ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميري بني زياد وما كان منه
ص 363
كان يزيد بن مفرغ الحميري مع عباد بن زياد بسجستان فاشتغل عنه بحرب الترك فاستبطأه ابن مفرغ وأصاب الجند الذين مع عباد ضيق في علوفات دوابهم فقال ابن مفرغ
( ألا ليت اللحى كانت حشيشا % فنعلفها دواب المسلمينا )
وكان عباد بن زياد عظيم اللحية فقيل ما أراد غيرك فطلب فهرب منه وهجاه بقصائد وكان مما هجاه به قوله
( إذا أودي معاوية بن حرب % فبشر شعب رحلك بانصداع )
( وأشهد أن أمك لم تباشر % أبا سفيان واضعة القناع )
( ولكن كان أمرا فيه لبس % علي وجل شديد وارتياع )
وقال أيضا
( ألا أبلغ معاوية بن حرب % مغلغلة من الرجل اليماني )
( أتغضب أن يقال أبوك عف % وترضي أن يقال أبوك زان )
( فأشهد أن رحمك من زياد % كرحم الفيل من ولد الأتان )
وقدم يزيد بن مفرغ البصرة وعبيد الله بن زياد بالشام عند معاوية فكتب إليه أخوه عباد بما كان منه فأعلم عبيد الله معاوية به وأنشده الشعر واستأذنه في قتل ابن مفرغ فلم يأذن له وأمره بتأديبه ولما قدم ابن مفرغ البصرة استجار بالأحنف وغيره من الرؤساء فلم يجره أحد فاستجار بالمنذر بن الجارود فأجاره وأدخله داره وكانت ابنته عند عبيد الله بن زياد فلما قدم عبيد الله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ وأتي المنذر عبيد الله مسلما فأرسل عبيد الله الشرط إلي دار المنذر فأخذوا ابن مفرغ وأتوه به والمنذر عنده فقال له المنذر أيها الأمير إني قد أجرته فقال يا منذر يمدحك ويهجوني وأبي وتجيره علي ثم أمر به فسقي دواء ثم حمل علي حمار وطيف به وهو يسلح في ثيابه فقال يهجو المنذر
( تركت قريشا أن أجاور فيهم % وجاورت عبد القيس أهل المشقر )
( أناس أجارونا فكان جوارهم % أعاصير من فسو العراق المبذر )
( فأصبح جاري من جذيمة نائما % ولا يمنع الجيران غير المشمر )
وقال لعبيد الله
( يغسل الماء ما صنعت وقولي % راسخ منك في العظام البوالي )
ثم سيره عبيد الله إلي أخيه عباد بسجستان فكلمت اليمانية بالشام معاوية فيه فأرسل إلي عباد فأخذه من عنده فقدم علي معاوية وقال في طريقه
( عدس ما لعباد عليك إمارة % أمنت وهذا تحملين طليق )
( لعمري لقد نجاك من هوة الردي % إمام وحبل للإمام وثيق )
( سأشكر ما أوليت من حسن نعمة % ومثلي بشكر المنعمين حقيق )
فلما دخل علي معاوية بكي وقال ركب مني ما لم يرتكب من مسلم مثله علي غير حدث قال أولست القائل ألا أبلغ معاوية بن حرب القصيدة فقال لا والله الذي عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا وإنما قاله عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان واتخذني ذريعة إلي هجاء زياد قال ألست القائل فأشهد أن أمك لم تباشر أبا سفيان في أشعار كثيرة هجوت بها ابن زياد اذهب فقد عفونا عنك فانزل أي أرض الله شئت
فنزل الموصل وتزوج بها فلما كان ليلة بنائه بامرأته خرج حين أصبح إلي الصيد فلقي إنسانا علي حمار فقال من أين أقبلت فقال من الأهواز قال فما فعل ماء مسرقان قال علي حاله فارتاح إلي البصرة فقدمها ودخل علي عبيد الله فأمنه وغضب معاوية علي عبد الرحمن بن الحكم فكلم فيه فقال لا أرضي عنه حتى يرضي عنه ابن زياد فقدم البصرة علي عبيد الله وقال له
( لأنت زيادة في آل حرب % أحب إلي من إحدى بناني )
( أراك أخا وعما وابن عم % فلا أدري بغيب ما تراني )
فقال أراك شاعر سوء ورضي عنه