولكنه ما قرر نازل وإذا أراد الله أمرا لم يدفع أفبعد الحسين نطمئن إلي هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهدا لا والله لا نراهم لذلك أهلا أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه كثيرا في النهار صيامه أحق بما هم فيه منهم وأولي به في الدين والفضل أما والله ما كان يبدل القرآن غيا ولا بالبكاء من خشية الله حدا ولا بالصيام شرب الخمر ولا بالمجالس في حلق الذكر بكلاب الصيد يعني بيزيد فسوف يلقون غيا فثار إليه أصحابه وقالوا أظهر بيعتك فإنك لم يبق أحد إذ هلك الحسين ينازعك هذا الأمر وقد كان يبايع سرا ويظهر أنه عائذ بالبيت فقال لهم لا تعجلوا وعمرو بن سعيد يومئذ عامل مكة وهو أشد شيء علي ابن الزبير وهو مع ذلك يداري ويرفق

فلما استقر عند يزيد ما قد جمع ابن الزبير بمكة من الجموع أعطي الله عهدا ليوثقنه في سلسلة فبعث إليه سلسلة من فضة مع ابن عطاء الأشعري وسعد وأصحابهما ليأتوه به فيها وبعث معهم برنس خز ليلبسوه عليهما لئلا تظهر للناس فاجتاز ابن عطاء المدينة وبها مروان بن الحكم فأخبره ما قدم له فأرسل مروان معه ولدين له أحدهما عبد العزيز وقال إذا بلغته رسل يزيد فتعرضا له وليتمثل أحدكما بهذا القول فقال

( فخذها فليست للعزيز بخطة % وفيها فعال لامرئ متذلل )

( أعامر إن القوم ساموك خطة % وذلك في الجيران غزلا بمغزل )

( أراك إذا ما كنت للقوم ناضخا % يقال له بالدلو أدبر وأقبل )

فلما بلغه الرسول قال عبد العزيز الأبيات فقال ابن الزبير يا ابني مروان قد سمعت ما قلتما فأخبرا أباكما

( إني لمن نبعة صم مكاسرها % إذا تناوحت البكاء والعشر )

( فلا ألين لغير الحق أسأله % حتى يلين لضرس الماضغ الحجر )

وامتنع ابن الزبير من رسل يزيد فقال الوليد بن عتبة وناس من بني أمية ليزيد لو شاء عمرو لأخذ ابن الزبير وسرحه إليك فعزل عمرا وولي وليد الحجاز وأخذ الوليد غلمان عمرو ومواليه فحبسهم فكلمه عمرو فأبي أن يخليهم فسار عن المدينة ليلتين وأرسل إلي غلمانه بعدتهم من الأبل فكسروا الحبس وساروا إليه فلحقوه عند وصوله إلي الشام فدخل علي يزيد وأعلمه ما كان فيه من مكابدة ابن الزبير فعذره وعلم صدقه

ذكر عدة حوادث ص 447

حج بالناس الوليد هذه السنة وكان الأمير بالعراق عبيد الله بن زياد وعلي خراسان سلم بن زياد وعلي قضاء الكوفة شريح وعلي قضاء البصرة هشام بن هبيرة وفي هذه السنة مات علقمة بن قيس النخعي صاحب ابن مسعود وقيل سنة اثنتين وقيل خمس وله تسعون سنة وفيها توفي المنذر بن الجارود العبدي وجابر بن عتيك الأنصاري وقيل حر وكان عمره إحدى وتسعين سنة وشهد بدرا وفيها مات حمزة بن عمرو الأسلمي وعمره إحدى وسبعون سنة وقيل ثمانون سنة له صحبة وفيها توفي خالد بن عرفطة الليثي وقيل العذري حليف بني زهرة وقيل مات سنة ستين وله صحبة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.