الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
31

ثم دخلت سنة ستين

الجزء الثالث 12 عنصر صفحة 367
ص 367

في هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة رودس وهدمه مدينتها في قول بعضهم وفيها توفي معاوية بن أبي سفيان وكان قد أخذ علي وفد أهل البصرة البيعة ليزيد

ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان ص 367

خطب معاوية قبل مرضه وقال إني كزارع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه كما إن من قبلي كان خيرا مني وقد قيل من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه اللهم إني قد أحببت لقاءك فاحبب لقائي وبارك لي فيه فلم يمض غير قليل حتى ابتدأ به مرضه

فلما طال المرض الذي مات فيه دعا ابنه يزيد فقال يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك وأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب وأنظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك فان رابك من عدوك شيء فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلي بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم

وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر فأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة فإذا لم يبق أحد غيره بايعك وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد وأما ابن أبي بكر فإن رأي أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله ليس له همة إلا في النساء واللهو وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطعه إربا إربا واحقن دماء قومك ما استطعت هكذا في هذه الرواية ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وليس بصحيح فإن عبد الرحمن بن أبي بكر كان قد مات قبل معاوية

وقيل إن يزيد كان غائبا في مرض أبيه وموته وإن معاوية أحضر الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المري فأمرهما أن يؤديا عنه هذه الرسالة إلي يزيد ابنه وهو الصحيح

ثم مات بدمشق لهلال رجب وقيل للنصف منه وقيل لثمان بقين منه وكان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوما مذ اجتمع له الأمر وبايع له الحسن بن علي وقيل كان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وقيل وثلاثة أشهر إلا أياما وكان عمره خمسا وسبعين سنة وقيل ثلاثا وسبعين سنة وقيل توفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة وقيل خمس وثمانين وقيل لما اشتدت علته وأرجف به قال لأهله احشوا عيني أثمدا وادهنوا رأسي ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له فجلس وأذن للناس فسلموا قياما ولم يجلس أحد فلما خرجوا عنه قالوا هو أصح الناس فقال معاوية عند خروجهم من عنده

( وتجلدي للشامتين أريهم % أني لريب الدهر لا أتضعضع )

( وإذا المنية أنشبت أظفارها % ألفيت كل تميمة لا تنفع )

وكان به التفاتات فمات من يومه فلما حضرته الوفاة قال إن رسول الله كساني قميصا فحفظته وقلم أظفاره يوما فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة فإذا مت فألبسوني ذلك القميص واسحقوا تلك القلامة وذروها في عيني وفمي فعسي الله أن يرحمني ببركتها ثم تمثل بشعر الأشهب بن زميلة النهشلي

( إذا مت مات الجود وانقطع الندى % من الناس إلا من قليل مصرد )

( وردت أكف السائلين وأمسكوا % من الدين والدنيا بخلف مجدد )

فقالت إحدى بناته كلا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك فقال متمثلا بشعر الهذلي وإذا المنية البيت وقال لأهله اتقوا الله فإنه لا واقي لمن لا يتقي الله ثم قضي وأوصي أن يرد نصف ماله إلي بيت المال كأنه أراد أن يطيب له الباقي لأن عمر قاسم أعماله وأنشد لما حضرته الوفاة

( إن تناقش يكن نقاشك يا رب % عذابا لا طوق لي بالعذاب )

( أو تجاوز فأنت رب صفوح % عن مسيء ذنوبه كالتراب )

ولما اشتد مرضه أخذت ابنته رملة رأسه في حجرها وجعلت تقلبه فقال إنك لتقلبين حوله قلبا جمع المال من شب إلي دب فليته لا يدخل النار ثم تمثل

( لقد سعيت لكم من سعي ذى نصب % وقد كفيتكم التطواف والرحلا )

وبلغه أن قومه يفرحون بموته فأنشد

( فهل من خالد إن ما هلكنا % وهل بالموت يا للناس عار )

وكان في مرضه ربما اختلط في بعض الأوقات فقال مرة كم بيننا وبين الغوطة فصاحت بنته واحزناه فأفاق فقال إن تنفري فقد رأيت منفرا

فلما مات خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية علي يديه تلوح فحمد الله وأثني عليه ثم قال إن معاوية كان عود العرب وحد العرب وجد العرب قطع الله به الفتنة وملكه علي العباد وفتح به البلاد ألا أنه قد مات وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو الهرج إلي يوم القيامو فمن كان يريد أن يشهده فعند الأولي

وصلي عليه الضحاك وقيل لما اشتد مرضه أي مرض معاوية كان ولده يزيد بخوارين فكتبوا إليه يحثونه علي المجيء ليدركه فقال يزيد شعرا

( جاء البريد بقرطاس يخب به % فأوجس القلب من قرطاسه فزعا )

( قلنا لك الويل ماذا في كتابكم % قال الخليفة أمسي مثبتا وجعا )

( ثم انبعثنا إلي خوص مزممة % نرمي الفجاج بها لا نأتلي سرعا )

( فمادت الأرض أو كادت تميد بنا % كأن أعبر من أركانها أنقطعا )

( من لم تزل نفسه توفي علي شرف % توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا )

( لما انتهينا وباب الدار منصفق % وصوت رملة ريع القلب فانصدعا )

( ثم ارعوى القلب شيئا بعد طيرته % والنفس تعلم أن قد اثبتت جزعا )

( أودي ابن هند وأودي المجد يتبعه % كانا جميعا فماتا قاطنين معا )

( أغر أبلج يستسقي الغمام به % لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا )

فأقبل يزيد وقد دفن فأتي قبره فصلي عليه

ذكر نسبه وكنيته وأزواجه وأولاده ص 371

أما نسبه فهو معاوية بن أبي سفيان واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب وكنيته أبو عبد الرحمن

وأما نساؤه وولده فمنهن ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد ابنه وقيل ولدت بنتا اسمها أمة رب المشارق فماتت صغيرة ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف بن عبد مناف فولدت له عبد الرحمن وعبد الله ابني معاوية وكان عبد الله أحمق اجتاز يوما بطحان وبغله يطحن وفي عنقه جلاجل فسأل عن الجلاجل فقال جعلتها في عنقه لأعلم أن قد نام فلم تدر الرحا فقال أرأيت إن قام وحرك رأسه كيف تعلم فقال الطحان إن بغلي ليس له عقل مثل عقل الأمير وأما عبد الرحمن فمات صغيرا ومنهن نائلة ابنة عمارة الكلابية تزوجها وقال لميسون انظري إليها فنظرت إليها وقالت رأيتها جميلة كاملة ولكني رأيت تحت سرتها خالا ليوضعن رأس زوجها في حجرها فطلقها معاوية وتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري ثم خلف عليها بعده النعمان بن بشير وقتل فوضع رأسه في حجرها ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة غزا قبرص وهي معه فماتت هناك

ذكر بعض سيرته وأخباره وقضاته وكتابه ص 371

لما بويع معاوية بالخلافة استعمل علي شرطته قيس بن حمزة الهمداني ثم عزله واستعمل زمل بن عمرو العذري وقيل السكسكي وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون الرومي وعلي حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل أبو المخارق مالك مولي حمير وكان أول من اتخذ الحرس وكان علي حجابه سعد مولاه وعلي القضاء فضالة بن عبيد الأنصاري فمات فاستقضى أبا إدريس الخولاني وكان علي ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميري وكان أول من اتخذ ديوان الخاتم وكان سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير في معونته وقضاء دينه بمائة ألف درهم وكتب له بذلك إلي زياد ففتح عمرو الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية وطلبها من عمرو فقضاها عنه أخوه عبد الله بن الزبير فأحدث عند ذلك معاوية ديوان الخاتم وحزم الكتب ولم تكن تحزم

قال عمر بن الخطاب تذكرون كسري وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية قيل وقدم عمرو بن العاص من مصر علي معاوية ومعه أهل مصر فقال لهم عمرو لا تسلموا علي معاوية بالخلافة فإنه أهيب لكم في قلبه وصغروه ما استطعتم فلما قدموا قال معاوية لحجابه كأني بابن النابغة وقد صغر عند القوم فانظروا إذا دخل القوم فتعتعوهم أشد ما يحضركم فكان أول من دخل عليه رجل منهم يقال له ابن الخياط فقال السلام عليك يا رسول الله وتتابع القوم علي ذلك فلما خرجوا قال لهم عمرو لعنكم الله نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة فسلمتم عليه النبوة قيل ودخل عبيد الله بن أبي بكرة علي معاوية ومعه ولد له فأكثر من الأكل فلحظه معاوية وفطن عبيد الله وأراد أن يغمز ابنه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من الأكل ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه فقال معاوية ما فعل ابنك التلقامة قال اشتكي قال قد علمت أن أكله سيورثه داء قال جويرية بن أسماء قدم أبو موسى الأشعري علي معاوية في برنس أسود فقال السلام عليك يا أمين الله قال وعليك السلام فلما خرج قال معاوية قدم الشيخ لأوليه والله لا أوليه وقال عمرو بن العاص لمعاوية ألست أنصح الناس لك قال بذلت نلت ما نلت وقال جويرية بن أسماء كان بسر بن أرطأة عند معاوية فنال من علي وزيد بن عمر بن الخطاب حاضر وأمه أم كلثوم بنت علي فعلاه بالعصا وشجه فقال معاوية لزيد عمدت إلي شيخ من قريش وسيد أهل الشام فضربته وأقبل علي بسر فقال تشتم عليا وهو جده وهو ابن الفاروق علي رؤوس الناس أتري أن يصبر علي ذلك

فأرضاهما جميعا وقال معاوية إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوي وجهل أكبر من حلمي وعورة لا أواريها بستري وإساءة أكثر من إحساني وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم يا بن أخي إنك قد لهجت بالشعر فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة والهجاء فتعر كريما وتستثير لئيما والمدح فإنه طعمة الوقاح ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال ما تزين به نفسك وتؤدب به غيرك

قال عبد الله بن صالح قيل لمعاوية أي الناس أحب إليك قال أشدهم لي تحبيبا إلي الناس وقال معاوية العقل والحلم والعلم أفضل ما أعطي العباد فإذا ذكر ذكر وإذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر وإذا غضب كظم وإذا قدر غفر وإذا أساء استغفر وإذا وعد أنجز قال عبد الله بن عمير أغلظ لمعاوية رجل فأكثر فقيل له اتحلم عن هذا فقال إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا وقال محمد بن عامر لام معاوية عبد الله بن جعفر علي الغناء فدخل عبد الله علي معاوية ومعه بديح ومعاوية قد وضع رجلا علي رجل فقال عبد الله لبديح إيه يا بديح فتغني فحرك معاوية رجله فقال عبد الله مه يا أمير المؤمنين فقال معاوية إن الكريم طروب قال ابن عباس ما رأيت أخلق للملك من معاوية إن كان ليرد الناس منه علي أرجاء واد رحب ولم يكن كالضيق الحصحص الحسر يعني ابن الزبير وكان مغضبا وقال صفوان بن عمرو مر عبد الملك بقبر معاوية فوقف عليه فترحم فقال رجب قبر من هذا فقال قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم ويسكت عن حلم إذا أعطي أغني وإذا حارب أفني ثم عجل له الدهر ما أخره لغيره ممن بعده هذا قبر أبي عبد الرحمن معاوية

ومعاوية أول خليفة بايع لولده في الإسلام وأول من وضع البريد وأول من سمي الغالية التي تتخذ من الطبيب غالية وأول من عمل المقصورة في المساجد وأول من خطب جالسا في قول بعضهم

| يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان

ذكر بيعة يزيد ص 376

قيل وفي رجب من هذه السنة بويع يزيد بالخلافة بعد موت أبيه علي ما سبق من الخلاف فيه فلما تولي كان علي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعلي مكة عمرو بن سعيد بن العاص وعلي البصرة عبيد الله بن زياد وعلي الكوفة النعمان بن بشير ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا علي معاوية بيعته فكتب إلي الوليد يخبره بموت معاوية وكتابا آخر صغيرا فيه أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذا ليس فيه رخصة حتى يبايعوا و السلام

فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه وبعث إلي مروان بن الحكم فدعاه وكان مروان عاملا علي المدينة من قبل الوليد فلما قدمها الوليد كان مروان يختلف إليه متكارها فلما رأي الوليد ذلك منه شتمه عند جلسائه فبلغ ذلك مروان فانقطع عنه ولم يزل مصارما له حتى جاء نعي معاوية

فلما عظم علي الوليد هلاكه وما أمر به من بيعة هؤلاء النفر استدعي مروان فلما قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه واستشاره الوليد كيف يصنع قال أري أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وأن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية فإنهم إن علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلي نفسه أما ابن عمر فلا يري القتال ولا يحب أن يلي علي الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأم عفوا

فأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام حدث إلي الحسين وابن الزبير يدعوهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال أجيبا الأمير فقالا انصرف الآن نأتيه وقال ابن الزبير للحسين ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها فقال الحسين أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر فقال وأنا ما أظن غيره فما تريد أن تصنع قال الحسين أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه و اجلسهم علي الباب وأدخل عليه قال فإني أخافه عليك إذا دخلت قال لا آتيه إلا وأنا قادر علي الامتناع فقام فجمع إليه أصحابه وأهل بيته ثم أقبل علي باب الوليد وقال لأصحابه إني داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم ثم دخل فسلم ومروان عنده فقال الحسين الصلة خير من القطيعة والصلح خير من الفساد وقد آن لكما أن تجتمعا أصلح الله ذات بينكما وجلس فأقرأه الوليد الكتاب ونعي له معاوية ودعاه إلي البيعة فاسترجع الحسين وترحم علي معاوية وقال أما البيعة فإن مثلي لا يبايع سرا ولا يجترئ بها مني سرا فإذا خرجت إلي الناس ودعوتنا معهم كان الأمر واحدا فقال له الوليد وكان يحب العافية انصرف فقال له مروان انصرف فقال له مروان لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه علي مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه فوثب عند ذلك الحسين وقال ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو كذبت والله ولؤمت ثم خرج حتى أتي منزله فقال مروان للوليد عصيتني لا والله لا يمكنك من نفسه بمثله أبدا فقال الوليد ويح غيرك يا مروان والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينا إن قال لا أبايع والله إني لأظن أن امرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة قال مروان قد أصبت يقول له هذا وهو غير حامد له علي رأيه

وأما ابن الزبير فقال الآن آتيكم ثم أتي داره فكمن فيها ثم بعث إليه الوليد فوجده قد جمع أصحابه واحترز وهو يقول أمهلوني فبعث إليه الوليد مواليه فشتموه وقالوا له يا بن الكاهلية لتأتين الأمير أو ليقتلنك فقال لهم والله لقد استربت لكثرة الإرسال فلا تعجلوني حتى أبعث إلي الأمير من يأتيني برأيه فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال رحمك الله كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته بكثرة رسلك وهو يأتيك غدا إنشاء الله فمر رسلك فلينصرفوا عنه فبعث إليهم فانصرفوا

وخرج ابن الزبير من ليلته فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث وساروا نحو مكة فسرح الرجال في طلبه فلم يدركوه فرجعوا وتشاغلوا به عن الحسين ليلتهم ثم أرسل الرجال إلي الحسين فقال لهم أصبحوا ثم ترون ونري وكانوا يبقون عليه فكفوا عنه فسار من ليلته وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة وأخذ معه بنيه واخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزعم علي ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت وأبعث رسلك إلي الناس وادعهم إلي نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله علي ذلك وأن اجمع الناس علي غيرك لم ينقض الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك إني أخاف أن تأتي مصرا أو جماعة من الناس فيختلفوا عليك فمنهم طائفة معك وأخري عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا قال الحسين فأين أذهب يا أخي قال انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فبسبيل ذلك وأن نأت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلي بلد حتى تنظر إلي ما يصير أمر الناس ويفرق لك الرأي فأنت أصوب ما يكون رأيا وأحزمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا ولا تكون الأمور عليك أبدا أشكل منها حين تستدبرها قال يا أخي قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديدا وموفقا إن شاء الله ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن مفرغ

( لا ذعرت السوام في شفق الصب % ح مغيرا ولا دعيت يزيدا )

( يوم أعطي من المهانة ضيما % والمنايا يرصدني أن أحيدا )

ولما سار الحسين نحو مكة قرأ فخرج منها خائفا يترقب الآية فلما دخل مكة قرأ ولما توجه تلقاء مدين الآية ثم إن الوليد أرسل إلي ابن عمر ليبايع فقال إذا بايع الناس بايعت فتركوه وكانوا لا يتخوفونه وقيل إن ابن عمر كان هو وابن عباس بمكة فعادا إلي المدينة فلقيهما الحسين وابن الزبير فسألاهما ما وراءكما فقالا موت معاوية وبيعة يزيد فقال ابن عمر لا تفرقا جماعة المسلمين وقدم هو وابن عباس المدينة فلما بايع الناس بايعا قال ودخل ابن الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد فلما دخلها قال أنا عائذ بالبيت ولم يكن يصلي بصلاتهم ولا يفيض بإفاضتهم وكان يقف هو وأصحابه ناحية

ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمرو بن سعيد ص 379

في هذه السنة عزل الوليد بن عتبة عن المدينة عزله يزيد واستعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق فقدمها في رمضان فدخل عليه أهل المدينة وكان عظيم الكبر واستعمل علي شرطته عمرو بن الزبير لما كان بينه وبين أخيه عبد الله من البغضاء فأرسل إلي نفر من أهل المدينة فضربهم ضربا شديدا لهواهم في أخيه عبد الله منهم أخوه المنذر بن الزبير وابنه محمد بن المنذر وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم فضربهم الأربعين إلي الخمسين إلي الستين فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلي أخيه فقال لا توجه إليه رجلا أنكأ له منه فجهز معه الناس وفيهم أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة فجاء مروان بن الحكم إلي عمرو بن سعيد فقال له لا تغز مكة واتق الله ولا تحل حرمة البيت وخلوا ابن الزبير فقد كبر وله ستون سنة وهو لجوج فقال عمرو بن الزبير والله لنغزونه في جوف الكعبة علي رغم أنف من رغم وأتي أبو شريح الخزاعي إلي عمرو فقال له لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله يقول إنما أذن لي بالقتال فيها ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالأمس فقال له عمرو نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ فسار أنيس في مقدمته

وقيل إن يزيد كتب إلي عمرو بن سعيد ليرسل عمرو بن الزبير إلي أخيه عبد الله ففعل فأرسله ومعه جيش نحو ألفي رجل فنزل أنيس بذي طوي ونزل عمرو بالأبطح فأرسل عمرو إلي أخيه بريميم يزيد وكان حلف أن لا يقبل بيعته إلا أن يؤتي بيعته إلا أن يؤتي به في جامعة وتعال حتى أجعل في عنقك جامعة من فضة لا تري ولا يضرب الناس بعضهم بعضا فإنك في بلد حرام فأرسل عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكة ممن اجتمع إليه فهزمه ابن صفوان بذي طوي وأجهز علي جريحهم وقتل أنيس بن عمرو وسار مصعب بن عبد الرحمن إلي عمرو بن الزبير فتفرق عن عمرو وأصحابه فدخل دار ابن علقمة فاتاه أخوه عبيدة فأجاره ثم أتي عبد الله فقال له إني قد أجرت عمرا فقال أتجير من حقوق الناس هذا ما لا يصلح وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحيل لحرمات الله ثم أقاد عمرا من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا ومات تحت السياط الجامعة الغل بضم الغين المعجمة ما يوضع باليد أو العنق

ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين بن علي ليسير إليهم وقتل مسلم بن ص 380

لما خرج الحسين من المدينة إلي مكة لقيه عبد الله بن مطيع فقال له جعلت فداءك أين تريد قال أما الآن فمكة وأما بعد فإني أستخير الله قال خار الله لك وجعلنا فداءك فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤومة بها قتل أبوك وخذل أخوك وأعتل بطعنة كادت تأتي علي نفسه الزم الحرم فإنك سيد العرب لا تعدل بك أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك

فأقبل حتى نزل مكة وأهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف ويأتي الحسين فيمن يأتيه ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله علي ابن الزبير لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين باقيا بالبلد

| خروج الحسين رضي الله عنه ومعركة كربلاء

دعوة أهل الكوفة الحسين لمبايعته ص 384

ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير عن البيعة أرجفوا بيزيد واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا مسير الحسين إلي مكة وكتبوا إليه عن نفر منهم سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وغيرهم

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليك فإننا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى علي هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضا منها ثم قتل خيارها واستبقي شرارها وإنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك علي الحق

والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالي والسلام عليك ورحمة الله وبركاته

وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وأل ثم كتبوا إليه كتابا آخر وسيروه بعد ليلتين فكتب الناس معه نحوا من مائة وخمسين صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثونه علي المسير إليهم

ثم كتب إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي بذلك

فكتب إليهم الحسين عند اجتماع الكتب عنده أما بعد فقد فهمت كل الذي أقتصصتم وقد بعثت إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إلي بحاكم وأمركم ورأيكم فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملئكم فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والسلام

واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية بنت سعد وكانت تتشيع وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه

فعزم يزيد بن نبيط علي الخروج إلي الحسين وهو من عبد القيس وكان له بنون عشرة فقال أيكم يخرج معي فخرج معه ابنان له عبد الله وعبيد الله فساروا فقدموا عليه بمكة ثم ساروا معه فقتلوا معه ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره نحو الكوفة وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأي الناس مجتمعين له عجل إليه بذلك

فأقبل مسلم إلي المدينة فصلي في مسجد رسول الله وودع أهله واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به فضلا الطريق وعطشوا فمات الدليلان من العطش وقالا لمسلم هذا الطريق إلي الماء فكتب مسلم إلي الحسين إني أقبلت إلي المدينة واستأجرت دليلين فضلا الطريق واشتد عليهما العطش فماتا وأقبلنا حتى انتهينا إلي الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعي المضيق من بطن الخبيت وقد تطيرت من وجهي هذا فإن رأيت أعفيتني وبعثت غيري

فكتب إليه الحسين فقد خشيت أن لا يكون حملك علي الكتاب إلي إلا الجبن فامض لوجهك والسلام

فسار مسلم حتى أتي الكوفة ونزل في دار المختار وقيل غيرها وأقبلت الشيعة تختلف إليه فكلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون ويعدونه من أنفسهم القتال والنصرة واختلفت إليه الشيعة حتى علم بمكانه وبلغ ذلك النعمان بن بشير وهو أمير الكوفة فصعد المنبر فقال أما بعد فلا تسارعوا إلي الفتنة والفرقة فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال وكان حليما ناسكا يحب العافية

ثم قال إني لا أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب علي من لا يثب علي ولا أنبه نائمكم ولا أتحرش بكم ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله إلا غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي ولم يكن لي منكم ناصر ولا معين أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال أنه لا يصلح ما تري إلا الغشم إن هذا الذي أنت عليه رأي المستضعفين فقال لأن أكون من المستضعفين في طاعة أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله ونزل

فكتب عبد الله بن مسلم إلي يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة ومبايعة الناس له ويقول له إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعف وكان هو أول من كتب إليه س

ثم كتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة وعمرو بن سعد بن أبي وقاص بنحو ذلك فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولي معاوية فأقرأه الكتب واستشاره فيمن يوليه الكوفة وكان يزيد عاتبا علي عبيد الله بن زياد فقال له سرجون أرأيت لو نشر لك معاوية كنت تأخذ برأيه قال نعم

فأخرج عهد عبيد الله علي الكوفة فقال هذا رأي معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب

فأخذ برأيه وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله وكتب إليه بعهده وسيره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة فأمره مسلم بن عقيل وبقتله أو نفيه فلما وصل كتابه إلي عبيد الله أمر بالتجهز ليبرز من الغد

وكان الحسين قد كتب إلي أهل البصرة نسخة واحدة إلي الأشراف فكتب إلي مالك بن مسمع البكري والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم وعمر بن عبيد الله بن معمر يدعوهم إلي كتاب الله وسنة رسوله وأن السنة قد ماتت والبدعة قد أحييت فكلهم كتموا كتابه إلا المنذر بن الجارود فإنه خاف أن يكون دسيسا من ابن زياد فأتاه بالرسول والكتاب فضرب عنق الرسول وخطب الناس وقال أما بعد فوالله ما بي تقرن الصعبة وما يقعقع لي بالشنان وإني لنكل لمن عاداني وسلم لمن حاربني وأنصف القارة من راماها يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة وأنا غاد إليها بالغداة وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد فإياكم الخلاف والإرجاف فوالله لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه ولآخذن الأدني بالأقصي حتى تستقيموا ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق وإني انا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى فلم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم

ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته وكان شريك شيعيا وقيل كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه فكان أول من سقط في الناس شريك ورجوا أن يقف عليهم ويسبقه الحسين إلي الكوفة فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده فجعل يمر بالمجالس فلا يشكون أنه الحسين فيقولون مرحبا بك يا بن رسول الله وهو لا يكلمهم وخرج إليه الناس من دورهم فساءه ما رأي منهم وسمع النعمان فأغلق عليه الباب وهن لا يشك أنه الحسين وانتهى إليه عبيد الله ومعه الخلق يصيحون فقال له النعمان أنشدك الله ألا تنحيت عنى فوالله ما أنا بمسلم إليك أمانتي ومالي في قتالك من حاجة فدنا منه عبد الله وقال له افتح لا فتحت فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى الناس وقال لهم إنه ابن مرجانه ففتح له النعمان فدخل وأغلقوا الباب وتفرق الناس وأصبح فجلس على المنبر وقيل بل خطبهم من يومه فقال أما بعد فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم و بالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم وأنا متبع فيكم أمره منفذ فيكم عهده فأنا لمحسنكم كالوالد البر ولمطيعكم كالأخ الشقيق وسيفى وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي فليبق امرؤ على نفسه ثم نزل

فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا وقال اكتبوا لي الغرباء ومن فيكم من طلبه أمير المؤمنين ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق فمن كتبهم إلى فبريء ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا فيهم مخالف ولا يبغ علينا منهم باغ فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره وألغيت تلك العرافة من العطاء وسير إلى موضع بعمان الزارة ثم نزل

وسمع مسلم بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى دار هانئ بن عروة المرادي فدخل بابه واستدعى هانئا فخرج إليه لما رآه كره مكانه فقال له مسلم أتيتك لتجيرني وتضيفني فقال له هانئ لقد كلفتني شططا ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني غير أنه يأخذني من ذلك ذمام ادخل فآواه فاختلفت الشيعة إليه في دار هانئ ودعا ابن زياد مولى له وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له اطلب مسلم بن عقيل وأصحابه وألفهم وأعطهم هذا المال وأعلمهم أنك منهم واعلم أخبارهم ففعل ذلك .

وأتى مسلم بن عوسجة الأسدي بالمسجد فسمع الناس يقولون هذا يبايع للحسين وهو يصلى فلما فرغ من صلاته قال له يا بعد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله على بحب أهل هذا البيت وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله وقد سمعت نفرا يقولون أنك تعلم أمر هذا البيت وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائي إياه فقال لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب وينصر الله بك أهل بيت نبيه وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر منى قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحن وليكتمن واختلف إليه أياما ليدخله علي مسلم بن عقيل ومرض هانئ بن عروة فأتاه عبيد الله يعوده فقال له عمارة بن عبد السلولي إنما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية وقد أمكنك الله فاقتله فقال هانئ ما أحب أن يقتل في داري

وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور وكان قد نزل علي هانئ وكان كريما علي ابن زياد وعلي غيره من الأمراء وكان شديد التشيع قد شهد صفين مع عمار فأرسل إليه عبيد الله إني رائح إليك العشية فقال لمسلم إن هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه فإن برئت من وجعي سرت إلي البصرة حتى أكفيك أمرها

فلما كان من العشى أتاه عبيد الله فقام مسلم بن عقيل ليدخل فقال له شريك لا يفوتنك إذا جلس فقال هانئ بن عروة لا أحب أن يقتل في داري فجاء عبيد الله فجلس وسأل شريكا عن مرضه فأطال فلما رأي شريك أن مسلما لا يخرج خشي أن يفوته فأخذ يقول

( ما تنظرون بسلمى لا تحيوها )

( اسقونيها وإن كانت بها نفسي ) فقال ذلك مرتين أو ثلاثا

فقال عبيد الله ما شأنه ترونه يخلط فقال له هانئ نعم ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه فانصرف وقيل إن شريكا لما قال اسقونيها وخلط كلامه فطن به مهران فغمز عبيد الله فوثب فقال له شريك أيها الأمير إني أريد أن أوصي إليك فقال أعود إليك فقال له مهران إنه أراد قتلك فقال وكيف مع إكرامي له في بيت هانئ ويد أبي عنده فقال له مهران هو ما قلت لك

فلما قام ابن زياد خرج مسلم بن عقيل فقال له شريك ما منعك من قتله قال خصلتان إما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في منزله وأما الأخرى فحديث حدثه علي عن النبي أن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن بمؤمن فقال له هانئ لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا

ولبث شريك بعد ذلك ثلاثا ثم مات فصلي عليه عبيد الله فلما علم عبيد الله أن شريكا كان حرض مسلما علي قتله قال والله لا أصلي علي جنازة عراقي أبدا ولولا أن قبر زياد فيهم لنشبت شريكا

ثم إن مولي زياد الذي دسه بالمال اختلف إلي مسلم بن عوسجة بعد موت شريك فأدخله علي مسلم بن عقيل فأخذ بيعته وقبض ماله وجعل يختلف إليهم ويعلم أسرارهم وينقلها إلي ابن زياد

مقتل هانئ بن عروة المرادي ص 390

وكان هانئ قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض فدعا عبيد الله محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة وقيل دعا معهما بعمرو بن الحجاج الزبيدي فسألهم عن هانئ وانقطاعه فقالوا إنه مريض فقال بلغني أنه يجلس علي باب داره وقد برأ فالقوه فمروه أن لا يدع ما عليه في ذلك

فأتوه فقالوا له إن الأمير قد سأل عنك وقال لو أعلم أنه شاك لعدته وقد بلغه أنك تجلس علي باب دارك وقد استبطأك والجفاء لا يحتمله السلطان أقسمنا عليك لو ركبت معنا فلبس ثيابه وركب معهم فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر فقال لحسان بن أسماء بن خارجة يا بن أخي إني لهذا الرجل لخائف فما تري فقال ما أتخوف عليك شيئا فلا تجعل علي نفسك سبيلا ولم يعلم أسماء مما كان شيئا وأما محمد بن الأشعث فإنه علم به قال فدخل القوم علي ابن زياد وهانئ معهم فلما رآه ابن زياد قال لشريح القاضي أتتك بحائن رجلاه فلما دنا منه قال عبيد الله

( أريد حياته ويريد قتلي % عذيرك من خليلك من مراد )

وكان ابن زياد مكرما له فقال هانئ وما ذاك فقال يا هانئ ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين جئت بمسلم فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت أن ذلك يخفي علي لك قال ما فعلت قال بلي وطال بينهما النزاع فدعا ابن زياد مولاه ذاك العين فجاء حتى وقف بين يديه فقال أتعرف هذا قال نعم وعلم هانئ عند ذلك أنه كان عينا عليهم فسقط في يده ساعة ثم راجعته نفسه قال اسمع مني وصدقني فوالله لا أكذبك والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالسا علي بابي يسألني النزول علي فاستحييت من رده ولزمني من ذلك ذمام فأدخلته داري وضفته وقد كان من أمره الذي بلغك فإن شئت أعطيتك الآن موثقا تطمئن به ورهينة تكون في يدك حتى انطلق وأخرجه من داري وأعود إليك فقال لا والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به قال لا آتيك بضيفي تقتله أبدا

فلما كثر الكلام قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره فقال خلني وإياه حتى أكلمه لما رأي من لجاجه وأخذ هانئا وخلا به ناحية من ابن زياد بحيث يراهما فقال له يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك وتدخل البلاء علي قومك إن هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضائريه فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلي السلطان قال بلي والله إن علي في ذلك خزيا وعارا لا أدفع ضيفي وأنا صحيح شديد الساعد كثير الأعوان والله لو كنت واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه

فسمع ابن زياد ذلك فقال أدنوه مني فأدنوه منه فقال والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك قال إذن والله تكثر البارقة حول دارك وهو يري أن عشيرته ستمنعه فقال أبالبارقة تخوفني وقيل إن هانئا لما رأي ذلك الرجل الذي كان عينا لعبيد الله علم أنه قد أخبره الخبر فقال أيها الأمير قد كان الذي بلغك ولن أضيع يدك عندي وأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت

فأطرق عبيد الله عند ذلك ومهران قائم علي رأسه وفي يده معكزة فقال واذلاه هذا الحائك يؤمنك في سلطانك فقال خذه

فأخذ مهران ضفيرتي هانئ وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء علي ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه علي لحيته حتى كسر القضيب وضرب هانئ يده إلي قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه فقال له عبيد الله أحروري أحللت بنفسك وحل لنا قتلك ثم أمر به فألقي في بيت و أغلق عليه فقام إليه أسماء بن خارجة فقال أرسله يا غادر أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه و زعمت أنك تقتله فأمر به عبيد الله فلهز و تعتع ثم ترك فجلس فأما ابن الأشعث فقال رضينا بما رأى الأمير لنا كان أو علينا

و بلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاطوا بالقصر و نادى أنا عمرو بن الحجاج هذه فرسان مذحج و وجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة فقال عبيد الله لشريح القاضي وكان حاضرا ادخل علي صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي ففعل شريح فلما دخل عليه قال له هانئ يا للمسلمين أهلكت عشيرتي أين أهل الدين أين أهل النصر أيحذرونني عدوهم وسمع الضجة فقال يا شريح إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين إنه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني

فخرج شريح ومعه عين أرسله ابن زياد قال شريح لولا مكان العين لأبلغتهم قول هانئ فلما خرج شريح إليهم قال قد نظرت إلي صاحبكم وإنه حي لم يقتل فقال عمرو وأصحابه إذ لم يقتل فالحمد لله ثم انصرفوا وأتي الخبر مسلم بن عقيل فنادي في أصحابه يا منصور أمت وكان شعارهم وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفا وحوله في الدور أربعة آلاف فاجتمع إليه ناس كثير فعقد مسلم لعبد الله بن عزيز الكندي علي ربع كندة وقال سر إمامي وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي علي ربع مذحج وأسد وعقد لأبي ثمامة الصائدي علي ربع تميم وهمدان وعقد لعباس بن جعدة الجدلي علي ربع المدينة وأقبل نحو القصر

فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر وأغلق الباب وأحاط مسلم بالقصر وامتلاء المسجد والسوق من الناس وما زالوا يجتمعون حتى المساء وضاق بعبيد الله أمره وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من الأشراف وأهل بيته ومواليه وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين والناس يسبون ابن زياد وأباه فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيسير ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن الضبابي وترك وجوه الناس عنده استئناسا بهم لقلة عدد من معه

وخرج أولئك النفر يخذلون النفر وأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يشرفوا علي الناس من القصر فيمنوا أهل الطاعة ويخوفوا أهل الطاعة ففعلوا فلما سمع الناس مقالة أشرافهم أخذوا يتفرقون حتى أن المرأة تأتي ابنها وأخاها وتقول انصرف الناس يكفونك ويفعل الرجل مثل ذلك فما زالوا يتفرقون حتى بقي ابن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلا فلما رأي ذلك خرج متوجها نحو أبواب كندة فلما خرج إلي الباب لم يبق معه أحد فمضي في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب فانتهي إلي باب امرأة من كندة يقال لها ظوعة أم ولد كانت للأشعث أعتقها فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا وكان بلال قد خرج مع الناس وهي تنتظره فسلم عليها ابن عقيل وطلب الماء فسقته فجلس فقالت له يا عبد الله ألم تشرب قال بلي قالت فاذهب إلي أهلك فسكت فقالت له ثلاثا فلم يبرح فقالت سبحان الله إني لا أحل لك الجلوس علي بابي فقال لها ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة فهل لك إلي أجر ومعروف ولعلي أكافئك به بعد اليوم قالت وما ذاك قال أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم وغروني قالت ادخل فأدخلته بيتا في دارها وعرضت عليه العشاء فلم يتعش وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت فقال لها إن لك لشأنا في ذلك البيت وسألها فلم تخبره فألح عليها فأخبرته واستكتمته وأخذت عليه الإيمان بذلك فسكت

مقتل مسلم بن عقيل ص 393

وأما ابن زياد فلما لم يسمع الأصوات قال لأصحابه انظروا هل ترون منهم أحدا

فنظروا فلم يروا أحدا فنزل إلي المسجد قبيل العتمة وأجلس أصحابه حول المنبر وأمر فنودي برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلي العتمة إلا في المسجد فامتلأ المسجد فصلي بالناس ثم قام فحمد الله ثم قال أما بعد فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتي ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره ومن أتانا به فله ديته

وأمرهم بالطاعة ولزومها وأمر الحصين بن تميم أن يمسك أبواب السكك ثم يفتش الدور وكان علي الشرط وهو من بني تميم ودخل ابن زياد وعقد لعمرو بن حريث وجعله علي الناس فلما أصبح جلس للناس

ولما أصبح بلال ابن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتي عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل فأتي عبد الرحمن أباه وهو عند ابن زياد فأسره بذلك فأخبر به محمد ابن زياد فقال له ابن زياد قم فأتني به الساعة وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين من قيس حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل فلما سمع الأصوات عرف أنه قد أتي فخرج إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ثم عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مرارا وضرب بكير بن حمران الأحمري فم سلم فقطع شفته العليا وسقط ثنيتاه وضربه مسلم علي رأسه وثني بأخرى علي حبل العاتق كادت تطلع علي جوفه فلما رأوا ذلك أشرفوا علي سطح البيت وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه فلما رأي ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة فقال له محمد بن الأشعث لك الأمان فلا تقتل نفسك فأقبل يقاتلهم وهو يقول

( أقسمت لا أقتل إلا حرا % وإن رأيت الموت شيئا نكرا )

( أو يخلط البارد سخنا مرا % رد شعاع الشمس فاستقرا )

( كل امرئ يوما يلاقي شرا % أخاف أن أكذب أو أغرا )

فقال له محمد إنك لا تكذب ولا تخدع إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال فأسند ظهره إلي حائط تلك الدار فأمنه ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد الله السلمي فإنه قال لا ناقة لي في هذا ولا جمل وأتي ببغلة فحمل عليها وانتزعوا سيفه فكأنه أيس من نفسه فدمعت عيناه ثم قال هذا أول الغدر قال محمد أرجو ألا يكون عليك بأس قال وما هو إلا الرجاء أين أمانكم ثم بكي فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي من يطلب مثل الذي تطلب إذ نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك فقال ما أبكي لنفسي ولكني أبكي لأهلي المنقلبين إليكم أبكي للحسين وآل الحسين

ثم قال لمحمد بن الأشعث إني أراك ستعجز عن أماني فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلا يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة فانهم أصحاب أبيك الذين كان يتمني فراقهم بالموت أو القتل فقال له ابن الأشعث والله لأفعلن ثم كتب بما قال مسلم إلي الحسين فلقيه الرسول بزبالة فأخبره فقال كل ما قدر نازل عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا وكان سبب مسيره من مكة كتاب مسلم إليه يخبره أنه بايعه ثمانية عشر ألفا ويستحثه للقدوم

وأما مسلم فإن محمدا قدم به القصر ودخل محمد علي عبيد الله فأخبره الخبر وبأمانه له فقال له عبيد الله ما أنت والأمان ما أرسلناك لتؤمنه إنما أرسلناك لتؤمنه إنما أرسلناك لتأتينا به فسكت محمد ولما جلس مسلم علي باب القصر رأي جرة فيها ماء بارد فقال اسقوني من هذا الماء فقال له مسلم بن عمرو الباهلي أتراها ما أبردها والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم فقال له ابن عقيل من أنت قال أنا من عرف الحق إذ تركته ونصح الأمة والإمام إذ غششته وسمع وأطاع إذ عصيته أنا مسلم بن عمرو فقال له ابن عقيل لأمك الثكل ما أجفاك وأفظك وأقسي قلبك وأغلظك أنت يا ابن باهلة أولي بالحميم والخلود في نار جهنم مني قال فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح فأخذ ليشرب فامتلأ القدح دما ففعل ذلك ثلاثا فقال لو كان من الرزق المقسوم شربته وأدخل علي ابن زياد فلم يسلم عليه بالإمارة فقال له الحرسي ألا تسلم علي الأمير فقل إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن تسليمي عليه فقال له ابن زياد لعمري لتقتلن فقال كذلك قال نعم قال فدعني أوص إلي بعض قومي قال افعل فقال لعمر بن سعد إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر فلم يمكنه من ذكرها فقال له ابن زياد لا تمتنع من حاجة ابن عمك فقام معه فقال إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة أنفقته سبعمائة درهم فاقضها عني وانظر جثتي فاستوهبها فوارها وابعث إلي الحسين من يرده فقال عمر لابن زياد إنه قال كذا وكذا فقال ابن زياد لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت وأما الحسين فإن لم يردنا لم نرده وإن أرادنا لم نكف عنه وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها وقيل إنه قال أما جثته فإنا إذا قتلناه لا نبالي مع صنع بها

ثم قال لمسلم يا بن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتت بينهم وتفرق كلمتهم فقال كلا ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلي حكم الكتاب والسنة فقال وما أنت وذاك يا فاسق ألم يكن يعمل بذلك فيهم إذ أنت تشرب الخمر بالمدينة قال أنا أشرب الخمر والله إن الله يعلم أنك تعلم أنك غير صادق وأني لست كما ذكرت وأن أحق الناس بشرب الخمر مني من بلغ في دماء المسلمين فيقتل النفس التي حرم الله قتلها علي الغضب والعداوة وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا

فقال له ابن زياد قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام قال أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك فشتمه ابن زياد وشتم الحسين وعليا وعقيلا فلم يكلمه مسلم ثم أمر به فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده فقال مسلم لابن الأشعث والله لولا أمانك ما استسلمت قم بسيفك دوني قد أخفرت ذمتك فاصعد مسلم فوق القصر وهو يستغفر ويسبح وأشرف به علي موضع الحدائين فضربت عنقه وكان الذي قتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم ثم أتبع رأسه جسده

فلما نزل بكير قال له زياد ما كان يقول وأنتم تصعدون به قال كان يسبح الله ويستغفر فلما قتلته قلت له ادن مني الحمد لله الذي أمكن منك وأقادني منك فضربته ضربة لم تغن شيئا فقال أما تري في خدش تخدشينه وفاء من دمك أيها العبد فقال ابن زياد وفخرا عند الموت قال ثم ضربته الثانية فقتلته

وقام محمد بن الأشعث فكلم زياد في هانئ وقال له قد عرفت منزلته في المصر وبيته وقد علم قومه أني أنا وصاحبي سقناه إليك فأنشدك الله لما وهبته لي فإني أكره عداوة قومه فوعده أن يفعل فلما كان من مسلم ما كان بدا له فيه وأبي أن يفي له بما قال فأمر بهانئ حين قتل مسلم فأخرج إلي السوق فضربت عنقه قتله مولي تركي لابن زياد قال فبصر به عبد الرحمن بن الحصين المرادي بعد ذلك بخازر مع ابن زياد فقتله فقال عبد الله بن الزبير الأسدي في قتل هانئ ومسلم وقيل قاله الفرزدق

الزبير بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة

( فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري % إلي هانئ في السوق وابن عقيل )

( إلي بطل قد هشم السيف وجهه % وآخر يهوي من طمار قتيل )

وهي أبيات

وبعث ابن زياد برأسيهما إلي يزيد فكتب إليه يزيد يشكره ويقول له وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق فضع المراصد والمسالح واحترس واحبس علي التهمة وخذ علي الظنة غير أن لا تقتل إلا من قاتلك

قيل وكان مخرج ابن عقيل بالكوفة لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين وقيل لتسع مضين منه وقيل وكان فيمن خرج معه المختار بن أبي عبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل فطلبهما ابن زياد وحبسهما وكان فيمن قاتل مسلما محمد بن الأشعث وشبث بن ربعي التميمي والقعقاع بن شور وجعل شبث يقول انتظروا بهم الليل لئلا يتفرقوا فقال له القعقاع إنك قد سددت عليهم وجه مهربهم فافرج لهم يتفرقوا

ذكر مسير الحسين إلي الكوفة ص 398

قيل لما أراد الحسين المسير إلي الكوفة بكتب أهل العراق إليه أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو بمكة فقال له إني أتيتك لحاجة أريد ذكرها نصيحة لك فإن كنت تري أنك مستنصحي قلتها وأديت ما علي من الحق فيها وإن ظننت أنك لا مستنصحي كففت عما أريد فقال له قل فوالله ما استغشك وما أظنك بشيء من الهوى

قال له قد بلغني أنك تريد العراق وإني مشفق عليك إنك تأتي بلدا فيه عماله وأمراؤه ومهم بيوت الأموال وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه فقال له الحسين جزاك الله خيرا يا بن عم فقد علمت أنك مشيت بنصح وتكلمت بعقل ومهما يقض من أمر يكن أخذت برأيك أو تركته فأنت عندي أحمد مشير وأنصح ناصح

قال وأتاه عبد الله بن عباس فقال له قد أرجف الناس أنك سائر إلي العراق فبين لي ما أنت صانع فقال له قد اجمعت السير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالي فقال له ابن عباس فإني أعيذك بالله من ذلك خبرني رحمك الله أتسير إلي قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلي الحرب ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك فقال الحسين فإني استخير الله وأنظر ما يكون

فخرج ابن عباس وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وقد كففنا عنهم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم خبرني ما تريد أن تصنع فقال الحسين لقد حدثت نفسي بإتياني الكوفة ولقد كتبت إلي شيعتي بها وأشراف الناس وأستخير بالله فقال له ابن الزبير أما لو كان لي بها مثل شيعتك لما عدلت عنها ثم خشي أن يتهمه فقال له أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا لما خالفنا عليك وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك فقال له الحسين إن أبي حدثني أن لها كبشا به تستحل حرمتها فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش قال فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع ولا تعصي قال ولا أريد هذا أيضا ثم إنهما أخفيا كلامهما فالتفت الحسين إلي من هناك وقال أتدرون ما يقول قالوا لا ندري جعلنا الله فداءك قال إنه يقول أقم في المسجد أجمع لك الناس ثم قال له الحسين والله لأن أقتل خارجا منها بشير أحب إلي من أن أقتل فيها ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل خارجا منها بشبر أحب إلي من أن أقتل فيها ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل خارجا منها بشبر وأيم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في السبت فقام ابن الزبير فخرج من عنده فقال الحسين إن هذا ليس شيء من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له

قال فلما كان من العشي أو من الغد أتاه ابن عباس فقال يا بن عم إني أتصبر ولا أصبر إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم أقم في هذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم ثم اقدم عليهم فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلي اليمن فإن بها حصونا وشعابا وهي أرض عريضة طويلة ولأبيك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة فتكتب إلي الناس وترسل وتبث دعاتك فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية

فقال له الحسين يا بن عم إني لأعلم أنك ناصح مشفق وقد أزمعت وأجمعت المسير فقال له ابن عباس فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه ثم قال له ابن عباس لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أني إن أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك ثم خرج ابن عباس من عنده فمر بابن الزبير فقال قرت عينك يا بن الزبير ثم أنشد قائلا

( يا لك من قنبرة بمعمر % خلا لك الجو قبيضي واصفري % ونقري ما شئت أن تنقري )

هذا الحسين يخرج إلي العراق ويخليك والحجاز وقيل وكان الحسين يقول والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرام المرأة قال والفرام خرقة تجعلها المرأة في قبلها إذا حاضت

ثم خرج الحسين يوم التروية فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص وهو أمير علي الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيي يمنعونه فأبي عليهم ومضي وتضاربوا بالسياط وامتنع الحسين وأصحابه فمروا بالتنعيم فرأي بها عيرا قد أقبلت من اليمن بعث بها بحير بن ريسان من اليمن إلي يزيد بن معاوية وكان عامله علي اليمن وعلي العير الورس والحلل فأخذها الحسين وقال لأصحاب الإبل من أحب منكم أن يمضي معنا إلي العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء فمن فارق منهم أعطاه حقه ومن سار معه أعطاه كراءه وكساه ثم سار

فلما انتهي إلي الصفاح لقيه الفرزدق الشاعر فقال له أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب فقال له الحسين بين لي خبر الناس خلفك قال الخبير سألت قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء فقال الحسين صدقت لله الأمر يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله علي نعمائه وهو المستعان علي أداء الشكر وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوي سريرته

قال وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد وفيه أما بعد فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفيء نور الأرض فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين فلا تعجل بالسير فإني في أثر كتابي والسلام

قيل وقام عبد الله بن جعفر إلي عمرو بن سعيد بن العاص فقال له اكتب للحسين كتابا تجعل له الأمان فيه وتمنيه فيه البر والصلة واسأله الرجوع وكان عمرو عامل يزيد علي مكة ففعل عمرو ذلك وأرسل الكتاب مع أخيه يحيي بن سعيد ومع عبد الله بن جعفر فلحقاه وقرأ عليه الكتاب وجهدا أن يرجع فلم يفعل وكان مما اعتذر به إليهما أن قال إني رأيت رؤيا رأيت فيها رسول الله وأمرت فيها بأمر أنا ماض له علي كان أولي فقالا ما تلك الرؤيا قال ما حدثت بها أحدا وما أنا محدث بها أحدا حتى ألقي ربي

ولما بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي صاحب شرطته فنزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلي خفان وما بين القادسية إلي القطقطانة وإلي جبل لعلع فلما بلغ الحسين الحاجر كتب إلي أهل الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي يعرفهم قدومه ويأمرهم بالجد في أمرهم فلما انتهي قيس إلي القادسية أخذه الحصين فبعث به إلي ابن زياد فقال له ابن زياد اصعد القصر فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي فصعد قيس فحمد الله وأثني عليه ثم قال إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله أنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحجاز فأجيبوه ثم لعن ابن زياد وأباه واستغفر لعلي فأمر به ابن زياد فرمي من أعلي القصر فتقطع فمات

ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة فانتهي إلي ماء من مياه العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع فلما رآه قام إليه فقال بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله ما أقدمك فاحتمله فأنزله فأخبره الحسين فقال له عبد الله أذكرك الله يا بن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنتهك أنشدك الله في حرمة قريش أنشدك الله في حرمة العرب فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدا أبدا والله أنها لحرمة الإسلام تنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية فأبي إلا أن يمضي

وكان زهير بن القين البجلي قد حج وكان عثمانيا فلما عاد جمعهما الطريق وكان يساير الحسين من مكة إلا أنه لا ينزل معه فاستدعاه يوما الحسين فشق عليه ذلك ثم أجابه علي كره فلما عاد من عنده نقل ثقله إلي ثقل الحسين ثم قال لأصحابه من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد وسأحدثكم حديثا غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا وكان معنا سليمان الفارسي فقال لنا إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم فأما أنا فأستودعكم الله ثم طلق زوجته وقال لها الحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك في سببي إلا خير ولزم الحسين حتى قتل معه

وأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل بالثعلبية فقال له بعض أصحابه ننشدك الله إلا رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف عليك أن يكونوا عليك فوثب بنو عقيل وقالوا والله لا نبرح حتى يدرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم فقال الحسين لا خير في العيش بعد هؤلاء فقال له بعض أصحابه إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع

ثم ارتحلوا فانتهوا إلي زبالة وكان لا يمر بماء إلا أتبعه من عليه حتى انتهي إلي زبالة فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر وكان سرحه إلي مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يعلم بقتله فأخذته خيل الحصين فسيره من القادسية إلي ابن زياد فقال له اصعد فوق القصر والعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أري فيك رأيي فصعد فأعلم الناس بقدوم الحسين ولعن ابن زياد وأباه فألقاه من القصر فتكسرت عظامه وبقي به رمق فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه فلما عيب ذلك عليه قال إنما أردت أن أريحه قال بعضهم لم يكن الذي ذبحه عبد الملك بن عمير ولكنه رجل يشبه عبد الملك

فلما أتي الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة ومسلم بن عقيل أعلم الناس ذلك وقال قد خذلنا شيعتنا فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام فتفرقوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهله فأراد أن يعلموا علي م يقدمون عليه

ثم سار حتى نزل بطن العقبة فلقيه رجل من العرب فقال له أنشدك الله لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا علي الأسنة وحد السيوف إن هؤلاء الذي بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأيا فأما علي هذه الحال التي تذكرها فلا أري لك أن تفعل فقال إنه لا يخفي علي ما ذكرت ولكن الله عز وجل لا يغلب علي أمره ثم ارتحل منها

ذكر عدة حوادث ص 404

وفي هذه السنة حج بالناس عمرو بن سعيد العاص الأشدق وكان العامل علي مكة والمدينة وفيها مات جرهد الأسلمي له صحبة وفي أيام معاوية مات حارثة بن النعمان الأنصاري وهو بدري وفي أيامه أيضا مت دحية بن خليفة الكلبي الذي كان يشبهه جبريل إذا نزل بالوحي وفي أول خلافته مات رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاري وكان بدريا وشهد مع علي الجمل وصفين وفي أيامه مات عمرو بن أمية الضمري بالمدينة وفي أيامه مات عثمان بن حنيف الأنصاري وعثمان بن أبي العاص الثقفي

وفي أيامه مات عتبان بن مالك الأنصاري شهد بدرا وفي أيام معاوية مات سهل بن الحنظلية وهو ابن الربيع الأنصاري بدمشق وفي أيامه بعد سنة سبع وخمسين مات السائب بن أبي وداعة السهمي ومات في أيامه سراقة بن عمرو الأنصاري وهو بدري وفي أيامه مات زياد بن لبيد الأنصاري في أولها وهو بدري وفي أيامه مات معقل بن يسار المزني وإليه ينسب نهر معقل بالبصرة وقيل مات في أيام يزيد معقل بالعين المهملة والقاف ويسار بالياء المثناة والسين المهملة

وفي أيامه مات ناجية بن جندب بن عمير صاحب بدن النبي وفيها مات نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري وهو الذي كان فيه مزاح ودعابة وشهد بدرا وقيل بل الذي مات ابنه وفي آخر أيامه مات عبد الله بن مالك بن بحينة له صحبة وفيها مات عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني بالبصرة مغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الفاء المشددة

وفي أيامه مات هند بن جارية بن هند الأسلمي وفي سنة ستين توفي حكيم بن حزام وله مائة وعشرون سنة ستون في الجاهلية وستون في الإسلام وفيها مات أبو أسيد الساعدي واسمه مالك بن ربيعة وهو بدري وقيل مات سنة خمس وستين وهو آخر من مات من البدريين وقيل مات سنة ثلاثين ولا يصح وفي أول أيام معاوية مات أبو بردة هانئ بن نيار البلوي حليف الأنصار وهو عقبي بدري وشهد مع علي حروبه كلها وفي أيامه مات أبو ثعلبة الخشني له صحبة وقيل مات سنة خمس وسبعين

وفي أيامه مات أبو جهم بن حذيفة العدوي القرشي في آخرها وقيل شهد بنيان الكعبة أيام ابن الزبير وكان قد شهد قريشا حين بنتها وفي أول أيامه مات أبو حثمة الأنصاري والد سهل وفي آخر أيامه مات أبو قيس الجهني شهد الفتح وفي سنة ستين توفي صفوان بن المعطل السلمي بسميساط وقيل إنه قتل شهيدا قبل هذا وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت من النبي حين تزوجها ففارقها وكانت قد أصابها جنون وتوفي بلال بن الحارث المزني أبو عبد الرحمن وفي آخر أيامه مات وائل بن حجر الحضرمي وأبو إدريس الخولاني

هند بن جارية بالجيم والياء المثناة من تحتها وحارثة بن النعمان بالحاء المهملة والثاء المثلثة أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.